الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نساء مضحيات
- أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها:
كانت خديجة رضي الله عنه امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال على مالها فلما بلغها من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، فبعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلي الشام، وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذاك، وخرج معه غلامها (ميسرة) حتى نزل الشام، فنزل صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى "ميسرة" فقال: من هذا الرجل الذي تحت الشجرة؟ فقال "ميسرة ": هذا رجل من قريش من أهل الحرم.
فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي.
وكان ميسرة، إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه .. فلما قدم مكة أخبر ميسرة خديجة بما رأى من إظلال الملائكة لمحمد صلى الله عليه وسلم وما سمع من قول الراهب فيه.
وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، فذكرت ذلك لورقة بن نوفل وكان ابن عمها، فقال ورقة: لئن كان هذا حقاً يا خديجة إن "محمداً " لنبي هذه الأمة .. عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه.
فبعثت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بإرادتها للزواج منه، وتزوجته صلى الله عليه وسلم. . فلما بلغ سن الأربعين حٌبب إليه الخلاء، فكان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها
…
حتى جاءه الحق وهو في غار حراء .. فجاءه الملك فقال: أقرأ فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني. فقال: أقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأكْرَمُ* الّذِى عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (1)
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملونى .. زملونى .. فزملوه حتى ذهب عنه الروع .. فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله، لا يخزيك الله أبدا .. إنك لتصل الرحم .. وتقرى الضيف، وتحمل الكَلَّ وُتكسب المعدوم، وُتعين علي نوائب الحق .. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل - ابن عم خديجة وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية
…
وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب
…
وكان شيخاً كبيراً قد عمى. فقالت له خديجة: يا بن عم! أسمع من ابن أخيك. فقال له (ورقة): يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على "موسى " يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك فقال رسول الله
(1) سورة العلق – الآيات من 1: 5.
- صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟! فقال نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا. ثم لم ينشب " ورقة أن توفى وفتر الوحي فترة. رواه البخاري.
وقالت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذ جاءك؟ قال نعم. قالت: فإذا جاء فأخبرني به.
فجاء جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت: قم يا بن عمى فاجلس على فخذي اليسرى: فقام رسول الله فجلس عليها.
فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول واقعد على فخذي اليمني، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخدها اليمني، فقالت هل تراه؟ قال نعم،، فحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: يا بن عم اثبت وأبشر فو الله إنه بملك ما هذا بشيطان " رواه البيهقي (1)
فكانت رضي الله عنها عاقلة لبيبة .. فكانت أول من آمن به وصدقت بما جاء به من عند الله ووازر ته على أمره، فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع بشيء يكرهه من رد عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله بذلك عنه، إذا رجع إليها تثبته، وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس يرحمها الله تعالى. (2)
وبسب هذه التضحيات العظيمة التي قدمتها أمنا خديجة، ووقوفها بجوار حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم بشرها الله عز وجل بيت في الجنة، كما في الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد
(1) سبل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد 2/ 314 - وصفوة السيرة النبوية لابن كثير 1/ 147.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 240 نقلا من كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 2/ 402.
أتت معها إناء فيه إدام وطعام، فإذا أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب " متفق عليه. (1)
وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يقرأ على خديجة السلام، فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام، وعليه السلام ورحمة الله " (2)
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سٌئل عن خديجة أنها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام قال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب، لا لغو فيه ولانصب " رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وابن حبان والدولابى. (3)
قال السُهيلى في الروض الآنف: النكتة في قوله " من قصب " ولم يقل " من لؤلؤ، أن في لفظ القصب مناسبة، لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها. (4)
وفى العام الذي ماتت فيه خديجة وعمه أبو طالب سمى عام الحزن .. لحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على موتهما .. فكان ُيكثر الثناء عليها فروى، الإمام أحمد بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة رضي الله عنها أثنى فأحسن الثناء عليها، قالت فغرت يوماً، فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها، فقال: " ما أبدلني الله خيرا منها،
(1) مشكاة المصابيح - باب مناقب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم 3/ 1743.
(2)
رواه النسائي، والحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة - خديجة - وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(3)
سبل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد 12/ 43
(4)
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 12/ 47.
قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء. (1)
وعن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم تكن في الدنيا إلا خديجة فيقول: " إنها كانت، وكان لي منها الولد " متفق عليه. (2)
وبهذا قد تحصلت على الخيرية، ففي الحديث عن على قال سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " متفق عليه. (3).
يقول د/ نعمان أبو الليل (4):
لماذا فضلت خديجة رضي الله عنها علي عائشة رضي الله عنها؟
…
فرغم علم عائشة رضي الله عنها وفقهها، وكثرة روايتها للحديث، وخديجة رضي الله عنها لم ترو حديث واحد، وعائشة بنت الصديق أبو بكر، وخديجة لم يدرك أبيها الإسلام .. مع ذلك فالفرق واضح في تفضيل خديجة علي عائشة، وذلك لأن خديجة عاشت مع النبي في الفترة المكية التي كانت كلها مشاق وتعب وقلق واضطراب والنبي كل يوم يشتم ويضرب، ويتهم بالسحر .. والكذب .. والكهانة .. والشعر، ويؤذي في الله، وما يستطيع أن يعبد الله إلا سراً، فكانت تواسيه بمالها ونفسها، وتؤازره وتسانده وتثبته علي دعوته، فما أن يرجع إلي بيته، فلا يجد منها إلي صدر الأم الحنون0
(1) المرجع السابق 12/ 44.
(2)
المرجع السابق.
(3)
المرجع السابق.
(4)
إستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية ومن علماء التبليغ والدعوة بالأردن.
وبالطبع إذا سب، وقيل له:
ساحر .. فهي زوجة من؟
مجنون .. فهي زوجة من؟
أما عائشة رضي الله عنها تزوجت الرسول صلى الله عليه وسلم في الفترة المدنية، التي لاقي فيها ترحيب أهل المدينة (طلع البدر علينا) والمسلمون ملتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبيها الصديق أبو بكر الوزير والصاحب الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وثاني اثنين إذ هما في الغار) فأخذت مكانة اجتماعية عالية فتنادي: يا أم المؤمنين! .. والرسول صلى الله عليه وسلم يدللها (يا عائش .. يا عويش .. يا موفقة .. يا ابنة الصديق) .. وهذا هو السبب الأول0
أما السبب الثاني: في فضل خديجة هو قوة تضحيتها وإنفاقها، مثل آسية " امرأة فرعون " فقد ضحت بالجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية المرموقة، فهي زوجة الملك وسيدة القصر وتنادي بالملكة والأميرة0
أختي المسلمة: بعد أن قرأت كل هذا عن أول امرأة ضحت في سبيل الله عز وجل من أجل هداية الناس وانتشار الإسلام، وكيف نالت كل الخير بسبب التضحيات التي قدمتها من أجل دين الله عز وجل، حيث نالت محبة الله عز وجل، ومحبة جبريل عليه السلام، ومحبة محمد صلى الله عليه وسلم، بل محبة جميع خلق الله من المسلمين إلى أن تقوم الساعة .. فهل نويت أختي المسلمة أن تكوني مثلها فتقومي بجانب زوجك جانباً لجنب، وتؤازريه، وتناصريه، وتشجعيه، على نصرة دين الله عز وجل وتجهزيه للحركة في الأرض والخروج في سبيل الله عز وجل لدعوة الناس إلى الله عز وجل لتنالي ما نلته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
- زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)(ورضي الله عنها):
عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثت عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت بينما أنا أتجهز بمكة إلي أبي تبعتني هند بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: يا بنت محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك، قالت: فقلت: ما أردت ذلك، فقالت أي ابنة عم لا تفعلي إن كانت لك حاجة في متاع مما يرفق بك في سفرك وتبلغين به إلي أبيك فإن عندي حاجتك، قالت زينب: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، قالت: ولكن خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، فتجهزت، فلما فرغت من جهازي قدم حموي كنانة بن الربيع أخو زوجي، فقدم لي بعير فركبت، وأخذ قوسه وكنانته، فخرج بي نهاراُ يقودها وهي في هودج لها، فتحدث بذلك رجال من قريش (ابن عبد العزي ونافع بن قيس الفهري لقرابة من بني أبي عبيد بإفريقية) يروعها هبار بن الأسود بالرمح، وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملا فيما يزعمون، فلما وقعت طرحت ذا بطنها، فبرك حموها ونثر كنانته، ثم قال: لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمي، فتلكأ الناس عنه وأتي أبو سفيان في جلة من قريش، فقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حني نكلمك، فكف، فأقبل أبو سفيان، حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة علي رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد صلى الله عليه وسلم، فيظن الناس وقد أخرج بابنته إليه علانية علي رؤوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابتنا عم مصيبتنا التي كانت وأن ذلك ضعف بنا ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسر بها سرا فألحقها بأبيها، قال، ففعل،
فرجع فأقامت لياليا، حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا، حتى سلمها إلي زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم 0 رواه الحاكم (1)
وفي رواية أخري للحاكم:
عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب مع كنانة أو ابن كنانة، فخرجوا في أثرها فأدركهما هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها وأهراقت دما فحملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية، فقال بنو أمية نحنُ أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص، فصارت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول لها هند: هذا بسبب أبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيئني بزينب، قال: بلي يا رسول الله! قال: " فخذ خاتمي فأعطها إياه فانطلق زيد فترك بعيره فلم يزل يتلطف، حتى لقي راعيا فقال: لمن ترعي، قال: لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم، قال: لزينب بنت محمد، فسار معه شيئا، ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إياها ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي فأدخل غنمه، وأعطاها الخاتم، فعرفت، فقالت: من أعطاك هذا، قال: رجل، قالت: وأين تركته، قال: بمكان كذا وكذا، قال: فسكتت حتى إذا جاء الليل خرجت إليه، فلما جاءته، قال: لها اركبي، قالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه، حتى أتت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هي أفضل بناتي أصيبت فيَ، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فانطلق إلي عروة، فقال: ما حديث بلغني عنك تحدثت به تنقص به حق فاطمة، قال: عروة إني لا أحب أن لي ما
(1) في المستدرك وقال حديث فيه إرسال بين عبد الله بن أبي بكر وزينب 4/ 42
2) المرجع السابق 0
بين المشرق والمغرب وأني انتقص فاطمة رضي الله عنها حقا هو لها، وأما بعد فإن لك أن لا أحدث به (1)
- أم حكيم بنت الحارث بن هشام رضي الله عنها:
لما كان يوم الفتح أسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام، امرأة عكرمة بن أبي جهل، ثم قالت أم حكيم: يا رسول الله! قد هرب عكرمة منك إلي اليمن وخاف أن تقتله فآمنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" هو آمن " فخرجت في طلبه ومعه غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت علي حي من عك، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة علي ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر فجعل نوتي السفينة يقول له: أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم علي هذا من الأمر، فجعلت تليح إليه، وتقول: يا ابن عم! جئتك من عند أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت إني استأمنت لك رسولا الله صلى الله عليه وسلم قال: أنت فعلت؟ قالت نعم! أنا كلمته فآمنك، فرجع معها، فقالت: ما لقيت من غلامك الرومي، وخبرته خبره فقتله عكرمة وهو يومئذ لم يسلم، فلما دنا من مكة، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " يأتيكم عكرمة بن أبى جهل مؤمنا مهاجراً، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت "، قال: وجعل عكرمة يطلب منها أن يجامعها فتأبى عليه، وتقول: أنت كافر، وأنا مسلمة، فيقول: إن أمراً منعك منى، لأمر كبير، فلما رأي النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب إليه وما علي النبي صلى الله عليه وسلم رداءً فرحا بعكرمة، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بين يديه ومعه زوجته
متنقبة، فقال: يا محمد! إن هذه أخبرتني، أنك آمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى م تدعو يا محمد! قال: " أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل وعد خصال الإسلام، فقال عكرمة: والله! ما دعوت إلا إلي الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله!.
كم من الفيافي والصحراء قطعتها أم حكيم، وكم جاء عليها من ليل ونهار، وهي تتبع زوجها، تتحرك علي قدميها، وتتحمل المشاق، لتحمل له نور الإيمان والهداية، وكم لاقت من غلامها الرومي في الطريق من المراودة عن النفس، وهي تتحمل وتصبر حتي جعل الله لها مخرجا، فضربت أروع الأمثلة في العفة والتضحية من أجل حب الله وحب رسوله صلي الله عليه وسلم.
- أم شريك رضي الله عنها:
هذه المرأة المسلمة التي أسلمت قديماً في مكة، ثم أخذت تدعو إلى الإسلام، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه: قال وقع في قلب أم شريك رضي الله عنها الإسلام، فأسلمت وهى بمكة وكانت تحت (أبى العسكر الدوسى)، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهم إلى الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها وقالوا: لها لو قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم. قالت: فحملونى على بعير ليس تحتى شيئ موطأ ولا غيره ثم تركونى ثلاثاً لا يطعموننى ولا يسقوننى، قال: فما أتت على ثلاث حتى ما فى الأرض شيئ أسمعه، فنزلوا منزلاً، وكانوا إذا نزلوا أوثقونى فى الشمس وأستظلوا وحبسوا عنى الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذ أنا بأثر شيئ على برد منه، ثم رفع، ثم عاد فتناولت، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلاً، ثم نزع منى، ثم عاد، فتناولته فشربته منه قليلاً، ثم رفع، ثم عاد أيضاً، ثم رفع، فصنع ذلك مراراً،
حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدى وثيابى، فلما استيقظوا، فإذا هم بأثر الماء، ورأونى حسنة الهيئة، فقالوا لى: انحللتى فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ فقالت: لا الله ما فعلت ذلك كان من الأمر كذا وكذا، فقالوا: لئن كنتى صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها وأسلموا بعد ذلك (1).
فجهد المرأة على المرأة مثلها، من أحسن الجهود قبولا، حيث أن المرأة كثيراً ما تأثر في زوجها وأولادها، وذوى رحمها، ولا سيما إذا كان بينهم المودة والمحبة، كما فعلت أم حكيم بنت حزام رضي الله عنها، حيث كانت حريصة على إسلام زوجها عكرمة بن أبى جهل رضي الله عنه.
- أم سليم رضي الله عنها:
تضحي بصداقها إذا أسلم زوجها .. فقد أخرج الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه خطب أم سليم رضي الله عنه قبل أن يُسلم، فقالت: يا أبا طلحة! ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده نبت من الأرض؟ قال: بلي. قالت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقا غيره، قال: حتى انظر في أمري، فذهب ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالت: يا أنس زوج أبا طلحه فزوجها. كذا في الإصابة.
انظروا إلى عقل هذه المرأة العظيمة التي ما رضيت بصداق غير الإسلام فكان صداقهاً أعظم صداقاً في الإسلام .. وقصة أم سليم أكبر مظهر من مظاهر مسئولية المرأة عن الدعوة إلى الله عز وجل وتضحياتها.
(1) صفوة الصفوة لابن الجوزى 2/ 42، الإصابة فى تمييز الصحابة 8/ 238.
- تحمل أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها:
أخرج الطبرانى عن أسماء بنت أبى بكر رضي الله عنها قالت: كنت مرة في أرض أقطعها النبي صلى الله عليه وسلم لأبى سلمه والزبير رضي الله عنهما في أرض بني النضير، فخرج الزبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنا جار من اليهود، فذبح شاة فطبخت، فوجدت ريحها، فدخلني ما لم يدخلني من شيء قط، وأنا حامل بابنتي خديجة فلم أصبر، فدخلت على امرأة اليهودي أقتبس منها ناراًُ لعلها تطمعني، وما بي من حاجة إلي النار، فلما شممت الريح ورأيته ازددت شرها (1)، فأطفأته، ثم جئت ثانياً اقتبس؛ ثم ثالثة، ثم قعدت أبكى وأدعو الله، فجاء زوج اليهودية فقال: أدخل عليكم أحد؟ قالت: العربية تقتبس ناراً. قال: فلا آكل منها أبداً أو ترسلي إليها منها، فأرسلت إلىَّ بقدحة - يعنى غرفة - فلم يكن شئ فى الأرض أعجب إلىّ من تلك الأكلة. كذا فى الإصابة (2).
(1) أي شدة الحرص.
(2)
حياة الصحابة - باب تحمل الجوع في الدعوة إلى الله عز وجل جوع أسماء رضى الله عنها1/ 300.
- أم المؤمنين أم سلمة (1) رضي الله عنها:
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما أجمع أبو سلمة رضي الله عنه الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وجعل معي سلمة بن أبي سلمة في
حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد، فنزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة، وقالوا: والله! لا نترك ابننا عندها، إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة! قالت: ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي (2)، فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكى حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بى فرحمني، فقال لبنى المغيرة: ألا تخرجوا هذه المسكينة،
(1) وهي هند بنت أبي أمية – واسمه حذيفة، وقيل سهيل – ويدعي زاد الركب وكانت قبل زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة بن عبد الأسد، ابن عمة النبي برة بنت عبد المطلب، وكان أخا النبي من الرضاعة، أرضعتهما وحمزة ثويبة مولاة أبي لهب .. ولدت له (سلمة .. وعمرة .. ودرة) أسلم بعد عشرة أنفس، وكان أول من هاجر إلي الحبشة .. وأول من هاجر إلي المدينة،
وكان قد جرح بأحد جرحا، ثم انتقض عليه – ولما مات كان الذي أغمضه النبي ثم دعا
له، فمات سنة أربع، فتزوجها النبي وكانت من أجمل النساء – وهي آخر نساءه وفاة (تاريخ الإسلام 1/ 351).
(2)
أتدرون ما جزاء هذه التضحية العظيمة من السيدة الجليلة أم سلمة (رضى الله عنها) هو الزواج من الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وأصبحت أما للمؤمنين، وصدق الله العظيم، حيث قال:" إِنّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ". [سورة: الكهف - الآية: 30]
فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: قالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: فرد بنو عبد الأسد إلىَّ عند ذلك ابني، فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله (1) حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلي أين يا ابنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معك أحد، قلت: ما معي أحد إلا الله، وبني هذا، فقال: والله! ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوى بي! فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت، استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجر ثم تنحى إلي شجرة فاضجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلي بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي فإذا استويت علي بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي، حتى إذا قدمنا المدينة، فلما نظر إلي قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية ـ وكان أبو سلمة بها نازلا ـ فادخليها علي بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة .. فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة (2) كذا في البداية (3).
(1) عزمت علي الهجرة واللحوق بزوجها وحدها فريدة - رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا - غير عابئة بما تلقاه في سبيل الله من وحش أو من قاطع طريق
…
ومما تفعل إذا أني عليها الليلة بظلمته ووحشته .. فسخر الله عز وجل لها عثمان بن طالحة وهو كافر ليصحبها.
(2)
ولذا أكرمه الله عز وجل بالإسلام بعد الحديبية وهاجر هو وخالد بن الوليد رضي الله عنهما معا (البداية 3/ 169).
(3)
حياة الصحابة باب الهجرة 1/ 342.
- آسية بنت مزاحم عليها السلام:
زوجة الطاغية فرعون حاكم مصر عليه اللعنة الذي تجبر وعلا حين ادعي الربوبية والألوهية، فقال:
{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (1){مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (2) فأكرمها الله بالهداية، فآمنت بموسي عليه السلام وأحبته، وكانت تنفق عليه وعلي كل من اتبعه، فلما علم فرعون عليه اللعنة أمر بتعذيبها، بالشمس، فإذا انصرف عنها، أظلتها الملائكة بأجنحتها، فلما اشتد بها التعذيب {قَالَتْ رَبّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنّةِ وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِين} (3)
، قال العلماء: ما أحسن هذا الكلام اختارت الجار قبل الدار، فهي تطمع في جوار الله قبل القصور، وفي الآية دليل علي قوة إيمانها وتصديقها بالبعث، وبعد أن طلبت جوار الله، طلبت النجاة من فرعون وطغيانه، وأتباعه (وَنَجّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِين) فشد يديها ورجليها، وهي صابرة، فرأت بيتها في الجنة، فضحكت حين رأته، فقال: فرعون: ألا تعجبون من جنونها! إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها ونجاها الله تعالي أكرم نجاة، فرفعها إلي الجنة تأكل وتشرب وتتنعم 0
(1) سورة النازعات _ الآية 24.
(2)
سورة القصص _ الآية 38.
(3)
سورة التحريم - الآية 11
فجعل الله حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفر لا تضرهم حيث كانت في الدنيا تحت أعدي أعداء الله (فرعون) وهي في أعلي غرف الجنة .. فلم يضرها اتصالها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط، اتصالهن بهما وهما رسولا رب العالمين 0
وبهذه التضحيات العظيمة التي ضحت بها السيدة آسية، حيث ضحت بالأبهة والعظمة، حيث أنها كانت سيدة القصر الفرعوني، حيث الخدم والحشم .. فالله جل جلاله أعزها ورفع شأنها وذكرها في أشرف كتبه المنزلة، وزوجها بخير البشر (محمد صلى الله عليه وسلم) في الجنة0
الأحاديث التي وردت في فضلها:
1) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد " 0 رواه أحمد 0
2) عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم امرأة عمران، وفضل عائشة علي النساء كفضل الثريد علي سائر الطعام 0 متفق عليه 0
3) عن سعد بن جنادة، هو العوفي، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: " إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون وأخت موسي " رواه الطبراني 0
4) عن يعلي بن المغيرة، عن أبي داود، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه، فقال لها:" بالكره مني ما أري منك، ما أري يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا، أما تعلمين أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسي وآسية امرأة فرعون " قالت: وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله؟ قال: " نعم " قالت: بالرفاء والبنين 0
- امراة من بني إسرائيل:
عن وهب بن منبه قال: أُتي بامرأة من بني إسرائيل يقال لها سارة وسبعة بنين لها إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير فدعا أكبرهم فقرَّب إليه لحم الخنزير فقال: كُل فقال: ما كنت لآكل شيئًا حرَّمه الله عز وجل أبدًا فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم قطعه عضو عضوا حتى قتله ثم دعا بالذي يليه فقال: كُل فقال: ما كنت لأكل شيئًا حرمه الله تعالى فأمر بقدر من نحاس فملئت زيتًا ثم أغليت حتى إذا غلت ألقاه فيها ثم دعا الذي يليه فمال: كُل فقال: ما كنت لآكل شيئا حرمه الله تعالى فقتله ثم دعا الذي يليه فقال: أنت أذل وأقل وأهون على الله من أن آكل شيئا حرمه الله تعالى علي فضحك الملك ومال: أتدرون ما أراد بشتمه إياي أراد أن يغضبني فأعجل في قتله وليخطئه ذلك وأمر به فجز جلدة عنقه ثم أمر به أن يسلخ جلدة رأسه ووجهه فسلخوه سلخًا فلم يزل يقتل كل واحد منهم بلون غير قتل أخيه حتى بقي أصغرهم فالتفت به إلى أمه فقال: لقد رثيت لك مما رأيت فانطلقي بابنك هذا فاخلي به وانقديه على أن يأكل لقمة واحدة إخوتك حق ولي عليك حقان.
وذلك إني أرضعت كل واحد حولين فمات أبوك وأنت حمل فأرضعتك لضعفك ورحمتي إياك أربعة أعوام فأسألك بالله وحقي أما صبرت ولم تأكل شيئا مما حرمه الله عليك ولا تلقين أخوتك يوم القيامة ولست معهم فقال: الحمد له الذي أسمعني هذا منك أما كنت أخاف أن تريديني على أن آكل مما حرمه الله ثم جاءت به إلى الملك فقالت: ها هو ذا قد أردته وعرضت عليه فأمره الملك أن يأكل فقال: ما كنت
لآكل شيئا حرمه الله علي فقتله وألحقه بأخوته وقال لأمهم: إني لأجدني أرثي لك فما رأيت اليوم ويحك فكلي لقمة ثم أصنع بك ما شئت وأعطيك ما أحببت تعيشين به.
قالت: ما أجمع بين ثكل ولدي ومعصية الله عز وجل فلو حييت بعدهم ما أردت ذلك وما كنت لآكل شيئا مما حرمه الله تعالى أبدًا فقتلها وألحقها ببنيها (1).
- الخنساء رضي الله عنها:
وقد ضربت أروع الأمثلة في التضحية بفلذات كبدها في موقعة القادسية، فقد وقفت بين أبنائها الأربعة، عندما تهيئوا للخروج مجاهدين في سبيل الله، توصيهم بالصبر عند اللقاء، وتحرضهم على التضحية والفداء، وتقول لهم: يا بني: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الباقية خيراً من الدار الفانية {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتّقُواْ اللهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2)
فإذا أصبحتم فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وحللت ناراً على
(1) المنتظم لابن الجوزي الجزء الثاني.
(2)
سورة آل عمران – الآية 200.
أوارها، فيمموا وطيسها، وجا لدوا رسيسها تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والإقامة.
فلما جاءها الخبر بنعيهم، فما زادت على أن استرجعت واستغفرت ثم قالت: الحمد لله الذي شرف بقتلهم، وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
- صاحبة الذأبتين:
لما سبى الروم بعض نساء المسلمين، فبلغ الخبر الرقة وبها أمير المؤمنين هارون الرشيد .. فقيل لمنصور بن عمار: لو اتخذت محل بالقرب من أمير المؤمنين، فحرضت الناس على الغزو، ففعل، فبينما هو يذكرهم ويحرض، إذا نحن بخرقه مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور وإذا كتاب مضموم إلى الصرة، ففك الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمين، وسمعت تحريضك الناس علي الغزو، وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شئ من بدني، وهما ذأبتاى، فقطعتهما، وصررتها في هذه الخرقة المختومة، وأناشدك بالله العظيم، لما جعلتهما قيد فرس غازٍ في سبيل الله، فلعل الله العظيم أن ينظر إلىَّ على تلك الحال نظرةً فيرحمني بها. قال: فبكى وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادى النفير، فغزا بنفسه، فأنكي فيهم، وفتح الله عليهم. انظروا إلى هذه المرأة العظيمة التي لم تجد مالا تضحي به فضحت بأكرم شئ عليها .. وأعز شئ على المرأة شعرها
الذي به تتزين، فعمدت إليه وقصته ليكون قيدا لفرس في سبيل الله
…
فيا من امتلأت يديها وصدرها بالذهب ماذا نويت أن تقدمين؟؟
- يحكى الإمام الطبري في تاريخه:
أن امرأة كان لها أربعة من البنون، شهدوا القادسية، فقالت لهم: إنكم أسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثوبوا (1) ولم تنب بكم البلاد (2) ولم تقحمكم السنة (3) ثم جئتم بأمكم عجوز كبير فوضعتموها بين يدي أهل فارس
…
انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره، فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها،
رفعت يديها إلى السماء، وهى تقول: اللهم أدفع عن بني، فرجعوا إليها وقد أحسنوا القتال، ما كلم منهم رجل كلما (4)(5).
لذا نجد أن المرأة المسلمة قد شاركت من أول يوم في التضحية للدين وتحمل المسئولية تجاه الدفاع عن دينها وعقيدتها .. حيث هاجرت وتحملت ما تحملت من مشاق الغربة وترك الوطن، من أجل الحفاظ علي دينها وإيمانها وإعلاء كلمة ربها (لا إله إلا الله).
(1) أى لم ترجعوا عن هجرتكم.
(2)
أى لم يستثقلكم الناس.
(3)
أي لم يضعفكم القحط والجوع.
(4)
يعنى لم يجرح أحدهم جرحا.
(5)
التاريخ الكبير للإمام الطبري 3/ 544.
- يقول ابن القيم رحمه الله:
فلما اشتد البلاء، أذن الله سبحانه وتعالي لهم بالهجرة الأولي إلي الحبشة وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا اثني عشر رجلا وأربع نسوة:
عثمان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل 0
وأبو سلمة وامرأته أم سلمة هند بنت عبد الأسد.
وعامر بن ربيعة وامرأته ليلي بنت حثمة.
وفي الهجرة الثانية: خرج ثلاثة وثمانين رجلا ومن النساء تسع نسوة منهم أسماء بنت عميس مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان مع زوجها عبد الله بن ربيعة الذي تنصر ومات كافرا (1).
- - - - -
(1) زاد المعاد لابن القيم 2/ 80.