الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصراع الأخير
1 - مع أبي عبد الله محمد أخيراً
لم يبق على ملكي قشتالة وأراغون فرديناند وإيزابيلا، بعد أن دانت لهما سائر الثغور والقواعد الأندلسية الجنوبية والشرقية، لإتمام خطتهما في القضاء على دولة الإسلام بالأندلس، سوى الاستيلاء على غرناطة، آخر القواعد الباقية بيد المسلمين، ولم تكن غرناطة يومئذ مملكة أو دولة، بل كانت رمزاً للدولة الإسلامية الذاهبة فقط، وكانت واسطة عقد تصرّمت سائر حبّاته، وكانت كالمصباح المرتجف يخبو ضوؤه سراعاً، فلم يكن يقتضي إطفاؤه سوى الضربة الأخيرة.
وقد رأى فرديناند وإيزابيلا أن الوقت قد حان لتسديد هذه الضربة، عقب استسلام مولاي الزغل وسقوط وادي آش وبسطة وألمرية. ونحن نعرف أنه على أثر سقوط مدينة لوشة في يد النصارى في (شهر مايس - مايو سنة 1486 م)، وحصول أبي عبد الله في أيدي الملكين الكاثوليكيين للمرة الثانية، عقد أبو عبد الله معهما معاهدة صلح جديدة لمدة عامين، تطبق في غرناطة والبلاد التي تدخل في طاعة أبي عبد الله. وفي ظل هذا الصلح المسموم، دخل أبو عبد الله غرناطة، واسترد العرش ومن ورائه تأييد فرديناند وعونه. ومن الواضح أن فرديناند قد قبض في نصوص هذا الصلح، ثمن التأييد والعون. والظاهر أن هذا الصلح قد تجدد لمدة عامين آخرين، حسبما تدل وثيقة صادرة عن أبي عبد الله نفسه (في المحرم سنة 895 هـ - كانون الأول - ديسمبر 1489 م) وهي عبارة عن خطاب موجه منه إلى قادة وأشياخ بلدة أجيجر، وفيه ينوّه أبو عبد الله بهذا "الصلح السعيد" المعقود لعامين، ويدعو إلى الدخول فيه، وينعي على معارضيه مواقفهم، التي انتهت بسقوط بسطة: "التي أفجعت المسلمين، وفلّت غرب ....................................
الدين" (1).
وبالرغم من أننا لا نعرف نصوص هذا الصلح مفصّلة، فإن بعض الروايات القشتالية تذكر لنا أن أبا عبد الله قد تعهد في هذا الصلح بأن يسلم مدينة غرناطة للملكين الكاثوليكيين متى تم تسليم بسطة وألمرية ووادي آش (2). وعلى أي حال ففي فاتحة سنة (1490 م) - أوائل صفر (895 هـ) أرسل الملكان الكاثوليكيان إلى السلطان أبي عبد الله سفارة على يد فارسين هما: كونثالو- فرنانديث قائد حصن إليورة، ومرتين ألاركون قائد حصن موكلين، ليخاطباه في موضوع التسليم (3). وتقول الرواية الإسلامية المعاصرة: إن ملك قشتالة لم يطلب تسليم غرناطة ذاتها، ولكنه اكتفى بأن طلب إلى أبي عبد الله تسليم مدينة الحمراء أو قصور الحمراء مقر الملك والحكم، وأن يبقى مقيماً في غرناطة، في طاعته وتحت حمايته، أسوة بما فعلته سائر نواحي الأندلس (4)، أو أن يقطعه أية مدينة أخرى من مدن الأندلس يختار الإقامة فيها، وأن يمدّه بمال جزيل (5).
فماذا كان جواب أبي عبد الله؟ لقد كان في سابق مواقفه، وممالأته لملك قشتالة، ومحالفته إياه، ودخوله في طاعته، وما يدين له به من تغلّبه على عمّه ومنافسه الزغل، وجلوسه على العرش، ما يحمل الملكين الكاثوليكيين، على توقع استسلامه وخضوعه، ولكن حدث عكس ما توقعه الملكان. ولدينا وثيقة توضح لنا موقف أبي عبد الله في هذه المناسبة، وهي عبارة عن خطاب
(1) نشر هذه الوثيقة جسبار ريميرو في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه Documentos Arabes de la Corta Nazan de Granada وقد استخرجها مع وثائق أخرى صادرة عن أبي عبد الله من مجموعة فرناندو دي ثافرا سكرتير الملكين الكاثوليكيين.
(2)
Prescott: Ferdenand and Isabella، P. 284.
(3)
راجع رواية Fernando de Boeza القشتالية المنشورة بعناية المستشرق ميللر ضمن أخبار العصر (ص: 92).
(4)
أخبار العصر (33).
(5)
نفح الطيب (2/ 614).
صادر منه إلى الملكين الكاثوليكيين، يشير فيه إلى قدوم "القائد غنضال والقائد مرثين" بكتبهما إليه، وأنه أرسل إليهما خديمه "القائد أبا القاسم المليح"، ليحدِّثهما في هذا الموضوع. وبالرغم من اللهجة المهذّبة، المقرونة بعبارات الخضوع والطاعة، التي اختتمت بها الرسالة، فقد كان جواب أبي عبد الله للملكين الكاثوليكيين، رفضاً لما طلباه. وتاريخ هذه الرسالة هو (29 صفر سنة 895 هـ - 22 كانون الثاني - يناير 1490 م)(1). والظاهر أن رسول أبي عبد الله لم ينجح في مهمته، وعاد إلى مليكه ليخبره بإصرار الملكين الكاثوليكيين على طلبهما. وهنا تقول الرواية القشتالية: إن أبا عبد الله اشتدّت دهشته، لإصرار الملكين الكاثوليكيين، واعتزم أن يشهر عليهما الحرب، لولا أن نصحه بعض الأكابر بالروية والتريث. وعلى ذلك فقد أرسل أبو عبد الله وزيره يوسف بن كماشة، ومعه تاجر كبير من سراة غرناطة، له علائق طيبة بالنصارى، يدعى إبراهيم القيسي إلى الملكين الكاثوليكيين في إشبيلية، لإقناعهما بالعدول عن مطلبهما، ولكنهما عادا خائبين، وعلى ذلك فقد استؤنفت الحرب بين المسلمين والنصارى (2).
وهنا نقف قليلاً لنتأمل الموقف الجديد، من جانب أبي عبد الله. لقد كانت الخطوب والمحن التي جازتها الأندلس في تلك الأعوام المليئة بالحوادث الجسام، قد جعلت من أبي عبد الله رجلاً آخر، وكان هذا الأمير الضعيف يرقب سير الحوادث جزعاً، ويستشف من ورائها القدر المحتوم؛ وكان قد تخلص بانسحاب عمّه من الميدان من منافسه القوي، ولكنه فقد في الوقت نفسه أقوى عضد يمكن الاعتماد عليه في الدفاع والمقاومة، وكانت سائر قواعد الأندلس الأخرى قد غدت نهائياً من أملاك دولة قشتالة، وعين لها حكّام من النصارى، وتدجّن أهلها الباقون فيها أو غدوا مدجّنين
(1) نشرت هذه الرسالة ضمن المجموعة الثي نشرها جسبار ريميرو في كتابه السالف الذكر.
(2)
راجع رواية: Hernando de Baeza المنشورة في أخبار العصر (ص: 93).
( Mudejores) يدينون بطاعة ملك النصارى، وذاعت بها الدعوة النصرانية، وارتد كثير من المسلمين عن دينهم حرصاً على أوطانهم ومصالحهم أو اتقاء الريب والمطاردة، ولكن كثيراً منهم ممن أشفقوا على أنفسهم ودينهم، جازوا البحر إلى المغرب، وهرعت جموع غفيرة منهم إلى غرناطة معقل الإسلام الوحيد الباقي، حتى غدت الحاضرة تموج بسكانها الجدد، وحتى أصبحت تضم بين أسوارها وأرياضها أكثر من أربعمائة ألف نفس. وكانت موجة عامة من اليأس والنقمة تغمر هذه الألوف، التي أوذيت في الأوطان والنفس والولد والمال، دون أن تجني ذنباً أو جريرة، وكانت فكرة التسليم للعدو الباغي أو مهادنته، تلقى استنكاراً عاماً. ولم يكن أبو عبد الله يجهل هذا الاتجاه العام، فلما وفد إليه سفيرا ملكي قشتالة في طلب التسليم ثارت نفسه لهذا الغدر والتجني، وأدرك وربما لأول مرة، فداحة الخطأ الذي ارتكبه في محالفة هذا الملك الغادر، ومعاونته على بني وطنه ودينه. ولما أصرّ فرديناند على تجنيه، جمع أبو عبد الله الكبراء والقادة، فأجمعوا على رفض ما طلبه الملكان النصرانيان، وأعلنوا عزمهم الراسخ على الدفاع حتى الموت عن وطنهم ودينهم (1)، وأبلغ أبو عبد الله ملك قشتالة بأنه لم يعد له القول الفصل في هذا الأمر، وأن الشعب الغرناطي يأبى تسليم أو مهادنة، ويصمم على المقاومة والدفاع (2).
هكذا كان جواب أبي عبد الله لملكي قشتالة، وهكذا حمل الأمير الضعيف بعزم شعبه، من الاستكانة والمهادنة إلى التحدي والمقاومة. وهنا يبدو لنا أبو عبد الله شخصية أخرى تنزع عنها صفات الخور والاستسلام والخضوع الذي يقرب من الخيانة، لتتّشح بثوب من العزة والكرامة، والحميّة الدينية والوطنية. ودوّت غرناطة بصيحة الحرب والجهاد، وخرجت سرايا من المسلمين لتعيث في الأراضي النصرانية القريبة. وفي ربيع سنة (895 هـ -
(1) أخبار العصر (34) ونفح الطيب (2/ 614).
(2)
Prescott: ibid; P. 290.
1490 م) خرج ملك قشتالة بقواته وهو يضطرم سخطاً، وزحف على بسائط غرناطة، فعاث فيها، وانتسف الزرع واستاق الماشية، وخرّب الضياع والقرى، ووصل في عبثه وتخريبه حتى أسوار الحاضرة ذاتها. وبرز المسلمون لقتاله، وعلى رأسهم أبو عبد الله، ووقعت بين الفريقين في ظاهر غرناطة عدّة ملاحم دموية ارتحل النصارى على أثرها. ولم يستطيعوا الدنو من المدينة (رجب 895 هـ - 1490 م)، وعمد فرديناند حين العودة إلى تحصين بعض الحصون القريبة من غرناطة، مثل برج الملاحة وبرج رومة وغيرهما، وشحنها بالرجال والعدد استعداداً للمعارك القادمة.
وعلى أثر ارتحال القشتاليين، خرج أبو عبد الله في قواته يحاول استرداد بعض الحصون والمراكز القريبة، فاستولى على قرية البذول عنوة، ثم استولى على غيرها من القرى، ودبت في المسلمين في تلك الأنحاء روح جديدة، وثار أهل البشرّات (البشرة) وما حولها على حكامهم النصارى، وثار أهل وادي آش في الوقت نفسه، واضطرموا لما رأوه من وثبة أبي عبد الله وعزمه بنزعة جديدة إلى المقاومة، وبعثوا إليه يطلبون عونه. وسار أبو عبد الله بقواته يريد حصن أندَرَش (1) لما علمه من ثورة المسلمين هناك، وكان عمه محمد بن سعد (الزغل) لا يزال به، فلما سمع بمقدمه خرج مع صحبه إلى ألمرية، وبقي بها إلى أن جاز البحر إلى المغرب كما ذكرنا، واستولى أبو عبد الله على اندرش وغيرها من المحلاّت والحصون القريبة منها (2)، ورتّب فيها حاميات من المسلمين للدفاع عنها (شعبان 895 هـ).
واستمرت هذه المعارك المحليّة سجالاً مدى حين بين المسلمين والنصارى، فاسترد النصارى حصن أندراش لأسابيع قليلة من فقده، وغادره الفرسان المسلمون، إذ كانوا قلّة لم تستطع للعدوّ دفعاً. وفي شهر رمضان من سنة (895 هـ) - (آب - أغسطس 1490 م) خرج أبو عبد الله في قواته إلى قرية
(1) أندرش: Andarax جنوب شرقي غرناطة على مقربة من البحر الأبيض.
(2)
أخبار العصر (36 - 37).
همدان القريبة (1)، فافتتحها واخترق المسلمون أبراجها الكثيفة، وكانوا يخشون أن تمتنع عليهم لكثافتها، واغتنموا منها مقادير وفيرة من الذخائر والأطعمة، وأسروا من حاميتها نحو مائتين، وعاد المسلمون إلى غرناطة فرحين ظافرين، وغمرت الحاضرة المسلمة موجة من البشر والتفاؤل. وفي أواخر رمضان، خرج أبو عبد الله في قواته يريد افتتاح ثغر المنكب، وإعادة الصلة بين الأندلس وشواطئ المغرب، وهي صلة يعلّق عليها المسلمون أهمية خاصة، ويعتبرونها من أبواب الغوث والإنقاذ، واستولى أبو عبد الله في طريقه على حصن شلوبانية (2) الواقع شرقي المنكب بعد قتال عنيف، وعلم النصارى بمحاولة أبي عبد الله، فهرعت حاميات بلش ومالقة إلى المنكب لإنجادها. ورأى أبو عبد الله أنه لا يستطيع مهاجمتها، وترامت إليه الأنباء بأن ملك قشتالة قد عاد بجنده إلى مرج غرناطة يعيث فيه فساداً وتخريباً، فارتد أدراجه، وكان فرديناند قد هاله ما حدث من الاضطراب والتصدع في المناطق المستولى عليها، فاعتزم السير من قرطبة بجيشه إلى تلك الأنحاء. والواقع أن بوادر الانتقاض والثورة كانت قد اشتدّت في وادي آش وما حولها من الضياع والقرى، وأخذ ظفر المسلمين في تلك المعارك المحلية يذكي عزم الثوار ويشجعهم. وخشي النصارى عواقب هذه الحركة، فضاعفوا قوى الحاميات في تلك الأنحاء، واحتالوا على أهل وادي آش، فأخرجوا معظمهم من المدينة إلى السهول المجاورة (3)، واستجاب أبو عبد الله إلى نداء أهل وادي آش وعاونهم بالرجال والدواب على نقل أمتعتهم وأموالهم، وعلى الرحيل بالأهل والأموال إلى غرناطة، ونقل من تلك القرى والضياع مقادير وافرة من الحبوب والأطعمة وغيرها. وما كادت جموع المسلمين ترتد راجعة إلى
(1) تقع قرية همدان جنوب غربي غرناطة على قيد بضعة كيلو مترات منها، وهي:( Alhendin) ، أنظر الخريطة.
(2)
بالإسبانية ( Salobrena) .
(3)
Lafuente Alcantara ; ibid; n. 111. P. 53.
غرناطة، حتى ظهر فرديناند بجيشه أمام وادي آش، ورأى أن يأخذ الأمر باللّين والرفق، فأذاع الأمان لمن عاد إلى وطنه، وأذن لمن شاء بالرّحيل، وغادر المسلمون وادي آش وأعمالها. وحدث مثل ذلك في ألمرية وبسطة، فترك المسلمون بيوتهم وأوطانهم حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم وأموالهم، وسارت جموع غفيرة إلى غرناطة، وجازت جموع أخرى البحر إلى المغرب، وأقفرت تلك الأنحاء من معظم سكانها المسلمين، وبعث إليها ملك قشتالة بجموع من النصارى لتعميرها، فانتهز أبو عبد الله فرصة هذا الاضطراب، فاستولى على حصن أندراش للمرة الثانية، واستولى على عدد آخر من الحصون الهامة (1). وقد أيقن ملك قشتالة أنه لابد لاستتباب الأمور في المناطق الإسلامية المفتوحة، من الاستيلاء على غرناطة التي ما زالت تثير بمثلها وصلابتها روح الثورة في تلك الأوطان المغلوبة على أمرها، فقضى الشتاء كله من سنة (1490 م) في الاستعداد والأهبة. وفي أوائل سنة (1491 م) خرج فرديناند في قواته معتزماً أن يقاتل الحاضرة الإسلامية حتى ترغم على التسليم. ويُقدر بعض المؤرخين هذا الجيش الذي أُعدّ للاستيلاء على غرناطة بخمسين ألف مقاتل من الفرسان والمشاة، ويقدره بعضهم الآخر بثمانين ألفاً (2)، وزوّد فرديناند جيشه بالمدافع والعدد الضخمة والذخائر والأقوات الوفيرة. وأشرف ملك قشتالة بجيشه على فحص غرناطة ( La Vega) الواقع جنوب غربي الحاضرة الإسلامية في اليوم (الثالث والعشرين من نيسان - أبريل سنة 1491 م - 12 جمادى الثانية 896 هـ) وعسكر على ضفاف نهر شنيل، علي قيد فرسخين من غرناطة في ظاهر قرية تسمى:"عتقة". وأرسل في الحال بعض جنده إلى حقول البشرات القريبة التي تمدّ غرناطة بالمؤن فأتلفوا زرعها وهدموا قراها، وأمعنوا في أهلها قتلاً وأسراً،
(1) أخبار العصر (38 - 48) ونفح الطيب (2/ 614)، وأنظر: Prescott ; ibid; P. 290-291، ويوجد فرق يسير بين الروايتين الإسلامية والنصرانية في التفاصيل.
(2)
Prescott: ibid; P. 291.
وحوّلوا المرج الأخضر إلى بسيط من القفر الموحش، وقطعوا بذلك عن غرناطة مورداً من أهم مواردها (1).
وضرب فرديناند حول الحاضرة الإسلامية الحصار الصارم، وصمم على استمراره حتى يستولي عليها أو تستسلم، وقرّر تأكيداً لهذا العزم أن ينشئ لجيشه في المكان الذي عسكر فيه، مدينة مسوّرة تقيه برد الشتاء إذا ما حلّ، وتم بناء هذه المدينة الجديدة في ثلاثة أشهر، وأسمتها الملكة إيزابيلا (سانتا في Santa Fe) وبالعربية "شنتفي" أو الإيمان المقدس، وذلك تنويهاً بالمغزى الديني لهذه الحرب الصليبية، وما زالت هذه المدينة التاريخية تقوم حتى اليوم، في المكان الذي أنشئت فيه، على قيد مسافة قريبة من جنوب غربي غرناطة، ويصفها المؤرخ الإسباني، بأنها:"المدينة الإسبانية الوحيدة التي لم تطأها قط قدم مسلم"(2). وهكذا بدأ الفصل الأخير من الصراع بين النصرانية والإسلام في إسبانيا، ولم يك ثمة شك في نتيجة هذا الصراع الذي أعدت له إسبانيا النصرانية عدّتها الحاسمة، ومهّدت له جميع الوسائل والسبل. وغرناطة يومئذٍ بلد إسلامي وحيد هو البقية الباقية من دولة عظيمة تالدة، يحيط بها العدو كالموج من كل ناحية، مزوّداً بالعدد والمؤن الموفورة، وقد قطعت كل موارده وصلاته بالخارج. وكان هذا هو موقف غرناطة آخر الحواضر الإسلامية بالأندلس في صيف سنة (1491 م). على أن غرناطة لم تكن مع ذلك غنماً سهلاً، فقد كانت منيعة بموقعها وظروفها، تحميها من الشرق آكام جبل شلير "سيرا نافادا" الشامخة، وتحميها من الجنوب، أي من الجهة المواجهة للمعسكر النصراني، أسوار وأبراج في منتهى الكثافة والمناعة، وكانت غرناطة يومئذ تموج بالوافدين إليها من مختلف القواعد الإسلامية الذاهبة، وتضم بين أسوارها من السكان أكثر من مائتي ألف نفس، ومع أن هذا العدد الضخم من الأنفس كان عبئاً ثقيلاً على مواردها المحدودة،
(1) أخبار العصر (44)، وأنظر: Prescott: ibid; P. 294
(2)
Prescott; ibid; P. 295.
فقد كان من بينهم على الأقل زهاء عشرين ألفاً من الصفوة المختارة من فرسان الأندلس التي ألفت ملاذها الأخير في العاصمة المحصورة (1). ومن جهة أخرى فقد كانت الحاضرة الإسلامية منذ بعيد تلمح شبح الخطر الداهم يتربص بها دائماً، وكانت تعيش في أهبة دائمة لمواجهته، وتجمع ما استطاعت من الأقوات والمؤن، فلما دهمها الحصار، كانت على أهبة تامة للدفاع عن حريتها وأرضها وعرضها دفاعاً طويل الأمد. وكانت غرناطة تستشعر قَدَرها المحتوم، ولكنها لم ترد أن تستسلم إلى هذا القَدَر القاهر، قبل أن تستنفد في اجتنابه كل وسيلة بشرية، ومن ثم كان دفاعها هو أمجد ما عرف في تاريخ المدن المحصورة والقواعد الذاهبة، ولم يكن هذا الدفاع قاصراً على تحمّل ويلات الحصار مدى أشهر، بل كان يتعداه إلى ضروب رائعة من الإقدام والبسالة، فقد خرج المسلمون خلال الحصار، لقتال العدو المحاصِر مراراً عديدة، يهاجمونه ويثخنون في مواقعه، ويفسدون عليه خططه وتدابيره. وتشير الروايتان: الإسلامية والنصرانية، إلى هذه المعارك الأخيرة التي وقعت في بسائط غرناطة بين المسلمين والنصارى (2)، وتنوّه الرواية النصرانية بما كان يبديه الفرسان المسلمون من الشجاعة والإقدام والبراعة، أولئك الأنجاد البواسل هم البقية الباقية من الفروسية الأندلسية، التي لبثت قروناً زهرة الفروسية في العصور الوسطى.
وكان روح الفروسية المسلمة في تلك الآونة العصيبة فارس رفيع المنبت والخلال، وافر العزم والبراعة، هو موسى بن أبي الغسّان، وهو سليل إحدى الأسر العريقة التي تتصل ببيت الملك، وأحد هذه الأصول العربية القديمة التي عرفت بروائع فروسيتها، وعميق بغضها للنصارى، والتي كانت ترى الموت خيراً ألف مرة من أن يصبح الوطن العزيز مهاداً للكفر، ولم يكن بين أهل غرناطة يومئذٍ مَن هو أبرع من موسى في الطعان والفروسية، وكان مذ
(1) نهاية الأندلس (215 - 223).
(2)
أخبار العصر (45) وانظر: Irving: ibid. 293 and fall
تبوّأ أبو عبد الله محمد عرش غرناطة، ينقم منه استكانته وخضوعه لملك النصارى، ويعمل بكل ما وسع لإذكاء روح الحماسة والجهاد، وتنظيم الفروسية الغرناطية وتدريبها، وقيادة السرايا إلى أرض العدو، ومفاجأة حصونه في الأنحاد المجاورة. ولما بعث فرديناند الخامس إلى أبي عبد الله يطلب تسليم الحمراء، كان موسى من أشدّ المعارضين في إجابة هذا الطلب المهين، وكان لعزمه وحماسته أكبر أثر في تطوّر الموقف، وحمل الأمير والشعب على اعتزام الجهاد، والدفاع إلى آخر رمق، وكان قوله المأثور يومئذٍ:"ليعلم ملك النصارى أن العربي قد وُلد للجواد والرّمح، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها وليكسبها غالية. أما أنا، فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة، في المكان الذي أموت دفاعاً عنه، من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين".
وهكذا دوّت غرناطة بصيحة الحرب. ولما أشرف ملك قشتالة بجموعه على مرج غرناطة، كان موسى قدوة الجند والشعب، وكان زعيم الفروسية المسلمة، يقودها كلما سنحت الفرصة إلى الحصون والقلاع النصرانية المجاورة فتثخن فيها، وكانت عودته الظافرة تثير في الشعب أيما حماسة؛ وكان فرديناند يرسل جنده لإتلاف المزارع والحقول المجاورة، فكان موسى ينظم السرايا لإزعاج قواته، وقطع مواصلاته، وانتزاع مؤنه؛ ولكن جيوش النصارى ما لبثت أن ملأت فحص شنيل ( La Vega) وطوّقت غرناطة، وشدّدت في حصارها، واضطر المسلمون إلى الامتناع بمدينتهم صابرين جلدين؛ وقُسِّم الدفاع عن المدينة بين قادة الجيش وزعماء الأسر، فتولى موسى قيادة الفرسان يعاونه نعيم بن رضوان ومحمد بن زائدة. وتولى آل الثغرى حراسة الأسوار، وتولى زعماء القصبة والحمراء حماية الحصون. ولم تكن المعارك الجريئة التي كان يخوضها المسلمون خارج الأسوار من آن لآخر، سوى عنوان أخير لفروسيتهم وبسالتهم، ولكنها لم تكن لتغني شيئاً أمام ضغط العدو وتفوّقه وتصميمه. ذلك أن ملك قشتالة لم يترك وسيلة
لإحكام الحصار وإرهاق المدينة المحصورة وإرغامها على التسليم؛ فقطع جميع علائقها مع الخارج سواء من البر أو البحر، ورابطت السفن الإسبانية في مضيق جبل طارق، وعلى مقربة من الثغور الجنوبية، لتحول دون وصول أي مدد من إفريقية. والواقع أنه لم يكن ثمة أي أمل أمام الغرناطيين في الغوث والإنقاذ من هذه الناحية، ذلك أن معظم ثغور المغرب الشمالية والغربية، ومنها سبتة وطنجة، كانت قد سقطت بأيدي البرتغاليين، وكانت دولة بني وطّاس التي قامت يومئذٍ ما تزال ضعيفة في بدايتها، وكانت أبعد في التفكير عن القيام بأي عمل حربي خطير ضد النصارى. هذا إلى أن إمارات المغرب الواقعة في الضفة الأخرى، كانت كلّها في حالة ضعف وتفكّك، وكانت تخشى بأس قوة إسبانيا البحرية، وتسعى إلى كسب صداقتها وحمايتها، وعلى ذلك فقد كان حصار غرناطة محكماً من البر والبحر. ولم يبق أمامها سوى طريق البشرّات الجنوبية من ناحية جبل شلير (سيرانفادا) تجلب منها بعض الأقوات والمؤن بصعوبة. وبقيت المدينة المحصورة تعاني مصائب الحصار صابرة جلدة، حتى دخل الشتاء، وغصت هذه الوهاد والشِعَب بالثلوج، واشتد الجوع والبلاء بالمحصورين. عندئذ تقدّم حاكم المدينة أبو القاسم عبد الملك ذات يوم إلى مجلس الحكم، وقرّر أن المؤن الباقية لا تكفي إلاّ لأمد قصير، وأن اليأس قد دبّ إلى قلوب الجند والعامة، وأن الاستمرار في الدفاع عبث لا يجدي (1)، ولكن موسى بن أبي الغسّان، اعترض كعادته بشدّة، وقرّر أن الدفاع ممكن وواجب. وبثّ بادرة جديدة من الحماسة في الرؤساء والقادة. فاستسلم السلطان أبو عبد الله محمد إلى تلك الروح، وسلّم إلى القادة أمر الدفاع، وتولّى موسى كعادته قيادة الفرسان، وكان في مقدمة مساعديه فارسان من أنجاد العصر هما: نعيم بن رضوان، ومحمد بن زائدة. ثم أمر بفتح الأبواب، وأعدّ فرسانه أمامها ليل نهار، فإذا
(1) Lafuente Alcantera; ibid; V. 111. p. 67.
اقتربت سرية من النصارى دهمها الفرسان المسلمون، وأثخثوا فيها. ومزّقت على هذا النحو صفوف من النصارى، وكان موسى يقول لفرسانه:"لم يبق سوى الأرض التي نقف عليها، فإذا فقدناها فقدنا الاسم والوطن". وأخيراً رأى ملك قشتالة أن يزحف بقواته على أسوار المدينة، فخرج المسلمون إلى لقائه، وعلى رأسهم أبو عبد الله وموسى، ونشبت بين الفريقين في فحص غرناطة عدّة معارك دموية، وكان الفرسان المسلمون وعلى رأسهم موسى روح المعركة وقوامها، وكان أبو عبد الله يقود الحرس الملكي، وكان القتال رائعاً خضب فيه كل شبر من الأرض بدماء الفريقين، ولكن المشاة المسلمين كانوا ضعافاً لا يعتمد عليهم، فمزقوا بسرعة، وتبعهم فرسان الحرس الملكي إلى أبواب المدينة وعلى رأسهم أبو عبد الله، وعبثاً حاول موسى أن يجمع شمل الجند، وأن يدعوهم للزود عن أوطانهم ونسائهم وكل ما هو مقدّس لديهم، وألفى نفسه وحيداً في الميدان مع فرسانه المخلصين، وقد تضاءل عددهم وأثخن الباقون منهم جراحاَّ، فاضطر عندئذٍ أن يرتدّ إلى المدينة وهو يرتجف غضباً ويأساً.
وهنا أوصد المسلمون أبواب المدينة وامتنعوا بأسوارها جزعين مكتئبين، يرون شبح النهاية المحتومة ماثلاً، فلم تبق سوى أيام أو أسابيع قلائل، حتى يصبح سقوط الوطن في يد العدو أمراً واقعاً، وحتى تصبح أنفسهم وأموالهم وحرياتهم ودينهم رهناً في يد من لا يرحمهم. وكان قد مضى على حصار غرناطة منذ بدأ الربيع حتى دخول الشتاء زهاء سبعة أشهر، والمسلمون يغالبون أهوال الحصار، وتتفاقم محنتهم شيئاً فشيئاً. فلما جاءت خاتمة المعارك مبدّدة لكل أمل في الإنقاذ، واشتد فتك الجوع والحرمان والمرض، ودبّ اليأس إلى قلوب الناس جميعاً، لم يبق مناص من إعادة النظر في الموقف. فدعا أبو عبد الله مجلساً من كبار الجند والفقهاء والأعيان، فاجتمعوا في بهو الحمراء الكبير "بهو قمارش"، واليأس بادٍ في وجوههم، وشرح لهم أبو القاسم عبد الملك كيف وصل الخطب إلى ذروته، فهلكت
أنجاد الفرسان، وخبت قوى الدفاع، ونضبت الأقوات والمؤن، واشتد البلاء بالناس، وغاض كل أمل في تلقي الإمداد من عدوة المغرب، وصرّح "الجماعة" بأن الشعب لا يقوى بعد على تحمل ويلات الدفاع، وأنه لم يبق سوى التسليم أو الموت، واتفق الجميع على وجوب التسليم (1)، ولم يرتفع بالاعتراض غير صوت واحد هو صوت موسى بن أبي الغسّان، فقد حاول كعادته أن يبث بكلماته الملتهبة قبساً أخيراً من الحماسة، وكان مما قال:"لم تنضب كل مواردنا بعد، فما زال لدينا مورد هائل للقوة كثيراً ما أدّى إلى المعجزات: ذاك هو يأسنا، فلنعمل على إثارة الشعب، ولنضع السلاح في يده، ولنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه خير لي أن أُحصى بين الذين ماتوا دفاعاً عن غرناطة، من أن أُحصى بين الذين شهدوا تسليمها".
على أن كلماته لم تؤثر في هذه المرة، فقد كان يخاطب رجالاً نضب الأمل في قلوبهم، وغاضت فيهم كل حماسة، ووصلوا إلى حالة من اليأس لا تنجع فيها البطولة، ولا يحسب للأبطال حساب، بل يعلو نصح الشيوخ ويغلب. وهكذا حدث، فإن السلطان أبا عبد الله فوّض الأمر للجماعة، واتفق الجماعة من خاصة وعامة على مفاوضة ملك قشتالة في التسليم، واختير الوزير القائد أبو القاسم عبد الملك للقيام بتلك المهمة، وكان ذلك في أواخر سنة (896 هـ - تشرين الأول - أكتوبر 1491 م).
(1) أخبار العصر (48 - 49) ونفح الطيب (2/ 615).