الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كقول عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون أي اليد في الشيء التافه أي الحقير فالأكثر على أنه حجة مطلقًا لأنه ظاهر في الجميع وأنه عمل الجماعة وأنه حجة وقيل لو قاله التابعي لا يدل على فعل الجميع والظاهر دلالته أما عليه أو على فعل البعض وسكوت الباقي مع عدم الإنكار قالوا فلا يسوغ المخالفة لأنه إجماع قلنا لا نعلم فإن ذلك فيما كان قطعيًا إذا لم يتعلق المحذوف بالمذكور تعلقًا بغير المعنى كشرط العبادة وركنها وكالغاية في لا تباع النخلة حتى تزهى والاستثناء في لا يباع مطعوم بمضعوم إلا سواء بسواء وشرط المحدثون أن تذكره مرة بتمامه كيلا يتطرق إليه سوء الظن بتهمة التحريف والتلبيس.
7 -
في انفراد الثقة بالزيادة لفظًا كانت أو معنى كرواية أنه عليه السلام دخل البيت أو دخل وصلى فإن اتحد مجلس السماع فإن كان كثرة الرواة الآخر بحيث لا يتصور غفلتهم عن مثلها لم تقبل وإلا فالجمهور على القبول وعن أحمد روايتان لنا أنه عدل جازم فيقبل كانفراده بحديث وعدم إقدامه على الكذب هو الظاهر فعلى الرسول أظهر لا سيما وقد بلغه الوعيد به وغيره من الرواة ساكت وغير جازم بالنفي لاحتمال الحضور أو الذهاب في أثناء المجلس أو النسيان أو الشاغل عن السماع قالوا نسبة الوهم إليه أولى لوحدته.
قلنا: جزم العدل بسماعه ما لم يسمع مع وحدته أبعد بكثير عن ذهول الإنسان عما جرى بحضوره مع كثرتهم.
وإن تعدد المجلس أو جهل حاله وحده وتعددا يقبل اتفاقًا.
ومثله اختلافًا ودليلا كون الزيادة والنقص من واحد مرتين وإسناد عدل مع إرسال الباقين أو رفعه مع وقفهم أو وصله بأن لم يترك راويًا في البين مع قطعهم.
3 -
في الإدراج وهو أن يضيف الراوي إلى الحديث شيئًا من قوله بحيث لا يميزه عن قول الرسول فإن ثبت أنه ليس قول الرسول لا يقبل قبول الحديث وإلا فالظاهر من الثقة لا يدرج فإذا روى من الصحابة مرة لا تمييزه عن قول الرسول وأخرى بتمييزه فالحق أن يعمل بهما بأن يجعل من قول الرسول ويحمل الأخرى على ظن الراوي كذلك أو تكرار قول الرسول من عنده إذ العمل بهما أولى من إهمال أحدهما وذلك الحمل أولى من نسبة التلبيس إلى الصحابة رضي الله عنهم ولذا جعلنا قوله إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلواتك من حديث التشهد لا من قول ابن مسعود رضي الله عنهما.
الفصل السادس: في الطعن
وفيه مباحث: الأولى في تقسيمه هو، إما من المروى عنه أو من غيره وكل منهما
سبعة أقسام:
أما الأول فلأن إنكاره إما بالقول أو بالفعل والأول إما بالنفى الجازم أو المتردد وبالتأويل وما بالفعل إما بالعمل بخلافه قبل الرواية أو بعدها أو مجهول التاريخ أو بالامتناع عن العمل بموجبه.
وأما الثاني: فلأنه إما من الصحابة فيما يحتمل الخفاء على الطاعن أو لا يحتمله، وإما من سائر أئمة الحديث فالطعن مبهم أو مفسر بما لا يصلح جرحًا أو يصلح لكن مجتهدًا فيه أو متفقًا عليه لكن ممن يوصف بالإتقان والنصيحة أو بالمعصية والعداوة.
الثاني: في أحكام أقسام الأول أما الجازم فيسقط العمل اتفاقًا في الأصح لكذب أحدهما قطعًا ولعدم تعينه لا يسقط عدالتهما المتيقنة بالشك كبينتين متعارضتين فيقبل رواية كل منهما في غير ذلك الخبر وأما المتردد سواء نفى ولم يصر عليه وقال لا أدرى فقال أبو يوسف يسقط وهو مختار الكرخي والشيخين وسائر المتأخرين.
وقال محمَّد ومالك والشافعي ومن تبعهم لا يسقط ولأحمد روايتان مثاله ما رواه سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام قال: "أيما امرأة"(1) الحديث وقد أنكره الزهري.
وما رواه ربيعة عن سهيل في الشاهد واليمين ولم يعرفه سهيل حين سئل وكان يقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي نظيرة إنكار أبى يوسف رواية مسائل ثلاث أو أربع أو ست من الجامع الصغير على محمَّد فلم يقل بها وصححها محمَّد للراد ولا ما قال عمار بن ياسر لعمر أما تذكر حين كنا في إبل فاجنبت فتمعكت في التراب فذكرته للرسول عليه السلام فقال: أما كان يكفيك ضربتان ولم يذكره عمر رضي الله عنه فلم يقبل وكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ولو لم ينحك حضور عمر رضي الله عنه لقبله لعدالته وفضله ولم ينكر أحد ما فعله عمر رضي الله عنه فازداد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أول فلا يحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر رضي الله عنه فإذا رد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أولى فلا بحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر رضي الله عنه فليس مما نحن فيه.
وثانيًا: أنه يرد بتكذيب دلالة العادة كالغرابة في الحادثة المشهورة فبتصريح الراوي وعليه مداره أولى أما قياسه على الشهادة حيث لا يقبل شهادة الفرع من نسيان الأصل فلا يتم لأن بابها أضيق فقد اعتبر فيه بعد الحرية والذكررة والعدد لفظة الشهادة وامتناع
(1) تقدم تخريجه.
العنعنة والحجاب للقائل أولًا حديث ذي اليدين حيث قبل رواية أبى بكر وعمر رضي الله عنهما عنه أو شهادتهما عليه بما لم يذكر وجوابه أن الظاهر أنه عليه السلام عمل بذكره بعد روايتهما إذ كان لا يقر على الخطأ.
وثانيًا أن الحمل على نسيان المروى عنه أولى من تكذيب الثقة الراوي وجوابه بأن نسيان الحاكي سماعه عن غيره وزعم أنه منه في الاحتمال سواء فيه شيء لأن إنكار الأصل جازمًا ليس محل النزاع ومترددًا ليس كالاحتمال الذي في الفرع لجزمه بالرواية وأنه عدل كما لو مات الأصل أو جن.
قال مشايخنا: اختلاف الصاحبين هنا فرعه في الشهادة على حكم القاضي بقضية لا بذكره ولا يلزم ذلك مالكًا واحمد لأنهما يوجبان الحكم كمحمد بل أصحاب الشافعي حيث لا يوجبونه، وجوابهم بان نسيان الترافع وطول المقاولة ومآل النزاع أبعد من نسيان الرواية معارض بل مرجوح بأن وجوب ضبطها والثبات عليها يجعل نسيانها عن الثقة في غاية الندرة.
ولذا قال المحدثون الحق التفصيل بأن ينظر الشيخ في نفسه فإن رأى أن عادته غلبة النسيان قبل رواية غيره عنه وإلا رد إذ قلما لا يتذكر مثله بالتذكير والأمور تبنى على الظواهر لا على النوادر.
وأما بالتأويل من الشيخ فإن كان كتعيين بعض معاني المجمل مما ليس ظاهرًا في بعض المحتملات كان ردًا لسائر الوجوه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا بقرينة معاينة فيصلح للترجيح وإن لم يصلح حجة على الغير لما سيجيء وإن كان ظاهرًا فحمله على غيره كتخصيص العام وتقييد المطلق.
قيل: يعتبر ظهوره وإليه ذهب الكرخي وأكثر مشايخنا والشافعي حيث قال كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته.
وقيل يحتمل على تأويله لمثل ما مر.
وقال أبو الحسين البصري وعبد الجبار إن علم بالضرورة أنه علم مقصود النبي عليه السلام وجب المصير إليه وإن جهل نظر في دليله فإن اقتضاه أَتبع وإلا أخذ بظاهر الخبر وهذا في الحقيقة عين المذهب الأول وهو الحق لأن تأويله لا يبطل الاحتمال اللغوي لا يكون حجة على غيره كاجتهاده ولا يلزمنا حديث ابن عباس رضي الله عنه "من بدل دينه فاقتلوه" حيث قال ابن عباس لا نقتل المرتدة فأخذنا به خلافًا للشافعي لأنا عملنا فيه بنهى النبي عليه السلام من قتل النساء مطلقًا لا بتخصيصه ولا الشافعي إثباته خيار
المدلس بحديث ابن عمر رضي الله عنه المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وقد حمله على اقتراق الأبدان وإن احتمل افتراق الأقوال وأنه في معنى المشترك بينهما لأنه أثبته بدلالة ظاهر الحديث لا بتأويله.
قلنا ظاهره افتراق الأقوال لأن حقيقة المتبايع حالة المباشرة ومجاوبة الركنين وأما عمله بخلاف مرويه قبل بلوغه وروايته فليس جرحًا إذْ يحمل على تركه بالحديث إحسانًا للظن به وكذا مجولا تاريخه لأن حجية الحديث لا تسقط بالشبهة وأما بعدها بما هو خلاف بيقين لا ببعض محتملاته كما مر وذلك بأن كان نصًا في معناه فسقط حملا له على وقوفه على أنه منسوخ أو ليس بثابت إذ لو كان خلافه باطلا سقطت روايته أيضًا.
وقيل: يعمل الخبر إذ ربما ظن ناسخًا ولم يكن وهو بعيد أما عمل غيره وإن كان أكثر الأمة فلا يسقط مثل حديث عائشة رضي الله عنها: "أيما امرأة نكحت"(1) الحديث ثم زوجت أي بعد الرواية ابنة أخيها حفصة وهو غائب. قيل: لعل الولاية انتقلت إلى الأبعد لغيبة الأقرب. قلنا: جوزت نكاح المرأة نفسها دلالةً فإنه إذا انعقد بعبارة غير المتزوجة فبعبارتها أولى وحديث ابن عمر في رفع اليدين في الركوع حيث قال مجاهد صحبته عشر سنين فلم أره رفع اليدين إلا في تكبيرة الافتتاح.
وأما الامتناع عن العمل كترك الصلاة في جميع وقته من غير اشتغال بعمل فمثل العمل بخلافه لحرمته.
وشمس الأئمة رحمه الله ذكر ترك ابن عمر رفع اليدين في القبيلين لأن الترك فعل من
الثالث: في أحكام أقسام الثاني:
فالأول وهو طعن الصحابة فيما لا يحتمل الخفاء بمنع القبول إذ لو صح لما خفي عادة فيحمل على السياسة أو عدم الختم أو الانتساخ مثاله قوله عليه السلام "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"(2) أي حكم زنا غير المحصن بغير المحصن.
وقوله "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة"(3) أي: المحصن كناية فيهما فالخلفاء
(1) تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه مسلم (3/ 1316) ح (1690).
(3)
أخرجه النسائي في الكبرى (4/ 270) ح (7142)، والإمام أحمد في مسنده (5/ 318) ح (767) والطيالسى في مسنده (1/ 79) ح (584) والمحاملي في أماليه (1/ 374) ح (421) وابن الجوزي في التحقيق (2/ 323) ح (1802) بتحقيقنا. وانظر نصب الراية للزيلعي (3/ 330).
الراشدون لم يعملوا بهما وهم الأئمة والحدود إليهم حتى حلف عمر حين لحق من فيه بالروم مرتدًا أن لا ينفى أبدًا وقال على رضي الله عنه كفي بالنفي فتنة فعلم أنه كان سياسة ولما امتنع عمر رضي الله عنه عن قسمة سواد العراق بين الغانمين حين فتحه عنوة علم أن قسمة خيبر لم تكن حتمًا فيتخير الإِمام في الأراضي بين الخراج والقسمة اتفاقًا.
ومنه نكاح المتعة كما قال ابن سيرين هم رأوها وهم نهوا عنها أما عمل ابن مسعود بالتطيق وهو إرسال المصلى كفيه مطقة بين الفخذين بعد حديث عمر في أخذ الركب أو وائل بن حجر في الوضع عليها أو أبى حميد الساعدي في الجمع بينهما فلم يوجب جرحًا إذ كان ذلك لأن التطبيق عزيمة لا للإنكار غير أن أحد الثلاثة رخصة إسقاط عندنا وهو مذهب عامة الصحابة ولذا نهى سعد بن أبي وقاص ابنه عنه مستندًا إلى نهى عبد الله ولأن التخيير بينهما في العزيمة نوع تخفيف لاكما نحن فيه.
الثاني طعنهم فيما يحتمله لا يمنعه لأن النادر يحتمل الخفاء كحديث زيد بن خالد الجهني في الوضوء بالقهقهة (1) لأنها نادرة لا سيما في الصحابة وإن لم يعمل به أبو موسى الأشعري وكحديث الخثعمية "حجى عن أبيك واعتمري" وحديث يرخص الحائض بترك طواف الصدر وإن لم يعمل ابن عمر بهما فلم يجوز الحج عن الغير وأوجب إقامتها حتى تطهر.
الثالث: الطعن المبهم عن سائر أئمة الحديث كأن الحديث غير ثابت أو مجروح أو متروك أو رواية غير عدل أو غيره لا يقبل خلافًا للقاضي وجماعة لأن الظاهر العدالة بين المسلمين للعقل والدين لا سيما في القرون الثلاثة ولأن قبوله يبطل السنن ولأنه لا يقبل في الشهادة وهي أضيق ففيها أولى.
الرابع: طعنهم بما لا يصلح جرحًا لا يقبل كطعن أبي حنيفة رحمه الله لا سيما من المتعصب بدس ابنه لأخذ كتب أستاذه حماد فإنه آية إتقانه ويجوز لذلك الغرض عند ظن المنع وكالطعن بالتدليس هو لغة كتمان عيب السلعة عن المشترى
واصطلاحًا كتمان انقطاع أو خلل في الإسناد كما في العنعنة فإنها توهم شبهة الإرسال وحقيقته ليست بجرح ومنه قول من عاصر الزهري قال الزهري موهمًا أنه سمع
(1) ضعيف جدًا. أخرجه الدارقطني فما سننه (1/ 164) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 28) وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (1/ 223)، وأبو بكر الإسماعلي في معجم الشيوخ (2/ 530 - 531) ح (167)، وابن الجوزى فما العلل (1/ 370 - 371) ح (617)، وانظر الدراية في تخريج الهداية (1/ 36)، نصب الراية للزيلعى (1/ 48).
منه. وبالتلبيس بذكر كنية الراوي كقول سفيان حدثني أبو سعيد يحتمل الثقة هو الحسن البصري وغيره وهو محمَّد الكلبي وكقول محمَّد بن الحسن حدثني الثقة يريد أبا يوسف ولم يصرح به للخشونة بينهما أو بذكر موضعه نحو حدثنا بما وراء النهر موهمًا أنه يريد جيحون وهو يريد جيحان وذا لأن الكناية صيانة له وللسامع عن الطعن بالباطل وليس كل تهمة قادحة إذا لم تكن فاطعة ولا التهمة في حديث مسقطة كل الأحاديث كما في الكلبي لتفسيره وربيعة بن عبد الرحمن وغيرهما والتسمية بالثقة شهادة بالعدالة.
وللكناية وجوه أُخر ككون المروى عنه دونه في السنن أو قرينة أو تلميذه إذ الجميع صحيح عند أهل الفقه والحديث نعم يصير جرحًا إذا لم يفسر حين استفسر وكالطعن بما ليس ذنبًا شرعيًا كما في محمَّد بن الحسن بقول ابن المبارك لا يعجبني أخلاقه وقد قال فيه هو من يحيى الله به دين الأمة ودنياهم اليوم وأخلاق القدوة غير أخلاق أهل العزلة وكما بسباق الخيل والقدم مع أنه استعدادًا لجهاد وبالمزاح فإنه يحق من امرئ لا يستفزه الخفة مباح وبالصغر إذ لا يقدح عند التحمل كحديث عبد الله العذري في صفية الفطر أنها نصف صاع من حنطة وقدمناه على حديث الخدري أنها صاع لأنه بعد استوائهما في الاتصال أثبت متنا لكونه مع قصته وقولا لا فعلا وقد تأيد برواية ابن عباس رضي الله عنه وكما بعدم احتراف الرواية لأن العبرة للإتقان كما في أبى بكر رضي الله عنه.
الخامس: طعنهم بمجتهد فيه لا يقبل كما بالاستكثار من فروع الفقه في أبى يوسف لأن كثرة الاجتهاد دليل قوة الذهن والضبط وبالإرسال فإنه دليل الإتقان من الثقة.
السادس: طعنهم مفسرًا بالفسق لكن من متهم بالعصبية كطعن الملحدين في أهل السنة لا يسمع.
السابع: ذلك ممن يوصف بالنصيحة مقبول وقد مر كلياته في وجوه الانقطاع قيل والصحيح من وجوه الطعن يبلغ أربعين فما لم يتل هنا يرام في كتاب الجرح والتعديل.
وأما التذييل ففي مباحث الجرح والتعديل.
الأول: في تعريفهما الجرح وصف متى التحق بالراوي والشاهد بطل العمل بقولهما والتعديل وصف متى التحق بهما أخذ به ويرادفه التزكية.
الثاني: في عدم اشتراط العدد فيهما وعليه القاضي وهو مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف في الرواية والشهادة إلا في تزكية العلانية وأكثر الشافعية على عدمه في الرواية واشتراطه في الشهادة وهو مذهب محمَّد وقيل يجب العدد فيهما، لما مر أن باب الرواية وقضاء القاضي بعد الشهادة من حقوق الله فيعمل فيهما بخبر الواحد تعديلا وجرحًا.
أما التعديل فلأنه بعد تسليم كونه شرطًا لا يربو على حال المشروط لتبعيته وكفاية وجوده كيف ما كان وأما الجرح فإنه رد إلى أصل العدم لا أخرج عنه وأما ترجح الجارحين على الجماعة المعدلة وكذا جارح على معدل في رواية والأصح العمل بثالث فليس لهذا بل لأن الخارج مثبت للفسق والمعدل ناف والمثبت المستوفى للنصاب لا غالب عليه لا يقال أصالة العدالة في باب الشهادة يقتضي كون الجرح إلزامًا وإخراجًا من الأصل لأن إصابتها عند عدم تعرض الخصم أما عند طعنه فيشترط التعديل ويكون الجرح دفعًا لا رفعًا كما يشترط مطلقًا في الرواية بعد القرون الثلاثة غير أن تزكية العلانية لاستناد ظهور لزوم الحق إليها عند التعرض استناده إلى الشهادة مطلقًا ألحقت بها واشترط شروطها كما مر ومثلها تزكية السر عند محمَّد والحق بما لأن الإلزام بالظواهر وتزكية السر للاحتياط وإنما لم يشترط لفظة الشهادة لأنها تنبئ عن التيقن وذلك في العلم بعدم أسباب الجرح متعذر بل مبناه على الظاهر ولا مجلس افيضاء إحرازًا لفضيلة الستر ولا حضور الخصم احترازًا عن فتنة العداوة أو الكذب استحياء.
وللمشترطين في الشهادة دون الرواية إلحاق التبع بالمتبوع فيهما.
وجوابه أن لذلك وجهًا في الرواية فإن الاحتياط في التبع لا يربو على أصله أما في الشهادة فإنما يثبت لو وجب عدم نقصان التبع وعدم زيادته عليه وهو مم ولذا يصح تعديل شهود الزنا إلا عند محمَّد رحمه الله ويكفى واحد في أصل الشهادة بهلال رمضان ويجب في تعديله اثنان عندهم ولا يقال ذلك للاحتياط في العبادة إذ لا احتياط في المتردد بين الوجوب والحرمة في شيء من طرفيه كصوم يوم الشك، ولموجبي العدد فيهما أو لا أنهما شهادة كسائر الشهادات.
وجوابه بعد المعارضة بأنه إخبار كسائر الأخبار الفرق بما مر في الرواية وتزكية الشر.
وثانيًا: أنه أحوط لتعيده في التعديل احتمال العمل بما ليس بحديث وبينة وفي الجرح احتمال عدم العمل بما هو حديث وبينة.
وجوابه بعد المعارضة لما في كل بما في الآخر الفرق في تزكية العلانية يتضمنها للإلزام وأن الأحوطية تفيد الأولوية ولئن سلم فالاحتياط في الجرح ليس في محن لأن كونه حديثًا وبينة لم يثبت بعد حتى يحتاط في تبعيد احتمال العمل به.
الثالث: في إطلاق الجرح والتعديل يكفي فيهما عندنا رواية وشهادة وعليه القاضي حتى قلنا يكفي في التعديل هو عدل مقبول الرواية أو الشهادة رواية واحدة وفي عدل فقط روايتان والأصح قبول لثبوت الحرية بالدار وفي الجرح الله يعلم بعد الاستفسار إحرازًا
السبب فيهما وقال الشافعي يكفى في التعديل دون الجرح وقيل بالعكس وقال الإِمام إن صدر عمن يعلم أسبابهما كفى وإلا فلا.
لنا أن غير البصير بحالهما وإن كان عدلا لا يصلح بما حتى لو عمل بخبر غير العدل البصير فسق وبطلت عدالته والبصير يتبع لحصول الثقة.
قيل أسباب الجرح مختلف فيها فربما جرح بسبب لا نراه.
وجوابه بأن إطلاق العدل البصير في محل الخلاف تدليس قادح في عدالته مردود بأن الواجب معرفة أسبابه اجتهادًا أو تقليدًا لا معرفة الاتفاق والاختلاف فيها فربما لا يخطر الخلاف بباله.
ولو سلم فالبناء على ما هو الحق عنده ليس تدليسًا.
والصحيح أن الغالب من أسبابه متفق عليه والغالب من البصير أن يعرف محل الخلاف والاتفاق والغالب من الحاكي للمجتهد أو القاصر إذا كان ثقة أن ينبه على الخلاف وإلا فإطلاقه تدليسًا قادح في عدالته وبناء على زعمه يؤدى إلى التقليد فيحمل على أنه لإحراز فضيلة الستر ولما تقرر أن الغالب بوجه كالمتحقق فبوجوه أولى واتباع غالب الظن ليس تقليدًا بل أقصى غاية الاجتهاد.
لا يقال لو كفى الإطلاق في الجرح عندكم لسمع الشهادة على جرح مجرد وهو ما يفسق به ولم يوجب حقًا للشرع أو العبد مثل هو فاسق أو آكل الربا أو استأجرهم للشهادة وأعطاهم مالى أو صالحتهم ودفعته على أن لا يشهدوا على وشهدوا لأنا نقول لا يلزم من كفاية الإطلاق في مطلق العمل كفايته للإلزام إذا كان على وجه الشهادة إذ عدم سماعها حينئذ لعدم إمكان الإلزام بالفسق وهو معنى عدم دخول الفسق تحت الحكم إذ له الرفع بالتوبة حتى لو علم القاضي بفسقهم لا يحكم به أيضًا وإن لم يقبل شهادتهم حتى يعلم توبتهم ومضى مدة يظن باستقرار التوبة فمِها بخلاف شهادتهم على إقرار المدعى بفسق شهوده فإن الإقرار يدخل تحت الحكم ولأن هتك الستر من غير ضرورة فسق لا يعمل بشهادتهم وضرورة دفع خصومة المدعى تندفع بالأخبار للقاضي من غير شهادة وبوظيفة التزكيتين لموجب ذكر السبب فيهما أن الإطلاق لا ينفك عن الشك للالتباس والاختلاف في أسبابهما فلا يصلح للإثبات.
وجوابه أن قول العدل يوجب الظن فلا شك للشافعي أن الاكنفاء بالإطلاق في الجرح يؤدى إلى تقليد المجتهد في سبب الجرح فربما لو ذكره لم يره جرحًا والمقلد في بعض المقدمات ليس بمجتهد بخلافه في التعديل فإن الإطلاق فيه أمارة عدم علمه بفسق ما فلا
فسق أصلًا لوقوع النكري في سياق النفي وهذا عمل بالإجماع لا تقليد.
قلنا اتباع ظن الصدق من المجتهد المتفرس ليس تقليدًا كما مر.
ولئن سلم فإن لم يجب للجارح معرفة الخلاف فإطلاقه في التعديل أمارة عدم فسق مما يراه جرحًا فلا يدل على الإجماع وإن وجب فإن أطلق تلبيسًا فليس بعدل وإن أطلق اكتفاء بزعمه لم يخرج عن التقليد للعاكس إن كثرة التصنع في العدالة بين الناس يؤدى إلى الالتباس.
فلا بد من بيان سببه بخلاف الجرح وقد علم جوابه والإمام إن شرط العلم بأنه عالم بأسبابهما فلزومه مم وإن اكتفى بالظن فذلك حاصل ممن يوثق ببصيرته وضبطه.
الرابع في تعارض الجرح والتعديل الجرح مقدم عند الأكثرين مطلقًا والتعديل عند البعض كذا والصحيح من مشايخنا تقديم جرح الاثنين على تعديل الجماعة أما عند وحدتهما فيتبع الثالث.
لنا أن شأن المعدل الظن بعدم أسباب الجرح إذ العلم بالعلم لا يتصور والجارح السبب كقتل فلان يوم كذا وجزم المعدل بنفيه بأن يراه بعد ذلك اليوم تعارضًا واحتيج إلى الترجيح بالثالث وإلى هذا دليل مقدمي الجرح مطلقًا ثم نقول ما دام الجارح واحدًا يعارضه ظاهر العدالة الذي يقتضيه العقل والدين ويتقوى به المعدل الواحد على معارضته وإذا تعدد المعدل ترجح عليه.
أما إذا استوفى الجارح نصاب الشهادة تقرر فلا يعارضه التعديل وإن تكثر إذ لا حكم للزائد عليه.
الخامس في طرق التعديل وهي أربعة:
1 -
أن يحكم بشهادته من يرى العدالة شرطًا في فبولها اتفاقًا أما من لا يرى فليس بتعديل.
2 -
أن يبنى عليه عارف بوجوه العدالة بأنه عدل.
3 -
أن يعمل بروايته العالم إن رآها شرطًا في قبولها إذ العمل بخبر الفاسق فسق ولم يمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بدليل آخر وافق الخبر وإلا فلا.
4 -
رواية العدل عنه وفيها مذاهب:
1 -
تعديل إذ الظاهر أنه لا يروى إلا عن عدل.
2 -
ليس بتعديل إذ كثيرًا ما نرى من يروى ولا يفكر ممن يروى.
3 -
وهو المختار إن علم من عادته أنه لا يروى إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا.