الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنبيه: شيء من هذه المفهومات لو ثبت كان إشارة والله تعالى أعلم.
الركن الثاني: من السنة وفيها مقدمة وعدة فصول
أما المقدمة ففيها مباحث
الأول أنها لغة الطريقة (1) وشرعًا في العبادات النافلة وههنا ما صدر عن الرسول غير القرآن قولًا كان ويخص بالحديث أو فعلا وتقريرًا (2).
الثالى: أن الأكثر على جواز الذنب قبل الرسالة خلافًا للروافض مطلقًا والمعتزلة في الكبيرة ومعتمدهما إيجاب التنفر عن اتباعهم ومبناه التنقيح العقلي وبعدها في عصمتهم عن تعمد الكذب إجماعًا وعن غلطه عند غير القاضي.
ومبناه أن دلالة المعجزة على الصدق اعتقادًا عنده ومطلقًا عند غيره وكذا عن الكفر إلا الأزارقة مطلقًا والشيعة تقية وغيرهما أربعة أقسام فالكبائر عمدًا ممتنعة إلا عند الحشوية سمعًا وإلا عند المعتزلة وسهوًا جوزه الأكثرون والصغائر عمدًا جوزه غير الجبائي وسهوًا جائز اتفاقًا إلا الخسية كسرقة حبة واستيفاؤه في الكلام فما ليس بذنب سواء كان عمدًا ويسمى معصية فإنها اسم فعل محرم قصد مع العلم بحرمته عينه لا مخالفة الأمر به وإلا كان كفرًا أو خطأ ويسمى زلة وهو اسم فعل فعل في ضمن قصد مباح.
وقال علم الهدى هي ترك الأفضل أي من الأنبياء وقد تسمى معصية مجازًا نحو {وَعَصَى آدَمُ} [طه: 121] و {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [القصص: 15] إن وضح فيه أمر الجبلة ويسمى طبعًا كالأكل فلا خلاف في إباحته.
وما ثبت تخصيصه به كوجوب الضحى والأضحى والوتر عند من لم يقل به فيهما والمشاورة والتخيير في نسائه وإباحة الوصال والزيادة على أربع نسوة أو ثبت أنه سهو نحو سهى فسجد لا مشاركة فيه.
وما عرف أنه بيان النص المعلوم جهته من الوجوب وغيره فيتبع تلك الجهة اتفاقًا عرف ببيانيته بنص نحو خذوا وصلوا أو بقرينة كوقوع الفعل بعده كقطع يد السارق من الكوع إن كانت اليد مجملة وإلا فالزيادة بالإجماع وكإدخال المرافق في غسل الأيدي أو إخراجها على القول بالاشتراك لا الثلاثة الباقية وغير الأقسام الأربعة إن علمت جهته من الوجوب وغيره إذ ما يقتدي به من أفعاله أربعة مباح ومستحب وواجب وفرض.
وقيل ثلاثة لأن الثابت بدليل فيه اضطراب لا يتصور في حقه فلا واجب.
(1) انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي (4/ 237) مادة (سنن).
(2)
انظر إحكام الأحكام للآمدي (1/ 241).
ووجه بأنه تقسيم لأفعاله بالنسبة إلينا فأمته مثله مطلقًا عند الجمهور وهو مذهب الجصاص والجرجاني من أصحابنا والشافعى وجميع المعتزلة إلا أن يقوم دليل الخصوص لأن الأصل الاقتداء وقال الكرخي منا وجميع الأشعرية والدقاق من الشافعية باختصاصه بالرسول عليه السلام حتى يقوم دليل الشركة وقال أبو علي بن خالد رحمه الله مثله في العبادات وقيل كما لم يعلم جهته.
وفيه خمسة مذاهب في حقنا الوجوب، والندب، والإباحة، والوقف، والتفصيل بأنه إن ظهر قصد القربة فالندب وإلا فالاباحة ومذهب الكرخي فيه من اعتقاد الإباحة لأنها المتيقنة والفضل مشكوك في حقه والتوقف في حقنا مندرج هنا في الوقف وقول الجصاص من اعتقاد الإباحة في حقه وكذا في حقنا إلا بدليل.
ومنه قصد القربة وهو مختار فخر الإِسلام مندرج في التفصيل الذي اخترناه وهو الأصح لأصالة الاقتداء قال أبو اليسر وفي المعاملات بدل فعله على الإباحة بالإجماع.
لنا في الأول رجوع الصحابة إلى فعله عليه السلام المعلوم جهته وآية الأسوة قال التأسي فعل مثل ما فعل على وجهته لا فعله مطلقًا وإلا لتأدى بلا نية كالصوم.
وقوله تعالى: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37] ولولا التشريكَ لما أدى تزويجه عليه السلام إلى عدم الحرج في حق المؤمنين.
وفي الثاني أولا أنه إن ظهر قصد القربة ظهر الرجحان لأن الأصل عدم المنع من الترك ولا دليل له وإلا علم جهته وإن لم يظهر فالجواز لبعد المعصية والأصل عدم الرجحان وثانيًا أن نفي الحرج في الآية المذكورة يفهم أن مقتضى فعله الإباحة.
للموجبين طريقان أنه للوجوب ابتداء وأنه مر والأمر موجب.
فللأولين أولًا قوله تعالى {فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] وثانيًا فاتبعوني وثالثًا آية الأسوة حيث جعلها لازم الإيمان فعدمه لازم لعدمها ولازم الواجب واجب وملزوم الحرام حرام.
ورابعًا: حديث خلع النعال وصوم الوصال وعدم التمتع بالحج إلى العمرة حيث لم ينكر اتباعهم والجواب عن:
1 -
أن المراد بما آتاكم أمركم ليتجاوب طرفا النظم وعن
2 -
أن المتابعة والأسوة فعل مثل فعله على وجهه أو الامتثال لقوله أو كلاهما فلا يلزم الوجوب قبل العلم بجهته على أن يلزم وجوب الضدين إذا فعلهما إباحة أو ندبًا وترك المندوب ليس بمكروه كليًا وإلا لم يجز له ترك السنن الغير المؤكدة ولئن سلم فمكروهيته في ضمن فعل ما لا في ضمن كل فعل وإلا لكره الواجب وعن
3 -
لمنع عدم الإنكار فإن الاستفهام فيها له ولئن سلم فالاتباع لعله كان ندبًا لهم بالقرينة ولئن سلم فالوجوب من
نحو صلوا وخذ وإلا من الفعل لأدلتنا السالفة مع أن القول كاف فيه والأصل عدم الترادف.
قال الغزالي رحمه الله هم لم يتبعوا في جميع أفعاله فالصحيح التمسك بالمخالفة على عدم الإيجاب لا بالاتباع على الإيجاب.
وخامسًا إيجاب الصحابة رضي الله عنهم الغسل في التقاء الختانين بمجرد قول عائشة رضي الله عنها فعلت أنا ورسول الله فاغتسلنا.
وجوابه أن الإيجاب بحديثه والسؤال الدفع وهم التخصيص أو لقوله صلوا فإنه شرط الصلاة أو لقرينة السؤال بأنه يجب أم لا.
وسادسًا أن الوجوب أحوط لا من الإثم قطعًا كما يجب الخصر عند صلاة نسيها وترك الجميع لطلاق ومبهمة إلى أن تعين وكما يروى أن استفتى فيمن صلى خمسًا بخمس وضوآت بقي في أحدها لمعة نسيه أيها فأفتى بتجديد وضوء تام وقضاء الخمس فقضاها بلا تجديد وأعاد الاستفتاء فأجاب كالأول فاتفق علماء عصره على أنه مصيب أو لا للاحتياط ومخطئ ثانيًا لأن وضوء العشاء إن كان تامًا صح قضاء الكل وإن كان هو الناقض لم يجب إلا قضاؤه.
وجوابه يمنع أن الوجوب أحوط في كل شيء بل فيما لا يحتمل التحريم فاسد لأنه أحوط فيما يحتمله أيضًا إذا لم يعلم حرمته كصوم الثلاثين إذا غم هلال الفطر بل الحق أن الاحتياط تارة للإيجاب وآخر للتحريم وقد يفيد الندب، أما الإيجاب ففيما ثبت وجوبه كوجوب الخمس لصلاة نسيها أولان الأصل وجوبه كصوم الثلاثين إذا غم هلال الفطر أو كان وجوبه أرجح كوجوب الغسل لانفصال المني عن مقره بشهوة لا دفق عند غير أبي يوسف ووجوب نقض الضفائر وبلها على الرجال كالأتراك والعلوية على أصح الروايتين لأنهما متناولا آية الجنابة ومبالغة التطهير وحديث الماء من الماء دون مخصصهما عكس نحو داخل العين وفيما لا شهوة أصلا وضفائر النساء أما إذا انتفى القيود الثلاثة فلا كصوم يوم الشك.
لا يقال الغسل بالتقاء الختانين كذلك فلم وجب ولا سيما على المفعول به في الدير لأن هذا من باب إدارة الحكم على المظنة فالاعتبار لها لا للمئنة لاحتمال خفاء الإنزال خصوصًا عند قلته ولأن الدبر كالقبل في كونه مظنة الشهوة للبعض الغير المضبوط وإلحاقه به فيما يثبت بالشبهات إجماعي بخلاف ما يندرئ بها كالحد عند الإِمام رضي الله عنه ألحق به وأما التحريم فكذا أما فيما ثبت حرمته كاشتباه المذكا بالميتة وكل محرم غلب
على المبيح أو كان حرمته هو الأصل كعدم حل المفضاة المطلقة ثلاثًا بدخول المحلل إلا عند الحبل لاحتمال أن يقع في دبرها عكسه خروج الدودة من دبرها لاحتمال أن يكون من قرحة في قبلها فلا يرتفع الوضوء المتيقن بالشك فهذا ما يفيد استحباب الوضوء دون حرمة نحو الصلاة والذي به يفارقه صوم يوم الشك هو التشبه بالنصارى ولذا يفيد كراهته بعدم موافقة يوم الصوم وفي حق العوام دون الخواص.
وللآخرين أن الأمر يطلق على الفعل نحو {أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97]{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]{وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 152]{أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود: 73] والأصل الحقيقة وجوابه أنه مجاز لأن الأمر سببه وهو أولى من الاشتراك وقد يقال أمر فرعون قوله ووصفه بالرشد مجاز لأن صفة صاحبه ولا يخفى أن هذا الاستدلال إنما ينتهض على أن مطلق الفعل موجب فلا يناسب التحرير
المذكور إلا بتكلف زائد كالتخصيص والمتخلف وإن جوابه تنزلي.
وفيه أيضًا خلاف فمن قال بأنه حقيقة اضطر إلى أنه موجب لما ترتب عنده من الشكل الأول ومن قال بأنه ليس بموجب لم يقل بأنه حقيقة.
ومن القائلين بالحقيقة من ادعى الاشتراك اللفظى بين الصيغة والفعل ومن ادعى الاشتراك المعنوي فقيل لمعنى أحدهما مطلقًا وقيل لمعنى الشأن المشترك بين القول والفعل وينسب هذا إلى أبى الحسين ومفزعهم أن الأصل عدم الاشتراك والتجوز وقد ثبت الاستعمال فيهما ويرده الإجماع قبل ظهورهم على أنه حقيقة في الصيغة وأن الأدلة تجوز ارتكاب خلاف الأصل وإلا ارتفع الاشتراك والتجوز أصلا والأول أيضًا الذهن يتبادر إلى القول ويصح نفيه عن الفعل وإن الأصل اختصاص المقصود باللفظ كالماضي والمضارع وهذا أعظم المقاصد فهو أولى به وأن الفعل لو كان أمرًا لكان الآكل والشارب آمرًا بهما.
قيل: وهذا يختص بإبطال الأمر في الفعل بمعنى المصدر لا بمعنى الشأن وليس بشيء لأن الثاني أعم فإبطال صدقه يعم الأول فيحصل عليه ويؤيد إنكاره عليه السلام فني الأحاديث الثلاثة.
وليتذكر أن استدلال الآخرين على إيجاب مطلق الفعل وأن الأجوبة تنزلية ولو قيل بأن التحرير المذكور إنما هو في الخلاف في إيجاب الفعل ابتداء لا في أمريته وإيجابه بها فإنه في مطلقه لكان أنسب للمتون لكن ما في الكشف مصرح بأنه التحرير في المقامين.
وللنادبين أن الوجوب يستلزم التكليف بالتبليغ وإلا لكان بالمح والإباحة لا مدح معها وقد مدح بآية الأسوة وجوابه منع المدح بل المذكور فيها حسن الأسوة ولئن سلم
فالمدح بالناسي لا بنفس الفعل ووجوب التبليغ يعم الأحكام.
ولأصحاب الإباحة تحققها لكونها أولى والوقوف عند إثبات ما تحقق ونفي ما لم يتحقق كمن وكل رجلا بماله ثبت الحفظ لا التصرف إلا بالتصريح.
قيل جواز الترك مأخوذ في الإباحة ولا نعلم التيقن والتحقق باعتباره.
قلنا كاف في ذلك أن الأصل عدم المنع منه كما مر.
وجوابه أن ذلك فيما لم يقصد به القربة ومما يبطل الوقف أن الأصل أن يتبع الإِمام كما قال تعالى لإبراهيم عليه السلام {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] حتى يقوم الدليل على غيره.
الثالث في التقرير ما علمه ولم ينكره مع القدرة إن كان مما علم إنكاره كمضي كافر في كنيسة فلا أثر لسكوته اتفاقًا وإلا دل على الجواز إذا ثبت أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة وسيجيء وإلا لزم ارتكابه لمحرم وهو تقريره على محرم وإن استبشر مع عدم الإنكار فالجواز أوضح.
أما تمسك الشافعي رحمه الله في اعتبار القيافة في إثبات النسب باستبشاره وعدم إنكاره في قصة المدلجي فيما بين زيد بن حارثة وأسامة فاعترض القاضي عليه بأن عدم إنكاره لأنه وافق الشرع اتفاقًا واستبشاره لحصول إلزام الخصم بأصله فلا يدل على تقريرها.
وأجيب عن الأول: تارة بأن القول بالحق لسند منكر منكر فيحرم تقرير السند كما قال عليه السلام وكذب المجتمعون ورب الكعبة وقد نزل المطر وأخرى بأن المقرر عدم رده عليه السلام القائف عن الكلام على الإنساب بالقيافة. وعن الثاني: بأن إنكاره لم يكن مانعًا من حصول الإلزام بالقيافة فكان عليه أن ينكره المنع طريقه لولا تقريره والحق أن مقام الكلام في الشىء غير مقامة في طريقه ومن كان أبلغ الناس لا يتصور تجاوزه مقتضى المقام فمن الجائز أن يكون الملتفت إليه ها هنا نفس ثبوت النسب لا طريقه وهو الظاهر من النزاع ويكون عدم الإنكار والاستبشار لحصول المقصود في ذلك من غير التفات إلى طريقه بخلاف حديث المنجمين فإن النزاع ثمة في طريق المطر وهو مراد القاضي على أن القيافة يجوز أن يكون بينهم مما علم إنكاره عليه السلام لها فلم يكن إلى التصريح حاجة ويؤيده كتاب عمر رضي الله عنه من مثله.
الرابع: تعارض الفعل مع الفعل أو القول وذكره وإن كان أنسب باب التعارض لكن لما كان فرعًا فذًا مختصًا بالقول بإيجابه عقب به.
لا يتصور تعارض الفعل إلا مجازًا بشرطين الدلالة على وجوب تكرير الأول له عليه السلام أو لأمته أو مطلقًا وعلى وجوب التأسي وفي الحقيقة الثاني ناسخ لحكم دليل التكرار لا الفعل إذ رفع حكم قد وجد محال فكون الفعل منسوخًا أو مخصصًا مجازًا ما مع القول فالأقسام اثنان وسبعون لأن دليل التكرار قائم أولا وأيًا كان فمع دلكل وجوب
التأسي أولا وكل من الأقسام الأربعة تسعة لأن القول إما أن يختص به أو بالأمة أو يشملهما وعلى التقديرات إما أن يتقدم الفعل أن يتأخر أو يجهل وكل من التسعتين الأوليين اللتين مع دليل التكرار باعتبار أن التكرار له أو لأمته أو مطلقًا سبعة وعشرون.
وفيه بحوث:
الأول أن دليل التأسي إن أريد به الخاص بمحل فلا يلزم من انتفائه انتفاء التأسي وإن أريد العام كما تمسك الموجبون بآيات الأخذ والاتباع والأسوة مطلقًا فذكر أقسام مال لم يوجد فيه دليل التأسي مستدرك وجوابه أريد العام والمراد بما لم يوجد فيه دليل الخصوص له عليه السلام فذكرت ليضبط مواضع التعارض بينهما وترجح أحدهما.
الثاني أن دليل وجوب التكرر للأمة أو مطلقًا يستلزم دليل وجوب التأسي إذ معناه دليل وجوب تكرر التأسي فلا ريب أنه قسم من دليل التأسي فضرب الأقسام الثلاثة لدليل وجوب تكرر فيما ليس فيه دليل التأسي لا يصح.
وجوابه منع أن معناه ذلك بل معناه دليل وجوب تكرر الفعل وهو متصور بدون دليل التأسي كوجوب الصلاة على النبي عليه السلام كلما ذكر وكالصوم مثلا.
الثالث إذا وجد دليل التأسي فكل ما دل على وجوب التكرر في حقه فقط.
وجوابه منع اللزوم لجواز أن يختص التأسي بأصل الفعل بدليل يمنع التأسي في تكرره كما منع في الصلاة وجوب خصوصية الضحى.
وللأحكام أصول:
1 -
لا حكم للفعل في المستقبل إن لم يوجد دليل التكرار وإلا فله ذلك على حسب
التكرار في حقه أو في حق أمته أو مطلقًا.
2 -
لا حكم له في الأمة عند عدم دليل التأسي.
3 -
لا حكم له فيهم مع دليل التأسي أيضًا إذا وجد التأسي قبل القول المتأخر ولم يوجد في ليل التأسي أيضًا إذا وجد التأسي قبل القول المتأخر ولم يوجد دليل التكرار مطلقًا أو في حق الأمة.
4 -
لا حكم للقول في الماضي.
5 -
لا حكم للقول الخاص لا فيمن يختص به.
6 -
الفعل في الوقت أنهاه القول السابق نسخ إن كان تناوله بالتنصيص وتخصيص إن كان بالعموم، وإن تراخى عنه فما لو تأخر العموم عند الشافعية، وعندنا إذا تقدم وقارن فقط لأن الخاص المتراخي والعام المتأخر ناسخ وكل نسخ به نسخ قبل التمكن فيجوز عندنا خلافًا للمعتزلة.
7 -
في مجهول التاريخ.
قيل الأخذ بالقول أولى مطلقًا وقيل بالفعل مطلقًا وقيل بالتوقف مطلقًا والمختار التوقف في حقه عليه السلام دفعًا للتحكم والعمل بالقول في حقنا مع تحقق الاحتمالين لأنا متعبدون وفي التوقف إبطال له بخلاف القول.
وبحث فيه بأنه إذا انعدم دليل التكرار في حقه ينبغي أن يكون الأخذ بالقول أولى في حقه أيضًا حملا للفعل على المتقدم إذ حينئذ لا يقع التعارض المستلزم لنسخ أحدهما لعدم دليل التكرار.
وجوابه أن الاحتراز عن التعارض والنسخ ما أمكن إنما يجب فيما كان المقصود به التعبد والعمل كما في حقنا ففي حقه ممنوع كيف واحتمال تقدم القول في نفس الأمر لا يرتفع بحملنا ولا داعي إلى رفعه والتمسك بالأصل طريق ظني إنما يراد للعمل لا للاعتقاد.
أما الأخذ بالقول في حقنا فلوجوه:
1 -
قوة دلالته لوضعه لها وللفعل محامل فيحتاج في اللهم منه إلى القرينة.
2 -
عموم دلالته المعدوم والموجود المعقول والمحسوس.
3 -
كون دلالته متفقًا عليها.
4 -
أن ترجيح الفعل يبطل حكم القول جملة وترجيح القول يبطل حكم الفعل في حقهم ويبقى في حقه إن كان خاصًا بالأمة أو يبقى أصله حيث فعل مرة وإن أبطل دوامه إن كان عامًا له ولأمته والجمع بين الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما بالكلية.
وأما وجه الأخذ بالفعل فإنه أقوى في البيان لبيانه القول كما يدل عليه صلوا وخذوا وكخطوط الهندسة فليس والخبر كالمعاينة.
وجوابه أن البيان بالقول أكثر ولا اعتبار لمظنة الغلبة مع تحقق المئنة ولئن سلم تساويهما في البيان فالترجيح معنا بالأدلة الأربعة العقلية السالفة.
والضابط في أحكام الأقسام أنه عند العلم بالتاريخ وذلك في ثمانية وأربعين قسمًا إن
لم يدل الدليل على وجوب التأسي وذلك في أربعة وعشرين منها فلا تعارض في حق الأمة للأصل الثاني ولا في حقه عليه السلام إن دل على التكرار له عليه السلام أو لأمته أو مطلقًا وقد اختص القول بالأمة وذلك في ستة من الثمانية عشر للأصل الخامس بقي اثنا عشر منها ولا إن لم يدل على التكرار أصلا وذلك في ستة باقية بعد الأربعة والعشرين في ستة باقية بعدها من الأربعة والعشرين وقد تقدم الفعل للأصل الأول والرابع وذلك في ثلاثة أو اختص القول بالأمة للخامس وذلك في واحد بقي اثنان ففي الأربعة عشر الباقية معارضة في حقه والمتأخر ناسخ إن كان تناول المتقدم بالتنصيص عندهم ومطلقًا عندنا لتراخيه وإن دل الدليل على وجوب التأسي وذلك في أربعة وعشرين فإن وجد دليل التكرار في الجملة وذلك في ثمانية عشر منها وقد اختص القول بأحدهما أي بالنبي وذلك في ستة أو بالأمة وذلك في ستة فلا تعارض في حق الآخر سواء اختص دليل التكرار بما اختص القول به أو لا.
وأما كل في حق نفسه والستة العامة فإن اختص دليل التكرار بالأمة في ستة النبي وذلك في قسمين وقد تقدم الفعل وذلك في واحد منها فلا تعارض وفي الخمسة الباقية يعارض وإن اختص بالنبي في ستة الأمة وذلك في قسمين فإن تقدم تأسيهم على القول المتأخر إذ لا يتصور تقدمه على الفعل فلا تعارض وإلا وذلك في الخمسة الباقية وصورة عدم تقدم التأسي تعارض والستة العامة في حق كل منهما كالخاصة له في عدم التعارض في قسم واحد مطلقًا في حق النبي وعلى تقدير تقدم التأسي في حق الأمة وإن لم يوجد دليل التكرار أصلا وذلك في ستة فإن اختص القول بأحدهما وذلك قسمان في حق كل فلا تعارض في حق الآخر أما في حق نفسه مع القسمين العامين ففط أحد قسمي الأمة والعام في حقهم وذلك إذا تقدم التأسي على القول المتأخر فكذا لا تعارض وفي الباقية من الستة المتأخر ناسخ بالوجه المذكور.
ثم عند الجهل بالتاريخ وذلك في أربعة وعشرين من الاثنين والسبعين إن لم يوجد دليل التأسي واختص القول بالأمة في أربعة فلا تعارض أصلًا أو لم يختص في ثمانية فلا تعارض في حقهم وفي حقه يتوقف على المشهور لا في أربعة منها لم يوجد فيها دليل التكرار مطلقًا أو في حقه عليه السلام على البحث المذكور.
وإن وجد دليل التأسي واختص القول بأحدهما في الأربعتين فلا تعارض في حق الآخر وفي الأربعة الخاصة به يتوقف على المشهور لا في اثنين علي المذكور وفي الأربعة الخاصة بالأمة يعمل بالقول والأربعة العامة ي حق كل منهما كخاصته.
تتمتان:
1 -
لو اعتبر في الستة التي تأخر فيها القول أو جهل الحال من التسعة التي وجد فيها دليل التأسي دون التكرار ومن التسعة التي وجد فيها معه دليل التكرار له عليه السلام خاصة تقدم تأسيهم على القول وتأخره زاد اثنا عشر قسمًا على الاثنين والسبعين.
لا يقال اعتبار تقدم تأسيهم في مجهول الحال لما رفع التعارض لم يكن بد من القول به إذ الأصل عدمه سيما في حق الأمة لأن الأصل الآخر وهو عدم تحلل التأسي عارضه فلم نقل به.
2 -
لو اعبتر في الأربعة والثمانين كون التعارض في حقها وفي حق أمته يبلغ مائة وثمانية وستين قسمًا. الخامس في تقسيم الوحى في حقه عليه السلام ولولا طعن الجهلة في حكمه بالاجتهاد لكان الكف عن هذا التقسيم أولى لإيهامه نوع إحاطة بكماله عليه السلام وهو منفرد بكمال لا يعلمه إلا الله تعالى.
فالوحي نوعان ظاهر ثبت بلسان من تيقنه مبلغًا وهو ما أنزل عليه عليه السلام بلسان الروح الأمين عليه السلام كالقرآن أو ثبت عنده بإشارته بلا كلام كما قال عليه السلام إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها أو تبدى لقلبه يقينًا بإلهام الله تعالى وهو المراد بقوله تعالى {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] والكل مخصوص به بابتلاء درك حقيقته بالتأمل ولا يوجد في غيره من أمته إلا كرامة له كسائركرامات الأولياء إلا أنه منه حجة دون غيره.
وباطن وهو ما ينال باجتهاد الرأي متأملا في حكم المنصوص قاله الأشعرية وأكثر المعتزلة لا يجوز هذا لنطقه عن الوحي بالنص ولاحتمال الاجتهاد الخطأ وحكمه متبع قطعًا وقال مالك والشافعي وعامة أهل الحديث وهو مذهب أبي يوسف من أصحابنا يجوز والأصح انتظار الوحي قدر ما يرجو نزوله ثم العمل بالرأي إلا أن يخاف فوت الغرض في الحادثة والجواز في الحروب وأمور الدنيا متفق عليه.
لنا عموم فاعتبروا والقياس الظاهر على داود وسليمان في قضيتي {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] و {لَقَدْ ظَلَمَك} [صّ: 24] وخبر الخثعمية في الحج وخبر عمر رضي الله عنه في قبلة الصائم وخبر أجر إتيان الأهل وخبر حرمة الصدقة على بني هاشم ولأنه أعلم البشر بمعاني النصوص فيلزمه العمل بحسبها وكان يشاورهم في غير الحرب كمفاداة أسارى بدر بالمال والجهاد حق الله تعالى كأحكام الشرع فجواز الرأي فيها كهو فينا وقد
قال لأبي بكر وعمر رض الله عنهما "قولا فإنني فيما لم يوح إلى مثلكما"(1).
وتقرير اجتهاده تثبيت صوابه كالوحي لكن قدم انتظاره الوحي لأنه مغن عن الرأي وعليه أغلب أحواله فصار كالتيمم والماء وكطلب المجتهد النص الخفي.
تتمة: الوحي الظاهر أولى من الباطن لأنه لا يحتمل الخطأ ابتداء وبقاء والباطن بقاء فقط.
السادس في ضبط فصولها الستة تشارك الكتاب في المتن والسند لأن مرجع الأدلة كان إلى الكلام النفسي لكن البحث فيهما عن العبارة الدالة عليه في المتن ما يتضمنه العبارة من جهات الدلالة كالأمر والنهي والخاص والعام وغيرها وطريق المتن رواية العبارة ويسمى الاتصال أيضًا والسند ويسمى طريق الاتصال الإخبار عن طريق المتن بأنه بالتواتر وغيره والإجماع يشاركهما أيضًا من حيث عبارة المجمعين.
وما جرى عادة مشايخنا على ذكر مباحث المتن في الكتاب لأنه أصل الأدلة والسند ثمة مفروغ عنه معلوم أنه التواتر كما مر فأخروه إلى السنة وإن كان طريقًا إليه ومقدمًا طبعًا اقتفينا أثرهم فيهما ولكون السند إخبارًا بكيفية الاتصال من الراوي في وقاعه كذا للسامع بحيث لا يطعن فيه ذكر له فصول ستة في الاتصال والراوي والانقطاع ومحل الخبر والسامع والطعن مفتتحة بتحصيل ومختتمة بتذييل.
أما التحصيل ففي الخبر وفيه مباحث:
الأول: تعريفه هو للصيغة قسم من الكلام اللساني وللمعنى من النفساني فقيل لا يحد لعسره أو لأنه ضروري إما لأن الخبر الخاص بأنه موجود ضروري فالمطلق أولى وإما لأن التفرقة بينه وبين غيره من أقسام الطلب وغيره ضرورى ولذا يجلب كل بما يستحقه حتى من البله والصبيان.
والضروري نفسه لا ضروريته التي عليها الاستدلال وجوابهما أن الضروري والمتميز بالضرورة حصول نسبة الوجود لا تصور حقيقة مجموع النسبة مع المنتسبين التي هي ماهية الخبر ولا يلزم من حصول أمر تصوره للانفكاك بينهما إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصوره حصوله وقيل يحد فقال القاض والجبائيان وعبد الجبار وغيرهم هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب أي يقبلهما أي يمكن أن يتصف بهما وهو المعنى بالاحتمال وهذا يتناول قول من يرى الواسطة بينهما.
فاعترض بان الواو للجمع ولا يوجدان معا أي في مكان واحد إذ المعية الزمانية
(1) لم أجده.
مقارنة غير لازمة من الجمع وذلك في بعض الأخبار كالصدق في ضعيفة الواحد للاثنين والكذب في نصفيته وخبر الله ورسوله فقدلهم لا يصدق على خبر ليس للعموم مثل لا ريب فيه بالرفع وعموم النكرة في سياق النفي ليس كليًا إلا في حدود نفي الجنس صيغة أو إرادة واستدلالهم بأن كل خبر إما صادق أو كاذب وفي الحقيقة كلامان صادق وكاذب إنما يصح أن لو أريد المعية الزمانية ولا يقتضيها واو الجمع لا سيما عند تفسير الدخول بالقبول والاحتمال.
والجواب بأن المراد بالواو الواصلة أو الفاصلة على تكلفة قد مر وبأن المراد احتماله بقطع النظر عن خصوصية المواد والقائل.
قيل: يشعر بأنه تعريف الماهية بشرط لا والواجب تعريفها لا بشرط وهي ما لا ينافيه تشخيص ما وبه يعرف ضعف الجواب بأن المعرف المفهوم الكلي ويكفي اتصافه في فردين يؤيده أن مقتضى الشيء من حيث هو لا ينفك عنه الصحيح جواب القاضي أن المراد دخوله لغة أي لو قيل صدق فيه أو كذب لم يخطئ لغة ولا ينافيه عدم دخوله حسًا أو عقلا.
وعندي أن الجوابين متساويان ومشتركان في أن التعريف للماهية بلا شرط ويحققه ما مر أنه بمعنى القابلية وقابلية الأشياء لا يقتضي تحققها ولا إمكان اجتماعها لجواز المنافاة بينها.
ووارد أيضًا أن فيه دورًا فإن الصدق مثلا الخبر الموافق ولا فائدة في تبديله بالتصديق غلا توسيع الدائرة لأنه الحكم بالصدق وفي أنه الأخبار تعريف بنفسه أيضًا ووروده موقوف على أن يراد بالصدق في الحد والمحدود مفهوم المصدر ويعرف بمطابقة الخبر أو الصادق ويعرف إما بالخبر الموافق وإما بالمتكلم به أو في الحد الصادق بأحد المعنين وفي المحدود المصدر أو في الحد بصفة المتكلم وفي المحدود بصفة الكلام إذ لو عكس في الثلاثة أو عرف في الأقسام التسعة المصدر بمطابقة النفسي لمتحلقه والصادق بالمطابق نفسية له كلاما كان أو متكلمًا أو قيل بداهتهما وإن صحة ذكره في تنبيهها لا ينافيها لم يرد فوجوه دفعه أحد وعشرون ووروده ستة وبذا يعرف عدم وروده إلزامًا وإن عرفوه بذلك اللهم إلا أن يصرحوا باتحاد المراد في المقامين ولم يثبت.
قيل لا يمكن تعريفهما إلا بالخبر لأنهما أخص منه وإنما يعرف الأخص بالأعم لا يقال لو كانا أخص لا يعرفانه ها هنا إذ الأخص إنما يعرف الأعم إذا كان ذاتيه وقد علم بكنهه وهما ممنوعان ولئن سلم فقد يعلم عنه الكل بدون العلم بكنه الجزء حيث قيل لا يعلم عنه
البسيط والمركب ينتهي إليه لأنا نقول المطلوب ها هنا التمييز لا معرفة الكنه.
وجوابه بمنع الأخصية قولًا بأن المعرف أحد الأمرين وهو مساو فاسد إذ لا بد في معرفة أحد المعنيين من معرفة كل منهما بل بأن الأخص إنما لا يعرف إلا بالأعم إذا طلب كنهه وكان الأعم ذاتيًا ولو سلم فلا يقتضى معرفة الجزء بالكنه ثم ما مر من الجواب عن الدور بأن لماهية الخبر اعتبارها من حيث هي وبه يعرف الصدق والكذب به واعتبار أنها مدلول الخبر وبه يعرف بهما لوضوح نفس ماهيته إنما يناسب القول بضروريته لا كون الغرض كسب حقيقته كما ها هنا وقال أبو الحسين البصري كلام يفيد بنفسه نسبة أمر إلى أمر إثباتًا ونفيًا وعرف الكلام بالمنتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع على استعمالها في المعنى وهذا على عرف الفقهاء حيث حكموا ببطلان الصلاة بكلام البشر حرفين فصاعدا أو بحرف ممدود أو مفهم فالحروف أعم من المحققة والمقدرة قاله احترازًا عن نحو همزة الاستفهام والمراد بها ما فوق الواحد وقيل الجنس نحو فلا يركب الأفراس إذا لم يركب إلا واحدًا فيتناولها.
والكلام عن النفسي فإنه الأعم عنده والصوت المجرد والمكتوبة والمتخيلة فالمسموعة تأكيد لاحتراز عما في النفس ردًا على الأشاعرة وعن المكتوب ردًا على الحنابلة ولدفع توهم تناول الأخيرين نظرًا إلى الإطلاق المجازى والمتميزة عن أصوات الحيوانات المشابهة للحروف والمتواضع عليها عن المهملات إذ إطلاق الكلام على المهمل مجاز وبنفسه أي بحسب وضعه لا بضميمة على نحو قم باعتبار نسبة الطلب إلى القائل لأنها عقلية وكذا فهم الإنشاء من الخبر لزومًا أو نقلا نحو {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] ومثل بعت ونكحت والإسناد من التقييد والٍا ضافة ومجرد ذكر الخبر نحو قالًم وقوله نسبة يريد به وقوع نسبة بدليل تقييده بالٍاثبات والنفي يخرج نحو قم باعتبار نسبة القيام إلى المخاطب وفاعل الصفة معها وجميع المركبات التقييدية والإضافية.
قيل ذكر عبد القاهر أن لا دلالة للخبر على وقوع النسبة بل على حكم المخبر بالوقوع ففهم أن نسبة الوقوع واللاوقوع إلى اللفظ سواسية قلنا معناه إعلام الوقوع وإلا لم يشعر بأن له متعلقًا واقعًا في الخارج فمدلوله الصدق والكذب احتمال عقلي ناشئ من عدم وجوب المطابقة بين المفهوم من اللفظ والحاصل في الذهن وبين ما في نفس الأمر.
وحده الحقيقي الأخص أنه الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجة عن مدلوله سواء قامت بالذهن كالعلم أو بالخارج عن المشاعر كالقيام أو لم يقم بشيء منها نحو شريك الباري ممتنع إذ الألفاظ موضوعة بإزاء الأمور الذهنية فمدلول الكلام النسبة الذهنية فإن نسبت
إلى خارجية فالخبر وإلا فالإنشاء والمراد بالنسبة هي مع معروضها كالمضاف المشهوري.
فرع:
نحو بعت خبر لغة وشرعًا إذا لم يقصد به حدوث الحكم أماح فإنشاء لصدق حده إذ لا بيع آخر وانتفاء خاصته إذ لا يحتمل الصدق والكذب ونحو طلقت ماض لا مغير عليه حينئذ فيلزم أن لا يقبل التعليق لكنه يقبله وللفرق الظاهر فمن قال لرجعيته طلقتك وأراد الإخبار لم يقع أو الإنشاء وقع وقيل إخبار لكن عما في الذهن من الرضاء والإرادة بالتخيير أو التعلق فحدوث العقود والفسوخ بها شرعًا بناء على أن الموجبات هي الأمور النفسية لكن لخفائها نيط الأحكام بدلائلها كالسفر ويتغاير النسبة النفسية والخارجية بالاعتبار كما في علمت فلا ينتهض الأدلة عليه بل لا تبقى في الحقيقة نزاع.
الثاني في الصدق والكذب المشهور أن صدقه مطابقته للخارج المذكور لا عن المشاعر وهو الواقع والأمر نفسه أعني تحقق الأشياء في أنفسها وكذبه عدمها لا واسطة في الخبر لأن الاستعمال وتبادر الذهن في المعنين غالب فلا بد من تأويل ما يخالفه دفعًا للاشتراك.
وقال النظام للاعتقاد الجازم أو الراجح فخبر المتوهم كاذب إذ لاعتقاد بما يطابقه ولا مطابقة لما يعتقده وكذا خبر الشاك لعدم الاعتقاد واعتقاده للتساوي مم إذ لا يخطر بباله ولئن سلم فالمعتبر مطابقة المفهوم من اللفظ والنسبة بالتساوي بين الوقوع واللاوقوع ليست به فلا واسطة والفرق بين المذهبين أن المطابقة وعدمها من النسب الثلاث بين اللفطة والخارجية في الأول وبينها وبين العقلية في الثاني.
وقال الجاحظ مطابقتها لهما وعدمها لهما فالمطابق لأحدهما دون الآخر واسطة كالخالي عن الاعتقاد.
وتفصيله أن الصدق العمدي صدق والكذب العمدي كذب والمطابق للواقع دون الاعتقاد أو بلا اعتقاد وغير المطابق للواقع بل للاعتقاد أو بلا اعتقاد واسطة فهي أربع وقيل مفعول الاعتقاد الحكم فالواسطة قسمان المطابق بلا اعتقاد الحكم وغير المطابق بلا هو ولا يناسب لأن الكذب ح هو المطابق للاعتقاد دون الواقع وهذا لا يكون كذبًا عمديًا وأيضًا إن اشترط في الكذب مطابقة الاعتقاد فلا وجه له إذ ما لا يطابقهما أولى به وإن أريد جوازها كان الكذب مخالفة الواقع كمذهب الجمهور وأيضًا عدم اعتقاد الحكم يحتمل اعتقاد خلافه واللااعتقاد أصلا فلا خلاص عن الأربع.
للنظام أولا دواعى تبرؤ المخبر عن الكذب متى ظهر خبره بخلاف الواقع واحتجابه
لها بأن لم يخبر بخلاف الاعتقاد أو الظن وهذا إلزامي يفيدان عدم مطابقة الواقع ليس بمعتبر في الكذب لا كلا ولا جزعًا فيبطل به المذهبان الأخران فلا حاجة إلى دعوى الصدق معها أو تحقيقي طوى فيه وإذا لم يكن كذبًا كان صدقًا إذ لا واسطة بالعرف وجوابه لا نعلم أن دعوى التبرؤ عن مطلق الكذب بل عن الكذب العمدي الموجب للملامة وقريب منه قول عائشة رضي الله عنها ما كذب ولكنه وهم حيث نفى الكذب عما يخالف الواقع فمرادها رضي الله عنها ما كذب عمدًا.
وثانيًا قوله تعالى {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] بعد قولهم {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] حيث كذبهم فيه مطَابقًا للواقع لا للاعتقاد فدل أنه دعم مطابقة الاعتقاد فقط وجوابه لا نعلم أن التكذيب فيه بل في نشهد لا في نفس مدلوله قطعًا لاحتمال كونه إنشاء بل فيما يتضمنه من أنا نقوله عن علم للعرف أو أنا مستمرون عليها غيبة وحضور للفعل المضارع المنبئ عن الاستمرار أو أن شهادتنا عن صميم القلب للتوكيد أو إخبارنا هذه شهادة أو المراد شأنهم الكذب وإن صدقوا في هذه القضية خاصة ولئن لمنا أن في المشهود به لكن لا في الواقع لصدقهم فيه بل في زعمهم الفاسد ويمكن إلحاقه بالمنع الأول لأن التكذيب على الحقيقة في قولهم إنا كاذبون المذكور حكمًا.
للجاحظ قوله تعالى حكايته لكلام أهل اللسان من الكفار في رد قولهم {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] ليتوسلوا به إلى التكذيب في دعوى الرسالة من قولهم {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] حيث حصروا كلامه في كونه افتراء أو كلام مجنون وليسَ مرادهمَ باَلثاني الصدق لأنهم لم يعتقدوا صدقه ليريدوه بل عدم صدقه ولا الكذب لأنه قسيمه أو إضراب عنه وما ذلك إلا لأن المجنون يقول لا عن قصد واعتقاد فهو خبر خال عن الاعتقاد غير مطابق للواقع على زعمهم فلا يرد لا يلزم من ثبوت الواسطة على زعمهم ثبوتها في الواقع.
وجوابه من وجهين:
1 -
أن الافتراء هو الكذب عن عمد لغة فلا يرد أن التقييد خلاف الأصل فالمعنى أقصد الكذب أو لم يقصد فعبر عنه بملزومه إذ المجنون لا افتراء له وذا يصح أن يكون كذبًا لأن نقيض الأخص لا يباين الأعم فالحصر للكذب في نوعيه.
2 -
أن المعنى أقصد فيكون خبرًا وكذبًا وغير الخبر وحاسم هذا النزاع الإجماع على أن اليهودي إن قال الإِسلام حق يحكم بصدقه أو باطل يحكم بكذبه والمسألة لغوية لكن
علمنا مبنى عليها.
الثالث في تقسيمه باعتبارهما وهو بالقسمة الأولى ثلاثة.
1 -
ما يعلم صدقه إما ضرورة بنفس الخبر وهو المتواتر أو بموافقة العلم الضروري كالأوليات وإما نظرًا بمخبره كخبر الله تعالى ورسوله عليه السلام معاينة وأهل الإجماع معاينة أو لموافقة النظر الصحيح كالقطعيات العقلية النظرية فهذه أربعة وفي التفصيل ستة.
2 -
ما علم كذبه وهو كل مخالف لهذه الأربعة خمسة عشر وعند اعتبار التفصيل الآحاد ستة والثناء خمسة عشر والثلاث عشرون والرباع أربعة عشر والخماس ستة والسداس واحد والمجموع اثنان وستون.
3 -
ما لم يعلم صدقه وكذبه فإما أن يطمأن بصدقه كالمشهور أو يرجح صدقه كخبر الواحد العدل أو كذبه كخبر المكذوب أو يتساوى كخبر مجهول الحال وخبر من عارض دليل صدقه ما أوجب وقفه كخبر الفاسق فحكمه التوقف.
وقال الظاهرية كاذب لعدم دليل العلم بصدقه كخبر مدعي الرسالة وفساده من وجوه:
1 -
يلزم اجتماع النقيضين إذا أخبر شخصان بهما ووقوعه معلوم ضرورة.
2 -
يلزم العلم بكذب كل شاهد.
3 -
بكذب كل مسلم في إسلامه فنكفره وهو باطل بالإجماع والضرورة وخبر مدعي الرسالة كاذب للعلم بكذبه لأن العادة تكذب خلافها عند عدم المعجزة لانعدام العلم بصدقه.
وههنا مسائل الأولى خبر واحد بحضرة النبي عليه السلام فلم ينكره لا يوجب القطع بصدقه وإن كان الظاهر صدقه.
لنا احتمال السكوت لغير الرضا من أنه لم يسمع أو لم يفهم أو علم أن إنكاره لا يفيد أو لم يعلمه أصلا لكونه دنيويًا لو رأى تأخيره إلى قوة الحاجة إلى بيانه وبعد الكل فعدم إنكاره صغيرة وهي جائزة على الأنبياء وإن بعدت فمثله من قبيل من يظن صدقه.
الثانية: خبر واحد بحضور جمع كثير لم يكذبوه إن كان مما يحتمل أن لا يعلموه لغرابته عنهم لم يدل على صدقه أصلا وإن كان مما لو كان لعلموه فإن جاز أن يكون لهم حامل على السكوت كخوف وغيره فكذلك وإن علم عدم الحامل دل على صدقه قطعًا.
لنا أن عدم تكذيبهم مع علمهم بالكذب ممتنع عادة.
قالوا لعلهم ما علموا أو علموا كلهم أو بعضهم وسكتوا كما مر قلنا ذلك معلوم