المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: في الراوي - فصول البدائع في أصول الشرائع - جـ ٢

[الفناري]

فهرس الكتاب

- ‌ المقصد الأول ففي الأدلة الأربعة

- ‌الركن الأول من الكتاب

- ‌فالمقدمة فيها مباحث:

- ‌الأول: فيما يتعلق بتعريفه

- ‌الثاني: أن المنقول آحادًا ليس بقرآن

- ‌الثالث: يجوز العمل بالقراءات الشاذة إذا اشتهرت

- ‌الفصل الأول في الخاص

- ‌الأول: في حكم مطلقه وضعًا

- ‌المقام الثاني في حكم قسمه المسمى بالأمر:

- ‌المقام الثالث في حكم النهى الذي يقابله

- ‌الفصل الثاني في العام

- ‌الأول: في حكمه

- ‌أحدهما فيما قبل التخصيص:

- ‌البحث الثاني: فيما بعده

- ‌الأولى: في تعريف التخصيص

- ‌الثانية: في جوازه في جميع العمومات

- ‌الثالثة: في أنه في الباقي يعد التخصيص حقيقة أم مجاز

- ‌نظائر الثلاثة من الفروع

- ‌المقام الثاني في ألفاظ العموم

- ‌المقام الثالث: في شتائت مباحث العموم

- ‌الفصل الثالث في حكم المشترك

- ‌الفصل الرابع في حكم المؤوَّل

- ‌الفصل الخامس في حكم الظاهر

- ‌الفصل السادس في حكم النص

- ‌الفصل السابع في حكم المفسر

- ‌الفصل الثامن في حكم المحكم

- ‌الفصل التاسع في حكم الخفي

- ‌الفصل العاشر في حكم المشكل

- ‌الفصل الحادي عشر في حكم المجمل

- ‌الفصل الثاني عشر في حكم المتشابه

- ‌الباب الأول في المجمل

- ‌الأول: قد مرت الإشارة

- ‌الثاني: فيما اختلف في إجماله:

- ‌الباب الثاني في المبين

- ‌المبحث الأول

- ‌المبحث الثاني

- ‌المبحث الثالث

- ‌المبحث الرابع

- ‌المقصد الأول في بيانيّ التقرير والتفسير

- ‌المقصد الثاني في بيان التغيير

- ‌للواقفية المشتركة

- ‌أولا: حسن الاستفهام

- ‌وثانيًا: صحة الإطلاق

- ‌الأول في حده

- ‌الثاني في تقسيمه

- ‌الثالث في أنه إما واحد أو متعدد على الجمع

- ‌ تخصيص العام:

- ‌المبحث الأول

- ‌المبحث الثاني

- ‌المبحث الثالث في جواز تخصيص الكتاب بالكتاب

- ‌المبحث الرابع في جواز تخصيص السنة بالسنة

- ‌المبحث الخامس في جواز تخصيص السنة بالقرآن

- ‌المبحث السادس في جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد

- ‌المقصد الثالث في بيان الضرورة

- ‌المقصد الرابع في بيان التبديل

- ‌الفصل الثالث عشر في حكم الحقيقة

- ‌فصل

- ‌الفصل الرابع عشر في حكم المجاز

- ‌الفصل الخامس عشر: في حكم الصريح

- ‌الفصل السادس عشر: في حكم الكناية

- ‌الفصلين السابع عشر والثامن عشر في حكم الدال بعبارته وإشارته

- ‌الفصل التاسع عشر: في حكم الدال بدلالته

- ‌الفصل العشرون: في حكم الدال بالاقتضاء

- ‌الركن الثاني: من السنة وفيها مقدمة وعدة فصول

- ‌الفصل الأول: في تقسيمه باعتبار الاتصال

- ‌الفصل الثاني: في الراوي

- ‌الفصل الثالث: في الانقطاع

- ‌الفصل الرابع: في محل الخبر

- ‌الفصل الخامس: في وظائف السمع

- ‌الفصل السادس: في الطعن

- ‌الركن الثالث في الإجماع: وفيه مقدمة وعشرة فصول

- ‌أما المقدمة ففي تفسيره

- ‌الفصل الأول في إمكانه

- ‌الفصل الثاني في إمكان العلم به

- ‌الفصل الثالث في إمكان نقل العالم إلى المحتج به

- ‌الفصل الرابع: في حجيته

- ‌الفصل الخامس: في ركنه

- ‌الفصل السادس: في أهلية من ينعقد به

- ‌الفصل السابع: في شروطه

- ‌الفصل الثامن: في حكمه

- ‌الفصل التاسع: في سببه

- ‌الفصل العاشر: في مراتبه

- ‌الركن الرابع: القياس

- ‌الفصل الأول: في معناه

- ‌الفصل الثاني: في شروطه

- ‌الفصل الثالث: في أركانه

- ‌الفصل الرابع: في حكمه

- ‌خاتمة الفصول في عدة تقسيمات للقياس:

- ‌الفصل الخامس: في دفعه

- ‌الفصل السادس: في بيان أسباب الشرائع

- ‌الأول في الأسباب

- ‌المبحث الأول: في الاعتقادات وهي الإيمان بتفاصيله

- ‌المبحث الثاني في العبادات

- ‌المبحث الثالث في المعاملات

- ‌المبحث الرابع في المزاجر

- ‌القسم الثاني في حكم الأحكام أي مصالحها المشروعة هى لها

- ‌المبحث الأول: في الاعتقادات حكمتها

- ‌المبحث الثاني: في العبادات

- ‌المبحث الثالث: في المعاملات الخمسة

- ‌المبحث الرابع: في المزاجر

- ‌الفصل السابع: في غير الأدلة الأربعة

- ‌الأول في الصحيحة

- ‌الأول: في شرع من قبلنا

- ‌المبحث الثاني: في تقليد صحبه عليه السلام

- ‌المبحث الثالث: في الاستدلال

- ‌القسم الثاني: في الأدلة الفاسدة:

- ‌المقصد الثاني: فيه ركنان للتعارض والترجيح

- ‌أما الأول ففيه مباحث

- ‌الأول في تفسيره

- ‌الثاني: في حكمه

- ‌الثالث: في المخلص عنه

- ‌الركن الثاني في الترجيح: وفيه فصول

- ‌الأول في تفسيره

- ‌الفصل الثاني في حكمه

- ‌الفصل الثالث في تقسيمه

- ‌الفصل الرابع: في وجوه ترجيح القياس بحسب التأثير

- ‌الفصل الخامس: في وجوهه بين المنقولين

- ‌الأول ما بحسب السند

- ‌الأول الراوي ورجحانه

- ‌المورد الثاني: الرواية وفيه وجوه

- ‌المورد الثالث المروى: وفيه وجوه

- ‌المورد الرابع المروى عنه

- ‌الصنف الثاني: ما بحسب المتن

- ‌الصنف الثالث: ما بحسب المدلول

- ‌الفصل السادس في وجوهه بين المعقولين

- ‌الفصل السابع في بيان المخلص

- ‌الفصل الثامن

- ‌الخاتمة ففى الاجتهاد وما يتبعه من مسائل الفتوى

- ‌الفصل الأول في تفسير الاجتهاد وشرطه

- ‌الفصل الثاني في حكمه

- ‌الفصل الثالث في مسائل متعلقة الاجتهاد

- ‌الفصل الرابع في مسائل الفتاوى

- ‌الأول في المفتي

- ‌القسم الثاني: في المستفتي

- ‌القسم الثالث فيما فيه الاستفتاء

الفصل: ‌الفصل الثاني: في الراوي

الرابع: أن دليل إيجابه العمل شرعي كما ذكرنا وعقلط عند أبى الحسن البصري وابن سريج والقفال فتمسك أبو الحسين بأن تحصيل المصالح ودفع المضار جملة واجبة عقلا وأخبار الآحاد تفصيل بما لأن النبي عليه السلام بعث لذلك ومفيدة للظن بهما وكل جملة واجبة عقلا فالظن بتفضيله يوجب العمل عقلا. وجوابه بعد إبطال التحسين والتنقيح العقلين منع أن العمل بالظن في تفاصيل مقطوع الأصل واجب بل أولى احتياطًا ولئن سلم في العقليات منع في الشرعيات وقياسها بطل لعدم التماثل وأما لأن القياس شرعي فلا لأن القياس الذي أصله عقلي، عقلط بخلاف ما سيجيء من القياس على الفتوى.

ولقسك الباقون أولا بأن صدقه ممكن فيجب اتباعه احتياطًا

لا يقال الاحتياط يفيد الأولوية كما مر لأنه في الشرعيات يفيد الوجوب ولذا لم يحمل هذا على الدليل العقلي بل على القياس.

فأجيب بأن لا أصل له في الشرع فالمتواتر يوجب الاتباع لإفادته العلم لا للاحتياط والفتوى فرق بينهما وبينه لخصوصها بالمقلد وعمومه في الأشخاص والأزمان ولئن سلم ذلك بناء على ما مر من المعارضة فهو دليل شرعي لأن أصله شرعي.

وثانيًا بأنه لو لم يجب لخلت أكثر الوقائع عن الحكم لأن الكتاب والمتواتر لا يفيان بها منطوقًا أو مفهومًا أو قياسًا وهو ممتنع عقلا، وجوابه منع بطلان التالي.

أما مع الملازمة بناء على أن عدم الدليل دليل العدم شرعًا فعند من يقول به، أو إذا انحصر، ولذا أخرا، وبالنظر إلى المتقدم الوضعط لا لقوته ترقيا. والله أعلم.

‌الفصل الثاني: في الراوي

وفيه مباحث:

الأول: في تقسيمه وهو إما معروف بالرواية وشرائها فقط. أو بالفقه والاجتهاد. وإما مجهول؛ أي: في الرواية بأن لم يعرف ذاته إما بحديث أو حديثين، ولا عدالته وطول صحبته ولا يوجد في الصدر الأول.

وأقسامه خمسة؛ لأن الثقات إما أن يتلقوا حديثه بالقبول أو بالرد أو يختلفوا فيهما، أو بالسكوت، أو لم يظهر بين السلف.

أحكام الأقسام:

فالمعروف بالكل كالخلفاء، وكالعبادلة، ومعاذ، وأبى موسى الأشعري، وعائشة، وأبى ابن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، يقبل حديثه، وافق القياس فتأيد به ولو من وجهه أو لا فطرحه.

ص: 249

وقيل القياس مقدم وربما ينسب إلى مالك رحمه الله.

وقال أبو الحسن البصري إن ثبت علة القياس بقطعي قدم وإلا فإن قطع بحكم الأصل دون العلة اجتهد فيه حتى يظهر دليل أحدهما فيتبع، وإلا فالخبر مقدم.

وقال بعض المتأخرين إن لم يترجح نص العلة على الخبر في الدلالة فالخبر وإن ترجح فإن قطع بوجود العلة في الفرع فالقياس وإلا فالتوقف.

لنا أولا أن عمر ترك القياس في مسألة الجنين بأنه عليه السلام أوجب فيه الغرة، وقال لولا هذا لقضينا فيه برأينا، وفي دية الأصابع، حيث رأى تفاوتها بتفاوت منافعها، فتركه بقوله عليه السلام في كل إصبع عشر، وفي ميراث الزوجة من دية زوجها، ولم ينكره أحد فكان إجماعًا.

وثانيًا: حديث معاذ حيث أخر القياس عنه وقرره النبي عليه السلام.

وثالثًا: أن القياس أضعف لأن الاجتهاد المخبر في أمرين عدالة الراوي ودلالة الخبر وللقياس في سنة حكم الأصل وتعليله في الجملة وتعين العلة ووجودها في الفرع ونفى المعارض في الأصل وفي الفرع وإن كان الأصل خبرًا زاد أمره على السنة وما فيه الاجتهاد أكثر فالخطأ فيه أوفر والظن به أندر.

ورابعًا: أن علة القياس ساكنة وشهادتها بالإشارة والخبر نطاق فكان فوقها في الإبانة وكذا السماع لكونه إحساسًا فوق الرأي في الإصابة ولذا قدم خبر الواحد على التحري في القبلة.

قالوا أولًا القياس حجة بالإجماع لأن نفاته ظهرت بعد القرون الثلاثة والإجماع أقوى من الخبر.

قلنا الخبر أيضًا حجة إجماعًا فيترجح بما مر.

وثانيًا: أن الاحتمال في القياس أقل لأن الخبر باعتبار العدالة يحتمل كذب الراوي وفسقه وكفره وخطأه وباعتبار الدلالة التجوز وغيره مما هو خلاف الظاهر وباعتبار حكمه النسخ والقياس لا يحتمل شيئًا من ذلك.

قلنا: الاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور ويأدي الجميع في القياس إذا كان أصله خبرًا وأنتم تقدمونه.

وثالثًا: رد الصحابة إياه بالقياس.

قلنا: كان لمعان نذكرها لا لترجيح القياس.

قال المفصلون إذا ترجح نص العلة وقطع وجودها في الفرع ترجح القياس لترجح

ص: 250

نصه وإن لم يقطع توقف لتعارض النصين.

قلنا: فلم يكن الترجيح أو التعارض للقياس من حيث هو بل للنص في الحقيقة فالمتبع ما لنا من الطريقة ويحدث من هنا فساد تفصيل أبى الحسين بلا شائبة شبهة ومانع مبين.

والمعروف بالرواية فقط؛ كأبي هريرة، وأنس بن مالك يقبل إن وافق القياس مطلقًا أو خالف من وجه وإن خالف من كل وجه وهو المراد بانسداد باب الرأي يضطر إلى تركه.

أما الأول فلكون الراوي ثقة بخلاف خبر المجهول إذا خالف القياس من وجه حيث يجوز تركه.

وأما الثاني فلأن النقل بالمعنى كان مستفيضًا فيهم فإذا قصر فقهه لم يؤمن أن يذهب عليه شيء من معانيه لأن للحديث خطرًا وقد أوتى جوامع الكلم فدخله شبهة زائدة في متنه وفي شيء يضاف إليه الحكم ولا يترك العمل بالكتاب والسنة المشهورة، أعنى حديثي معاذ الدالين على حجية القياس بالإجماع عليها في القرون الثلاثة إلا لقطعيته وليس بحيث يصاب بالاجتهاد بخلاف القياس مثل حديث أبى هريرة رضي الله عنه في المصراة فإن قياسه على ضمان العدوان بالمثل أو القيمة إجماعًا بمنع وجوب التمر لا أن هذا ضمان عدوان وإلا فمخالفته للكتاب كاف في رده ولهذا أنكرت عليه عائشة رضي الله عنها في روايته أن ولد الزنا شر الثلاثة وأن الميت يعذب ببكاء أهله، متمسكة بقوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وأنكر ابن عباس رضي الله عنهما عليه روايته الوضوء مماسته النار، ومن حمل جنازة فليتوضأ، قائلا كيف نتوضأ مما عنه نتوضأ، أيلزمنا الوضوء بحمل عيدان يابسة، ويعنى به قصورهم بالنسبة إلى فقه الحديث، فأما الازدراء، فمعاذ الله.

وحديث المجهول كوابصة بن معبد وسلمة بن المحبق ومعقل بن سنان رضي الله عنهم يقبل إذا تلقاه السلف بالقبول أو بالسكوت فإنه في موضع الحاجة بيان ولايتهم السلف بالتقصير كحديث المعروف بقسميه لتعديلهم إياه، وهذا إن اختلف في قبوله عندنا كحديث معقل في قصة بَرْوَعَ أنه مات عنها هلال قبل الفرض والدخول فقضى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهر مثل نسائها فعمل ابن مسعود رضي الله عنه. ورواه من القرن الثاني علقمة ومسروق ونافع والحسن، وأنه قرن العدول فأخذنا بقوله قياسًا للموت بكونه مؤكدًا على الدخول ولذا وجب العدة ورد على رضي الله عنه لعود المعقود عليه سالمًا فلا يوجب العوض وأخذه الشافعي، وإذا تلقوه بالرد صار مستنكرًا لا يترك به القياس اتفاقًا كحديث فاطمة بنت ليس عليه السلام لم يجعل لها نفقة ولا سكنى ورده عمر رضي الله عنه

ص: 251

وغيره، وكذا حديث بُسْرة في مس الذكر.

أما إذا لم يظهر حديثه بين السلف فلا يترك به وجوبًا لكن يجوز العمل به إذا لم يخالف القياس ليضاف الحكم إلى النص فلا يمنعه نافيه وهذا في القرون الثلاثة؛ لأن العدالة أصل فيها لا بعدها لظهور الفسق.

ولذا جوز أبو حنيفة رضي الله عنه القضاء بظاهر العدالة (1) لأنه في القرن الثالث، وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ} [الإسراء: 36] الآية تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116] دل على المنع من اتباع الظن مطلقًا فخولف في المعلوَم عدالته بالإجماع فيبقى في غيره وجوابه بعد ما مر أن المتبع هو الإجماع على إثبات الظن في الفروع وأن ذلك مخصوص بالأصول أن المراد بالمعلوم عدالته إن كان المتيقن فبط للإجماع على أنه إذا عدل الراوي اثنان يجب قبول روايته مع عدم التيقن وإن كان المظنون فهو حاصل بالأصل، أما أن المراد أعم من التيقن أو الظن بالقول فتخصيص بلا دليل واصطلاح غير معهود.

قيل: مبنى الخلاف على أن الأصل هو الفسق لأنه أثر القوه الشهوية والغضبية الغريزيتين والعدالة أثر التزام تكاليف الشر فهي طارئة ولأنه الغالب فيما بعد القرون الثلاثة بالحديث وأكثر أئمة المذهبين فيهم فلا ظن بعدالتهم ما لم يختبر حالهم ولم يترك الخبير بها.

قلنا: أولًا العقل الذي ليس مطروحًا في معرفة الحسن والقبيح بالكلية بل آلة لها غريزي وهي أثره.

وثانيًا: أن غريزية سبب الفسق لا ينافى ما ادعيناه من أصالة العدالة في القرون الثلاثة بالحديث واتباعه أولى، لا سيما أن التأثير بإجراء العادة لا بالإيجاب، فالمتبع في معرفة كيفيته صاحب الشرع.

وثالثًا: أن العدالة فيما بين رواة الحديث لا سيما إذا كانوا فقهاء هي الأصل ببركته هو الغالب بينهم في الواقع كما نشاهده، فلذا قلنا مجهول القرون الثلاثة في الرواية، أما في الضهادة فإن اختص قول الإِمام بالقرون الثلاثة كما قيل من أنه اختلاف زمان فذاك وإن كان اختلاف برهان وإن أفتى المتأخرون بقولهما فبالنظر إلى الإِسلام والتزام الأحكام وكمال العقل الزاجرة عن المعصية، وأن أول البلوغ يصادف العدالة لا شك أنها الأصل فيجوز العمل به فيما يكثر فيه الوقوع وإبطال الحقوق ثم ترجيحنا هذا أولى لأنه فيما بين نفسي العدالة والفسق لا سببهما.

(1) انظر: المبسوط للسرخسى (16/ 88)، تخفة الفقهاء (3/ 363).

ص: 252

الثاني: في شرائطه منها مصححة للقبول ومنها مكملة؛ أما المصححة فأربعة:

الأول: العقل، أي الكامل ولذا قد يعبر عنه بالتكليف وقد مر تفسيره وأنه لا يكمل شرعًا لا حين البلوغ وإنما اشترط لأن كل موجود فبصورته ومعناه يتحقق فالصوت والحروف لا يكون كلامًا إلا بالعقل الذي به الفهم والتفهيم بخلاف ألحان الطور والنائم فخبر الصبي وإن قارب البلوغ ليس بحجة في الشرع لاحتمال أن يعلم عدم حرمة الكذب عليه فيكذب فلا يحصل ظن صدقه ولأن الشرع لم يجعله وليًّا في أمر دنياه ففي دينه أولى، أما عدم ولاية العبد فلحق المولى لا لنقصان عقله ولأن قوله في حقه لا يقبل فكيف في حق غيره ولأن قول الفاسق أوثق وهو مردود فكيف الصبي وكذا المجنون والمعتوه.

وإجماع أهل المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء قبل تفرقهم كما يرويه مالك رحمه الله فعلى تقدير تسليمه كان لضرورة أن لا يضيع حقوق الجنايات حيث كثرت بينهم منفردين عن العدول والمشروع استثناء لا يرد نقضًا كالعرايا وشهادة خزيمة أما لتحمل في الصبي والرواية بعد البلوغ فمقبول لأن الخلل الدفع عن تحمله وقياسًا على جواز الشهادة اتفاقًا فالرواية أولى ولإجماع الصحابة على قبول رواية جماعة من أحداث ناقلي الحديث كابن عباس، وابن الزبير، وأبى الطفيل، ومحمود بن الربيع، وغيرهم. من غير فرق واستفسار، وأما إحضار الصبيان فيحتمل التبرك ولذا يحضرون من لا يضبطه وقد اصطلحوا على أن يكتبوا لتحمل الطفل حضورًا وجسدًا، ولتحمل الكبير سماعًا.

الثاني: الضبط، وهو الحفظ مع الحزم والمراد مجموع المعاني الأربعة، حق السماع بأن لا يفوت منه شيء ثم فهم تمام معناه، لإمكان أن ينقله بالمعنى بخلاف القرآن، إذ المعتبر في حقه نظمه المعجز المتعلق به أحكام مخصوصة والمقصود في السنة، معناها حتى لو بذل مجهود في حفظ لفظ السنة كان حجة ولأنه محفوظ عن التغيير لقوله تعالى:{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ثم حفظه باستفراغ الوسع ثم المراقبة أي الثبات عليه إلى حين الأداء فمن ازدرى نفسه ولم يرها أهلا للتبليغ فقصر في شيء منها ثم روى بتوفيق الله تعالى لا يقبل وإنما اشترط لأن طرق الإصابة لا يترجح إلا به فلا يظن بصدق الخبر دونه لاحتمال السهو.

وهو نوعان: ظاهر وباطن:

فالظاهر: ضبط معناه لغة، وهو الشرط عند الأكثر والباطن ضبطه فقهًا أي من حيث تعلق الحكم الشرعي به وهو الكامل فلاشتراط الأول لم يكن خبرًا لمغفل خلقة أو مساهلة

ص: 253

حجة وإن وافق القياس والكمال.

الثاني: قصرت رواية من لم يعرف بالفقه عن رواية من عرف به.

الثالث: العدالة وهي الاستقامة لغة ومنه طريق عدل وجابر للجادة والبينات واستقامة السيرة والدين شريعة وحاصلها هيئة راسخة في النفس لخمل على ملازمة التقوى والمروءة وترك البدعة ليستدل بذلك على رجحان صدقه.

وهي قسمان: قاصر يثبت بظاهر الإِسلام، واعتدال العقل الزاجرين عن المعاصي كما مر. وكامل ليس له حد يدرك مداه فاعتبر أدنى كماله هو ما لا يؤدى إلى الحرج وتضييع الشريعة وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة، ولماكانت هيئة خفية نصب لها علامات هي اجتناب أمور أربعة وإن ألم بمعصية لأن في اعتبار اجتناب الكل سد بابه:

1 -

الكبائر: وهي تسعة برواية ابن عمر رضي الله عنهما "الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم؛ أي: الظلم فيه لشرفه" وزاد أبو هريرة رضي الله عنه "أكل الربا" وعلى رضي الله عنه "السرقة، وشرب الخمر" وقيل: كل ما توعد الشارع عليه بخصوصه وقيل: كل ماكان مفسدته مثل مفسدة أقلها أو أكثر مفسدة دلالة الكفار إلى استئصال المسلمين أكثر من مفسدة الفرار عن الزحف ومفسدة إمساك المحصنة للزنا بها أكثر من مفسدة القذف، وقد يقال ما يدل على قلة المبالاة بالدين دلالة أدنى ما ذكره وعلى هذا كثيرة.

2 -

الإصرار على الصغائر فقد قيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، ومرجعه أن يعرف بالعرف بلوغه مبلغًا ينفي الثقة.

3 -

الصغائر الخسية؛ أي الدالة على خسة النفس كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة.

4 -

المباح الدال على ذلك كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأرذال، والحرف الدنية مما لا يليق كالحياكة، والدباغة، والحجامة، والأكل والبول على الطريق، وذكر قاضى خان الأكل والشرب في السوق، فإن مرتكب الكل لا يجتنب الكذب غالبًا فخبر الفاسق والمستور وهو من يعلم ذاته دون صفته مردود.

قال الشافعي فخبر المجهول أولى إذ لا يعلم لذاته ولا صفته فربما لو علم ذاته علم بالفسق بخلاف من علم ولم يعرف بالفسق، قلنا قبلناه في القرن المشهود بعدالته وكذا

ص: 254

المستور فيه.

وأما المبتدع، وهو من ليس معتقده كأهل السنة فإن تضمن بدعته الكفر ويسمى صاحبها الكافر المتأول، فمن كفر به جعله كالكافر وسيجيء، ومن لم يكفر كالبدع الواضحة فإنها إما غير واضحة فيقبل اتفاقًا وإما واضحة ويسمى الفاسق المتأول؛ كفسق الخوارج، والروافض، والجبرية، والقدرية، والمعطلة، والمشبهة، وكل منها اثنتا عشرة فرقة، تبلغ اثنتين وسبعين.

فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته منهم الشافعي والقاض لقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ومنهم من قبلهما.

أما في الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حب الاعتقاد لا يدل عليه، بل أمارة الصدق لأن موقعه فيه تعمقه في الدين والكذب حرام في كل الأديان لا سيما من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك يصده عنه إلا من تدين بتصديق المدعى المنتحل بنحلته كالخطابية وكذا من اعتقد بحجية الإلهام. وقد قال عليه السلام نحن نحكم بالظاهر وأما في الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول فعليه أولى إلا من يعتقد وضع الأحاديث ترغيبًا أو ترهيبًا كالكرامية أو ترويجًا لمذهبه كابن الراوندي.

وأصحابنا قبلوا شهادكم لما مر دون روايتهم إذ ادعوا الناس إلى هواهم على هذا جمهور أئمة الفقه والحديث لأن الدعوة إلى التنحل داعية إلى التقول فلا يولقن على الرواية ولا كذلك الشهادة.

قيل مذهب القاضي أولى لأن الآية أحق بالعمل من الحديث لتواترها وخصوصها والعام يحتمل التخصيص ولأنها لم تخصص إذ كل فاسق مردود، والحديث خص عنه خبر الكافر والفاسق.

قلنا: مفهومها أن الفسق هو المقتضى للتثبت فيراد به ما هو أمارة الكذب لا ما هو أمارة الصدق، وقبول الصحابة قتلة عثمان رواية وشهادة إجماعهم عليه، ولئن سلم فليس بدعة واضحة لأن كثيرًا من القتلة وغيرهم يجعلونه اجتهاديًّا ونحو الخلاف في البسملة أنها من القرآن أو زيادة الصفات وغيرها من مسائل الاعتقاد إذ لم يتضمن كفرًا أو لم يكفر بها وإن ادعى الخصم القطع ليس من الواضحة لقوة الشبهة من الجانبين فيقبل.

ومن مسائل العمل كشرب النبيذ، واللعب بالشطرنج من يجتهد بحله أو مقلد له فالقطع أنه ليس بفسق صوبنا أو خطأنا لوجوب العمل دموجا الظن ولا يفسق بالواجب فالصحيح أن لا يحد مثله بشرب النبيذ وإن حده الشافعي لا لأنه فاسق بل لزجره لظهور

ص: 255

التحريم عنده ولذا قال أحدّه وأقبل شهادته، وكذا الحد في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب ليس بفسق بخلافه في مقام القذف.

الرابع الإِسلام وهو تحقيق الإيمان كما أنه تصديق الإِسلام وهو نوعان ظاهر بنشوء بين المسلمين وتبعية الأبوين أو الدار وكامل يثبت بالبيان وأدناه البيان إجمالا بتصديق جميع ما أتى به النبي عليه السلام مطلقًا، والإقرار به لأن في شرط التفصيل حرجًا ولذا اكتفى بعد الاستيصاف بنعم وكان دأبه عليه السلام، والمقبول منه أدنى الكامل إلا أن يظهر أمارته كالصلاة بالجماعة للحديث، ولذا قال محمَّد في الصغيرة بين المسلمين إذا لم تصف حين أدركت تبين من زوجها وإنما اشترط لا لأن الكفر يقتضى الكذب بل لأن الكافر ساع في هدم الدين فتثبت به تهمة زائدة كما في الأب لولد، فلا يقبل روايته ولا شهادته على المسلم ولانقطاع الولاية عليه ويقبل على الكافر عندنا صيانة للحقوق إذ أكثر معاملاتهم مما لا يحضر مسلمان وإن خالفا ملة، لأن الكفر كله ملة فللذمي على مثله والمستأمن وللمستأمن على مثله من دارهما فقط وعند مالك والشافعي لا يقبل والاستدلال على اشتراطه بأنه لا يوثق به كالفاسق وبأن الفاسق في قوله تعالى:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات: 6] يتناوله بالعرف المتقدم وهو الخارج عن طاعة الله تعالى وإن لم يتناوله بالمتأخر وهو مسلم ذو كبيرة أو صغيرة أصر عليها ضعيف لأنه قد يوثق بقوله لتدينه في مطلق دينه المتضمن لتحريم الكذب أو في تحريم الكذب ولأن المراد الفسق المفضي إلى الكذب والتدين رادع عنه.

تتمة: يزاد في الشهادة شروط عليها كالبصر والذكورة والحرية وأن لا يحد في القذف وعدم القرابة للشهود له وعدم العداوة للمشهود عليه، والعدد وغيرها مما ذكر في بابها فيقبل رواية الأعمى والعبد والمرأة والمحدود في القذف إلا في رواية الحسن كما قبلت الصحابة رضي الله عنهم منهم من غير طلب التاريخ لا شهادتهم لأنها تفتقر إلى تمييز زائد ينعدم بالعمى وولاية كاملة متعدية تنعدم بالرق وتقصر بالأنوثة وحد القذف وتحقيق ظن غالب بعدم بواعث الكذب لا يحصل عند القرابة، وللعداوة، ولا يغلب عند وحدة المخبر لأن البراءة الأصلية تعارض دليل صدقه فإذا تعدد رجح وبناء الجميع على حروف فارقة:

1 -

أن فيها إلزامًا على المشهود عليه واللزوم على سامع الخبر بالتزامه طاعة الله ورسوله، كعلى القاضى بتقلده.

2 -

إن حكم الخبر يلزم الخبر أولًا ثم يتعداه ولا يشترط لمثله قيام الولاية بخلاف الشهادة حتى كان العبد كالحر في الشهادة بهلال رمضان، أيضًا وما يلزم العبد والفقير من

ص: 256