الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة
وكانت هذه الهجرة الغامرة من مختلف القواعد الأندلسية في الشرق والغرب، إلى ذلك الوطن الأندلسي الجديد غرناطة، تضفي على التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة طابعاً خاصاً، وبالرغم من أن العناصر الأساسية التي تتكون منها الأمة الأندلسية، هي العرب والبربر والمولدون - وهم أعقاب الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح - لبثت على كرّ العصور دون تغيير، فإنه يلاحظ أن الجموع الوافدة على المملكة الإسلامية الجديدة، كانت تضم كثيراً من العناصر التي صقلتها حضارة أرقى، ومن ثم فإنه يمكن القول: إن الأمة الأندلسية الجديدة، كانت تمثل أطيب وأثمن ما بقي من القيم العنصرية والحضارية للأندلس. وكان المولّدون يمثلون في المجتمع الأندلسي الجديد مثولاً قوياً، وكان أولئك المولدون قد نَمَوْا بمضي الزمن حتى غَدَوْا عنصراً مهماً بين سكان الأمة الأندلسية، وكان العرب والبربر ينظرون إليهم بشيء من الريب، وكانوا بالرغم من تمتعهم في ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة بنفس الحقوق التي يتمتع بها باقي المسلمين، ينزعون إلى الثورة في أحيان كثيرة، وكان لهم شأن في إضرام بعض الثورات الخطيرة التي اضطرمت ضد حكومة قرطبة، مثل ثورة الربض، وثورة طليطلة أيام الحكم بن هشام، وثورة بني قسيّ في الثغر الأعلى، وقد كان جدهم الكونت قسيّ قوطياً نصرانياً. وكان المولدون أعوان ابن حفصون، أعظم وأخطر ثوّار الأندلس، وهو الذي استطاع بمؤازرتهم وبمؤازرة النصارى المعاهدين، أن يؤسس مدى حين مملكة مستقلة في منطقة رندة (أواخر القرن التاسع الميلادي)، وكان ابن حفصون مولداً يرجع إلى أصل نصراني. على أن المولدين كان لهم موقف آخر ضد القادمين من إفريقية، ففد وقفوا إلى جانب مواطنيهم الأندلسيين ضدّ المرابطين ثم الموحّدين، وكان عماد الثورة ضدّ المرابطين زعيم أندلسي من المولدين هو محمد بن سعد بن مردنيش أمير بلنسية ومرسية. وكان يتحدث
القشتالية، ويرتدي الملابس الإفرنجية، ويحشد في جيشه كثيراً من الضباط والجند النصارى (1). ولم يكن للعاطفة الدينية في تلك العصور وفي تلك الظروف دائماً كبير أثر، بل كانت تغلب في معظم الأحيان عواطف القومية والمصلحة الخاصة (2). كذلك كان بين سكان غرناطة أقلية يهودية قوية، معظمهم من طائفة (السفرديم) القديمة أو اليهود الإسبان، وكان ليهود في ظل الحكومات الإسلامية نفوذ يذكر، وكانت العروبة تغلب على السكان المدنيين في مملكة غرناطة، ولا سيما بعد أن نزح إليها - على أثر سقوط القواعد الأندلسية بيد النصارى - كثير من سادات البطون العربية القديمة، ويذكر لنا ابن الخطيب عشرات من الأنساب العربية العريقة التي كان ينتمي إليها أهل غرناطة. ويصف ابن الخطيب الغرناطيين بوسامة الوجوه، واعتدال القدود، وسواد الشّعر، ونضرة اللّون، وأناقة الملبس، وحسن الطاعة والإباء، يتحدثون بعربية فصيحة تغلب عليها الإمالة. ويصف نساءهم بالجمال والرشاقة والسِّحر وبنبل الخلال، ولكنه ينعي عليهنّ المبالغة في التفنّن بالزينة والتبهرج في عصره. أما الجند، فكانت فيهم كثرة ظاهرة من البربر، ولاسيما من قبائل زناتة ومغراوة وبني مرين، ويرجع ذلك إلى أن طوائف البربر التي تخلّفت منذ عهد المرابطين والموحّدين بالأندلس، كان أغلبها من الجند، وقد بقيت على عهدها تؤثر الجندية على الزراعة والمهن والفنون المدنية (3).
وهكذا كان الشعب الأندلسي، حين آذنت شمسه بالمغيب، كما كان يوم مجده، يتكون من هذا المزيج العربي الإفريقي الأسباني الذي أطلق عليه الغربيون عبارة:(عرب الأندلس) أو (مسلمي الأندلس)(4).
(1) الإحاطة (2/ 87).
(2)
Dr. Lea: History of the Inquisition ، v. 1. p. 50.
(3)
أنظر الإحاطة في أخبار غرناطة (القاهرة 1955) - (1/ 140 - 145) واللمحة البدرية (27 - 28).
(4)
وهي بالإسبانية ( Los Moros) وبالإنكليزية ( The Moors) وبالفرنسية ( Les =