الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مملكة غرناطة في النصف الأول من القرن الثامن الهجري
وذروة الصراع بين بني مرين وإسبانيا النصرانية
1 - أبو الوليد إسماعيل وحوادث أيامه
جلس السلطان أبو الوليد إسماعيل على عرش غرناطة في شوال سنة (713 هـ - 1314 م)، وامتاز عهده بتوطيد الملك، واستقرار الأمور، وإحياء عهد الجهاد. وفي أوائل عهده غزا القشتاليون كعادتهم بسائط غرناطة، واستولَوْا على عدد من القواعد والحصون، وهزموا المسلمين هزيمة شديدة في وادي فرتونة (716 هـ). ولما رأى القشتاليون نجاح غزوتهم، اعتزموا منازلة الجزيرة الخضراء والاستيلاء عليها، ليحولوا دون وصول الإمداد إلى المسلمين من عُدوة المغرب. ولكن السلطان إسماعيل بادر إلى تحصينها وجهز الأساطيل لحمايتها من البحر، فعدل القشتاليون عن مشروعهم، وعوَّلوا على مهاجمة الحاضرة الإسلامية ذاتها. وبادر ابن الأحمر بطلب الغوث والإمداد من السلطان أبي سعيد سلطان المغرب، فنكل عن معاونته، وطالب بتسليم عثمان بن أبي العلاء لما كان منه في حقّ بني مرين، فأبى ابن الأحمر خشية العواقب. وزحف القشتاليون على غرناطة بجيش ضخم يقوده الدون بِيدرو (دون بطره) والدون خوان الوصيان على الفونسو الحادي عشر ملك قشتالة، ومعهما عدّة من الأمراء القشتاليين، وفرقة من المتطوِّعة الإنكليز بقيادة أمير إنكليزي، فبادر المسلمون إلى لقائهم في هضبة إلبيرة على مقربة من غرناطة. وكان الجيش الغرناطي لا يتجاوز ستة أو سبعة آلاف جندي، منهم نحو ألف وخمسمائة فارس، ولكنّهم صفوة المقاتلة المسلمين، وكان قائده شيخ الغزاة أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء، جندياً جريئاً وافر العزم والبسالة، فلم ترعه كثرة الجيش المهاجم، وعوّل في الحال
على لقائه في معركة حاسمة. وفي 20 من ربيع الثاني سنة (718 هـ - مايس - مايو - 1318 م) التقى فرسان الأندلس بطلائع النصارى، وردّوهم بخسارة فادحة. ثم زحف أبو سعيد في نخبة من جنده، ونشبت بين الفريقين معركة شرسة، كانت الدائرة فيها على القشتاليين، فمزّقوا شرّ ممزق، وقتل منهم عدد جمّ بينهم دون بيدرو (دون بطرة) ودون خوان ورهط كبير من الأمراء والنبلاء والأحبار، وغرق منهم عند الفرار في نهر شنيل عدد كبير من الجيش النصراني وأسر منهم بضعة آلاف، واستمر القتل والأسر فيهم ثلاثة أيام. وخرج أهل غرناطة فرحين مستبشرين، يجمعون الأسلاب والأسرى، وظفر المسلمون بغنائم عظيمة، منها مقادير كبيرة من الذهب والفضّة. وكان على العموم نصراً مشهوداً أعاد ذكرى الجهاد المجيد. وكان معظم الفضل في إحرازه إلى الجند المغاربة وإلى شيوخهم بني العلاء الذين تزعموا الجيوش الأندلسية، وتولّوا قيادتها في تلك الأيام كما ذكرنا. ويعلّل ابن خلدون ظهور القادة والجند المغاربة في ميدان الجهاد بقرب عهدهم بالتقشف والبداوة. ووضع المسلمون جثّة الدون بيدور في تابوت من ذهب على سور الحمراء تنويهاً بالنصر وتخليداً لذكرى هذه المعركة (1).
والواقع أن مملكة قشتالة كانت في أوائل القرن الرابع عشر في حالة سيئة، فقد نفدت مواردها من الرجال والأموال بسبب الحروب والثورات المتواصلة، والمرض والقحط، وكان إسراف البلاط، وبذخ الخلائل، واختلاس الموظفين، ومطالب رجال الدين، وجشع الأشراف، تستنفد الأموال العامة، وكانت الإدارة المالية بيد يهود ورجال الكنيسة، وكلاهما يناوئ الآخر، ويعمل على إحباط مساعيه، وكانت الوصايا المتعاقبة، وما تعمد إليه من اغتصاب الأموال، وسوء استعمال السلطة، وفساد القضاء، وتطاول الخلائل الملكية، وسحق الحقوق العامة والخاصة، وتفشي
(1) أنظر تفاصيل هذء المعركة الشهيرة في: ابن خلدون (4/ 172) و (7/ 250) والإحاطة (1/ 397) ونفح الطيب (1/ 210).
الجريمة، تثير غضب الشعب وسخطه، وكان اللّون الصليبي للحروب الإسبانية في ذلك العصر، يوطِّد نفوذ جماعة من الفرسان الدينية العديدة، وهي التي كانت في الواقع توجِّه مصائر الحرب والسياسة، بيد أنها كانت تخفي تحت ستار الدين رذائل كثيرة من الفجور والجشع والارتشاء وغيرها (1).
وفي سنة (721 هـ - 1321 م) جدّد السلطان إسماعيل معاهدة الصلح مع ملك أراغون خايمي الثاني وذلك تحقيقاً لرغبته، ونصّ في هذه المعاهدة الجديدة على: أن يعقد بين الفريقين صلح ثابت لمدة خمسة أعوام تؤمن خلالها أرض المسلمين بالأندلس وأرض أراغون تأميناً تاماً براً وبحراً، وأن تباح التجارة لرعايا كل من الطرفين في أرض الآخر، وأن يتعهد كل من الملكين بمعاداة من يعادي الآخر، وألاّ يأوي له عدوّاً أو يحميه، وأن تكون سفن كل فريق وشواطئه ومراسيه آمنة، وأن يسرِّح كل فريق من يُؤْسَر في البحر من رعايا الفريق الآخر، وتضمنت المعاهدة نصاً خاصاً بتعهد ملك أراغون بألاّ يمنع خروج المدجنين من أراضيه إلى أرض المسلمين بأهلهم وأولادهم وأموالهم، وهو نص يلفت النظر، إذ كان المدجنون في هذا العصر يؤلِّفون أقليات كبيرة في بلنسية ومرسية وشاطبة وغيرها من القواعد الشرقية، وكان ملوك أراغون يحرصون على بقائهم وعدم هجرتهم لأسباب اقتصادية وغيرها (2).
وعلى أثر معركة إلبيرة، تعاقبت غزوات المسلمين في أرض النصارى، وعادت الدولة الإسلامية الفتية تجوز عهداً من القوة بعد أن لاح أنها شارفت طور الفناء.
ففي سنة (724 هـ - 1324 م) زحف السلطان إسماعيل على مدينة بيّاسة
(1) أنظر Scott: ibid، v. 11. p. 476-478.
(2)
Archivo de la Corona de Aragon، No. 151.