الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
ِ (مَسْأَلَةٌ) فِي قَوْله تَعَالَى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] مَحَبَّتُهُ صلى الله عليه وسلم لَأَنْ يُوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ إبْرَاهِيمَ وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يُعَظِّمُونَهَا فَيُرْجَى إسْلَامُهُمْ بِهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَنْبَغِي الْحِرْصُ عَلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ عَلَى أَبْلَغِ وُجُوهِ الْكَمَالِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الثَّالِثَةُ لَمْ أَجِدْهَا مَنْقُولَةً وَلَكِنْ اسْتَنْبَطْتُهَا وَإِنَّمَا قُلْت إنَّ التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا أَطْوَلُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكُلُّ مَا كَانَ طَلَبُهُ أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ وَلِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالنَّاسِخُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ إلَى الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ كَانَ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ فَاضِلًا وَاجِبًا وَهَذَا شَيْءٌ يَقْتَضِي الْحِرْصَ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ مَا كَانَ صلى الله عليه وسلم يَتَوَقَّعُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْوِيلِهِ إلَى الْكَعْبَةِ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَقِرَّةِ لَا يَطْلُبُ تَغْيِيرَهَا. فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ الْحِرْصُ عَلَى التَّحْوِيلِ إلَى الْكَعْبَةِ طَلَبًا لِكَمَالِ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْفَضْلِ فَلِمَ لَا طَلَبَ الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا عِنْدَكُمْ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَدِينَةِ؟ قُلْت: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُهَاجِرِينَ فَلَا نَقُولُ: إنَّ صَلَاتَهُمْ بِالْمَدِينَةِ تَنْقُصُ عَنْ صَلَاتِهِمْ بِمَكَّةَ بَلْ هِيَ مِثْلُهَا وَيَحْصُلُ لَهُمْ الْأَجْرُ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ بِمَكَّةَ لِأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْهَا كَرْهًا فَيَسْتَمِرُّ لَهُمْ ذَلِكَ الْأَجْرُ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» .
وَهَكَذَا نَقُولُ لَوْ أَنَّ شَخْصًا مِنْ الْمُجَاوِرِينَ فِي مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أُخْرِجَ كَرْهًا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِهَا كَصَلَاتِهِ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ. فَإِنْ قُلْت: هَذَا يَسْتَمِرُّ لَكُمْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّا بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ بِهَا. قُلْت: الْمُهَاجِرُونَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ: تَعَالَى وَشَيْءٌ تُرِكَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُرْجَعُ فِيهِ فَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمَمْنُوعِينَ مِنْهَا فَكَذَلِكَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْأَجْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَرَتْ فِي الْمِيعَادِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رضي الله عنه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِرَسُولِهِ وَهَدَانَا
لِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِ وَبَيَّنَ لَنَا مَعَالِمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَوْضَحَ لَنَا طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ نَحْمَدُهُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى مَا حَكَمَ وَقَضَى وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَوْحِيدًا تَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ شُبَهُ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْهَادِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ صلى الله عليه وسلم وَشَمَلَ أَصْحَابَهُ بِالرِّضْوَانِ وَعَمَّمَ وَبَعْدُ.
فَإِنَّ أَهَمَّ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الصَّلَاةُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الِاهْتِمَامُ بِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى أَدَائِهَا وَإِقَامَةُ شِعَارِهَا وَفِيهَا أُمُورٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا وَأُمُورٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهَا، وَطَرِيقُ الرَّشَادِ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ: إمَّا أَنْ يَتَحَرَّى الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ إنْ أَمْكَنَ وَإِمَّا أَنْ يَنْظُرَ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَتَمَسَّكُ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاتُهُ صَوَابًا صَالِحَةً دَاخِلَةً فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا} [الكهف: 110] وَإِنَّ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ قِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَقَلَ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَكَفَى بِهَذَا تَرْجِيحًا لِمَنْ يَقْصِدُ الِاحْتِيَاطَ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ أَمْ بَاطِلَةٌ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ مَعًا، وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ مَعًا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَآثَارٌ أُخْرَى فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَأَمَّا الْآثَارُ فِي تَرْكِهَا فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ فَقَلِيلَةٌ، وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ فَلْيُطَالِعْ كِتَابَ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْآثَارِ فِي تَرْكِهَا فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَمُسَاوَاتِهَا لِلْآثَارِ الْأُخْرَى فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِهَا، وَحِينَئِذٍ نَرْجِعُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ شِفَاءً وَهُدًى بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه " لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " وَأَخَذَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُجَاهِدٌ وَأَخَذَهَا مِنْهُمَا مَالِكٌ رضي الله عنه وَاشْتُهِرَتْ عَنْهُ، وَوَجَدْنَا الدَّلِيلَ الصَّحِيحَ مِنْ السُّنَّةِ وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَنَقَلْت عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إمَامِكُمْ قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ
حَسَنٌ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ؛ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ صَحِيحٌ. قُلْت: وَغَايَةُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُخَالِفُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيَّ رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ بِهَذَا فَذَكَرَهُ؛ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي إسْنَادِهِ: هَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ. الثَّانِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ وَمَكْحُولٍ، فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ إلَى مَكْحُولٍ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا مَنْ فِيهِ مَطْعَنٌ، وَلَفْظُ حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ عُبَادَةَ «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدُكُمْ إذَا جَهَرْت بِالْقِرَاءَةِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَهُوَ الَّذِي قَبْلَهُ يَدْفَعُ جَمِيعَ شُبَهِ الْمُخَالِفِينَ لِوُجُوهٍ مِنْهَا تَصْرِيحُهُ بِالْجَهْرِيَّةِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَالسِّرِّيَّةُ أَوْلَى، وَمِنْهَا تَصْرِيحُهُ بِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا وَهُوَ يَدُلُّ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَلَى الْقَطْعِ بِدُخُولِ الْمَأْمُومِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ جَمِيعَ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ إذَا دَلَّتْ عُمُومَاتٌ لَيْسَ فِيهَا قَطُّ نَصٌّ خَاصٌّ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَتْرُكُ الْفَاتِحَةَ فِي جَمِيعِ الرَّكْعَةِ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي الْمَقْرُوءِ فِي مَحَلِّهِ وَأَدِلَّتُنَا خَاصَّةٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهَا وَيُجْعَلُ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " فَهُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا بِمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٍ إذَا أَمْكَنَ الْمَأْمُومَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهِنَّ كَانَ أَوْلَى لِيَجْمَعَ بَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوا مَا لَمْ يَكُنْ يَصْنَعُونَهُ يَعْنِي مِنْ تَرْكِ هَذِهِ السَّكَتَاتِ فَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لِلْإِمَامِ سُكُوتٌ فَلَا يُعَارِضُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ فَيَبْقَى الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ وَدَلِيلُنَا خَاصٌّ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا فَإِنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَوَاتِ لِلْوُجُوبِ وَالْأَمْرَ بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لَيْسَ فِي رُتْبَتِهِ فَلَوْ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ لَكَانَ تَقْدِيمُ مَا اُتُّفِقَ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْلَى، هَذَا مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَا الْمَنْعَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ لَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَمْتَنِعُ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَيْضًا، وَتَهْوِيلُ الْمُخَالِفِ بِمَا قِيلَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ إنْ صَحَّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ فَهُوَ عَامٌّ يُحْمَلُ عَلَى
الزَّائِدِ عَنْ الْفَاتِحَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَأَيْضًا فَالْقِيَاسُ عَلَى جَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَكَمَا لَا يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ قِيَامًا وَلَا قُعُودًا وَلَا رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا وَلَا غَيْرَهَا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ لَا يَتَحَمَّلُ الْفَاتِحَةَ فَإِذَا صَحَّ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا أَوْ غَيْرَهُ. وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْد عَنْ عَيَّاشٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «صَلَّى رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ ارْجِعْ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَقَامَ الرَّجُلُ فَصَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ارْجِعْ فَصَلِّ ثَلَاثًا قَالَ فَحَلَفَ لَهُ لَقَدْ اجْتَهَدْت فَقَالَ ابْدَأْ فَكَبِّرْ تَحْمَدُ اللَّهَ وَتَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ ثُمَّ تَرْكَعُ يَطْمَئِنُّ صُلْبُك فَمَا انْتَقَصْت مِنْ هَذَا فَقَدْ انْتَقَصْت مِنْ صَلَاتِك» وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِدْلَالِ لِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَإِنَّا إنَّمَا نَتَكَلَّمُ الْآنَ فِي قِرَاءَتِهَا لِلْمَأْمُومِ بَعْدَ تَقْرِيرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ «أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي أَتَى وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَاكِعٌ وَأَحْرَمَ وَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا تَعُدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ الْإِحْرَامِ دُونَ الصَّفِّ أَوْ عَنْ الرُّكُوعِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ دَلِيلٌ لِعَدَمِ سُقُوطِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ثُمَّ الْبُخَارِيُّ: إنَّمَا أَجَازَ إدْرَاكَ الرُّكُوعِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاَلَّذِينَ لَمْ يُسِرُّوا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك.
قُلْت: وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ: لَا يَرْكَعْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَسْبُوقِ وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِخَامِسَةٍ بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ الرُّكُوعَ الَّذِي أَدْرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الضُّبَعِيُّ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا، وَكَأَنَّهُمَا جَمَعَا بِذَلِكَ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَهُوَ أَقْوَى الْمَذَاهِبِ دَلِيلًا، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ قَالُوا بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ وَيَعْتَدُّ لَهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْلَهُ " لَا تَعُدْ " الْإِحْرَامَ دُونَ الصَّفِّ مَعَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِهِ التَّنْزِيهَ عِنْدَهُمْ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ كَانَ ذَلِكَ
مُخَصَّصًا لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْمَأْمُومِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَيَبْقَى فِيمَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةَ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ اتَّجَهَ مَذْهَبُ الْمُوجِبِينَ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَسْبُوقِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْقِرَاءَةُ لِلْمَأْمُومِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا مِرْيَةَ فِيهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ نُقِلَ عَنْهُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ مَعًا إلَّا اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرُوِيَ عَنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ، وَوَجَدْت أَنَا النَّقْلَ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَصَدْت أَنْ أُثْبِتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ وَأَذْكُرَ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ لِمَا أَشَرْت إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الرَّاجِحَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ إذَا قَرَأَ أَنْ يَكُونَ قَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعَ صِحَّتِهَا عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ كَانَ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَحَرَامًا مُبْطِلًا عِنْدَ الْبَاقِينَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُ الدَّلِيلِ فَكَيْفَ وَقَدْ ظَهَرَ وَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ أَوْ يُسَاوِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ وَاسْتَعْمَلَ الْأَدِلَّةَ عَلَى قَوَاعِدِ الْعِلْمِ الْمُسْتَقِيمَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ وَيُوَفِّقَنَا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ وَيُسَدِّدَ أَقْوَالَنَا وَأَفْعَالَنَا وَيُخْلِصَ نِيَّاتِنَا وَيَرْزُقَنَا حُسْنَ الْخَاتِمَةِ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ بِلَا مِحْنَة وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فِي دَارِ كَرَامَتِهِ وَمَنْ يُحِبُّهُ. كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ فِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِمَنْزِلِنَا بِالْمُقْسَمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. .
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ: هِيَ بِالشُّرُوطِ أَشْبَهُ. وَهَذَا لَيْسَ تَصْرِيحًا بِخِلَافٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهَا رُكْنٌ يُشْبِهُ الشَّرْطَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ فِيهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهَا قَصْدُ النَّاوِي وَالثَّانِي فِي الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ فَذَلِكَ الْأَمْرُ النَّاشِئُ الَّذِي يُكْسِبُ الْفِعْلَ صِفَةَ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ هُوَ رُكْنٌ بِلَا شَكٍّ وَهُوَ مَعَ الْفِعْلِ كَالرُّوحِ مَعَ الْبَدَنِ قَصْدُ النَّاوِي إلَى ذَلِكَ خَارِجٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى الشَّيْءِ عَيْنُ الشَّيْءِ فَمِنْ هُنَا أَشْبَهَ الشَّرْطَ وَلِهَذَا اشْتَبَهَ الْأَمْرُ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا وَصَحَّ أَنْ يُقَالَ هِيَ رُكْنٌ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لِلْفِعْلِ الْمُسَاوِي لَهُ الْمُصَاحِبِ لَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ رُوحُهُ وَقِوَامُهُ، وَصَحَّ أَنْ يُقَالَ شَرَطَ لِذَلِكَ الْقَصْدَ الْقَائِمَ بِذَاتِ النَّاوِي فَهُمَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا قَائِمٌ بِذَاتِ النَّاوِي