الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةُ وَاحِدٍ كَذَا فِي الْخِزَانَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَصْلِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ وَأَحَدُهُمَا فِي شَهَادَةِ فَرْعٍ عَنْ آخَرَ ثُمَّ شَهِدَ هَذَا بَعْدَ نَقْلِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ عَلَى شَهَادَةِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ لِأَدَائِهِ إلَى أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ وَأَنَّهُ خِلَافُ وَضْعِ الشَّهَادَةِ وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ نَفْسِهِ وَآخَرَانِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ يَصِحُّ اهـ.
[صِيغَة الْإِشْهَادُ عَلَى الشَّهَادَة]
(قَوْلُهُ وَالْإِشْهَادُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا) لِأَنَّ الْفَرْعَ كَالنَّائِبِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ وَالتَّوْكِيلِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي لِيَنْقُلَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ إقْرَارَ غَيْرِهِ حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ اشْهَدْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِنَّمَا قَالُوا: الْفَرْعُ كَالنَّائِبِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ نَائِبًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ أَصْلٍ وَفَرْعَيْنِ عَنْ أَصْلٍ آخَرَ وَلَوْ كَانَ الْفَرْعُ نَائِبًا حَقِيقَةً لَمَا جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فَرْعٌ عَمَّنْ تَعَذَّرَ حُضُورُهُ لَا عَنْ الْأَصْلِ الْحَاضِرِ فَلَا يَضُرُّ الْجَمْعُ لَوْ جُعِلَ نَائِبًا حَقِيقَةً إذْ هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعِ أَصْلٍ آخَرَ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَهُ اشْهَدْ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ اشْهَدْ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ سَمِعَهَا مِنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى شَهَادَتِي لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَيَّ بِذَلِكَ لَمْ تَجُزْ لَهُ الشَّهَادَةُ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يُحْتَمَلُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ وَقَيَّدَ بِعَلَيَّ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِشَهَادَتِي لَمْ تَجُزْ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِأَنْ يَشْهَدَ مِثْلَ شَهَادَتِهِ بِالْكَذِبِ وَقَيَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُمَا الْقَاضِي عَلَيْهِ وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا سَمِعَاهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَقْيَسُ وَمَنَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ الْأَحْوَطُ اهـ.
وَأَشَارَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ إلَى أَنَّ سُكُوتَ الْفَرْعِ عِنْدَ تَحْمِيلِهِ يَكْفِي لَكِنْ لَوْ قَالَ: لَا أَقْبَلُ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ شَاهِدًا حَتَّى لَوْ شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ اهـ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَدَاءُ الْفَرْعِ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا وَقَالَ لِي: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَتِهِ وَذَكَرَهُ فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَذَكَرَ التَّحْمِيلَ وَهُوَ الْأَوْسَطُ وَفِيهِ خَمْسُ شِينَاتٍ وَلَهَا لَفْظٌ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا فِيهِ ثَمَانِ شِينَاتٍ وَأَقْصَرُ مِنْهُ أَرْبَعُ شِينَاتٍ بِذِكْرِ أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أَشْهَدَ بِإِسْقَاطِ أَشْهَدَنِي وَأَقْصَرُ مِنْ الْكُلِّ مَا فِيهِ شِينَانِ بِأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَهُوَ أَسْهَلُ وَأَيْسَرُ وَأَقْصَرُ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ كَانَ يُخَالِفُهُ فِيهِ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ فَأَخْرَجَ لَهُمْ الرِّوَايَةَ مِنْ السِّيَرِ فَانْقَادُوا إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فُلَانٌ تَمْثِيلٌ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ شَاهِدِ الْأَصْلِ لِمَا فِي الصُّغْرَى شُهُودُ الْفَرْعِ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرُوا أَسْمَاءَ الْأُصُولِ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ حَتَّى لَوْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَعْرِفُهُمَا أَشْهَدَانَا عَلَى شَهَادَتِهِمَا أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ بِكَذَا وَقَالَا: لَا نُسَمِّيهِمَا أَوْ لَا نَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمَا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُمَا تَحَمَّلَا مُجَازَفَةً لَا عَنْ مَعْرِفَةٍ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا شَهَادَةَ لِلْفَرْعِ إلَّا بِمَوْتِ أَصْلِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ]
(قَوْلُهُ وَلَا شَهَادَةَ لِلْفَرْعِ إلَّا بِمَوْتِ أَصْلِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ) لِأَنَّ جَوَازَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا تَمَسُّ عِنْدَ عَجْزِ الْأَصْلِ وَبِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ بِهِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا السَّفَرَ لِأَنَّ الْعَجْزَ بَعْدَ الْمَسَافَةِ وَمُدَّةُ السَّفَرِ بَعِيدَةٌ حُكْمًا حَتَّى أُدِيرَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ فَكَذَا سَبِيلُ هَذَا الْحُكْمِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ فِي مَكَان لَوْ غَدَا إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبِيتَ فِي أَهْلِهِ صَحَّ الْإِشْهَادُ إحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ قَالُوا: الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْحَاوِي وَالثَّانِي أَرْفَقُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّهُ حَسَنٌ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنَّهُ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي زَاوِيَةِ الْمَسْجِدِ فَشَهِدَ الْفَرْعُ عَلَى شَهَادَتِهِ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَدَلَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السُّلْطَانَ وَالْأَمِيرَ لَا يَجُوزُ إشْهَادُهُمَا فِي الْبَلَدِ وَهِيَ فِي الْقُنْيَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْحَصْرُ فِي الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ أَشْهَدُ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ أَنَّ هَذَا مَحِلُّهُ فِيمَا إذَا سَمِعَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَمَّا لَوْ سَمِعَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَاهِدًا يَشْهَدُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِيمَا إذَا سَمِعَاهُ) أَيْ الشَّاهِدَانِ سَمِعَا الْقَاضِيَ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ سَمِعَا مِنْ الْحَاكِمِ يَقُولُ: حَكَمْت لِهَذَا عَلَى هَذَا بِكَذَا ثُمَّ نُصِبَ حَاكِمٌ آخَرُ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ عَلَيْهِ إنْ سَمِعَاهُ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَلَمُ الْهُدَى وَالْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ كَلَامَ الْعَالِمِ وَالْعَادِلِ مَقْبُولٌ وَكَلَامَ الظَّالِمِ وَالْجَاهِلِ لَا إلَّا الْجَاهِلَ الْعَادِلَ إنْ أَحْسَنَ التَّفْسِيرَ يُقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا وَلَا خَفَاءَ أَنَّ عِلْمَ قُضَاةِ بِلَادِنَا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ فَضْلًا عَنْ الْحُجَّةِ إلَّا فِي كِتَابِ الْقَاضِي لِلضَّرُورَةِ.
فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ بِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا كَانَتْ امْرَأَةً مُخَدَّرَةً يَجُوزُ إشْهَادُهَا عَلَى شَهَادَتِهِمَا وَهِيَ الَّتِي لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ وَلَوْ خَرَجَتْ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ لِلْحَمَّامِ. اهـ.
وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ إذَا كَانَ شَاهِدُ الْأَصْلِ مَحْبُوسًا فِي الْمِصْرِ فَأَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ هَلْ يَجُوزُ لِلْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي هَلْ يَحْكُمُ بِهَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: اخْتَلَفَ فِيهِ مَشَايِخُ زَمَانِنَا قَالَ: بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي سِجْنِ هَذَا الْقَاضِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُ مِنْ سِجْنِهِ حَتَّى يَشْهَدَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى السِّجْنِ وَإِنْ كَانَ فِي سِجْنِ الْوَالِي وَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لِلشَّهَادَةِ يَجُوزُ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي التَّهْذِيبِ جَوَازَهَا بِحَبْسِ الْأَصْلِ وَقَيَّدَ شَهَادَةَ الْفَرْعِ أَيْ عِنْدَ الْقَاضِي لِأَنَّ وَقْتَ التَّحَمُّلِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَكُونَ بِالْأُصُولِ عُذْرٌ لِمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَالْإِشْهَادُ عَلَى شَهَادَةِ نَفْسِهِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأُصُولِ عُذْرٌ حَتَّى لَوْ حَلَّ بِهِمْ الْعُذْرُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَوْتٍ يَشْهَدُ الْفُرُوعُ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي مَرَضِهِ وَقَيَّدَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ لَا يَسْتَطِيعَ الْحُضُورَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ الْمَرَضُ الَّذِي لَا يُتَعَذَّرُ مَعَهُ الْحُضُورُ لَا يَكُونُ عُذْرًا. اهـ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْ سَفَرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ سَفَرِ الْأَصْلِ بِأَنْ يُجَاوِزَ بُيُوتَ مِصْرِهِ قَاصِدًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا وَإِنْ لَمْ يُسَافِرْ ثَلَاثًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَيْبَةِ الْأَصْلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ فَإِنْ عَدَّلَهُمْ الْفُرُوعُ صَحَّ) أَيْ قَبْلَ تَعْدِيلِهِمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ وَفِي الصُّغْرَى وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْفَرْعَ نَائِبٌ نَاقِلٌ عِبَارَةَ الْأَصْلِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَبِالنَّقْلِ يَنْتَهِي حُكْمُ النِّيَابَةِ فَيَصِيرُ أَجْنَبِيًّا فَيَصِحُّ تَعْدِيلُهُ. اهـ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفُرُوعَ مَعْرُوفُونَ بِالْعَدَالَةِ عِنْدَ الْقَاضِي فَعَدَّلُوا الْأُصُولَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْدِيلِهِمْ وَتَعْدِيلِ أُصُولِهِمْ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ عَدَّلَ صَاحِبَهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْعَدَالَةِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَنَقَلَ فِيهِ قَوْلَيْنِ فِي النِّهَايَةِ.
وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ عَرَفَ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ بِالْعَدَالَةِ قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ عَرَفَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ سَأَلَ عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَإِذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِ الْأَصْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا عُدِّلُوا) أَيْ إنْ لَمْ يُعَدِّلْهُمْ الْفُرُوعُ وَلَمْ يَعْرِفْهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ سَأَلَ عَنْهُمْ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ إلَّا بِالْعَدَالَةِ فَإِذَا لَمْ يَعْرِفُوهَا لَمْ يَنْقُلُوا الشَّهَادَةَ فَلَا تُقْبَلُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ النَّقْلُ دُونَ التَّعْدِيلِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَإِذَا نَقَلُوا يَتَعَرَّفُ الْقَاضِي الْعَدَالَةَ كَمَا إذَا حَضَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَشَهِدُوا كَذَلِكَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْفَرْعِ التَّحَمُّلُ وَالْأَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَةَ الْأَصْلِ وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ الْفَرْعُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْأَصْلَ بِعَدَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَهُوَ مُسِيئٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَتِهِ بِتَرْكِهِ الِاحْتِيَاطَ. اهـ.
وَقَالُوا الْإِسَاءَةُ أَفْحَشُ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا صَادِقٌ بِصُوَرٍ الْأُولَى أَنْ يَسْكُتُوا وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ الْفُرُوعُ لِلْقَاضِي بَعْدَ السُّؤَالِ لَا نُخْبِرُك فَجَعَلَهُ فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ فَقَوْلُهُمَا لَا نُخْبِرُك بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمَا لَا نَعْرِفُ الْأَصْلَ أَعَدْلٌ أَمْ لَا وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا وَيَسْأَلُ عَنْ الْأَصْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقِيَ مَسْتُورًا وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ قَوْلَهُمَا لَا نُخْبِرُك جَرْحٌ لِلْأُصُولِ وَاسْتَشْهَدَ الْخَصَّافُ فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَقَالَا لِلْقَاضِي: إنَّا نَتَّهِمُهُ فِي الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا عَلَى شَهَادَتِهِ فَكَذَا إذَا قَالَ: لَا نُخْبِرُك وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَرْحًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفًا فَلَا يَثْبُتُ الْجَرْحُ بِالشَّكِّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْ سَفَرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ سَفَرِ الْأَصْلِ إلَخْ) فِي كَوْنِهِ ظَاهِرَ كَلَامِهِ ذَلِكَ نَظَرٌ حَيْثُ كَانَتْ الْعِلَّةُ الْعَجْزَ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ الَّذِي لَا يُتَعَذَّرُ مَعَهُ الْحُضُورُ عُذْرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُتَبَادَرُ غَيْبَةُ مُدَّةِ السَّفَرِ وَلِذَا أَتَى فِي الْهِدَايَةِ بِرَدِيفِهِ فَقَالَ أَوْ يَغِيبُوا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فَصَاعِدًا (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ) فِيهِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَكَذَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ فَعَدَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا أَيْ مِنْ أَنَّهُ أَهْلُ التَّزْكِيَةِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً مِنْ حَيْثُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ وَلَكِنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ كَمَا لَا يُتَّهَمُ فِي شَهَادَةِ نَفْسِهِ كَيْفَ وَإِنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَةُ صَاحِبِهِ فَلَا تُهْمَةَ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ غَايَةُ الْأَمْرِ أَيْ غَايَةُ مَا يَرِدُ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِسَبَبِ أَنَّ فِي تَعْدِيلِهِ مَنْفَعَةً لَهُ مِنْ حَيْثُ تَنْفِيذُ الْقَاضِي قَوْلَهُ عَلَى مُوجِبِ مَا يَشْهَدُ بِهِ قُلْنَا: الْعَدْلُ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْت مِنْ الشُّبْهَةِ فَإِنَّ مِثْلَهَا ثَابِتٌ فِي شَهَادَةِ نَفْسِهِ فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْقَضَاءَ بِهَا فَكَمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَعْتَبِرْ مَعَ عَدَالَتِهِ ذَلِكَ مَانِعًا كَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ وَإِلَّا لَانْسَدَّ بَابُ الشَّهَادَةِ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ النِّهَايَةِ وَالْفَتْحِ.
وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ عَائِدًا لِلْعَدْلِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ الْإِسَاءَةُ أَفْحَشَ مِنْ الْكَرَاهَةِ) أَقُولُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنَارِ وَلَكِنَّ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي التَّقْرِيرِ شَرْحِ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ وَالتَّحْقِيقِ شَرْحِ الْأَخْسِيكَثِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْإِسَاءَةَ دُونَ الْكَرَاهَةِ وَلَعَلَّ مُرَادَ مَنْ قَالَ دُونَ الْكَرَاهَةِ أَرَادَ بِهَا التَّحْرِيمِيَّةَ وَمَنْ قَالَ: أَفْحَشُ أَرَادَ بِهَا التَّنْزِيهِيَّةَ.
كَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى الثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ الْفَرْعُ لِلْقَاضِي: إنَّا نَتَّهِمُهُ فِي الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شَاهِدِ الْخَصَّافِ.
(قَوْلُهُ وَتَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ بِإِنْكَارِ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ) أَيْ الْإِشْهَادَ بِأَنْ قَالُوا: لَمْ نُشْهِدْهُمْ عَلَى شَهَادَتِنَا فَمَاتُوا وَغَابُوا ثُمَّ شَهِدَ الْفُرُوعُ لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ التَّحْمِيلَ لَمْ يَثْبُتْ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ وَهُوَ شَرْطٌ قُيِّدَ بِالْإِنْكَارِ لِأَنَّهُمْ لَوْ سُئِلُوا فَسَكَتُوا لَمْ يَبْطُلْ الْإِشْهَادُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِيهَا مَعْزُوًّا إلَى الْجَامِعِ الْكَبِيرِ إذَا شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَلَمْ يَقْضِ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى حَضَرَ الْأَصْلَانِ وَنَهَيَا الْفُرُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ صَحَّ النَّهْيُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ إذَا أَنْكَرَ الرِّوَايَةَ بَطَلَتْ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأُصُولِ وَاسْتَشْكَلَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَمَلَ الْمَشَايِخِ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي أَنْكَرَهَا أَبُو يُوسُفَ عَلَى مُحَمَّدٍ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ وَقَدَّمْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الرِّوَايَةِ وَسِعَهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ اهـ.
فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَمِمَّا يُبْطِلُ الْإِشْهَادَ خُرُوجُ الْأَصْلِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ لِمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَإِذَا خَرِسَ الْأَصْلَانِ أَوْ فَسَقَا أَوْ عَمِيَا وَارْتَدَّا أَوْ جُنَّا لَهُمْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ اهـ.
وَمِمَّا يُبْطِلُهُ أَيْضًا حُضُورُ الْأَصْلِ قَبْلَ الْقَضَاءِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ أَنَّ فُرُوعًا شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ الْأُصُولِ ثُمَّ حَضَرَ الْأُصُولُ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يُقْضَى بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ اهـ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يُقْضَى دُونَ أَنْ يَقُولَ: بَطَلَ الْإِشْهَادُ أَنَّ الْأُصُولَ لَوْ غَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ قُضِيَ بِشَهَادَتِهِمْ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي إذَا كَتَبَ لِلْمُدَّعِي كِتَابًا ثُمَّ حَضَرَ بَلَدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِكِتَابِهِ لَا يَقْضِي بِكِتَابِهِ كَمَا لَوْ حَضَرَ شَاهِدُ الْأَصْلِ اهـ.
وَفِي الْيَتِيمَةِ سُئِلَ الْخُجَنْدِيُّ عَنْ قَاضٍ قَضَى لِرَجُلٍ بِمِلْكِ الْأَرْضِ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ ثُمَّ جَاءَ الْأُصُولُ هَلْ يَبْطُلُ الْفُرُوعُ؟ فَقَالَ: هَذَا مُخْتَلَفٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقَضَاءَ يَقَعُ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ يُبْطِلُ وَمَنْ قَالَ: الْقَضَاءُ يَقَعُ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ لَا يُبْطِلُ اهـ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَجِيبٌ فَإِنَّ الْقَضَاءَ كَيْفَ يَبْطُلُ بِحُضُورِهِمْ فَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى فُلَانَةِ بِنْتِ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّةِ بِأَلْفٍ وَقَالَا: أَخْبَرَانَا أَنَّهُمَا يَعْرِفَانِهَا فَجَاءَ بِامْرَأَةٍ فَقَالَا لَا نَدْرِي أَهِيَ هَذِهِ أَمْ لَا؟ قِيلَ لِلْمُدَّعِي: هَاتِ شَاهِدَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُعَرَّفَةِ بِالنِّسْبَةِ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْحَقَّ عَلَى الْحَاضِرَةِ فَلَعَلَّهَا غَيْرُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِتِلْكَ النِّسْبَةِ نَظِيرُ هَذَا إذَا تَحَمَّلُوا الشَّهَادَةَ بِبَيْعٍ مَحْدُودٍ بِذِكْرِ حُدُودِهَا وَشَهِدُوا عَلَى الْمُشْتَرِي لَا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ بِهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي الشَّهَادَةِ حُدُودُ مَا فِي يَدَيْهِ وَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ عَلَى فُلَانَةِ إلَى آخِرِهِ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْإِشْهَادِ الْإِعْلَامُ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ أَشْهَدَ رَجُلًا عَلَى شَهَادَتِهِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي لَهُ الْمَالُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ حَاضِرَيْنِ عِنْدَ الْإِشْهَادِ بِقَوْلِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَيْ الْإِشْهَادُ بِأَنْ قَالُوا إلَخْ) هَكَذَا فَسَّرَ الزَّيْلَعِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الدُّرَرِ: أَقُولُ: قَدْ وَقَعَتْ الْعِبَارَةُ فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهِ وَسَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ هَكَذَا وَإِنْ أَنْكَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ مُوَافَقَةً لِمَا فِي الْكَافِي وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مُغَايَرَةُ الْإِشْهَادِ لِلشَّهَادَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهَا بِهِ وَلَعَلَّ مَنْشَأَ غَلَطِهِ قَوْلُهُمْ لِأَنَّ التَّحْمِيلَ لَمْ يَثْبُتْ لِلتَّعَارُضِ فَإِنَّ مَعْنَى التَّحْمِيلِ هُوَ الْإِشْهَادُ وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّحْمِيلَ لَا يَثْبُتُ أَيْضًا إذَا أَنْكَرَ أَصْلَ الشَّهَادَةِ بَلْ هَذَا أَبْلَغُ مِنْ إنْكَارِ الْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ التَّصْرِيحِ اهـ.
وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة قَالَ الْفَاضِلُ الْمَرْحُومُ جَوَى زَادَهْ: أَقُولُ: لَمْ يُرِدْ الزَّيْلَعِيُّ تَفْسِيرَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ بِالْإِشْهَادِ بَلْ أَرَادَ أَنَّ مَدَارَ بُطْلَانِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ عَلَى إنْكَارِ الْأَصْلِ لِلْإِشْهَادِ حَتَّى يَبْطُلُ وَلَوْ قَالَ: لِي شَهَادَةٌ عَلَى هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَكِنْ لَمْ أَشْهَدْ وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ تَصَوُّرُ الْمَسْأَلَةِ فِي صُورَةٍ مِنْ صُورَتِي إنْكَارِ الْإِشْهَادِ وَهِيَ صُورَةُ إنْكَارِ الشَّهَادَةِ رَأْسًا إذْ لَا شَكَّ فِي فَوَاتِ الْإِشْهَادِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الْمَتْنِ حَصْرَ الْبُطْلَانِ بِصُورَةِ إنْكَارِ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ أَنَّ التَّحْمِيلَ لَا يَثْبُتُ أَيْضًا مَعَ إنْكَارِ أَصْلِ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ خَافِيًا عَلَيْهِ لَوْ تَوَهَّمَ عَدَمَ بُطْلَانِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ حِينَئِذٍ وَحَاشَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَإِذْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْبُطْلَانَ يَعُمُّ صُورَةَ إنْكَارِ الشَّهَادَةِ رَأْسًا وَصُورَةَ الْإِقْرَارِ بِهَا وَإِنْكَارَ الْإِشْهَادِ تَحَقَّقْت أَنَّ كَوْنَ التَّرْكِيبِ أَبْلَغَ فِي الْإِنْكَارِ غَيْرُ مُرَادٍ اهـ.
مَا قَالَهُ الْفَاضِل وَصُورَةُ إنْكَارِ الشَّهَادَةِ مَا قَالَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَإِنْ أَنْكَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ بِأَنْ قَالُوا: لَيْسَ لَنَا شَهَادَةٌ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَغَابُوا أَوْ مَاتُوا ثُمَّ جَاءَ الْفُرُوعُ وَيَشْهَدُونَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَالُوا: لَمْ نُشْهِدْ الْفُرُوعَ عَلَى شَهَادَتِنَا فَإِنَّ شَهَادَةَ الْفُرُوعِ لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ التَّحْمِيلَ لَمْ يَثْبُتْ وَهُوَ شَرْطٌ اهـ.
(قَوْلُهُ صَحَّ النَّهْيُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ) يَعْنِي فَلَوْ غَابَ الْأُصُولُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ قَدْ بَطَلَ بِنَهْيِهِمْ فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْأُصُولُ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يُقْضَى بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ فَلَا يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَى النَّهْيِ هُنَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يُقْضَى إلَخْ) عَلَى هَذَا مَا كَانَ يَنْبَغِي عَدُّهُ الْحُضُورَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الْإِشْهَادِ
أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ هَذَا أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ هَذَا عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَ الْإِشْهَادُ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْسِبَ الْغَائِبَ مِنْهُمَا أَوْ الْمَيِّتَ مِنْهُمَا إلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَقَبِيلَتِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْإِشْهَادِ بِمَنْزِلَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَمَا يُشْتَرَطُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ الْإِعْلَامُ بِأَقْصَى الْإِمْكَانِ يُشْتَرَطُ فِي الْإِشْهَادِ اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي طَلَاقِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَذَا فَجَاءَ رَجُلٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَادَّعَاهُ وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ رَجُلًا آخَرَ مُسَمًّى بِذَلِكَ صُدِّقَ قَضَاءً وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْمَالِ اهـ.
وَفِي وَصَايَا الْخَانِيَّةِ قَالَ الْمَرِيضُ لِرَجُلٍ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يُعْطَى الْمَالُ كُلُّهُ لِلْوَرَثَةِ وَلَا يُوقَفُ شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ لِمُحَمَّدٍ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَلَا يُعْرَفُ مُحَمَّدٌ يُوقَفُ مِقْدَارُ الدَّيْنِ اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ فُلَانٌ وَفُلَانَةُ بِدُونِ أَلْفٍ وَلَامٍ كِنَايَةٌ عَنْ الْأَنَاسِيِّ وَبِهِمَا كِنَايَةٌ عَنْ الْبَهَائِمِ يُقَالُ: رَكِبْت الْفُلَانَةَ وَحَلَبْت الْفُلَانَةَ (قَوْلُهُ وَكَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لِكَمَالِ دِيَانَتِهِ وَوُفُورِ وِلَايَتِهِ يَنْفَرِدُ بِالنَّقْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَوَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّهُ إنْ قَالَ: لَسْت أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَانَ الْبَيَانُ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَادَّعَى الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ كَانَ الْبَيَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ الْقَاضِي إذَا كَتَبَ كِتَابًا وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ اسْمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَسَبَهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَقَالَ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَسْت أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَالْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَعْرِفُهُ يَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنُ فُلَانٍ وَفِي هَذَا الْحَيِّ أَوْ الْفَخِذِ أَوْ فِي هَذِهِ الْحَارَةِ أَوْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ رَجُلٌ غَيْرِي بِهَذَا الِاسْمِ يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي أَثْبِتْ ذَلِكَ تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْخُصُومَةُ كَمَا لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِمُشَارِكٍ لَهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ لِأَنَّ حَالَ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ لَا يَتَعَيَّنُ هُوَ لِلْكِتَابِ وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ يَكُونُ خَصْمًا وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ رَجُلٌ آخَرُ وَمَاتَ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي إثْبَاتِ حَيَاةِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مَا قَالَهُ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِمَوْتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بَعْدَ تَارِيخِ الْكِتَابِ لَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَا يَدْرِي وَقْتَ مَوْتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَا فِيهِمَا التَّمِيمِيَّةُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسِبَاهَا إلَى فَخِذِهَا) لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ عَامَّةٌ إلَى بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُحْصَوْنَ وَيَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَخِذِ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ وَفَسَّرَ فِي الْهِدَايَةِ الْفَخِذَ بِالْقَبِيلَةِ الْخَاصَّةِ وَفِي الشَّرْحِ بِالْجَدِّ الْأَعْلَى وَفِي الْمِصْبَاحِ الْفَخِذُ بِالْكَسْرِ وَبِالسُّكُونِ لِلتَّخْفِيفِ دُونَ الْقَبِيلَةِ وَفَوْقَ الْبَطْنِ وَقِيلَ: دُونَ الْبَطْنِ وَفَوْقَ الْفَصِيلَةِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى النَّفَرِ وَالْفَخِذُ مِنْ الْأَعْضَاءِ مُؤَنَّثَةٌ وَالْجَمْعُ فِيهَا أَفْخَاذٌ اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الْفَخِذُ آخِرُ الْقَبَائِلِ أَوَّلُهَا الشَّعْبُ ثُمَّ الْقَبِيلَةُ ثُمَّ الْفَصِيلَةُ ثُمَّ الْعِمَارَةُ ثُمَّ الْبَطْنُ ثُمَّ الْفَخِذُ وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: الْفَصِيلَةُ بَعْدَ الْفَخِذِ فَالشَّعْبُ بِفَتْحِ الشِّينِ يَجْمَعُ الْقَبَائِلَ وَالْقَبَائِلُ تَجْمَعُ الْعَمَائِرَ وَالْعِمَارَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ تَجْمَعُ الْبُطُونَ وَالْبَطْنُ يَجْمَعُ الْأَفْخَاذَ وَالْفَخِذُ يَجْمَعُ الْفَصَائِلَ وَفِي الْقَامُوسِ الْفَخِذُ كَكَتِفٍ مَا بَيْنَ الْوَرِكِ وَالسَّاقِ وَحَيُّ الرَّجُلِ إذَا كَانَ مِنْ أَقْرَبِ عَشِيرَتِهَا اهـ.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ أَنَّ الْعَرَبَ عَلَى سِتِّ طَبَقَاتٍ شَعْبٌ وَقَبِيلَةٌ وَعِمَارَةٌ وَبَطْنٌ وَفَخِذٌ وَفَصِيلَةٌ فَمُضَرُ شَعْبٌ وَكَذَا رَبِيعَةُ وَمَذْحِجُ وَحِمْيَرٌ وَسُمِّيَتْ شُعُوبًا لِأَنَّ الْقَبَائِلَ تَتَشَعَّبُ مِنْهَا وَكِنَانَةُ قَبِيلَةٌ وَقُرَيْشٌ عُمَارَةُ وَقُصَيٌّ بَطْنٌ وَهَاشِمٌ فَخْذٌ وَالْعَبَّاسُ فَصِيلَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ بِالْفَخِذِ مَا لَمْ يَنْسِبْهَا إلَى الْفَصِيلَةِ لِأَنَّهَا دُونَهَا وَلِذَا قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى {وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ} [المعارج: 13] وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ بَعْدَ الْفَصِيلَةِ الْعَشِيرَةَ وَتَمَامُهُ فِي فَصْلِ الْكَفَاءَةِ مِنْ النِّكَاحِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْحَاضِرِ وَفِي الْغَائِبِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْأَبِ لَا تَكْفِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَدِّ خِلَافًا لِلثَّانِي فَإِنْ لَمْ يَنْسِبْ إلَى الْجَدِّ وَنَسَبَهُ إلَى الْفَخِذِ الْأَبِ الْأَعْلَى كَتَمِيمِيٍّ وَبُخَارِيٍّ لَا يَكْفِي وَإِنْ إلَى الْحِرْفَةِ -
ــ
[منحة الخالق]
وَكَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَلَوْ قَالَا فِيهِمَا التَّمِيمِيَّةُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسِبَاهَا إلَى فَخِذِهَا.
لَا إلَى الْقَبِيلَةِ وَالْجَدُّ لَا يَكْفِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصِّنَاعَةِ يَكْفِي وَإِنْ نَسَبَهَا إلَى زَوْجِهَا يَكْفِي وَالْمَقْصُودُ الْإِعْلَامُ وَلَوْ كَتَبَ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَلَى فُلَانٍ السِّنْدِيِّ عَبْدِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَفَى اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ تَمَامَ التَّعْرِيفِ وَلَوْ ذَكَرَ اسْمَ الْمَوْلَى وَاسْمَ أَبِيهِ لَا غَيْرُ ذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَكْفِي وَبِهِ يُفْتَى لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ بِذِكْرِ ثَلَاثَةٍ الْعَبْدُ وَالْمَوْلَى وَأَبُوهُ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى إنْ نَسَبَ إلَى قَبِيلَةِ الْخَاصِّ لَا يَكْفِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ وَيَكْفِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ قَبِيلَتَهُ الْخَاصَّ لَا يَكْفِي وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ الْعَبْدِ وَمَوْلَاهُ وَنَسَبَ الْعَبْدَ إلَى مَوْلَاهُ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَكْفِي وَبِهِ أَفْتَى الصَّدْرُ لِأَنَّهُ وُجِدَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَشَرَطَ الْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِلتَّعْرِيفِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الِاسْمُ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْأَبِ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْجَدِّ أَوْ الْفَخِذِ أَوْ الصِّنَاعَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْجَدِّ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالِاسْمِ الْمُجَرَّدِ مَشْهُورًا كَشُهْرَةِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ يَكْفِي وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَفِي الدَّارِ كَدَارِ الْخِلَافَةِ وَإِنْ مَشْهُورَةً لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُدُودِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا هِيَ كَالرَّجُلِ وَلَوْ كَنَّى بِلَا تَسْمِيَةٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا إذَا كَانَ مَشْهُورًا كَالْإِمَامِ وَلَوْ كَتَبَ مِنْ ابْنِ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ اُشْتُهِرَ كَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَلَوْ كَتَبَ إلَى أَبِي فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْجُزْءَ يُنْسَبُ إلَى الْكُلِّ لَا الْعَكْسِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَيُشْتَرَطُ نَظَرُ وَجْهِهَا فِي التَّعْرِيفِ وَإِنْ أَرَادَ ذِكْرَ حِلْيَتِهَا يَتْرُكُ مَوْضِعَ الْحِلْيَةِ حَتَّى يَكُونَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ الْحِلْيَةَ أَوْ يُمْلِي الْكَاتِبَ لِأَنَّهُ إنْ حَلَّاهَا الْكَاتِبُ لَا يَجِدُ الْقَاضِي بُدًّا مِنْ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا فَيَكُونُ فِيهِ نَظَرُ رَجُلَيْنِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا نَظَرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَكَانَ أَوْلَى وَهَلْ يُشْتَرَطُ شَهَادَةُ الزَّائِدِ عَلَى عَدْلَيْنِ فِي أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ أَمْ لَا قَالَ الْإِمَامُ: لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ جَمَاعَةٍ عَلَى أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ وَقَالَا: شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ تَكْفِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ أَيْسَرُ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا قَوْلَهُ إنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْفَخِذِ لَا تَكْفِي عَنْ الْجَدِّ فَفِي الْهِدَايَةِ ثُمَّ التَّعْرِيفُ وَإِنْ كَانَ يَتِمُّ بِذِكْرِ الْجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَذِكْرُ الْفَخِذِ يَقُومُ مَقَامَ الْجَدِّ لِأَنَّهُ اسْمُ الْجَدِّ الْأَعْلَى فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْجَدِّ الْأَدْنَى. اهـ.
وَكَذَا تَمْثِيلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لِلْفَخِذِ بِتَمِيمِيٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عَلِمْتُهُ آنِفًا وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَلَوْ ذَكَرَ لَقَبَهُ وَاسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ قِيلَ: يَكْفِي وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فَإِذَا قَضَى قَاضٍ بِدُونِ ذِكْرِ الْجَدِّ يَنْفُذُ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَإِنْ حَصَلَ التَّعْرِيفُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَلَقَبِهِ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجَدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْجَدِّ لَا يَكْفِي وَالْمَدِينَةُ وَالْقَرْيَةُ وَالْكُورَةُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلتَّعْرِيفِ وَلَا تَقَعُ الْمَعْرِفَةُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَإِنْ دَامَتْ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى اللَّقَبِ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذِكْرِ اللَّقَبِ بِأَنْ كَانَ يُشَارِكُهُ فِي الْمِصْرِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ وَاللَّقَبِ كَمَا فِي أَحْمَدْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ فَهَذَا لَا يَقَعُ التَّعْرِيفُ بِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إنَّمَا هُوَ حَاصِلُ الْمَعْرِفَةِ وَارْتِفَاعُ الِاشْتِرَاكِ اهـ.
وَفِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ وَفِي الْعَجَمِ ذِكْرُ الصِّنَاعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْفَخِذِ لِأَنَّهُمْ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَهِدَ زُورًا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَقَالَا يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ وَلِأَنَّ هَذِهِ كَبِيرَةٌ يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إلَى الْعِبَادِ وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ وَلَهُ أَنَّ شُرَيْحًا كَانَ يُشَهِّرُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ وَلِأَنَّ الِانْزِجَارَ يَحْصُلُ بِالتَّشْهِيرِ فَيُكْتَفَى بِهِ وَالضَّرْبُ وَإِنْ كَانَ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مَانِعًا عَنْ الرُّجُوعِ فَوَجَبَ التَّخْفِيفُ نَظَرًا إلَى هَذَا الْوَجْهِ وَحَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ بِدَلَالَةِ التَّبْلِيغِ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَالتَّسْخِيمِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَوْلَهُمَا وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ أَطْلَقَ مَنْ أَقَرَّ فَشَمَلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ قَالَ: فِي كَافِي الْحَاكِمِ وَالرِّجَالُ -.
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النِّسْبَةَ إلَخْ) سَيَأْتِي رَدُّهُ (قَوْلُهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ شَهَادَةُ الزَّائِدِ عَلَى الْعَدْلَيْنِ فِي أَنَّهَا فُلَانَةُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الطَّرَابُلُسِيُّ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَلَوْ عَرَفَهَا رَجُلَانِ وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ حَلَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ وِفَاقًا لِأَنَّ فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ مِنْ التَّأْكِيدِ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ يَمِينٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَعْنًى وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَخْبَرَ جَمَاعَةٌ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَعِنْدَهُمَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ اهـ.
فَانْظُرْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَ أَوْ رَأَى عَنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا تَأَمَّلْ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلَّةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَخْفَى أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنْ يَنْسِبَ إلَى أَنْ يَعْرِفَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْرِفُهُ وَلَوْ نَسَبَهُ إلَى مِائَةِ جَدٍّ وَإِلَى صِنَاعَتِهِ وَمَحَلَّتِهِ بَلْ لِيَثْبُتَ بِذَلِكَ الِاخْتِصَاصُ وَيَزُولَ الِاشْتِرَاكُ فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ اثْنَانِ فِي اسْمِهِمَا وَاسْمِ أَبِيهِمَا وَجَدِّهِمَا أَوْ صِنَاعَتِهِمَا وَلَقَبِهِمَا فَمَا ذُكِرَ عَنْ قَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَعَ ذِكْرِ الْجَدِّ لَا يُكْتَفَى لِذَلِكَ الْأَوْجَهُ مِنْهُ مَا نُقِلَ فِي الْفُصُولِ مِنْ أَنَّ شَرْطَ التَّعْرِيفِ ذِكْرُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ غَيْرَ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي اللَّقَبِ مَعَ الِاسْمِ هَلْ هُمَا وَاحِدٌ أَوْ لَا.
وَالنِّسَاءُ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ سَوَاءٌ وَقَيَّدَ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِ وَاحِدٍ فَيَجِيءُ حَيًّا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُشَهَّرُ أَيْضًا فِيهِ وَخَرَجَ مَا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَتِهِ أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى أَوْ بَيْنَ شَهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ لِأَنَّا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْكَاذِبُ مِنْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ أَوْ الشَّاهِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَقَدْ يَكْذِبُ الْمُدَّعِي لِيَنْسِبَ الشَّاهِدَ إلَى الْكَذِبِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّفْيِ وَالْبَيِّنَةُ حُجَّةُ الْإِثْبَاتِ فِي إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُوجَبُهُ مِنْ الضَّمَانِ أَوْ التَّعْزِيرِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الزُّورِ بِالْبَيِّنَةِ وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ وَمِنْ التَّهَاتُرِ أَنْ يَشْهَدَا أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ فَهَذَا مِمَّا لَا يُقْبَلُ وَكَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ دَيْنٌ وَمَنْ شَهِدَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ شَهِدَ بِالْبَاطِلِ وَالْحَاكِمُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الزُّورِ فَيُعَزَّرُ فَعَلَى هَذَا يُعَزَّرُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِتَيَقُّنِ كَذِبِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ إمَّا لِنُدْرَتِهِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُ أَنْ يَقُولَ كَذَبْت أَوْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ أَوْ سَمِعْت ذَلِكَ فَشَهِدْت وَهُمَا بِمَعْنَى كَذَبْت لِإِقْرَارِهِ بِالشَّهَادَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَجَعَلَ فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ ظُهُورِهِ حَيًّا بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَوْتِهِ أَوْ قَتْلِهِ مَا إذَا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمَضَى ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ.
وَالزُّورُ فِي اللُّغَةِ الْكَذِبُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ الزُّورُ بِالضَّمِّ الْكَذِبُ وَالشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَعْيَادُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرَّئِيسُ وَمَجْلِسُ الْغِنَاءِ وَمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُوَّةُ وَهَذِهِ وِفَاقٌ بَيْنَ لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَنَهْرٌ يَصَبُّ فِي دِجْلَةَ وَالرَّأْيُ وَالْعَقْلُ وَالْبَاطِلُ إلَى آخِرِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] لَا يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ الْبَاطِلَةَ أَوْ لَا يَحْضُرُونَ مُحَاضِرَ الْكَذِبِ فَإِنَّ مُشَاهَدَةَ الْبَاطِلِ شَرِكَةٌ فِيهِ اهـ.
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الشَّهَادَةُ الْبَاطِلَةُ عَمْدًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ قَالَ: غَلِطْت أَوْ ظَنَنْت ذَلِكَ قِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى كَذَبْت لِإِقْرَارِهِ بِالشَّهَادَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ اهـ.
وَيُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَإِنَّهُ جَعَلَهُمَا كَنَسِيتُ فَلَا تَعْزِيرَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالتَّشْهِيرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ شَهَّرَهُ بِالتَّشْدِيدِ رَفَعَهُ عَلَى النَّاسِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَوْ أَبْرَزَهُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَا نُقِلَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُهُ إلَى سُوقِهِ إنْ كَانَ سُوقِيًّا وَإِلَى قَوْمِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِيٍّ بَعْدَ الْعَصْرِ أَجْمَعَ مَا كَانُوا أَوْ يَقُولُ: إنَّ شُرَيْحًا يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ الزُّورِ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوهُ النَّاسَ اهـ.
وَبَعْثُهُ مَعَ أَعْوَانِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا وَلَوْ عَلَى بَقَرَةٍ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ وَأَمَّا التَّسْخِيمُ فَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ السُّخَامُ وَزَانُ غُرَابٍ سَوَادُ الْقِدْرِ وَسَخَّمَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ سَوَّدَهُ بِالسُّخَامِ وَسَخَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْمَقْتِ وَالْغَضَبِ اهـ.
وَقَدَّمْنَا فِي دَلِيلِهِمَا أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَخَّمَ وَجَّهَهُ وَأَنَّ الْإِمَامَ حَمَلَهُ عَلَى السِّيَاسَةِ وَهُوَ تَأْوِيلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَأَوَّلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِالتَّخْجِيلِ بِالتَّفْضِيحِ وَالتَّشْهِيرِ فَإِنَّ الْخَجَلَ يُسَمَّى سَوَادًا مَجَازًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: 58] كَذَا فِي الْبِنَايَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُسَخِّمَ وَجْهَهُ إذَا رَآهُ سِيَاسَةً وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُغْنِي وَلَا يُسَخِّمُ وَجْهَهُ بِالْخَاءِ وَالْحَاءِ وَإِنَّمَا فَسَّرَ قَوْلَهُ لَا يُعَزَّرُ بِلَا يُضْرَبُ لِأَنَّ التَّشْهِيرَ تَعْزِيرٌ.
وَالْحَاصِلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَعْزِيرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِتَشْهِيرِ حَالِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ ضَرْبِهِ خُفْيَةً وَهُمَا أَضَافَا إلَى ذَلِكَ الضَّرْبَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ فِي تَشْهِيرِهِ فَشَمَلَ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا وَقَيَّدَهُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ بِأَنْ لَا يَعْلَمَ رُجُوعَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ أَمَّا إنْ رَجَعَ تَائِبًا نَادِمًا لَمْ يُعَزَّرْ إجْمَاعًا وَإِنْ رَجَعَ مُصِرًّا عَلَى مَا كَانَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ إجْمَاعًا أَيْ يُضْرَبُ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ التَّشْهِيرَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا فَهُمَا يَقُولَانِ بِالتَّشْهِيرِ وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْكُلُّ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إذَا تَابَ قَالُوا: إنْ كَانَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَ بِإِقْرَارِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ كَذِبُهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: قَدْ جَوَّزُوا الشَّهَادَةَ بِالْمَوْتِ لِمَنْ سَمِعَ مِنْ ثِقَةٍ مَوْتَهُ إذَا أَخْبَرَهُ بِهِ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِهِ مَعَهُ وَقَدْ يُقَالُ: لَمَّا جَزَمَ بِالشَّهَادَةِ بِالْمَوْتِ وَظَهَرَ حَيًّا قُطِعَ بِكَذِبِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْزِمَ بَلْ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَوْ سَمِعْت مِنْ النَّاسِ أَوْ اُشْتُهِرَ عِنْدِي ذَلِكَ وَنَحْوَهُ فَفِي مِثْلِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْكَمَ بِهِ فَلَا يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الزُّورِ بِالْبَيِّنَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: قَالَ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ شَهِدَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَأَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَلْفُ إلَى الْمُدَّعِي ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَإِنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَضْمَنَانِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِينِ الْمُدَّعِي أَوْ الشَّاهِدَيْنِ لِأَنَّهُمَا حَقَّقَا عَلَيْهِ إيجَابَ الْمَالِ فِي الْحَالِ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ فَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُهُمَا فَصَارَا ضَامِنَيْنِ فَغَرِمَا. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّاهِدَ يَكُونُ شَاهِدَ زُورٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ لِظُهُورِ الْكَذِبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِ لَا إلَى التَّعْزِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ذَكَرَهُ الْغَزِّيِّ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُسَخِّمَ وَجْهَهُ إذَا رَآهُ سِيَاسَةً) قَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِالسِّيَاسَةِ بَلْ الْحُكْمُ بِهَا لِلْإِمَامِ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ هُنَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ بَلْ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه فَعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ