الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
: (يَقُول)، جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله:(فَيحسن) من الْإِحْسَان، وَمعنى: إِحْسَان الْوضُوء الْإِتْيَان بِهِ تَاما بِصفتِهِ وآدابه وتكميل سنَنه، وَهُوَ بِالرَّفْع عطف على قَوْله:(لَا يتَوَضَّأ) وَكلمَة: الْفَاء، هَهُنَا بِمَعْنى: ثمَّ، لِأَن إِحْسَان الْوضُوء لَيْسَ مُتَأَخِّرًا عَن الْوضُوء حَتَّى يعْطف عَلَيْهِ بِالْفَاءِ التعقيبية، وَإِنَّمَا موقعها موقع ثمَّ، الَّتِي لبَيَان الْمرتبَة، وشرفها دلَالَة على أَن الْإِحْسَان فِي الْوضُوء والإجادة من مُحَافظَة السّنَن ومراعاة الأداب، أفضل وأكمل من أَدَاء مَا وَجب مُطلقًا، وَلَا شكّ أَن الْوضُوء المحسن فِيهِ أَعلَى رُتْبَة من الْغَيْر المحسن فِيهِ. قَوْله:(وَيُصلي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس) . قَوْله: (إلَاّ غفر لَهُ) التَّقْدِير: لَا يتَوَضَّأ رجل إلَاّ رجل غفر لَهُ، فالمستثنى مَحْذُوف لِأَن الْفِعْل لَا يَقع مُسْتَثْنى، أَو التَّقْدِير: لَا يتَوَضَّأ رجل فِي حَال إلَاّ فِي حَال الْمَغْفِرَة، فَيكون الِاسْتِثْنَاء من أَعم عَام الْأَحْوَال. قَوْله:(وَبَين الصَّلَاة) أَي: الَّتِي يَليهَا، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة قَوْله:(حَتَّى يُصليهَا)، مَعْنَاهُ: حَتَّى يفرغ مِنْهَا. وَقَالَ بَعضهم: أَي يشرع فِي الصَّلَاة الثَّانِيَة. قلت: هَذَا معنى فَاسد، لِأَن قَوْله:(مَا بَينه وَبَين الصَّلَاة) يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ بَين الشُّرُوع فِي الصَّلَاة وَبَين الْفَرَاغ عَنْهَا وَلما كَانَ المُرَاد الْفَرَاغ عَنْهَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَحَتَّى يُصليهَا) وَلِهَذَا لم يكتف بقوله (بَين الصَّلَاة) لِأَنَّهُ لَا يُغني عَن ذكر حَتَّى يُصليهَا، لما ذكرنَا. فَإِن قلت: لَفْظَة: حَتَّى، غَايَة لماذا؟ قلت: لحصل الْمُقدر الْعَامِل فِي الظّرْف إِذْ الغفران لَا غَايَة لَهُ. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة الْآيَة) أَرَادَ أَن الْآيَة فِي سُورَة الْبَقَرَة إِلَى قَوْله: {اللاعنون} (الْبَقَرَة: 159) كَمَا صرح بِهِ مُسلم، وَقد روى عَن مَالك هَذَا الحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَلم يَقع فِي رِوَايَته تعْيين الْآيَة، فَقَالَ من قبل نَفسه أرَاهُ يُرِيد {أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} (هود: 114) .
بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ أَن الْفَرْض على الْعَالم تَبْلِيغ مَا عِنْده من الْعلم، لِأَن الله تَعَالَى قد توعد الَّذين يكتمون مَا أنزل الله باللعنة، وَالْآيَة، وَإِن كَانَت نزلت فِي أهل الْكتاب، وَلَكِن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب، فَدخل فِيهَا كل من علم علما تعبد الله الْعباد بمعرفته لزمَه من عدم تبليغه مَا لزم أهل الْكتاب مِنْهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن الْإِخْلَاص لله تَعَالَى فِي الْعِبَادَة وَترك الشّغل بِأَسْبَاب الدُّنْيَا يُوجب من الله عَلَيْهِ الغفران ويتقبلها من عَبده. الثَّالِث: فِيهِ أَن ظَاهر الحَدِيث على أَن الْمَغْفِرَة الْمَذْكُورَة لَا تحصل إلَاّ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور وإحسانه وَالصَّلَاة فِي (الصَّحِيح) من حَدِيث ابي هُرَيْرَة: (إِذا تَوَضَّأ العَبْد الْمُسلم خرجت خطاياه) ، فَفِيهِ أَن الْخَطَايَا تخرج من أول الْوضُوء حَتَّى يفرغ من الْوضُوء نقياً من الذُّنُوب، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الصَّلَاة، فَيحْتَمل أَن يحمل حَدِيث ابي هُرَيْرَة عَلَيْهَا، لَكِن يبعده أَن فِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث عُثْمَان:(وَكَانَت صلَاته ومشيه إِلَى الْمَسْجِد نَافِلَة) ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك باخْتلَاف الْأَشْخَاص، فشخص يحصل لَهُ ذَلِك عِنْد الْوضُوء، وَآخر عِنْد تَمام الصَّلَاة. الرَّابِع: أَن المُرَاد بِهَذَا وَأَمْثَاله غفران الصَّغَائِر، كَمَا مر فِيمَا مضى وَجَاء فِي (صَحِيح) مُسلم:(مَا من امرىء مُسلم تحضره صَلَاة مَكْتُوبَة فَيحسن وضوءها وخضوعها وخشوعها وركوعها، إلَاّ كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب مَا لم يُؤْت كَبِيرَة) . وَفِي الحَدِيث الآخر (والصلوات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات لما بَينهُنَّ إِذْ اجْتنبت الْكَبَائِر) لَا يُقَال إِذا كفر الْوضُوء فَمَاذَا تكفر الصَّلَاة، وَإِذا كفرت الصَّلَاة فَمَاذَا تكفر الْجُمُعَات ورمضان؟ وَكَذَا صِيَام عَرَفَة يكفر سنتَيْن، وَيَوْم عَاشُورَاء كَفَّارَة سنة، وَإِذا وَافق تأمينة تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، لِأَن المُرَاد: أَن كل وَاحِد من هَذِه الْمَذْكُورَات صَالح للتكفير، فَإِن وجد مَا يكفره من الصَّغَائِر كفره، وَإِن لم يُصَادف صَغِيرَة كتبت لَهُ حَسَنَات وَرفعت لَهُ دَرَجَات، وَإِن صَادف كَبِيرَة أَو كَبَائِر وَلم يُصَادف صَغِيرَة رجى أَن يُخَفف مِنْهَا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رجونا أَن يُخَفف من الْكَبَائِر. وَالله تَعَالَى أعلم.
25 -
(بابُ الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الاستنثار فِي الْوضُوء، والاستنثار استفعال من النثر، بالنُّون والثاء الْمُثَلَّثَة، وَالْمرَاد بِهِ الِاسْتِنْشَاق، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب بعض الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول.
ذكَرَهُ عثْمانُ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ وابنُ عَباس رضي الله عنهم عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أَي: ذكر الاستنثار فِي الْوضُوء عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الله بن زيد بن عَاصِم وَعبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَالْمعْنَى أَن هَؤُلَاءِ رووا الاستنثار فِي الْوضُوء. أما الَّذِي رَوَاهُ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فقد أخرجه مَوْصُولا فِي الْبَاب الَّذِي
قبله، وَأما الَّذِي رَوَاهُ عبد الله بن زيد فقد أخرجه مَوْصُولا فِي بَاب مسح الرَّأْس كُله، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فقد أخرجه مَوْصُولا فِي بَاب غسل الْوَجْه من غرفَة، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الاستنثار، وَكَانَ المُصَنّف أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم من حَدِيثه مَرْفُوعا:(استنثروا مرَّتَيْنِ بالغتين أَو ثَلَاثًا)، وَلأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ:(إِذا تَوَضَّأ أحدكُم واستنثر فَلْيفْعَل ذَلِك مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا)، وَإِسْنَاده حسن قلت: لَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكره، بل فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ ذكر الاستنثار، فَإِن فِي بعض النّسخ ذكر: واستنثر، مَوضِع قَوْله: واستنشق، وَقَوله: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمد
…
إِلَى آخِره، بعيد على مَا لَا يخفى، وَحَدِيث ابي دَاوُد أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا، وَذكر الْخلال عَن أَحْمد أَنه قَالَ: فِي إِسْنَاده شَيْء، وَذكره الْحَاكِم فِي الشواهد وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقى، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَكَانَ يَنْبَغِي للْبُخَارِيّ إِذا عدرواة الاستنثار أَن يذكر بعد حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ من صَحِيح مُسلم، وَحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من (صَحِيح) ابْن حبَان، وَحَدِيث وَائِل بن حجر وَسَنَده جيد عِنْد الْبَزَّار، وَحَدِيث لَقِيط بن صبرَة وَقد تقدم، وَكَذَا حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَحَدِيث الْبَراء بن عَازِب روينَاهُ فِي كتاب (الْحِلْية) لأبي نعيم بِسَنَد جيد، وَحَدِيث سَلمَة بن قيس، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَحَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي رَوَاهُ كَامِل بن طَلْحَة الجحدري عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَنهُ، قَالَ ابو احْمَد الْحَاكِم: أَخطَأ فِيهِ كَامِل، وَحَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب بِسَنَد جيد عِنْد ابي دَاوُد. قلت: لم يظْهر لي وَجه قَوْله: وَكَانَ يَنْبَغِي، فَإِن البُخَارِيّ مَا الْتزم بِذكر أَحَادِيث الْبَاب، وَلَا بتخريج كل حَدِيث صَحِيح، وَكم من صَحِيح عِنْد غَيره فَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيح عِنْده.
161 -
حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبرنا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أخْبرنا يُونسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني أبُو إدْرِيسَ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ومَنِ اسْتجْمَرَ فَلْيُوتِرْ.
(الحَدِيث 161 طرفه فِي: 162) .
مُطَابقَة الحَدِيث فِي قَوْله: (من تَوَضَّأ فليستنثر) .
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: عَبْدَانِ هُوَ لقب ابْن عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالْهَمْزَةِ والذال الْمُعْجَمَة: ابْن عبد الله الْخَولَانِيّ، بِالْمُعْجَمَةِ، التَّابِعِيّ الْجَلِيل الْقدر، الْكَبِير الشَّأْن، كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق لمعاوية مَاتَ سنة ثَمَانِينَ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فالأربعة الأول تقدم ذكرهم بِهَذَا التَّرْتِيب فِي كتاب الْوَحْي، وَأَبُو إِدْرِيس مر ذكره فِي كتاب الْإِيمَان.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِصِيغَة الجمة والإفراد وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وأيلي ومدني وشامي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ: الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس.
بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَعَن سعيد بن مَنْصُور عَن حسان بن إِبْرَاهِيم وَعَن حَرْمَلَة ابْن يحيى عَن ابْن وهب، كِلَاهُمَا عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد، كِلَاهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن ابْن مهْدي وَابْن مَاجَه أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن زيد ابْن الْحباب وَدَاوُد بن عبد الله الْجَعْفَرِي أربعتهم عَن مَالك بِهِ، وَقَالَ ابْن الفلكي: رَوَاهُ كَامِل بن طَلْحَة الجحدري عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي. قَالَ ابو احْمَد الْحَافِظ: إِن كَامِلا أَخطَأ فِيهِ.
بَيَان إعرابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (من تَوَضَّأ) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط. وَقَوله:(فليستنثر) جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دَخلته الْفَاء، وَكَذَلِكَ قَوْله:(وَمن استجمر فليوتر) . قَوْله: (فليستنثر) أَي: فَليخْرجْ المَاء من الْأنف بعد الِاسْتِنْشَاق مَعَ مَا فِي الْأنف من مخاط وغبار، وَشبهه، قيل ذَلِك لما فِيهِ من المعونة على الْقِرَاءَة وتنقية مجْرى النَّفس الَّذِي بِهِ التِّلَاوَة، وبإزالة مَا فِيهِ من التفل تصح مجاري الْحُرُوف، وَيُقَال: الْحِكْمَة فِيهِ التَّنْظِيف وطرد الشَّيْطَان، لِأَنَّهُ روى فِي رِوَايَة عِيسَى بن طَلْحَة عَن أبي هُرَيْرَة أخرجهَا البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق:(إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فَليَتَوَضَّأ فليستنثر ثَلَاثًا، فَإِن الشَّيْطَان يبيت على خيشومه) . قَوْله: (وَمن استجمر) من الِاسْتِجْمَار، وَهُوَ مسح مَحل الْبَوْل وَالْغَائِط بالجمار، وَهِي: الْأَحْجَار الصغار، وَيُقَال:
الاستطابة والاستجمار والإستنجاء لتطهير مَحل الْغَائِط وَالْبَوْل، والاستجمار مُخْتَصّ بِالْمَسْحِ بالأحجار، والاستطابة والاستنجاء يكونَانِ بِالْمَاءِ وبالأحجار. وَقَالَ ابْن حبيب: وَكَانَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يتَأَوَّل الِاسْتِجْمَار هُنَا على إجمار الثِّيَاب بالمجمر، وَنحن نستحب الْوتر فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. يُقَال فِي هَذَا تجمر واستجمر فَيَأْخُذ ثَلَاث قطع من الطّيب أَو يتطيب مرّة وَاحِدَة، لما بعد الأولى، وَحكي عَن مَالك أَيْضا، وَالْأَظْهَر الأول، وَيُقَال: إِنَّمَا سمي بِهِ التمسح بالجمار الَّتِي هِيَ الْأَحْجَار الصغار لِأَنَّهُ يطيب الْمحل كَمَا يطيبه الِاسْتِجْمَار بالبخور، وَمِنْه سميت جمار الْحَج وَهِي: الحصيات الَّتِي يَرْمِي بهَا. قَوْله: (فليوتر) أَي: فليجعل الْحِجَارَة الَّتِي يستنجى بهَا وترا، إِمَّا وَاحِدَة، أَو ثَلَاثًا أَو خمْسا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالإيتار أَن يكون عدَّة المسحات ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو فَوق ذَلِك من الأوتار. قلت: لم يذكر الْوَاحِد، مَعَ أَنه يُطلق عَلَيْهِ الإيتار هروباً عَن أَن لَا يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم، على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ مطلوبية الاستنثار فِي الْوضُوء وَالْإِجْمَاع قَائِم على عدم وُجُوبه، وَالْمُسْتَحب أَن يستنثر بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَقد بوب عَلَيْهِ النَّسَائِيّ، وَيكرهُ أَن يكون بِغَيْر يَده، حُكيَ ذَلِك عَن مَالك أَيْضا لكَونه يشبه فعل الدَّابَّة، وَقيل: لَا يكره. فان قلت: السّنة فِي الاستنثار ثَلَاث مثل الِاسْتِنْشَاق أم لَا؟ قلت: قد ورد فِي رِوَايَة الْحميدِي فِي (مُسْنده) عَن سُفْيَان عَن ابي الزِّنَاد، وَلَفظه:(إِذا استنثر فليستنثر وترا) . وَقَوله: (وترا) يَشْمَل الْوَاحِد وَالثَّلَاث وَمَا فَوْقهمَا من الأوتار، وَورد فِي رِوَايَة البُخَارِيّ:(فليستنثر ثَلَاثًا) . كَمَا ذَكرنَاهَا، وَيُمكن أَن تكون هَذِه الرِّوَايَة مبينَة لتِلْك الرِّوَايَة، فَتكون السّنة فِيهِ أَن تكون ثَلَاثًا كالاستنشاق فَافْهَم. الثَّانِي: من فسر الاستنثار بالاستنشاق ادّعى أَن الِاسْتِنْشَاق وَاجِب، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ دلَالَة لمَذْهَب من يَقُول: إِن الِاسْتِنْشَاق وَاجِب لمُطلق الْأَمر، وَمن لم يُوجِبهُ يحمل الْأَمر على النّدب بِدَلِيل أَن الْمَأْمُور بِهِ حَقِيقَة، وَهُوَ: الاستنثار لَيْسَ بِوَاجِب بالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ ابْن بطال: الاستنثار هُوَ دفع المَاء الْحَاصِل فِي الْأنف بالاستنشاق، وَلم يذكر هَهُنَا الِاسْتِنْشَاق لِأَن ذكره الاستنثار دَلِيل عَلَيْهِ إِذْ لَا يكون إلَاّ مِنْهُ، وَقد أوجب بعض الْعلمَاء الاستنثار بِظَاهِر الحَدِيث، وَحمل أَكْثَرهم على النّدب، وَاسْتَدَلُّوا بِأَن غسله بَاطِن الْوَجْه غير مَأْخُوذ علينا فِي الْوضُوء: قلت: الَّذين أوجبوا الِاسْتِنْشَاق هم: أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِر الْأَمر، وَلكنه للنَّدْب عِنْد الْجُمْهُور بِدَلِيل مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ محسناً، وَالْحَاكِم مصححاً من قَوْله: صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (تَوَضَّأ كَمَا أَمرك الله تَعَالَى)، فأحاله على الْآيَة وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الإستنشاق. وَقَالَ بَعضهم: وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد بِالْأَمر مَا هُوَ أَعم من آيَة الْوضُوء، فقد أَمر الله تَعَالَى بِاتِّبَاع نبينه، وَلم يحك أحد مِمَّن وصف وضوءه على الِاسْتِقْصَاء أَنه ترك الِاسْتِنْشَاق، بل وَلَا الْمَضْمَضَة، وَهَذَا يرد على من لم يُوجب الْمَضْمَضَة أَيْضا، وَقد ثَبت الْأَمر بهَا أَيْضا فِي (سنَن أبي دَاوُد) بِإِسْنَاد صَحِيح. قلت: القرنية الحالية والمقالية مناطقة صَرِيحًا بِأَن المُرَاد من قَوْله: (كَمَا أَمرك الله تَعَالَى) الْأَمر الْمَذْكُور فِي آيَة الْوضُوء، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يدل على وجوب الِاسْتِنْشَاق وَلَا على الْمَضْمَضَة، فَإِن اسْتدلَّ على هَذَا الْقَائِل على وُجُوبهَا بمواظبة النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمَا من غير ترك فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يَقُول بِوُجُوب التَّسْمِيَة أَيْضا، لِأَنَّهُ لم ينْقل أَنه ترك التَّسْمِيَة فِيهِ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ سنة أَو مُسْتَحبَّة عِنْد إِمَام هَذَا الْقَائِل. الثَّالِث: فِيهِ مطلوبية الإيتار فِي الِاسْتِنْجَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: مَذْهَبنَا أَن اسْتِيفَاء الثَّلَاث وَاجِب، فَإِن حصل الْإِبْقَاء بِهِ فَلَا زِيَادَة إلَاّ وَجَبت الزِّيَادَة، ثمَّ إِن حصل بِوتْر فَلَا زِيَادَة، وَإِن حصل بشفع اسْتحبَّ الإيتار. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على وجوب عدد الثَّلَاث، إِذْ مَعْلُوم أَنه لم يرد بِهِ الْوتر الَّذِي هُوَ وَأحد لِأَنَّهُ زِيَادَة صفة على الِاسْم، وَالِاسْم لَا يحصل بِأَقَلّ من وَاحِد، فَعلم أَنه قصد بِهِ مَا زَاد على الْوَاحِد وَأَدْنَاهُ الثَّلَاث. قلت: ظَاهر الحَدِيث حجَّة لأبي حنيفَة وَأَصْحَابه فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن الِاسْتِنْجَاء لَيْسَ فِيهِ عدد مسنون، لِأَن الإيتار يَقع على الْوَاحِد كَمَا يَقع على الثَّلَاث والْحَدِيث دَال على الايتار فَقَط فَإِن قلت تعْيين الثَّلَاث من نَهْيه عليه الصلاة والسلام عَن أَن يستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاث أَحْجَار. قلت: لما دلّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة (من فعل فقد أحسن، وَمن لَا فَلَا حرج) على عدم اشْتِرَاط العيين، حمل هَذَا على أَن النَّهْي فِيهِ كَانَ لأجل الِاحْتِيَاط، لِأَن التَّطْهِير غَالِبا إِنَّمَا يحصل بِالثلَاثِ، وَنحن أَيْضا نقُول: إِذا تحقق شخص أَنه لَا يطهر إلَاّ بِالثلَاثِ يتَعَيَّن عَلَيْهِ الثَّلَاث، وَالتَّعْيِين لَيْسَ لأجل التوفية فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ للانقاء الْحَاصِل فِيهِ حَتَّى إِذا احْتَاجَ إِلَى رَابِع وخامس وهلم جراً يتَعَيَّن عَلَيْهِ ذَلِك. فَافْهَم.