الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ الْقِرَاضِ]
ِ) (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قِرَاضٌ شَرْعِيٌّ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ وَسَافَرَ ثُمَّ حَضَرَ مِنْ السَّفَرِ وَتَسَحَّبَ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنْ السَّفَرِ وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ أَحْمَالٍ وَظَهَرَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَأَصْحَابُ الدُّيُونِ عَلَى الْحَمَّالِ فَهَلْ يُحَاصِصُهُمْ صَاحِبُ الْقِرَاضِ أَمْ لَا؟
(أَجَابَ) رضي الله عنه نَعَمْ يُحَاصِصُهُمْ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إذَا مَاتَ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ فِي تَرِكَتِهِ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الدُّيُونِ يُضَارِبُ بِهَا صَاحِبُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُمَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَيَعْنِي جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ، وَدَلِيلُ هَؤُلَاءِ أَنَّ التَّمْكِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَاحْتِمَالُ تَلَفِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مُنْتَفٍ بِالْأَصْلِ وَبِمَوْتِهِ وَفَقْدِهَا لَمْ يُوجَدْ التَّمْكِينُ فَيَضْمَنُ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إنْ وُجِدَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهَا أَخَذَ حَمْلًا عَلَى أَنَّهَا هُوَ وَإِلَّا فَلَا؛ اسْتِصْحَابًا لِلْأَمَانَةِ مَا أَمْكَنَ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَاخْتَارَهُ الْجَوْزِيُّ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مُوَافَقَتُهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ جَارِيَةٌ، أَوْصَى أَوْ لَمْ يُوصِ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ غَيْرَ فَجْأَةٍ، وَحُكْمُ مَالِ الْقِرَاضِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجَوْزِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ التَّرِكَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً لِلنَّصِّ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى بِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي فِي التَّرِكَةِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ فَيُؤْخَذُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَالَهَا أَبُو إِسْحَاقَ وَمَسَاقُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي إِسْحَاقَ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مِنْ جِنْسِهَا، أَوْ عَلَى النَّصِّ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الدَّيْنِ هَذَا فِي الْمَوْتِ كُلِّهِ، أَمَّا الْغَيْبَةُ، فَإِنْ سَافَرَ حَيْثُ رَدَّ يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرْنَاهُ بِهِ مِنْ الرَّدِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ سَوَاءً أَكَانَ سَفَرُهُ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ فِيهِ خَطَرٌ أَوْ لَا وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقِرَاضِ، الْوَدِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي السَّفَرِ كَمَا قَالَهُ الْمُسْتَفْتِي فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ أَنْ يُسَافِرَ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخُصَّ بِهِ بَلَدًا جَازَ أَنْ يُسَافِرَ إلَى الْبُلْدَانِ الْمَأْمُونَةِ الْمَسَالِكِ، وَالْأَمْصَارِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ أَنْ يُسَافِرُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَمَتَاجِرِهِمْ إلَيْهَا وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهَا وَفِي الْبُعْدِ إلَى أَقْصَى الْبُلْدَانِ، فَإِنْ أَبْعَدَ إلَى أَقْصَى الْبُلْدَانِ ضَمِنَ الْمَالَ. انْتَهَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ وَلَا شَكَّ فِيمَا قَالَهُ
وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالتَّسَحُّبُ الَّذِي صَدَرَ مِنْ هَذَا الْعَالِمِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ مَا أَطْلَقَهُ لَهُ الْمَالِكُ مِنْ الْإِذْنِ فِي السَّفَرِ فَهَذَا غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَهُوَ سَبَبٌ لِضَمَانِ مَالِ الْقِرَاضِ بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ السَّفَرِ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ بِالتَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ تَجْهِيلَ الْأَمَانَةِ، وَتَجْهِيلُ الْأَمَانَةِ سَبَبٌ فِي الضَّمَانِ كَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّهُ لَوْ حَفَرَ فِي بَيْتِهِ وَدَفَنَ الْوَدِيعَةَ فِي مَكَان لَا يَعْلَمُ بِهِ غَيْرُهُ وَسَافَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فَيَضِيعُ التَّسَحُّبُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَكَانُهُ فَلَا طَرِيقَ إلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يُقَالُ: إنَّ سَبَبَ تَضْمِينِهِ بِتَرْكِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْأَصْحَابَ عَلَّلُوا بِتَوَقُّعِ الْمَوْتِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَوْتِ فَصَارَ احْتِمَالُ الْمَوْتِ فِيهِ قَرِيبًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ كَذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّسَحُّبَ الْمَذْكُورَ مُضَمَّنٌ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ بَلْ أَوْلَى لِكَوْنِهِ مُفَرِّطًا بِهِ، بَقِيَ عَلَيْنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّضْمِينَ شَرْطُهُ وُجُودُ الْمَالِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَالُ تَلِفَ قَبْلَ تَسَحُّبِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا يَكُونُ التَّسَحُّبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُضَمَّنًا.
وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَلِفَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا بَلْ حَكَمَ بِالضَّمَانِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَرْجِعُ الْغَائِبُ وَيَدَّعِي التَّلَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ. قُلْت: إذَا رَجَعَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَى التَّلَفَ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِالتَّسَحُّبِ وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِضَمَانِهِ يَصِيرُ غَاصِبًا، وَقَبُولُ قَوْلِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ أَمَانَتِهِ. هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَلَا يُقَالُ: إنَّ شَرْطَ تَضْمِينِهِ يُحَقِّقُ وُجُودَ الْمَالِ عِنْدَ التَّسَحُّبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْمَالِ، وَالتَّسَحُّبُ مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ، وَقَدْ حَكَمَ بِتَضْمِينِهِ ظَاهِرًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ عَزَلَ الْوَكِيلَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ تَصَرَّفَ قَبْلَ الْعَزْلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ قَطْعًا عَلَى أَصَحِّ الطُّرُقِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ فَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الْحُكْمِ الْآنَ وَإِبْقَائِهِ عَلَى حُجَّتِهِ كَمَا أَنَّهُ يُوفِي دَيْنَ الْغَائِبِ لِمَنْ يَثْبُتُ لَهُ، وَقَدْ يَجِيءُ الْغَائِبُ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ أَبْرَأَهُ أَوْ أَقْبَضَهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْحُكْمِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَإِبْقَاءِ كُلِّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّالِثَ الَّذِي صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ لَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَتِنَا بَلْ يُقْطَعُ فِيهَا بِالضَّمَانِ، فَعَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ يَتَقَدَّمُ مَالِكُ الْقِرَاضِ عَلَى الْمُدَايِنِينَ مِنْ الْجِمَالِ بِقَدْرِ الَّذِي لَهُ، وَالْبَاقِي لِلْمُدَايِنِينَ وَعَلَى النَّصِّ يَتَحَاصَصُ الْجَمِيعُ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُدَايِنُونَ فِي الْجِمَالِ كُلِّهَا، وَكُنْت أَمِيلُ إلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْأَمَانَةِ لَكِنْ ظَهَرَ لِي الْآنَ أَنَّ فِي تَمْشِيَتِهِ فِي الْقِرَاضِ إشْكَالًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ