الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا النَّصُّ فِي الرُّؤْيَةِ وَهِيَ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ وَلَمْ يَحْصُلْ لَنَا هَهُنَا؛ وَفِي الْحَدِيثِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَالْعُمُومُ حَاصِلٌ فَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِهِ هُنَا.
(فَصْلٌ) فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالِاسْتِحَالَةِ قُلْنَا أَنْ نَقُولَ لِمَنْ لَا يَنْجَذِبُ طَبْعُهُ إلَى الْحِسَابِ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا يَوْمَ كَذَا فِي بَلَدِ كَذَا فَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ عَمْرًا كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي بَلَدٍ آخَرَ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ مِنْهَا إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَادَةً وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ عَقْلًا.
(فَصْلٌ) قَدْ دَلَّ الْحِسَابُ وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ عَلَى أَنَّ السَّنَةَ الْقَمَرِيَّةَ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ وَسُدُسُ يَوْمٍ. وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مُفَارَقَةِ الْهِلَالِ لِلشَّمْسِ، وَأَمَّا بِحَسْبِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ فَقَدْ يَنْتَهِي إلَى خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسْبِ الْكَسْرِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ شُهُورٌ يَقْتَضِي الْحِسَابُ اسْتِحَالَةَ نَقْصِ مَجْمُوعِهَا لَمْ تُسْمَعْ لِمَا قُلْنَاهُ، وَإِذَا غُمَّ الْهِلَالُ عَلَيْنَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَقْوَى فِي الْأَخِيرِ اعْتِمَادُ الْحِسَابِ وَالْحُكْمِ بِالْهِلَالِ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا ضَيَّقَ الْفَرْضُ كَمَا فَرَضْنَاهُ هَهُنَا يَكُونُ الْقَوْلُ بِهِ أَقْوَى وَأَوْلَى وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الْهِلَالَ إذَا غَابَ بَعْدَ الْعِشَاءِ]
(فَصْلٌ) حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْهِلَالَ إذَا غَابَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَهُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. وَهَذَا إذَا صَحَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ إمَّا عَلَى وَقْتٍ خَاصٍّ أَوْ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْهِلَالَ إذَا فَارَقَ الشَّمْسَ وَكَانَ عَلَى خَمْسِ دَرَجٍ عِنْدَ الْغُرُوبِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لَا يُرَى وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ فَإِذَا حُسِبَ ذَلِكَ مَعَ سَيْرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً يُقِيمُ إلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ عِنْدَهُ الْبَيَاضُ وَهُوَ يَتَأَخَّرُ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ رحمه الله فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ فَلَقِيَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه فَقُلْنَا: إنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ. فَانْظُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ كِبَارُ التَّابِعِينَ كَيْفَ ظَنُّوهُ ابْنَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رضي الله عنه: أَنْشَدَنَا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شَيْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد التِّرْمِذِيُّ الْجُهَنِيُّ لِنَفْسِهِ:
يَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ
…
رَدْعُ الْعِدَى بِبَرَاعَةٍ وَلِسَانِهِ
بَيِّنْ لَنَا نَهْجَ الصَّوَابِ وَسِيلَةً
…
لَا زَالَ عِلْمُك يُهْتَدَى بِبَيَانِهِ
فِي صَائِمٍ يَا صَاحَ قَبَّلَ زَوْجَهُ
…
قَبْلَ انْتِهَاءِ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانِهِ
فَرَأَى الْمَنِيَّ مِنْ الْعَبَالَةِ هَلْ لَهُ
…
صَوْمٌ أَمْ الْفُتْيَا عَلَى بُطْلَانِهِ
هَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ
…
أَمْ لَا وَهَلْ يُقْضَى عَلَى إتْيَانِهِ
تَمَّ السُّؤَالُ أَجِبْ جَوَابًا شَافِيًا
…
مِمَّا حَبَاك اللَّهُ مِنْ إحْسَانِهِ
هَذَا سُؤَالُ التِّرْمِذِيِّ مُحَمَّدٍ
…
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ بِشَانِهِ
فَأَجَبْت فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ:
يَا فَاضِلًا نَظْمَ السُّؤَالِ مُحَبِّرًا
…
عَنْ شَأْنِ مَنْ قَدْ لَحَّ فِي عُدْوَانِهِ
لَمَّا تَجَرَّأَ جَاهِلٌ لِصِيَامِهِ
…
مِنْ غَيْرِ تَعْظِيمٍ لِحُرْمَةِ شَانِهِ
يَقْضِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ
…
وَالْقَطْعُ مَحْتُومٌ عَلَى عِصْيَانِهِ
يَا وَيْلَهُ مِنْ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ
…
وَعَذَابِهِ فِيهَا وَعِظَمِ هَوَانِهِ
دَعْهُ يَتُوبُ لَعَلَّ يُغْفَرُ مَا جَنَى
…
مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ فِي غُفْرَانِهِ
هَذَا جَوَابٌ عَلَى السُّبْكِيّ عَنْ
…
فَضْلٍ حَبَاهُ اللَّهُ مِنْ إحْسَانِهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مَا يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ إنَّ الْأَوْلَى لِلسَّالِكِ مُلَازَمَةُ ذِكْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَنْفَتِحَ قَلْبُهُ وَيَجْتَمِعَ وَلَا يَتَفَرَّقَ. هُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ فَيُرَبَّى كَمَا يُرَبَّى الطِّفْلُ وَكَمَا يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَالْأَسْهَلَ فَالْأَسْهَلَ، فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمَشَايِخِ وَصَنِيعُهُمْ، وَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَالْكَامِلُونَ الْأَقْوِيَاءُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ تَقْوَى قُلُوبُهُمْ عَلَى الْمَعَارِفِ الْكَثِيرَةِ لَيْسُوا كَذَلِكَ وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا السَّالِكِ الْمُقْتَصِرِ عَلَى ذِكْرٍ وَاحِدٍ، لِذَلِكَ أَقُولُ فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ الَّذِي يُعَظِّمُهُ الصُّوفِيَّةُ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَعْلَى الْأَحْوَالِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا يُسْلَبُ التَّكْلِيفُ فَأَقُولُ إنَّمَا فِي الضَّعِيفِ الَّذِي تَبْهَرُ لُبَّهُ صِفَاتُ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ أَضْعَافَ ذَلِكَ فَيَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ. وَالْكَامِلُونَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ شُهُودِ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَالْجَمَالِ أَضْعَافُ ذَلِكَ وَيَحْصُلُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ اللَّذَّةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْحَالِ مِثْلُ مَا حَصَلَ لِأُولَئِكَ وَلَا يَغِيبُونَ عَنْ حِسِّهِمْ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ التَّكْلِيفُ بَلْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَالَةُ مُنْغَمِرَةً مَسْتُورَةً بِبَقِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَخْذَ الْمَعَانِي مِنْ الْأَلْفَاظِ كَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَأَخْذَهَا مِنْ مَعْدِنِهَا كَمَنْ يَمْشِي سَوِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ.