المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 - مع أبي عبد الله محمد ثانية - قادة فتح الأندلس - جـ ٢

[محمود شيت خطاب]

فهرس الكتاب

- ‌السَّمْح بن مالك الخَوْلانِيّفاتح شطر جنوبيّ فرنسة

- ‌نسبه وأيامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌السّمح في التاريخ

- ‌نسبه وأيّامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌2 - فتح جنوب وجنوب شرقي الأندلس:

- ‌3 - فتوح البرتغال:

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌عبد العزيز في التاريخ

- ‌نسبه وأيّامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌الإنسان القائد

- ‌1 - الإنسان:

- ‌2 - القائد:

- ‌عبد الأعلى في التاريخ

- ‌نسبه وأيّامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌1 - في إِفْرِيْقِيَّة

- ‌2 - في البحر:

- ‌أ - في صِقِلِّيَة

- ‌ب - في مَيُوْرْقَة ومَنُوْرَقَة:

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌عبد الله في التاريخ

- ‌جزيرتامَيُوْرَقَة ومَنُوْرَقَة

- ‌1 - مَيُوْرَقَة

- ‌2 - مَنُوْرَقَة

- ‌نهاية الأندلس

- ‌مستهل

- ‌مملكة غرناطة

- ‌نشأة مملكة غرناطةوقيام الدولة النصريّة

- ‌طوائف الأندلسيين في عصر الانحلال

- ‌1 - مملكة غرناطة وحدودها

- ‌2 - عناصر السكاّن

- ‌3 - المدجّنون وتاريخهم وحياتهم في ظل الممالك النصرانية

- ‌4 - التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة

- ‌طبيعة الصراع بين الأندلس وإسبانيا النصرانية

- ‌1 - حرب الاسترداد ومولد مملكة غرناطة

- ‌2 - طبيعة الصراع الإسلامي النصراني في الأندلس

- ‌مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر

- ‌1 - ولاية محمّد الفقيه وأحداث أيامه

- ‌2 - أبو عبد الله محمد الملقّب بالمخلوع وأحداث أيامه

- ‌3 - نصر بن محمد الفقيه وحوادث أيامه

- ‌مملكة غرناطة في النصف الأول من القرن الثامن الهجريوذروة الصراع بين بني مرين وإسبانيا النصرانية

- ‌1 - أبو الوليد إسماعيل وحوادث أيامه

- ‌2 - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وحوادث أيامه

- ‌3 - أبو الحجّاج يوسف بن أبي الوليد وأحداث أيامه

- ‌الأندلس بين المد والجزر

- ‌1 - ولاية محمد الغني بالله وحوادث أيامه

- ‌2 - يوسف أبو الحجاج وحوادث أيامه

- ‌3 - محمد بن يوسف وحوادث أيامه

- ‌4 - يوسف بن يوسف

- ‌5 - أبو عبد الله محمد الأيسر بن يوسف

- ‌6 - السلطان يوسف الخامس (ابن إسماعيل) وحوادث أيامه

- ‌نهاية دولة الإسلام في الأندلس868 هـ - 897 هـ - 1463 م - 1492 م

- ‌الأندلس على شفا المنحدر

- ‌1 - علي أبو الحسن وأحداث أيامه

- ‌2 - أبو عبد الله محمد بن على أبي الحسن وأحداث أيامه

- ‌بداية النِّهاية

- ‌1 - مع أبي عبد الله محمد ثانيةً

- ‌الصراع الأخير

- ‌1 - مع أبي عبد الله محمد أخيراً

- ‌2 - مفاوضات التسليم ومعاهدة التسليم

- ‌3 - عاقبة الملك المتخاذل

- ‌4 - أبو عبد الله في المغرب ودفاعه عن نفسه

- ‌ثمرات المعاهدة الغادرة

- ‌1 - مأساة الأندلس ونقص الروايات العربية عن المأساة

- ‌2 - التنصير وحرق الكتب العربية

- ‌4 - ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين

- ‌نهاية النهاية

- ‌1 - توجّس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية

- ‌2 - مأساة النّفي

- ‌تأمّلات في آثار المأساة الأندلسية

- ‌أسباب انهيار الفردوس المفقود

- ‌يمكن تلخيص أسباب سقوط الأندلس بما يلى:

- ‌فهرس الجزء الثاني

الفصل: ‌1 - مع أبي عبد الله محمد ثانية

الخامس فرصة اشتغال المسلمين بفتنتهم القاضية، وكانت بلش حصن مالقة، وسقوطها يعرّض مالقة لأشد الأخطار. وأدرك مولاي الزغل في الحال أهمية بلش، فهرع إليها في بعض قواته، وترك البعض الآخر لقتال أبي عبد الله محمد وأهل البيازين. ولكن إقدام الزغل وعزمه وشجاعته، واستبسال أهل بلش في الدفاع عن مدينتهم لم تُغن شيئاً، وسقطت بلش مالقة بيد النصارى في (جمادى الأولى سنة 892 هـ - نيسان - أبريل 1487 م) وعاد الزغل بجنده ميمماً صوب غرناطة. ولكنه علم أثناء مسيره أن غرناطة قامت أثناء غيابه بدعوة أبي عبد الله، وأنه دخلها وتبوأ العرش مكانه (5 جمادى الأولى - 28 نيسان - أبريل). وكان أهل غرناطة يحبّون الزغل، ويقدِّرون بطولته وحبه لوطنه، واستبساله في مقاومة النصارى، ولكنهم تحولوا عنه إلى تأييد أبي عبد الله لمحالفته للنصارى، وأملهم بذلك في اتِّقاء عدوانهم على أرباضهم وقراهم، وصون أنفسهم ومصالحهم، وهكذا أيقن الزغل عبث المحاولة، وارتدّ بصحبه إلى وادي آش، وامتنع فيها بقواته، وبذلك انقسمت مملكة غرناطة الصغيرة إلى شطرين، يتربّص كل منهما بالآخر: غرناطة وأعمالها يحكمها أبو عبد الله محمد بن السلطان أبي الحسن، ووادي آش وأعمالها يحكمها عمّه الأمير محمد بن سعد (أبو عبد الله الزغل). وتحقق بذلك ما كان يبتغيه ملك قشتالة، من تمزيق البقية الباقية من دولة الإسلام بالأندلس، تمهيداً للقضاء عليها (1).

‌بداية النِّهاية

‌1 - مع أبي عبد الله محمد ثانيةً

تبوّأ أبو عبد الله محمد بن السلطان علي أبي الحسن عرش غرناطة للمرة

(1) نهاية الأندلس (174 - 200).

ص: 222

الثانية، عقب عوده من الأسر بنحو عام، ولكنّه لم يكن يحكم تلك المرة سوى مملكة صغيرة، وكان المفروض فوق ذلك أن يحكمها باسم ملك قشتالة وتحت حمايته، وكانت الخطوب والفتن توالت على مملكة غرناطة قد مزّقتها، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى بضع مدن وقواعد متناثرة، مختلفة الرأي والكلمة، ينضوي بعضها تحت لوائه، وتشمل الأنحاء الشمالية والغربية، وينضوي بعضها الآخر تحت لواء عمّه محمد بن سعد (الزغل)، وتشمل الأنحاء الشرقية والجنوبية. وكان واضحاً أن مصير المملكة الإسلامية أصبح يهتزّ بيد القدر، بعد أن نفذت جيوش النصرانية إلى قلبها، واستولت على كثير من قواعدها وحصونها الداخلية، مثل الحامة ورندة ولوشة وبلش مالقة وغيرها. وكان ملك قشتالة يحرص على المضي في تحقيق خططه لسحق البقية الباقية من دول الإسلام في الأندلس، قبل أن يعود إليها اتحاد الكلمة، فيبعث إليها روحاً جديدة من العزم والمقاومة. وكان من الطبيعي أن يُؤثِر البدء بغزو القواعد الشرقية والجنوبية التي يسيطر عليها مولاي الزغل، لأن الزغل لم يكن يدين بطاعته، وكان يبدي في مقاومته عزماً لا يلين ولا يخبو، ولأنه من جهة أخرى يرتبط بأمير غرناطة بصلح يمتد إلى عامين، وقد أراد أن يسبغ على عهوده مسحة غادرة من الوفاء، وأخيراً لأنه كان يريد أن يعزل غرناطة، وأن يطوّقها من كل صوب، قبل أن يسدّد إليها الضربة الأخيرة.

وقد رأينا كيف سقطت قاعدة بلش حصن مالقة من الشرق في يد النصارى، بعد دفاع عنيف (في جمادى الأولى سنة 892 هـ - أيار - مايو 1487 م). وعلى أثر سقوطها غادرها معظم أهلها، وتفرّقوا في أنحاء الأندلس الأخرى الباقية بيد المسلمين، وجاز كثير منهم إلى عدوة المغرب، واستولى النصارى على جميع الحصون والقرى المجاورة، ومنها حصن قمارش وحصن مونتميور، واستطاعوا بذلك أن يشرفوا على مالقة من كل صوب. وكانت مالقة ما تزال أمنع ثغور الأندلس، وقد أضحت بعد سقوط

ص: 223

جبل طارق عِقْد صلتها الأخيرة بعدوة المغرب، وكان فرديناند يحرص على أن يقطع كل وسيلة ناجعة لقدوم الإمداد من إفريقية وقت الصراع الأخير، وكان الاستيلاء على مالقة يحقق هذه الغاية، ومن ثمَّ فإنه ما كاد النصارى يظفرون بالاستيلاء على بلش والحصون المجاورة، حتى زحفوا على مالقة وطوّقوها من البر والبحر بقوات كثيفة، وذلك (في جمادى الثانية سنة 892 هـ - حزيران - يونية 1487 م). وامتنع المسلمون داخل مدينتهم، وكانت تموج بالمدافعين، وعلى رأسهم نخبة ممتازة من أكابر الفرسان، ومعهم بعض الأنفاط والعُدد الثقيلة. وكانت مالقة تدين بالطاعة للأمير محمد بن سعد (الزغل) صاحب وادي آش، ولكنه لم يستطع أن يسير إلى إنجادها بقواته خوفاً من غدر ابن أخيه أمير غرناطة، فترك مالقة إلى مصيرها وهو يذوب تحسّراً وأسىً. ولكنه فكر في وسيلة أخرى لعلّها تجدي في إنقاذ الأندلس من خطر الفناء الداهم، وهي أن يستغيث بملوك الإسلام لآخر مرة، فأرسل رسلاً إلى أمراء إفريقية وإلى سلطان مصر الأشرف قايتباي. ولم يكن من المنتظر إزاء بعد المسافة أن تصبر مالقة على ضغط النصارى حتى يأتيها المدد المنشود. وكان يتولى الدفاع عن الثغر المحصور جند غمارة وزعيمهم حامد الثّغري. وأبدى المسلمون في الدفاع عن ثغرهم أروع ضروب البسالة والجلد، وحاولوا غير مرّة تحطيم الحصار المضروب عليهم، وفتكوا بالنصارى في بضع مواقع محليّة، ومع ذلك فقد ثابر النصارى على ضغطهم وتشديد نطاقهم، حتى قطعت كل علاقة للمدينة المحصورة مع الخارج، ومنعت عنها سائر الإمداد والأقوات، وعانى المسلمون داخل مدينتهم أهوال الحصار المروّع، واستنفدوا كل ما وصلت إليه أيديهم من الأقوات، وأكلوا الجلود وأوراق الشجر، وفتك بهم الجوع والإعياء والمرض، ومات كثيرون من أنجاد فرسانهم، ولم يجدوا لهم في النهاية ملاذاً سوى التسليم، على أن يؤمِّنوا على أنفسهم وأموالهم. وهكذا سقطت مالقة - بعد دفاع مجيد استمر ثلاثة أشهر - في أيدي النصارى، وذلك (في أواخر شعبان 892 هـ - 18 آب

ص: 224

- أغسطس 1487 م). ولم يحافظ فرديناند على ما بذله لأهلها من عهود لتأمين النفس والمال، وأصدر قراراً ملكياً باعتبار أهلها المسلمين رقيقاً يجب عليهم افتداء أنفسهم ومتعهم. ويفرض على كل مسلم أو مسلمة مهما كان السن والظروف، الأحرار منهم والعبيد الذين في خدمتهم، فدية للنفس والمتاع، قدرها ثلاثون دوبلاً من الذهب الوازن اثنين وعشرين قيراطاً، أو ما يوازي هذا القدر من الذهب والفضة واللآلئ والحلي والحرير، وأنه يسمح لمن أدّوا هذه الفدية، إذا شاءوا بالعبور إلى المغرب، وتقدّم لهم السفن لنقلهم، وأنه لا يسمح للمسلمين ذكوراً وإناثاً بالعيش أو الإقامة في مملكة غرناطة. ولكن يسمح لهم أن يعيشوا أحراراً آمنين في أية ناحية من نواحي قشتالة، وأنه لا يتمتع بهذه المنح بنو الثغري وزوجاتهم وأولادهم، وبعض أفراد أشار إليهم القرار (1). ودخل النصارى المدينة دخول الفاتحين، وعاثوا فيها وسَبَوْا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال والمتاع، وفرّ مَن استطاع من المسلمين إلى غرناطة أو وادي آش أو جاز إلى العدوة. وكان هذا النموذج من التصرف نموذجاً لما يضمره ملك النصارى نحو معاملة المسلمين المغلوبين، ولِما تنطوي عليه سياسته من نكث للوعود والعهود. وتقول الرواية الإسلامية المعاصرة في وصف محنة أهل مالقة:"وكان مصابهم مصاباً عظيماً تحزن له القلوب، وتذهل له النفوس، وتبكي لمصابهم العيون"(2).

ولنعد لقصة السفارات التي أوفدها أبو عبد الله الزغل إلى ملوك إفريقية ومصر والقسطنطينية يستغيث بهم، ويلتمس نجدتهم ونصرتهم. والتجاء الأندلس إلى ملوك العدوة في طلب الغوث والنجدة أمر طبيعي، وتقليد

(1) هذا ما ورد ضمن محفوظة بدار المحفوظات الإسبانية العامة Archivo general de Simancas; P. R. 11-5

(2)

أخبار العصر (27 - 28).

ص: 225

أندلسي قديم، ولكن دول المغرب كانت يومئذ في ضعف وتفرّق، لم تكن في استطاعتها أن تهرع إلى إنجاد الأندلس، كما فعلت في الماضي غير مرّة. ولم يُلب نداء مولاي الزغل، سوى شراذم ضئيلة من المجاهدين المتطوعين، جازت البحر إلى الأندلس.

وأما استغاثة الأندلس بمصر، فلم تقع إلاّ في عهد متأخر، وذلك حينما ضعف أمر بني مرين ملوك العدوة الأقوياء، وانقطعوا عن العبور إلى الأندلس، وشغلوا بأمر الدفاع عن أنفسهم. وقد بعث السلطان أبو عبد الله الأيسر سفارة إلى مصر سنة (844 هـ - 1440 م) لم تسفر عن أية نتائج عملية. على أنه لم يكن ثمة ريب في أن الحوادث الأندلسية المفجعة، كانت قد ذاعت يومئذ في أنحاء العالم الإسلامي، واهتزّ لمصابها حكام المسلمين قاطبة، وكان صداها يتردد في بلاط القاهرة وغيره، وكان أمراء الأندلس وزعماؤها مذ لاح لهم شبح الخطر الداهم، يتّجهون بأبصارهم إلى دول المغرب والمشرق معاً، وكانت كتبهم ونداءاتهم في تلك الآونة العصيبة تترى على مراكش والقاهرة والقسطنطينية. وفي مصادر العصر ما يدل على أن مصر كانت بنوع خاص تتابع حوادث الأندلس باهتمام وجزع، فإن ابن إياس مؤرخ مصر في ذلك العصر، لم يفته أن يدوِّن في حولياته هذه الحوادث تباعاً، فيقول في حوادث ذي الحجة سنة (886 هـ - 1481 م):"وفيه جاءت الأخبار من بلاد الغرب أن أبا عبد الله محمد بن أبي الحسن بن علي ابن سعد بن الأحمر، قد ثار على أبيه الغالب بالله صاحب غرناطة وملكها من أبيه، وجرت بينهما أمور يطول شرحها، وآل الأمر بعد ذلك إلى خروج الأندلس عن المسلمين، ومَلَكَها الفرنج، والأمر لله في ذلك". وفي حوادث رجب سنة (890 هـ - 1485 م): "وفي رجب جاءت الأخبار بوفاة ملك الأندلس صاحب غرناطة، وهو الغالب بالله أبو الحسن". وفي حوادث جمادى الآخرة سنة (891 هـ - 1486 م): "إن صاحب غرناطة أبا عبد الله توجه إلى عمه أن يرسل له نجدة تعينه في قتال صاحب قشتالة، وإن الفتن هناك قائمة،

ص: 226

والأمر لله" (1). وهكذا كانت حوادث الأندلس تتردد رغم بعد المسافة وصعوبة المواصلات في مصر، ويدوّنها مؤرخ مصر المعاصر، وإن كان في إيرادها ما تنقصه الدقة والوضوح. وكانت مصر ترتبط يومئذٍ مع ثغور الأندلس ولا سيما مالقة وألمرية بعلائق تجارية وثيقة، وكان لمصر هيبتها بين دول النصرانية منذ الحروب الصليبية، وبالأخص لأنها تحكم البقاع النصرانية المقدسة وبين رعاياها الملايين من النصارى. ولم يكن غريباً في تلك الآونة، أن تُفكّر الأندلس إبّان محنتها القاسية مرة أخرى، في الاستعانة بمصر، بعد أن رأت قصور الدول المغربية عن إنجادها. وكان من الطبيعي أن تهتم دول الإسلام بمصير المسلمين في الأندلس، وأن تفكّر في التماس السبيل إلى غوثهم إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ولا تشير المصادر الإسلامية إلى فكرة أو سياسة معيّنة، وضعتها أو اعتزمتها الدول الإسلامية لتحقيق هذه الغاية، ولكنها تشير فقط إلى سفارة أندلسية وفدت على بلاط مصر. على أن المصادر الغربية، تشير بالعكس إلى أن خطة كهذه قد وضعت ونظمت، وخلاصتها: أن المشرق كله اهتزّ لحوادث الأندلس وسقوط قواعدها السريع في يد النصارى، وأن بايزيد الثاني سلطان العثمانيين والأشرف قايتباي سلطان مصر، تهادنا مؤقتاً بالرغم مما كان بينهما من خصومات مضطرمة وحروب دموية، وعقدا محالفة لإنجاد الأندلس وإنقاذ دولة الإسلام فيها، ووضعا لذلك خطة مشتركة خلاصتها: أن يرسل بايزيد الثاني أسطولاً قوياً لغزو صقلية التي كانت يومئذ من أملاك إسبانيا، ليشغل بذلك اهتمام فرديناند وإيزابيلا، وأن تبعث سرايا كثيرة من الجند من مصر وإفريقية تجوز البحر إلى الأندلس لتنجد جيوشها وقواعدها (2). ومن الصعب أن نعتقد بأن مثل هذه الخطة الموحّدة، يمكن أن يتّفق عليها بين مصر والقسطنطينية، في مثل الظروف التي كانت تمرّ بها علائق البلدين يومئذٍ، فقد كانت علائق جفاء

(1) أنظر ابن إياس - تاريخ مصر (بولاق) - (2/ 216 و 230 و 237).

(2)

أنظر: Irving: Conquest of Granada ، P. 172

ص: 227

وقطيعة، وكان العثمانيون يتربصون بمصر ويطمحون إلى غزوها، وكانت مصر تخشى العدوان ويسودها التوجّس والحذر، وكان انفصام العلائق بين مصر والعثمانيين على هذا النحو، أبعد من أن يسمح بعقد مثل هذا التحالف بينهما، وكل ما يمكن قوله في هذا الشأن، هو أن فكرة إنجاد الأندلس كانت تلقى في بلاط القاهرة والقسطنطينية نفس العطف، وإن لم يتفاهما في ذلك على خطة موحدّة.

وعلى كل حال، فمن المحقق الذي لا ريب فيه أن مصر تلقت استغاثة الأندلس، ووضعت خطة سياسية خاصة لإسعافها وإنجادها. وقد وصلت سفارة الأندلس إلى مصر في أواخر سنة (892 هـ - 1487 م)، ويصف ابن إياس هذه السفارة بما يأتي:"وفي ذي القعدة من سنة (892 هـ) جاء قاصد من عند ملك المغرب صاحب الأندلس، وعلى يده مكاتبة من مُرْسِلِه تتضمن أن السلطان يرسل له تجريدة تعينه على قتال الفرنج، فإنهم أشرفوا على أخذ غرناطة، وهو في المحاصرة معهم، فلما سمع السلطان ذلك، اقتضى رأيه أن يبعث إلى القسوس الذين بالقيامة التي بالقدس بأن يرسلوا كتاباً على يد قسيس من أعيانهم، إلى ملك الفرنج صاحب نابولي، بأن يكاتب صاحب إشبيلية بأن يحل عن أهل غرناطة ويرحل عنهم، وإلاّ يشوّش السلطان على أهل القيامة، ويقبض على أعيانهم، ويمنع جميع طوائف الفرنج من الدخول إلى القيامة ويهدمها، فأرسلوا قاصدهم وعلى يده كتاب إلى صاحب نابولي كما أشار السلطان، فلم يفد ذلك شيئاً، وملك الفرنج مدينة غرناطة فيما بعد"(1). وفي رواية ابن إياس شيء من اللّبس، ذلك أن حصار النصارى الأخير لغرناطة، لم يبدأ إلاّ في مارس سنة (1491 م) الموافق جمادى الثانية سنة (896 هـ)، فالأمر لم يكن متعلّقاً إذاً بإنقاذ غرناطة. وكانت جيوش فرديناند وإيزابيلا منذ بداية سنة (892 هـ) تتدفق كما رأينا على أراضي مولاي الزغل لكي تنتزع منه

(1) تاريخ مصر (2/ 246).

ص: 228

الثغور الجنوبية. وقد استولت على بلش مالقة في جمادى الأولى من هذا العام (أيار - مايو - 1487 م)، ثم زحفت مباشرة على مالقة وضربت حولها الحصار في جمادى الثانية (حزيران - يونيه 1487 م)، وقد وصل صريخ الأندلس إلى مصر سنة (892 هـ)، وذلك بعد أن سقطت مالقة في يد النصارى بنحو ثلاثة أشهر. وإذاً فمن الواضح أن هذا الصريخ كان متعلّقاً بإنقاذ مالقة، وأنه كان صادراً من مولاي الزغل بطل الأندلس والمدافع عنها يومئذٍ، والمشفق عليها من السقوط، ولم يصدر من صاحب غرناطة وهو ابن أخيه أبو عبد الله محمد، وقد كان يومئذٍ يعيش آمناً في ظل الهدنة الغادرة التي عقدها مع النصارى.

ولم يكن من الميسور على مصر أن تلبي نداء الأندلس بطريقة فعالة، فترسل إليها الإمداد أو المساعدات المادية على ما بينهما من بعد الشقة، وعلى ما كان يشغل مصر يومئذٍ من الحوادث الداخلية، وتوجّسها من عدوان العثمانيين على حدودها الشمالية. ولكن مصر حاولت مع ذلك أن تعاون الأندلس بالطرق السياسية والضغط السياسي، وسلك بلاط القاهرة في ذلك خطة تدل على ذكاء وحزم، وتدل خاصة على وقوف على مجرى الشئون الخارجية، وتطور العلائق الدبلوماسية في هذا العصر (1).

وأرى أن مصر لم تقم بواجبها كما ينبغي، وأنها أسوة بغيرها كانت مشغولة بمصالحها الذاتية وحدها، وكان بالإمكان أن تعين الأندلسيين مادياً ومعنوياً، ولكنها اكتفت بالتمني وبما لا يضر ولا يفيد وبالكلام وحده.

فقد أجاب سلطان مصر الملك الأشرف على سفارة الأندلس، بتوجيه سفارة مصرية إلى البابا وملوك النصرانية، واختار لأدائها راهبين من رعاياه النصارى، أحدهما القس انطونيو ميلان رئيس دير القديس فرنسيس في بيت المقدس وعهد إليهما بكتب إلى البابا، وهو يومئذ إنوصان الثامن، وإلى ملك

(1) نهاية الأندلس (206).

ص: 229

نابولي فرديناند الأول وإلى فرديناند وإيزابيلا ملكي قشتالة وأراغون. وفي هذه الكتب يعاتب سلطان مصر ملوك النصارى على ما ينزل بأبناء دينه المسلمين في مملكة غرناطة، وعلى توالي الاعتداء عليهم، وغزو أراضيهم، وسفك دمائهم، في حين أن رعاياه النصارى في مصر وبيت المقدس، وهم ملايين، يتمتّعون بجميع الحريات والحمايات، آمنين على أنفسهم وعقائدهم وأملاكهم. ولهذا فهو يطلب إلى ملك قشتالة وأراغون الكف عن هذا الاعتداء، والرحيل عن أراضي المسلمين، وعدم التعرض لهم، وردّ ما أخذ من أراضيهم، ويطلب من البابا وملك نابولي أن يتدخلا لدى ملكي قشتالة وأراغون، لردهما عن إيذاء المسلمين والبطش بهم، هذا وإلاّ فإن ملك مصر سوف يضطر إزاء هذا العدوان أن يتبع نحو رعاياه النصارى سياسة التنكيل والقصاص، ويبطش بكبار الأحبار في بيت المقدس، ويمنع دخول النصارى كافة إلى الأراضي المقدسة، بل ويهدم قبر المسيح ذاته وكل الأديار والمعابد والآثار النصرانية المقدسة (1).

وغادر القس أنطونيو ميلان وزميله الديار المصرية، لتأدية سفارة مصر إلى ملوك النصرانية، ولسنا نعرف موعد هذا الرحيل بالضبط، ولكن السفيرين وصلا إلى إسبانيا في خريف سنة (1489 م)، أعني لنحو عام ونصف من وصول صريخ الأندلس إلى القاهرة. وكانت مالقة قد سقطت بيد النصارى منذ عامين، واستولوا على طائفة أخرى من الحصون والقواعد، ثم تحولوا بعد ذلك إلى بسطة وضرب فرديناند حولها الحصار. وهناك أمام أسوار بسطة وفد القس أنطونيو ميلان وزميله إلى معسكر النصارى في أواخر سنة (1489 م)، فاستقبلهما فرديناند بحفاوة وترحاب، وتسلم كتاب السلطان،

(1) ابن إياس في تاريخ مصر (3/ 246)، وأنظر Prescott: Ferdinand and Isabella. P. 278 وأنظر Irving: ibid. P. 227 والظاهر أنّ في رواية ابن إياس عن تأليف سفارة مصر بعض النقص، ولكن ملخصه لمحتويات الكتب السلطانية في منتهى الدقّة.

ص: 230

واستمع إلى رسالتهما بعناية. وكان السفيران قد عرّجا في طريقهما على رومة ونابولي أولاً، وقدّما كُتُبَ السلطان إلى البابا إنوصان الثامن وإلى ملك نابولي، فكتب البابا إلى فرديناند وإيزابيلا يسألهما عما يجيب به على مطالب السلطان ووعيده، وكتب ملك نابولي (فرديناند الأول) إليهما يستفهم عن سير الحرب الأندلسية، ويلومهما على اضطهاد المسلمين، وينصح بالكفّ عنهم، حتى لا يتعرض نصارى المشرق إلى قصاص السلطان. ويرجع تدخل ملك نابولي على هذا النحو إلى خلاف بينه وبين ملك أرغون على حقوق عرش نابولي، وإلى تخوّفه من أن يرتد فرديناند إلى محاربته متى تمَّ ظفره بما تبقى للمسلمين في الأندلس. ثم زار القسّان أيضاً مدينة جيّان حيث كانت الملكة إيزابيلا، وأبلغاها موضوع سفارتهما، ولقيا منها نفس الحفاوة والترحاب (1).

ولم ير فرديناند وإيزابيلا في مطالب السلطان ووعيده ما يحملهما على تغيير خطتهما، في الوقت الذي أخذت فيه قواعد الأندلس الباقية تسقط تباعاً في أيديهما، واقترب فيه النصر النهائي، ولكنّهما رأيا مع ذلك إجابة السلطان، فكتبا إليه في أدب ومجاملة:"إنهما لا يفرِّقان في المعاملة بين رعاياهما المسلمين والنصارى، ولكنهما لا يستطيعان صبراً على ترك أرض الآباء والأجداد في يد الأجانب، وأن المسلمين إذا شاءوا حياة في ظلّ حكمهما راضين مخلصين، فإنهم سوف يلقون منهما، نفس ما يلقاه الرعايا الآخرون من الرعاية"، وبذا ارتد القسّان إلى المشرق، يحملان جواب الملكين إلى السلطان، ومعهما طائفة من التحف والهدايا.

ومن الواضح، أن وعيد سلطان مصر كان كاذباً، كما أن جواب الملكين له كان كاذباً أيضاً، لا يصدقه كاتبه ولا غيره، في الوقت الذي كان المسلمون في الأندلس يعانون الهول من النصارى، دون أن يتجاوب المسلمون الآخرون معهم إلاّ بالتظاهر وضياع الوقت سدىً والكذب والزور.

(1) Prescott: ibid; P. 278 وأنظر Irving: ibid; P. 258

ص: 231

ولسنا نعرف ما كان مصير رسالة الملكين، ونرجّح أنها وصلت إلى بلاط القاهرة، وإن كنا لا نلمس لها أثراً في حوادث العصر. وليس في تصرّفات حكومة مصر يومئذ ما يدل على أن السلطان نفّذ وعيده، باتخاذ إجراءات معينّة ضد النصارى، أو ضدّ الآثار النصرانية المقدسة، فقد كان وعيد السلطان وعيداً فارغاً، ولو علم ملكا النصارى في إسبانيا أن وعيده حق، لتغيّر الموقف برمته، كما تغير موقف هرقل ملك الروم حين هدّده عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه إذا لم يُعد نصارى تغلب الذين هاجروا إلى الروم، فإنه سيخرج النصارى من بلاد المسلمين، فانصاع هرقل لوعيد عمر بن الخطاب لأنه يعلم أنه صادق، ولم ينصع الملكان لوعيد سلطان مصر، لأنهما يعلمان أن وعيده كاذب. والواقع أن القاهرة كانت مشغولة يومذاك بحركات بايزيد الثاني، وصدّ غاراته المتكررة على الحدود الشمالية. وكان الاضطراب من جهة أخرى يسود شئون مصر الداخلية، ومن ثمّ فإن محاولة مصر إنقاذ الأندلس قد وقفت عند هذا الحد: كلام في كلام، ولم تقم مصر بمظاهرة دولية لاستغلال الظروف والمؤثرات الدينية، فاخفقت محاولة مصر السياسية، وتركت الأندلس إلى قضائها المحتوم.

وكان سقوط مالقة أمنع الثغور الأندلسية في يد النصارى ضربة أليمة للمملكة الإسلامية الممزّقة، يحرمها من كثير من ضروب الإمداد والغوث التي كانت تأتيها من وراء البحر، وكان واضحاً أن ملك قشتالة كان يرمي إلى قطع هذا الإمداد بكل الوسائل. ولم يكن باقياً بعد ضياع جبل طارق ومالقة من الثغور بيد المسلمين سوى ألمرية والمنكب، وإليهما كانت تفد جموع المتطوعة والمجاهدين، بالرغم من بعدهما عن شاطئ العدوة، وكان لابد من الاستيلاء عليهما قبل أن تقطع كل صلة للأندلس نهائياً بعدوة المغرب وشمالي إفريقية. وقضى فرديناند قبل تنفيذ هذه الخطة زهاء عام، يعمل على تطهير منطقة مالقة والاستيلاء على ما بقي من الحصون الشرقية والغربية، حتى استولى عليها جميعاً، ولم يبق منها بيد المسلمين شىء.

ص: 232

وفي ربيع سنة (893 هـ - 1488 م) زحف فرديناند على أطراف مملكة غرناطة الشرقية، وكانت لبعدها عن العاصمة أقل استعداداً للدفاع، واستولت هذه الحملة باستيلاء النصارى على بيرة، والبلشين، وأشكر (1) وغيرها من القواعد الشمالية الشرقية، وذلك بالرغم من أن أهلها كانوا داخلين في الصلح المعقود مع أبي عبد الله، وكان على ملك قشتالة لو أنه أوفى بعهوده، أن يتركهم حتى ينتهي أمد الصلح المذكور (2)، وهناك عهد أصدره الملكان الكاثوليكيان لأهل أشكر، هو نموذج لباقي العهود التي صدرت لباقي البلاد المستولى عليها في هذه المنطقة، وفيه يتعهد الملكان بقبول أهل أشكر بين رعاياهما وتحت حمايتهما، وأن لا يؤخذ شيء من أمتعتهم أو يصيبهم أي مكروه، وألاّ يدفعوا من الضرائب إلاّ ما كانوا يؤدونه لملوكهم المسلمين، وألاّ يرغموا على محاربة إخوانهم مسلمي غرناطة، وأن يسمح لهم باستبقاء زعمائهم وفقهائهم وعوائدهم وشريعتهم، وأن يحق لهم الإقامة في أي جزء من مملكة قشتالة، كما يحق لهم العبور إلى المغرب أحراراً دون أي قيد، وأن يعامل السكان جميعاً ذكوراً وأناثاً بالرفق والكرامة، وألاّ يغصبهم أحد في دورهم أو يسيء إليهم أو يتلف شيئاً من أمتعتهم ومحاصيلهم، وألاّ يعاشر نصراني مسلمة، أو مسلم نصرانية، ومن فعل ذلك يعاقب بالموت وتصادر أملاكه، وأن يُدفع الكراء العادل لمن يطلب منهم العمل في بناء حصن المدينة (3)، وسنرى فيما يلي من الحوادث أن الملكين الكاثوليكيين يغدقان أمثال هذه العهود لسائر البلاد المُستولى عليها، ولكن دون أيّة نية صادقة في

(1) بيرة، وفي الإسبانية:( Vera) تقع شمال شرقي ألمرية على مقربة من البحر الأبيض المتوسط، والبلشان هي بلش الحسناء ( Velez Rubio) ، وبلش البيضاء ( Velez Blanco) ، وهما تقعان شمال شرقي مدينة بسطة ( Baza) ، وأشكر هي بالإسبانية ( Huescar) تقع شمال غربي البلشين.

(2)

Gaspar Y Remiro ; ibid; P. 43.

(3)

تحفظ هذه الوثيقة ببلدية أشكر، أنظر مجموعة: Documentos Ineditos Para la Historia de Espana. vol. V111، P. 170-175.

ص: 233

الوفاء بها، بالعكس فالنية هي الغدر، وويل للمغلوب.

وفي الوقت الذي اقتربت فيه القوات القشتالية من مدينة بسطة، أمنع قاعدة في ولايات غرناطة الشرقية، لتضرب حولها الحصار، سار فرديناند في بعض قواته إلى ثغر المنكب (1)، الواقع في منتصف المسافة بين مالقة وألمرية، وحاصره، وكان يدافع عنه القائد محمد بن الحاج. ومع أنه لم يك ثمة شك في النتيجة المحتومة، فقد دافع المسلمون عن ثغرهم، واعتصموا به نحو ثلاثة أشهر، وكبدوا القشتاليين بعض الخسائر. ثم وقعت المفاوضات في التسليم، وأصدر الملكان الكاثوليكيان للقائد ابن الحاج ومعاونه الفقيه أبي عبد الله الزليخي، عهداً خلاصته: أنه إذا سلّم القصبة وكل حصونها في ظرف تسعة أيام، فإنه يُقْبَلُ هو وولده وصحبه وقرباه، كما يُقبل الوزراء والقواد والفقهاء وسائر أهل المنكب بين رعايا قشتالة، وأنهم يُتركون آمنين في ديارهم وأنفسهم وأموالهم، ويحتكمون إلى شريعتهم، ونترك لهم مساجدهم وصوامعهم، ولا يؤخذ منهم خيلهم أو سلاحهم إلاّ طلقات البارود، وأنه إذا تمّ التسليم في الموعد المذكور، فإنه تُقدّم إلى القائد هبة قدرها ثلاثة آلاف دوبلاً قشتالياً، وأنه إذا شاء العبور إلى المغرب مع ولده وأسرته، فإنه تُقدّم إليه سفينة حسنة للجواز فيها مع سائر متاعه دون كراء أو مغرم، وأنه لا تمسّ أملاك الأهالي، ولهم بيعها أو قبض ريعها إذا عبروا إلى المغرب. وهكذا سلّم ثغر المنكب إلى القشتاليين في شهر (محرم سنة 895 هـ - كانون الأول - ديسمبر سنة 1489 م)، ولم يبق للمسلمين من الثغور سوى ألمرية التي طوّقها العدو في نفس الوقت بقواته، وأصبحت تحت رحمته وشيكة التسليم.

ولما تم قطع علائق الأندلس على هذا النحو مع عدوة المغرب وشمالي إفريقية، بدأ فرديناند بتنفيذ خطته النهائية للقضاء على ما بقي في الداخل من المملكة الإسلامية. وكانت مملكة غرناطة قد انقسمت كما رأينا إلى شطرين:

(1) المنكب: وهي بالإسبانية ( Almunecar) .

ص: 234

الأنحاء الشرقية وتشمل وادي آش وأعمالها، ويحكمها الأمير أبو عبد الله محمد بن علي، فقرر فرديناند أن يبدأ بالاستيلاء على الأنحاء الشرقية، وأن يقضي أولاً على السلطان أبي عبد الله الزغل لما كان يخشاه من عزمه وشديد بأسه. فما كاد ينتهي من إخضاع ثغر المنكب وتطويق ثغر ألمرية، حتى قرر تضييق الخناق على مدينة بسطة، وكانت قواته تطوّقها حسبما تقدم، وكانت الملكة إيزابيلا مع حاشيتها في جيَّان على مقربة من الجيش الغازي، وكانت بسطة أهمّ القواعد التي يسيطر عليها مولاي الزغل بعد وادي آش مقرّ حكمه. ولم يستطع الزّغل مغادرة مقرّ حكمه في وادي آش للدفاع عن بسطة، خشية أن يهاجمه ابن أخيه أبو عبد الله في غيبته فأرسل إليها حامية مختارة من أنجاد الفرسان بقيادة صهره الأمير يحيى النيار الذي تعرّفه التواريخ القشتالية:(بسيدي يحيى). وحاول القشتاليون الإطباق على بسطة ومحاصرتها، فردّهم المسلمون عن أسوارها غير مرّة، ونشبت بين الفريقين خارج الأسوار عدة معارك حامية مُنِي فيها النصارى بخسائر فادحة. ومع أن النصارى بدأوا هجومهم على بسطة في (شهر رجب سنة 894 هـ - حزيران - يونيه 1489 م)، فإنهم لم يستطيعوا تطويقها ومحاصرتها بصورة فعلية إلاّ بعد ثلاث أشهر وهنا امتنع المسلمون داخل المدينة بعد أن أثخنوا في عدوِّهم غير مرة، واستنفدوا قواتهم المدّخرة. وضيَّق النصارى الحصار على بسطة لمدة ثلاثة أشهر أخرى، حتى ضاق أهلها بالحصار ذرعاً. وقلَّت الأقوات واشتد الكرب. ولما رأى المسلمون أنه لم يبق في الدفاع ثمة أمل، وقد نفدت المؤن، وفتك الجوع والمرض بالعامة، اعتزموا مفاوضة القشتاليين في التسليم. وبالرغم مما أبداه زعيمهم يحيى النيار في البداية من براعة في تنظيم الدفاع عن بسطة وألمرية، وبالرغم من ما أبداه من بسالة في المعارك التي نشبت ضد القشتاليين، فإنه في النهاية رأى أن يترك هذا الصراع اليائس، وأن يفوز من المعركة بأحسن مما يستطيع لنفسه وذويه. وهذه هي الوثيقة السرية التي عقدها القائد يحيى مع مندوب الملك فرديناند الدون جوتييري دي

ص: 235

كارديناس، تعرض لنا بمحتوياتها المثيرة صورة من ذلك الدرك المؤلم الذي يدفع اليأس إليه أولئك القادة الذين يغدون بعد حياة حافلة بالإخلاص والبسالة، تحت إغراء العدو وهباته، خونة مارقين مرتدين. وقد حُرّرت هذه الوثيقة في المعسكر الملكي قرب مدينة ألمرية في (25 كانون الثاني - ديسمبر 1489 م)، وفيها يؤكد فرديناند للقائد يحيى النيار زعيم بسطة وألمرية بأنه سوف يستقبله تحت حمايته هو وولده وأبناء عمه، وينزلهم في داره، ويعاملهم بما يليق بهم معاملة أشراف مملكته، ويدافع عنهم وعن أتباعهم، ثم يقول ملك قشتالة مخاطباً يحيى:"وإنه إذا صحّت عزيمتكم حقاً على اعتناق النصرانية، وعلى أن تخدمني وتعاونني برجالك، فإني سوف أكتم ذلك طول مدة السيطرة على بسطة، حتى لا يتقوّل عليك رجالك، ولهذا فإنك تستقبل التعميد المقدس سراً في غرفتي، حتى لا يعرفه المسلمون إلاّ بعد تسليم وادي آش، وإن الكروم والقرى والحصون التي تؤول لك بالميراث عن والدك أمير ألمرية، أهبها لك لتملكها وتتصرف فيها كما تشاء، وعهدي لك بذلك أنا والملكة زوجي. وأنه لن تدفع أنت وابنك وأبناء عمك وأعقابك وحشمك أي مغرم أو جزية في سائر مملكتي إلى الأبد، وإنه تشريفاً لشخصك، يُسمح لك بأن يصحبك عشرون فارساً مسلّحون بكل ما يرغبون، وأن تتجول بهم حيث شئت في أنحاء مملكتي، ويتمتع ولدك بمثل ذلك. وإنه إذا تنازل صهرك ملك وادي آش عن نصف الملاحات التي أهبها إليه، فإني أهبك دخلاً قدره خمسمائة وخمسون ألف مرافيدي من ملاحات دلاية، وفضلاً عن ذلك فإنه إذا تم تسليم وادي آش المتفق عليه، فإني مكافأة لك على جهودك في خدمتي لدى ملك وادي آش وغيره من القادة، أهبك عشرة آلاف ريال، وأقدم لك سائر البراءات بما تقدم"(1).

وتعهد الملكان الكاثوليكيان في نفس الوقت لأهل بسطة، بإقرار ما طلبوا

(1) Archivo General de Simancas ; P. R. 11-11.

ص: 236

من الشروط، وفي مقدمتها: أن يؤمنوا في النفس والمال، وأن يحتفظوا بدينهم وشريعتهم وعوائدهم. وهكذا سلّمت بسطة، ودخلها النصارى في (العاشر من محرم 895 هـ - أوائل كانون الأول - ديسمبر 1489 م) وغادرها معظم أهلها إلى وادي آش، حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم وأموالهم، وهرعت جميع الحصون والمحلات القريبة إلى التسليم والدخول في طاعة ملك النصارى، وسلّمت ألمرية بعد ذلك بقليل (ربيع الأول - شباط - فبراير 1490 م)، ومنحت للتسليم شروطاً خلاصتها: أن يحتفظ المسلمون بدينهم وشريعتهم وأموالهم، وأن تخفّف عنهم أعباء الضرائب، وألا يولّى عليهم يهودي، وألاّ يدخل في "الجماعة"، وأن يختار الأولاد الذين يولدون من أمهات من النصارى لأنفسهم الدين الذي يريدون عند البلوغ، وغير ذلك من المنح المغرية الخادعة التي بذلت لسائر البلاد المسلمة المستولى عليها. وهكذا بسط فرديناند سلطانه على قواعد الأندلس الشرقية كلها من البحر إلى الشمال، ولم يبق خارجاً عن طاعته غير وادي آش مقر مولاي الزغل.

ولم تمض أسابيع قلائل، حتى أثمرت خيانة يحيى النيار ثمرتها لدى صهره أبي عبد الله الزغل، فسارع بدوره إلى الانضواء تحت لواء النصارى، وكان الزغل منذ التجأ إلى وادي آش، يرقب سير الحوادث بجزع، ويرى قواعد الأندلس تسقط بالتعاقب، دون أن ينجدها منجد، ويرى أمل الإنقاذ يخبو تباعاً. فلما سقطت بسطة آخر القواعد التي يسيطر عليها، واتجه النصارى نحو آش معقله الوحيد الباقي، ورأى بالرغم من شجاعته وبسالته أنه يغالب المستحيل، وأن جيوش النصارى تحيط به من كل صوب، اعتزم أمره، وسار إلى معسكر ملك النصارى يعرض عليه طاعته، والانضواء تحت لوائه، فأجاب فرديناند إلى مطالبه، وبايعه الزغل وسائر قادته بالخضوع والطاعة، ودخل النصارى مدينة وادي آش (في أوائل صفر سنة 895 هـ - 30 كانون الأول ديسمبر 1489 م). وعقد الزغل مع ملكي قشتالة معاهدة سرية على غرار المعاهدة التي عقدها صهره يحيى، ونصّ فيها على طائفة من المنح

ص: 237

والامتيازات، خلاصتها أن يستقر الزغل سيداً في مدينة أنْدَراش وما إليها، وأن يكون له ألفا تابع من بني وطنه، وأن يمنح معاشاً سنوياً كبيراً، وأن يمنح دخل نصف ملاحات مدينة الملاحة، وأن يرسل في استحضار أبنائه الأمراء من غرناطة نظراً لخصومته مع ملكها، وأن تكون جميع أملاكه وأملاك ذويه في غرناطة حرّة من كل حق ومغرم، وأن تكون هذه العهود ملزمة لملكي قشتالة ولعقبهما من بعدهما، وأخيراً أن يوافق البابا على هذه العهود (1). بيد أنه لم يمضِ قليل على ذلك، حتى شعر مولاي الزغل أنه يستحيل عليه الاستمرار في ذلك الوضع المهين، فنزل لفرديناند عن حقوقه وامتيازاته لقاء مبلغ ضخم، وجاز البحر إلى المغرب، ونزل في وهران أولاً، ثم انتقل إلى تلمسان، واستمرّ يقضي بها بقية حياته في غمرات من الحسرات والندم، ولبث عقبه هناك قروناً يُعرَفون ببني سلطان الأندلس، وجاز معه كثيرون من الكبراء الذين أيقنوا أن نهاية الإسلام في الأندلس قد غدت قضاءً محتوماً (2).

وقد نقل إلينا صاحب أخبار العصر، رواية مفادها أن تسليم مولاي الزغل لملك قشتالة، كان نوعاً من الخيانة المقصودة، وأنه تنازل هو وقواده عن البلاد التي كانت تحت أيديهم طوعاً مقابل قبض ثمنها، وذلك لكي ينتقم الزغل من ولد أخيه الأمير أبي عبد الله محمد بن علي صاحب غرناطة، فتصبح بعد خضوع سائر أنحاء الأندلس وحيدة تحت رحمة النصارى، وترغم على التسليم إليهم، وينتهي بذلك إمارة أميرها وحكمه (3)، وهي رواية لا تتفق مع مآثر الزغل من ضروب العزم والبسالة والشهامة والغيرة الإسلامية، التي رأيناها ماثلة خلال معاركه المشرّفة، وإنما استسلم الزغل وخضع، وحاول

(1) Archivo general de Simancas. P. R. 11-12 وأنظر أيضاً: Gaspar Y Remiro; ibid. 48

(2)

أخبار العصر (31) ونفح الطيب (2/ 613 - 614)، وأنظر: Prescott، ibid. p. 285.

(3)

أخبار العصر (32).

ص: 238

إنقاذ ما يمكن إنقاذه، نزولاً على حكم ظروف قاهرة، لم ير إلى مغالبتها سبيلاً (1).

(1) نهاية الأندلس (201 - 214).

ص: 239