المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب البول عند سباطة قوم) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - جـ ٣

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌(بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)

- ‌(بَاب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ)

- ‌(بابُ الوُضُوءِ ثَلاثاً ثَلاثاً)

- ‌(بابُ الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ)

- ‌(بابُ الاسْتجْمَارِ وِتْراً)

- ‌(بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ)

- ‌(بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ الَاعْقَابِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ الرِّجْليْنِ فِي النَّعْلَيْنِ ولَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ)

- ‌(بابُ التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ والغُسل)

- ‌(بابُ الْتِمَاسِ الوَضُوءِ إِذا حانَتِ الصَّلاةُ)

- ‌(بابُ المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعْرُ الاِنْسانِ)

- ‌(بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إلَاّ مِنَ المَخْرجَيْنِ القُبُلِ والدُّبُرِ)

- ‌(بابُ الرَّجُلِ يُوَضِّىءُ صَاحبَهُ)

- ‌(بابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ وَغَيْرِهِ)

- ‌(بابُ مَنْ لَمْ يرَ الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ)

- ‌(بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إلَى الكعْبَيْنِ)

- ‌(بابُ اسْتِعْمالِ فَضْل وَضُوءِ الناسِ)

- ‌(بابُ مَنْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدةٍ)

- ‌(بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً)

- ‌(بابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ إمْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ)

- ‌(بابُ صَبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَضوءَهُ علَى المُغْمَى عَلَيهِ)

- ‌(بابُ الْغُسْلِ وَالوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ والقَدَحِ والخَشَبِ والحِجَارَةِ)

- ‌(بابُ الوُضُوء مِنَ التَّوْرِ)

- ‌(بابُ الوُضُوءِ بالمُدِّ)

- ‌(بابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْن)

- ‌(بابٌ إِذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُمَا طَاهِرَتانِ)

- ‌(بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ والسَّوِيقِ)

- ‌(بابُ مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ ولَمْ يَتَوَضَّأْ)

- ‌(بَاب هَل يمضم من اللَّبن)

- ‌(بابُ الوُضُوءِ مِنَ النوْمِ)

- ‌(بابُ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ)

- ‌ بَاب:

- ‌(بابُ مَا جاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ)

- ‌(بَاب)

- ‌(بابُ تَرْكِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَالناس الَاعْرابيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِه فِي المَسْجِدِ)

- ‌(بابُ صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ)

- ‌(بابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ)

- ‌(بابُ البَوْلِ قائِماً وقاعِداً)

- ‌(بابُ البَوْلِ عنْدَ صاحبِهِ والتَّسَتُّرِ بالحَائِطِ)

- ‌(بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُباطَةِ قوْمٍ)

- ‌(بابُ غَسْلِ الدَّمِ)

- ‌(بابُ غسْلِ المَنِيِّ وفَرْكِهِ وغَسْل مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ)

- ‌(بابُ إِذا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَها فَلمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ)

- ‌(بابُ أَبْوَالِ الابِلِ والدَّوابِّ والغَنَمِ ومَرَابِضهَا)

- ‌(بابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسات فِي السِّمْنِ والمَاءِ)

- ‌(بَاب البَولِ فِي الماءِ الدَّائِمِ)

- ‌(بابٌ إذَا أُلْقِيَ عَلى ظهْرِ المصَلِّى قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلاتُهُ)

- ‌(بابٌ لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بالنَّبِيذِ ولاٍ بالمُسْكِرِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ المَرّأةِ أَبَاهَا الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ)

- ‌(بابُ السِّواكِ)

- ‌(بابُ دَفْعُ السَّوَاكِ إِلَى الأكْبَرَ)

- ‌(بابِ فَضْلِ مَنْ بَاتَ علَى الوُضوُءِ)

- ‌(كتاب الغسْلِ)

- ‌(بابُ الوُضوءِ قَبْلَ الغُسْلِ)

- ‌(بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرأَتِهِ)

- ‌(بابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ)

- ‌(بابُ مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثاً)

- ‌(بابُ الغُسْل مَرَّةً وَاحِدَةً)

- ‌(بابُ مَنْ بَدَأَ بالحِلابِ أَوْ الطِيّبِ عِنْدَ الغُسْلِ)

- ‌(بابُ المَضْمَضَةِ والإِسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ)

- ‌(بابُ مَسْحِ اليَدِ بالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى)

- ‌(بابُ هَلْ يُدْهِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإنَاءِ قَبْلَ أنْ يَغْسِلَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرُ غَيْرُ الجَنَابَةِ)

- ‌(بابُ تَفْرِيقِ الغُسْلِ والوُضُوءِ)

- ‌(بابُ مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِنِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِي الغُسْلِ)

- ‌(بابٌ إذَا جامَعَ ثُمَّ عادَ وَمَنْ دَارَ علَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ)

- ‌(بابُ غَسْلِ المَذْىٍ وَالوُضُوءِ مِنْهُ)

- ‌(بابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أثرُ الطيِّبِ)

- ‌(بابُ تَخْلِيلِ الشِّعَرِ حَتَّى إذَا أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أفَاضَ عَلَيْهِ

- ‌(بابُ مَنْ تَوَضَّلَ فِي الجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى

- ‌(بابُ إذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ)

- ‌(بابُ نَفْضِ اليدَيْنِ مِنْ الغُسْلِ عَنُ الجَنَابَةِ)

- ‌(بابُ مَنْ بَدَأَ رَأْسِهِ الأيْمَنِ فِي الغُسْلِ)

- ‌(بابُ مَنِ اغْتَسَل عُرْيَاناً وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ)

- ‌(بابُ التَسَتَّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاس)

- ‌(بابٌ إذَا احتَلَمَتِ المَرْأَةُ)

- ‌(بابُ عَرَق الجَنُبٍ وَإنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ)

- ‌(بابُ الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ)

- ‌(بابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي الَبْيتِ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ

- ‌(بابُ نَوْم الجُنُبُ)

- ‌(بابُ الجنُبِ يَتَوَضَأُ ثُمَّ يَنَامُ)

- ‌(بابٌ إذَا التَقَى الخِتَانانِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ مَا يُصيبُ منْ رُطُوبَةِ فَرْجِ المَرْأَةِ)

- ‌(كتاب الحيضِ)

- ‌(بابُ كَيْفَ كانَ بَدْءَ الحَيْضِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِها وَتَرْجِيلِهِ)

- ‌(بابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حائِضٌ)

- ‌(بابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضاً)

- ‌(بابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ)

- ‌(بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ)

- ‌(بابُ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)

- ‌(بابُ الاسْتِحَاضَةِ)

- ‌(بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ)

- ‌(بابُ الاعْتِكَافِ لِلْمُسْتَحاضَةِ)

- ‌(بابٌ هَلْ تُصَلِّى المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حاضَتْ فِيهِ

- ‌(بابُ الَطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا مِنَ الحَيْضِ)

- ‌(بابُ دَلْكِ المَرْأَةِ نَفْسَها أذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ)

- ‌(بابُ غُسْلِ المَحِيضِ)

- ‌(بابُ امْتِشاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِها مِنَ المَحِيضِ)

- ‌(بابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسَلِ المَحِيضِ)

- ‌(بابٌ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ}

- ‌(بابُ كَيفَ تُهِلُّ الحائِضُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ)

- ‌(بابُ إقْبالِ المَحِيضِ وإدْبارِهِ)

- ‌(بابٌ لَا تَقْضِي الحائِضُ الصَّلاةَ)

- ‌(بابُ النَّوْمَ مَعَ الحَائِضِ وهْيَ فِي ثِيَابِهَا)

- ‌(بابُ مَنْ اتخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ)

- ‌(بابُ شُهُودِ الحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى)

- ‌(بابٌ إذَا حاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّساءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيما يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ الله تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أرْحَامِهِنَّ)

- ‌(بابُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ)

- ‌(بابُ عِرْق الإسْتِحَاضَة)

- ‌(بابُ الْمَرأةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإفَاضَة)

- ‌(بابٌ إذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ)

- ‌(بابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا)

- ‌(بابٌ)

الفصل: ‌(باب البول عند سباطة قوم)

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر بَيَانهَا فِي الْبَاب السَّابِق.

بَيَان لغته قَوْله: (حَائِط) أَي: جِدَار، ويجيىء بِمَعْنى: الْبُسْتَان فِي غير هَذَا الْموضع، وَأَصله واوي، من: الحوط. قَوْله: (فانتبذت)، أَي: تنحيت، ومادته: نون وباء مُوَحدَة وذال مُعْجمَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جلس فلَان نبذة، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، أَي: نَاحيَة، وانتبذ فلَان أَي: ذهب ناحيته، وَقَالَ الخاطبي: فانتبذت مِنْهُ، اي تنحيت عَنهُ حَتَّى كنت مِنْهُ على نبذه. قَوْله:(عقبه)، بِفَتْح الْعين وَكسر الْقَاف: وَهُوَ مُؤخر الْقدَم، وَهِي مُؤَنّثَة، وعقب الرجل أَيْضا وَلَده وَولد وَلَده، وفيهَا لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وسكونها، وَهِي أَيْضا مُؤَنّثَة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: رَأَيْت نَفسِي، وَبِهَذَا التَّقْدِير ينْدَفع سُؤال من يَقُول: كَيفَ جَازَ أَن يكون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول عبارَة عَن شَيْء وَاحِد، وَهَذَا التَّرْكِيب جَائِز فِي أَفعَال الْقُلُوب، لِأَنَّهُ من خصائصها، وَلَا يجوز فِي غَيرهَا. قَوْله:(أَنا) للتَّأْكِيد لصِحَّة عطف لفظ النَّبِي على الضَّمِير الْمَنْصُوب على المفعولية، وَالتَّقْدِير: رَأَيْت نَفسِي وَرَأَيْت النَّبِي صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ عطف على الْمَفْعُول لَا على الْفَاعِل، وَعَلِيهِ الرِّوَايَة. قلت: وَيجوز رفع: النَّبِي، أَيْضا لصِحَّة الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَلَكِن إِن صحت رِوَايَة النصب يقْتَصر عَلَيْهَا. قَوْله:(نتماشى) جملَة فِي مَحل لنصب على الْحَال، تَقْدِيره: وَرَأَيْت نَفسِي وَالنَّبِيّ حَال كوننا متماشين. قَوْله: (فَأَشَارَ) أَي: أَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إليّ بعد أَن بَعدت مِنْهُ، وَلَكِن لم أبعد مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يرَاهُ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: ادنه، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه بيّنت أَن رِوَايَة مُسلم: أدنه، كَانَ بِالْإِشَارَةِ لَا بِاللَّفْظِ. قلت: يرد عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن مَالك، قَالَ:(خرج علينا رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وسلمفي بعض سِكَك الْمَدِينَة، فَانْتهى إِلَى سباطة قوم فَقَالَ: يَا حُذَيْفَة استرني) الحَدِيث، فَهَذَا صَرِيح بِأَن إِعْلَامه كَانَ بِاللَّفْظِ، وَيُمكن أَن يجمع بَين الروايتني بِأَن يكون، عليه الصلاة والسلام، أَشَارَ أَولا بِيَدِهِ أَو بِرَأْسِهِ، ثمَّ قَالَ: استرني. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلَيْسَت فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الْكَلَام فِي حَال الْبَوْل. قلت: هَذَا الْكَلَام من غير رِوَايَة إِذْ إِشَارَته، عليه الصلاة والسلام، إِلَى حُذَيْفَة أَو قَوْله:(استرني) ، لم يكن إلَاّ قبل شُرُوعه فِي الْبَوْل، فَكيف يظنّ من ذَلِك مَا قَالَه حَتَّى يَنْفِي ذَلِك؟ .

ويستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام مَا استنبط من الحَدِيث السَّابِق. وَفِيه أَيْضا: جَوَاز طلب البائل من صَاحبه الْقرب مِنْهُ ليستره. وَفِيه: أَنه، عليه الصلاة والسلام، كَانَ إِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة الْإِنْسَان توارى عَن أعين النَّاس بِمَا يستره من حَائِط أَو نَحوه، وَقَالَ ابْن بطال: من السّنة أَن يقرب من البائل إِذا كَانَ قَائِما، هَذَا إِذا أَمن أَن يرى مِنْهُ عَورَة، وَأما إِذا كَانَ قَاعِدا فَالسنة الْبعد مِنْهُ، وَإِنَّمَا انتبذ حُذَيْفَة مِنْهُ لِئَلَّا يسمع شَيْئا مِمَّا جرى فِي الحَدِيث، فَلَمَّا بَال، عليه الصلاة والسلام، قَائِما، وَأمن، عليه الصلاة والسلام، مَا خشيه حُذَيْفَة أمره بِالْقربِ مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا بعد مِنْهُ وعينه ترَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْرُسهُ، اي: يحرس النَّبِي، عليه الصلاة والسلام. قلت: هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: {وَالله يَعْصِمك من النَّاس} (الْمَائِدَة: 67) لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْرُسهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة قبل نزُول هَذِه الْآيَة، فَلَمَّا نزلت ترك صلى الله عليه وسلم الحرس.

62 -

(بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُباطَةِ قوْمٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل عِنْد جمَاعَة من النَّاس، وَهَذَا الْبَاب، والبابان اللَّذَان قبله، حَدِيث حُذَيْفَة رضي الله عنه، غير أَن كلاًّ مِنْهَا عَن شيخ، وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهَا تَرْجَمَة تناسب معنى من مَعَاني الحَدِيث الْمَذْكُور.

والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تطلب.

226 -

حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ قَالَ كانَ أبُو مُوسَى الاشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ ويَقُولُ إنَّ بَني إسْرَائِيلَ كانَ إِذا أَصابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ فَرَضَهُ فقالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ اَمْسَكَ أَتَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قيل: إتْيَان حَدِيث وَاحِد من شخص وَاحِد فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب لَيْسَ لَهُ زِيَادَة فَائِدَة. قلت: فَائِدَته تنادي بِأَعْلَى صَوته، وَلَكِن قَاصِر الْفَهم بمعزل من هَذِه الْفَائِدَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة، كلهم قد تقدمُوا، وَتقدم ذكر أبي

ص: 137

مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي بَاب: أَي: الْإِسْلَام أفضل، واسْمه عبد الله بن قيس، وَأَبُو وَائِل شَقِيق.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضعي، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين، وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري وكوفي.

وتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: تقدم فِي بَاب الْبَوْل قَائِما.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (يشدد)، جملَة فِي مَحل النصب على أَنه خبر: كَانَ، وَمَعْنَاهُ: كَانَ يحْتَاط عَظِيما فِي الِاحْتِرَاز عَن رشاشاته، حَتَّى كَانَ يَبُول فِي القارورة خوفًا أَن يُصِيبهُ من رشاشاته شَيْء. وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه أَنه سمع أَبَا مُوسَى، وَرَأى رجلا يَبُول قَائِما، قَالَ: وَيحك أَفلا قَاعِدا، ثمَّ ذكر قصَّة بني اسرائيل، وَبَنُو اسرائيل بَنو يَعْقُوب، عليه الصلاة والسلام، واسرائيل لقبه. قَوْله:(كَانَ إِذا أصَاب ثوب احدهم) الضَّمِير فِي: كَانَ، ضمير الشَّأْن، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره، وَبِهَذَا لَا يرد سُؤال الْكرْمَانِي بقوله: فان قلت: بَنو، جمع فَلم أفرد ضمير: كَانَ، الرَّاجِع إِلَيْهِ؟ وَبَنُو إِسْرَائِيل أَصله بنُون لإسرائيل، فَلَمَّا أضيف إِلَى إِسْرَائِيل سَقَطت نون الْجمع.

فان قلت: مَا وَجه تلقيب يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عليهم السلام، بإسرائيل؟ قلت: كَانَ يَعْقُوب وعيصو أَخَوَيْنِ، كَانَا فِي بطن أمهما مَعًا. فَلَمَّا جَاءَ وَقت وضعهما اقتتلا فِي بَطنهَا لأجل الْخُرُوج أَولا، فَقَالَ عيصو: وَالله لَئِن خرجت قبلي الاعترض فِي بطن أُمِّي لأقتلها، فَتَأَخر يَعْقُوب وَخرج عيصو قبله، فَسمى: عيصو، لِأَنَّهُ عصى، وسمى: يَعْقُوب، لِأَنَّهُ خرج آخِذا بعقب عيصو. وَكَانَ يَعْقُوب أكبرهما فِي الْبَطن، وَكَانَ أحبهما إِلَى أمه، وَكَانَ: عيصو، أحبهما إِلَى أَبِيه، وَكَانَ صَاحب صيد، فَلَمَّا كبر أَبوهُمَا إِسْحَاق وَعمي قَالَ لعيصو: يَا بني أَطْعمنِي لحم صيد أدعُ لَك بِدُعَاء كَانَ ابي دَعَا لي بِهِ، وَكَانَ أشعر، وَكَانَ يَعْقُوب أجرد، فَخرج عيصو إِلَى الصَّيْد، وَقَالَت أمه ليعقوب: خُذ شَاة واشوها والبس جلدهَا، وقدمها إِلَى أَبِيك، وَقل لَهُ: أَنا ابْنك عيصو، فَفعل، فمسه إِسْحَاق فَقَالَ: المسّ مسّ عيصو، وَالرِّيح ريح يَعْقُوب، فَقَالَت أمه: ابْنك عيصو فَادع لَهُ، فَأكل مِنْهَا ودعا لَهُ بِأَن الله يَجْعَل فِي ذُريَّته الْأَنْبِيَاء والملوك، ثمَّ جَاءَ عيصو بالصيد فَقَالَ إِسْحَاق: يَا بني قد سَبَقَك أَخُوك، فَغَضب وَقَالَ: وَالله لاقتلنه. فَقَالَ اسحاق: يَا بني قد بقيت دَعْوَة، فَدَعَا لَهُ: بِأَن تكون ذُريَّته عدد التُّرَاب وَلَا يملكهم أحد. وَقَالَت أم يَعْقُوب: إلحق بخالك فَكُن عِنْده، خشيَة أَن يقْتله عيصو، فَانْطَلق يَعْقُوب إِلَى خَاله لابان، وَكَانَ بِبَابِل، وَقيل: بحرَّان، فَكَانَ يسير بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، فَلذَلِك سمي إِسْرَائِيل، فَأخذ من: السرى وَاللَّيْل، قَالَه السّديّ. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ عبد الله، لِأَن: ايل، اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى بالسُّرْيَانيَّة، كَمَا يُقَال: جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل.

قَوْله: (اذا اصاب) اي: الْبَوْل (و: ثوب أحدهم) ، بِالنّصب مَفْعُوله، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم:(إِذا أصَاب جلد أحدهم) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مُرَاده بِالْجلدِ: وَاحِد الْجُلُود الَّتِي كَانُوا يلبسونها، وَحمله بَعضهم على ظَاهره، وَزعم أَنه من الإصر الَّذِي حملوه، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابي دَاوُد، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَعَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَخرج وَمَعَهُ دورقة ثمَّ استتر بهَا ثمَّ بَال، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة، فَسمع ذَلِك، فَقَالَ: ألم تعلمُوا مَا لَقِي صَاحب بني اسرائيل؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قطعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْل مِنْهُم، فنهاهم، فعذب فِي قَبره. قَالَ مَنْصُور عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جلد أحدهم، وَقَالَ عَاصِم عَن ابي وَائِل عَن ابي مُوسَى: جَسَد أحدهم. قَوْله: (انْظُرُوا اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) ، وَهَذَا القَوْل مِنْهُمَا من غير قصد، أَو وَقع بطرِيق التَّعَجُّب، أَو بطرِيق الاستفسار عَن هَذَا الْفِعْل، فَلذَلِك قَالَ، عليه الصلاة والسلام بقوله:(الم تعلمُوا) الخ، ولِمَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْل بطرِيق الِاسْتِهْزَاء وَالِاسْتِخْفَاف، لِأَن الصَّحَابَة برَاء من هَذَا الْكَلَام: وَأَرَادَ بِصَاحِب بني اسرائيل: مُوسَى، عليه الصلاة والسلام. فان قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب قَوْله: (فعذب) على قَوْله: (فنهاهم) ؟ قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فنهاهم عَن إِصَابَة الْبَوْل وَلم ينْتَهوا، فعذب الله تَعَالَى. و: الْفَاء، فِي: فعذب، فَاء السَّبَبِيَّة نَحْو قَوْله تَعَالَى:{فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} (الْقَصَص: 15) قَوْله: (قرضه) بِالْقَافِ أَي: قطعه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ:(قرضه بالمقراض)، وَهَذِه الرِّوَايَة ترد قَول من يَقُول: المُرَاد بالقرض: الْغسْل بِالْمَاءِ. قَوْله: (ليته أمسك)، قَول حُذَيْفَة أَي: لَيْت أَبَا مُوسَى أمسك نَفسه عَن هَذَا التَّشْدِيد، أَو لِسَانه عَن هَذَا القَوْل، أَو كليهمَا عَن كليهمَا، ومقصوده: أَن هَذَا التَّشْدِيد خلاف السّنة، فَإِن النَّبِي، عليه الصلاة والسلام، بَال قَائِما، وَلَا شكّ فِي كَون الْقَائِم معرضًا للرشاش، وَلم يلْتَفت، عليه الصلاة والسلام، إِلَى هَذَا الِاحْتِمَال، وَلم يتَكَلَّف الْبَوْل فِي القارورة؛ وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ حجَّة لمن رخص فِي يسير الْبَوْل، لِأَن الْمَعْهُود مِمَّن بَال قَائِما أَن

ص: 138