الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما خبر الفاسق في الديانات فالأصل الاحتياط فيه بضم التحري فإذا أخبر بنجاسة الماء إذا وقع صدقه في القلب تيمم قبل الإراقة والأحوط بعدها بخلاف الكافر والصبي والمعتوه حيث يتوضأ وإن وقع في قبله صدقهم مع أن الاحتياط بالتيمم بعد الإراقة أفضل وكذلك يجب أن يكون رواية الحديث أي لا يعمل بها وجوبًا لكن يستحب العمل إن كان الاحتياط فيه وقيل معناه أن الاستحباب حينئذ في العمل بقول الفاسق فوقه بقولهم (فالحاصل أن خبر الفاسق في الرواية هدر لرجحان كذبه ولا ضرورة إذ في عدول الرواة كثرة وفي نحو الحال والحرمة محكم الرأي لتعسر الحصول من العدول لخصوصه لكن لا مكان العمل بالأصل لم يكن ضرورته لازمة بخلاف خبره في الوكالات والهدايا ونحوهما مما لا إلزام فيه فثمة ضرورة لازمة في وجدان العدول فيقبل من كل مميز عدلا كان أو لا وصبيًا أو بالغًا مسلمًا أو كافرًا ولأن في نحو الحل والحرمة معنى الإلزام من وجه كما سيجىء بخلاف المعاملات.
ثم خبر المستور في كتاب الاستحسان مثل الفاسق في الديانات وفي رواية الحسن مثل العدل بناء على القضاء بظاهر العدالة والصحيح الأول لغلبة الفسق في هذا الزمان وما كان شرطا لا يكتفي بوجوده ظاهرًا كما إذا قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال العبد لم أدخل فالقول للمولى.
وليس في دعم قبول رواية الحديث بعد القرون الثلاثة هذا الخلاف احتياطًا في الرواية ونص شمس الأئمة عليه فيها وخبر صاحب الهوى مر حكمه والكافر علم ضمنًا والله أعلم.
الفصل الرابع: في محل الخبر
وهو الحادثة وهي إما حقوق الله تعالى فإما أن لا تندرئ بالشبهات نحو العبادة خالصة مقصودة كانت أو لا كالوضوء والأضحية وغالبة على العقوبة كما خلا كفارة الفطر من الكفارات أو على المؤنة كصدقة الفطر أو مغلوبة عنها كالعشر ومنه الحق القائم بنفسه كالخصر وإما أن تندرئ بها كالعقوبة خالصة وقاصرة وتابعة للمؤنة كالخراج وغالبة على العبادة ككفارة الفطر أو حقوق العباد.
فإما ما فيه الزام أو ليس فيه من كل وجه أو فيه من وجه دون آخر فهذه خمسة أقسام، وإنما لم يقسم حقوق الله باعتبار الإلزام لأن اللزوم فيها بالتزام الإِسلام لا بإلزام المخبر ولذا يجب على سامع الخبر حكمه من غير قضاء والشهادة فيها لمحض الاظهار أو من حيث تضمنها لحق العباد.
أما الأول من حقوق الله تعالى: بأصنافه الخمسة فخبر الواحد حجة رواية بشرائطه السابقة في ابتدائها وبقائها، قيل في بقائها فقط لأنه أسهل وقيل لا بد من العدلين كالشهادة قلنا: الأدلة المذكورة لا تفصل والقياس على الشهادة في اشتراط شيء من شرائطها لا يصح لضيق بابها وكذا شهادة كالشهادة بهلال رمضان مع علة المساء يقبل الواحد العدل رجلا وامرأة حرًا وعبدًا لأنه أمر ديني كالرواية، ولذا لم يشترط لفظة الشهادة وقبل عن المحدود في القذف في ظاهر الرواية، ويروى لا يقبل لأنه شهادة إذ لا يجب العمل به إلا بعد القضاء واشترط مجلسه والعدالة وكذا في سائر الديانات.
أما خبر الصبي والمعتوه والكافر فلا يقبل فيها أصلا وإخبار الفاسق والمستور رواية لا تقبل وديانة تقبل بشرط انضمام المتحرى للضرورة هنا وكمرة عدول الرواة.
وأما الثاني منها: بإضافة الثلاثة كالقصاص والحدود وحرمان الميراث وكفارة الفطر عندنا فتقبل فيما روى عن أبي يوسف واختاره الجصاص لأن الأدلة لا تفصل ولدلالة الإجماع على العمل بالبينة وأنها خبر الواحد وبدلالة النص الذي فيه شبهة كالرجم في حق غير ماعز وغيره مع أن مواضع الشبهات مخصوصة والعلم المخصوص دون خبر الواحد إذ يعارضه القياس لا إياه وهو قول الكرخي لا يقبل جمعًا بين تلك الأدله والدارئة لشبهة فيه كما في القياس وقبول البينة إما بالإجماع أو بالنص القطعي الوارد على خلاف القياس نحو: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15] فمحل الخلاف عليه لا يقاس ولأن الشهادة ق حقوق الله تعالى مَظهرة وخبر الواحد مثبت ولأن البينة لإثبات سببها وهو الفعل لا نفسها ولأنها لو لم يعمل فمِها لانسد بابها إذ الإقرار نادر والتواتر أندر بخلاف خبر الواحد لأن أكثر أنواعها ثابت بالكتاب والكلام ق مثل حد الشرب الغير الثابت به أما الفرق بان لها شرائط كثيرة ففيه ما فيه وخبر الواحد إذا كان ظني الدلالة يكون كالعام المخصوص يعارضه القياس بالأولى مع أن المعارضة في الحقيقة للنص المخصص الذي يظهر القياس عموم حكمه.
قيل: والأصح عند الإِمام هو الأول لأنها أحكام عملية لا علمية وقد تمسك في قتل مسلم بذمي بالمرسل وفي قتل جماعة بواحد بأثر عمر رضي الله عنه وهما دون المسند وإنما لم يعمل بالرأي لأن الحدود مقدرة مكيفة لا مدخل للرأي ق معرفتهما ولكلام صاحب الشرع أن يثبتهما والقصاص أعظم ولأن الشبهة في نفسه لا في طريق ثبوته المقنن فلذا لم يعمل ق اللواطة بالرأي ولا بخبرها لغرابته وعملا بالدلالة ولا شك أن الخبر القطعي الدلالة أعلى من العام المخصوص ولا قائل بالتفصيل.
وأما حقوق العباد فرواية الواحد في أقسامها الثلاثة مقبولة مع شرائطها وغير الرواية ففي الأول كالبياعات والأملاك وغيرهما لا يقبل لكونه إلزامًا إلا بالولاية فإنها تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى فلا تقبل من نحو العبد والصبي والكافر ولكونه مظنة التزوير والتلبيس إلا بالعدالة وسائر الشرائط الرافعة إياهما وبلفظة الشهادة لأنها أبلغ في إفادة العلم لأنها من المشاهدة المعاينة كما قال على رضي الله عنه إذا علمت مثل الشمس فأشهد وإلا فدع وبالعدد عند الإمكان لأن الطمأنينة معه أظهر ولأن الترجيح على البراءة الأصلية به.
وفيه بحث سيجيء بخلاف حقوق الله تعالى فإن ظهور الصديق كاف لعدم المنازع ولأن لزومها بالتزام الإِسلام لا بإلزام المخبر ولأن الغالب فيها عدم تهمة الحيلة والتزوير ولهذه المعاني لم يحتج إلى القضاء بعد الإخبار أما إذا لم يمكن العدد فلا يشترط كشهادة المرأة بالولادة والبكارة وسائر ما لا يطلع عليه الرجال، قال مالك رحمه الله الشهادة بالرضاع في المملوكة يمينًا أو متعةً تقبل من المرأة الواحدة الثقة (1) لأن الحرمة أمر ديني كمن اشترى لحمًا فأخبره عدلٌ أنه ذبيحة المجوس قلنا فيها إلزام إبطال الملك الذي هو حق العبد مقصودًا وإن لزمه الحرمة كالعتق والطلاق والإخبار بحرية الأمة لأن الحل والحرمة في البضع يستلزمان الملك وعدمه لا ينفكان عنه ولذا يؤثر فيهما الإباحة من مالك الأمة ونفس الحرة بخلافهما في الطعام والشراب فإنهما مقصودان برأسهما فيهما حيث ينفكان عنهما فاعتبر أمرًا دينيًّا فالحل بدون الملك في الإباحة وعكسه في العصير المتخمر واللحم المذكور حتى لا يملك الرجوع على بايعه فالشهادة بهما لا يتضمن الشهادة بالملك وإبطاله.
وأيضًا فيها إبطال استحقاق الوطئ للولي أو الزوج على الأمة والمنكوحة حيث كان يلزمهما الانقياد بما وليس في حل الطعام وحرمته استحقاق حق لشخص على آخر والحق أن فيه تفصيلا وهو أن الاحتياج إلى التأكيد في الشهادة بالدافع وهو القاطع المقارن كما بفساد أصل النكاح لارتداد أحدهما أو الرضاع حالة إذن إما بالرافع وهو القاطع الطارىء كما بارتضاع المنكوحة الصغيرة من أم الزوج أو زوجته إذا أراد الزوج نكاح أختها أو أربع سواها أو المرأة نكاح زوج آخر فيجوز أن يقبل فيها الواحد والفرق أن ظاهر الإقدام على العقد دليل الصحة فيعارض الواحد في الأول ولا معارضة في الثاني أو أن الثاني موضع مسالمة والخبر مجوز غير ملزم كما في الخبر بموت الزوجة أو الزوج أو
(1) انظر /المدونة (4/ 247).
طلاقه بخلاف الأول ولكون الشهادة بأن اللحم ذبيحة المجوس من الأول لم يقبل في حق إبطال الملك حتى لم يرجع على بايعه إلا لعدلين وإن قيل في الحرمة لانفكاكها وعلى هذا تدور المسائل وفيه عمل بشبهى إبطال الملك ولثبات الحرمة.
ومن هذا الشهادة بالفطر إذ ينتفعون بها ويلزمهم الكف عن الصوم فيشترط العدد وكذا تزكية السر ورسول القاضي والمترجم عند محمَّد رحمه الله اعتبارًا بالشهادة حتى شرط أربعة في تزكية الزنا ولذا يشترط إجماعًا سائر الشروط سوى لفظتها حتى المذكورة في مزكى الحدود.
ولهما أنها ليست كالشهادة ولذا لا يشترط لفظتها ومجلس القضاء فلا يشترط أهلية الشهادة والعدد ولأنه أمر تعبدي لا يتعداهما.
وهذا أولى مما يقال أنه معقول من حيث إنه لترجيح الواحد على البراءة الأصلية لأن الاثنين يكفى وإن عارضهما ألف أصل ويوضحه عدد شهود الزنا لما في العلانية فيشترط الأهلية والعدد إجماعًا على ما قاله الخصاف رحمه الله لأنها في معنى الشهادة حتى يقبل تزكية السر من الأب أو الابن أو أحد الزوجين والمولى أو الشريك أو غيرها دونها.
وفي القسم الثاني كالوكالة والمضاربة والرسالة في الهدايا والودائع والعوارى والإذن في التجارة يقبل خبر كل مميز ولو كان صبيًّا أو كافرًا ووقوع صدقهما في القلب شرط الاستحباب ولذا أطلقه محمَّد رحمه الله في الجامع الصغير وفيه روايتان وذلك لأمرين عموم الضرورة الداعية وعدم الإلزام ومن لوازمه أن يكون خانة مسالمة لا منازعة فليس أمرًا ثالثًا بخلاف الديانات التي هى حقوق الله تعالى فإن فيها إلزامًا من جهة لزوم الإقدام والإحجام وعدمه من جهة عدم الجبر فلهذا شرط فيها أحد شريها وهو العدالة وإن لم يشترط العدد ولم يعكس للديانة فالأصل تقرر على قبول الواحد أو أن المسالمة وعدمه زمان المنازعة.
ومن فروعه: غصبه فلان فأخذته لا يقبل وفرده على تقبل وما مر من الخبر بالرضاع الطارى وكذا بالموت من الطرفين أو الطلاق من الزوج الغائب إذا أراد الزوج نكاح أختها أو أربع سواها أو المرأة نكاح زوج آخر بعد العدة إذ ليس فيها معنى المنازعة كما مر وهو مجوز لا ملزم بخلافه بالمقارن.
وجعل فخر الإِسلام الشهادة بهلال رمضان منه باعتبار أن الملزم النص لا هى أولى منه جعل شمس الأئمة من أول قسمى حقوق الله تعالى لأنه أمر ديني ولذا الأشترط فيها الإِسلام والتكليف والعدالة إجماعًا بخلاف ما نحن فيه.