الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أن ما يقال أخيراً أنه ما زالت ثمة إلى اليوم، في بلنسية وفي غرناطة ومقاطعة لامنشا، جماعات من الإسبان، تغلب عليهم تقاليد الموريسكيين في اللباس والعادات، ويجهلون الطقوس النصرانية الخالصة (1).
والحقيقة أنه يصعب على الباحث، أن يعتقد أن إسبانيا النصرانية، قد استطاعت حقاً بكل ما لجأت إليه، من الوسائل المغرقة في الظلم، أن تقضي نهائياً على آثار السلالة العربية والحضارة الإسلامية، بعد أن لبثت ثمانية قرون تغمر النصف الجنوبي لشبه الجزيرة، فإن تاريخ الحضارة يدلّنا على أنه من المستحيل أن تجتثّ آثار السلالات البشرية، خصوصاً إذا لبثت آماداً مختلفة متداخلة، على أن حضارة أمة من الأمم إنما هي خلاصة لتفاعل الأجيال المتعاقبة. وفي وسع مؤرخ الحضارة أن يلمس في تكوين المجتمع الإسباني الحاضر، ولاسيما في الجنوب، في ولايات الأندلس القديمة، وفي خصائصه وتقاليده، وفي حياته الإجتماعية، وفي حضارته على العموم، كثيراً من الخلال والظواهر، التي ترجع في روحها إلى تراث العرب والحضارة الإسلامية (2).
تأمّلات في آثار المأساة الأندلسية
أ - تلك هي قصة الموريسكيين أو العرب المتنصرين: قصة مؤسية تفيض بألوان الاستشهاد المحزن والصبر الجميل، ولكن تفيض في نفس الوقت بصحف من الإباء والبسالة والجلد، تخلق بأعظم وأنبل الشعوب. وقد لبثت السياسة البربرية التي اتبعتها إسبانيا النصرانية، واتبعها ديوان التحقيق الإسباني، إزاء العرب المتنصرين على كرّ العصور، مثار الإنكار والسخط،
(1) Dr Lea: ibid. P. 395.
(2)
نهاية الأندلس (376 - 392).
يدمغها المفكرون الغربيون والإسبان منهم أنفسهم، حتى يومنا هذا، بأقسى النعوت والأحكام.
ويرى النقد الحديث، أن العمل على إبادة الموريسكيين، كان ضربة شديدة لعظمة إسبانيا ورخائها، ولم تنهض إسبانيا قط من عواقب هذه السياسة الغاشمة، بل انحدرت منذ نُفيَ الموريسكيين من أوج عظمتها التي سطعت في عصر شاركان وفيليب الثاني، إلى غمرة التدهور والانحلال، التي ما زالت تلازمها حتى هذه الأيام.
بل ترجع عوامل هذا الانحلال، إلى ما قبل مأساة الموريسكيين ببعيد، أو بعبارة أخرى إلى السياسة التي اتبعتها إسبانيا النصرانية، نحو الأمة الأندلسية، منذ بداية عصر الغلبة والتوسع والاستيلاء، في القرن الثالث عشر. فقد كانت القواعد والولايات الإسلامية الزاهرة، تسقط تباعاً في يد إسبانيا النصرانية، ولكنها كانت تفقد في نفس الوقت أهميتها العمرانية والاقتصادية، إذ كانت العناصر الإسلامية الذكية النشطة من السكان، تغادرها إلى القواعد الإسلامية الباقية، فراراً من عسف النصارى، وتغادرها حاملة أموالها وفنونها وصنائعها، تاركة وراءها الخراب والفقر والضيق الاقتصادي. واستمر سيل هذه الهجرة المخرِّبة زهاء قرنين حتى سقطت غرناطة، واحتشدت البقية الباقية من الأمة الأندلسية في المنطقة الجنوبية، وفي بعض القواعد الأندلسية القديمة، مثل بلنسية ومرسية، وهاجرت قبل سقوط غرناطة وبعده جموع غفيرة من المسلمين إلى إفريقية، واستحالت الأمة الأندلسية غير بعيد، إلى شعب مهيض ممزّق، هو شعب الموريسكيين أو العرب المتنصرين، ومع ذلك فقد لبثت هذه الأقلية الأندلسية المضطهدة، عاملاً خطيراً في اقتصاد إسبانيا القومي، وفي ازدهار زراعتها وتجارتها وفنونها وصناعتها، وكان الموريسكيون يحملون كثيراً من تراث الأمة المغلوبة، وإلى نشاطهم ودأبهم يرجع ازدهار الضياع الكبيرة التي يملكها السادة الإقطاعيّون. فلما اشتد بهم الإضطهاد والعسف، وأخذت يد الإبادة تعمل لتمزيق طوائفهم، وسحق
نشاطهم، وقتل مواهبهم. ولما اتخذت إسبانيا النصرانية أخيراً خطوتها الحاسمة بإخراجهم، كانت الضربة القاضية لرخاء إسبانيا ومواردها، فانحط الإنتاج الزراعي الذي برع الموريسكيون فيه، وخربت الضياع الكبيرة بفقد الأيادي الماهرة، وكسدت التجارة التي كان الموريسكيون من أنشط عناصرها، وركدت ريح الصناعة، وعفت كثير من الصناعات التالدة التي كانوا أساتذتها، وغاضت الفنون الرفيعة التي استأثروا بها منذ أيام الدولة الإسلامية. وأحدثت هذه العوامل بمضي الزمن نتائجها المخرِّبة، فتناقص عدد السكان، وانكمشت المدن الكبيرة، وذوي العمران، وتضاءلت موارد الخزينة العامة، وشلّت يد الإصلاح والتقدّم، ولم يمض على إخراج الموريسكيين زهاء قرن، حتى أصبح تعداد سكان المملكة الإسبانية كلها ستة ملايين نسمة، وكان سكان قشتالة وحدها أيام سقوط غرناطة سبعة ملايين نسمة، وفقدت معظم المدن الكبرى - مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة - أربعة أخماس سكانها، وعمّ الفقر والخراب مئات المناطق والمدن، وخيّم على إسبانيا كلها جوّ من الفاقة والركود والانحلال.
وقد ظهرت هذه الآثار المخرِّبة، بالأخص في محيط الزراعة والصناعة، وكان تدهور إيراد الضياع الكبيرة، وإيراد الكنائس والأديار، دليلاً على ما أصاب قوة إسبانيا المنتجة: الزراعية والصناعية، بسبب نفي طائفة كبيرة من أنشط طوائف السكان وأغزرهم إنتاجاً. وكان من الحقائق المعروفة أن السكان الإسبان كانوا يبغضون الأعمال الزراعية والفنية، ويعتبرونها أمراً شائناً، وأن الإسباني لا يربي أولاده لمزاولة العمل الشريف، وأن أولئك الذين لا يجدون لهم عملاً في الجيش أو الحكومة، يلحقون بالكنيسة. ويبدي المؤرخ الإسباني الكبير نافاريتي أسفه لوجود أربعة آلاف مدرسة في عصره (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر) يتعلم فيها أبناء الفلاحين، بينما تهجر الحقول، ولأن أولئك الذين لا يجدون منهم عملاً في الكنيسة لنقص تعليمهم، يحترفون التسول أو التشرد أو السرقة. وقد كتب
سفراء البندقية منذ القرن السادس عشر إلى حكومتهم ينوّهون بهذه الحقائق، ويصفون الإسبان بأنهم زرّاع وعمال كُسالى، يحتقرون العمل اليدوي، حتى أن ما يمكن عمله في البلاد الأخرى في شهر، يعمله الإسبان في أربعة أشهر (1).
ويردّد الوزير محمد بن عبد الوهاب الغسّاني سفير سلطان المغرب مولاي إسماعيل إلى إسبانيا، وقد زارها في سنة (1691 م)، أعني بعد النفي بثمانين عاماً، عن الإسبان مثل هذا الرأي، إذ يقول في رحلته:"وبحصول هذه البلاد (الهندية) - يقصد أمريكا - ومنفعتها وكثرة الأموال التي تجلب منها، صار هذا الجنس الاسبنيولي اليوم أكثر النصارى مالاً، وأقواهم مدخولاً، إلاّ أن الترف والحضارة غلبت عليهم، فقلّما تجد أحداً من هذا الجنس يتاجر أو يسافر للبلدان بقصد التجارة كعادة غيرهم من أجناس النصارى مثل الفلامنك والإنكليز والفرنسيين والجنويين وأمثالهم، كذلك الحرفة التي يتداولها السقطة والرعاع وأراذل القوم، يتأبى عنها هذا الجنس، ويرى لنفسه فضيلة على غيره من الأجناس المسيحيين"(2).
وقد كان النبلاء والأحبار، وأصحاب الضياع الكبيرة بوجه عام، يعتمدون في تعهد أراضيهم وفلاحتها، على نشاط الموريسكيين وبراعتهم، فلما وقع النفي جمد النشاط الزراعي، وخلت معظم الضياع من الزراع، وأقفر كثير من القرى، وهدمت ضياع كثيرة لخلوها من السكان ولا سيما عن منطقة بلنسية، واضطر النبلاء إلى استقدام العمال الزراعيين من الجزائر الشرقية (البليار) وأنحاء البرنية وقطلونية، ومع ذلك فقد حدث نقص ملحوظ في غلاّت الضياع الكبيرة، ولم ينتفع النبلاء بما أصابوه من الاستيلاء على الأراضي التي نزعت، وتعذر عليهم تعميرها وفلاحتها، وحاق بهم الضيق، حتى اضطر
(1) Dr Lea. The Moriscos ; P. 379-381.
(2)
رحلة الوزير الغسّاني المسمّاة: "رحلة الوزير في افتكاك الأسير"(العرائش 1940) ص: 44 - 45.
العرش إلى منح كثير منهم نفقات سنوية من خاصة أمواله، هذا فضلاً عما أصاب طوائف السكان الأخرى، التي كانت تتصل بالموريسكيين في المعاملات والتبادل من العسر والضيق.
وكما انحط دخل الكنائس والأديار، فكذلك خسر ديوان التحقيق شطراً كبيراً من دخله، مما كان يصيبه من مصادرة أموال الموريسكيين والحكم عليهم بالغرامات الفادحة، واضطرت الحكومة أن تعول كثيراً من محاكم التحقيق التي أوشكت على الإفلاس، من جراء اختفاء الجماعة التي كانت تزدهر بمطاردتها واستصفاء أموالها. وقد بيعت أموال الموريسكيين وأراضيهم بمبالغ كبيرة، ولكن العرش استولى عليها، ووزّع معظمها على أصفيائه من الوزراء والنبلاء والأحبار، ولم ينل ديوان التحقيق سوى الجزء اليسير منها.
ويقدمون مثلاً لما أصاب إسبانيا من الخراب نتيجة (للنفي) هو مثل مدينة: ثيوداد ريال "المدينة الملكية"(1) عاصمة لامنشا، فقد أسس هذه المدينة الفونسو العالم في القرن الثالث عشر، ومنح سكانها شروطاً حرّة مغرية، شجعت كثيراً من يهود ومسلمين على النزوح إليها. وفي سنة 1290 م، كان دافعوا الضرائب فيها من يهود (8828)، فلما أخرج يهود منها في سنة (1492 م)، حلّ محلّهم الموريسكيون في غرناطة، ولما أُخرج منها هؤلاء مع المدجنين القدماء، خربت المدينة وعفا رخاؤها، وانحطت زراعتها، وخربت صناعة النسيج التي أنشأها الموريسكيون فيها، وهبط عدد سكانها في سنة (1621 م) إلى (5060) نسمة وإلى نحو ألف أسرة فقط، في حين أنها كانت تضم من السكان قبل (النفي) اثنتي عشرة ألف أسرة (2).
وكان مما ترتب على نفي الموريسكيين أيضاً، ذيوع العملة الفضية الزائفة، وقد تركوا منها وراءهم مقادير عظيمة، وكانت لهم بصنعها براعة خاصة.
(1) Ciudad Real.
(2)
Dr Lea: The Moriscos. P. 372-384.
وأحدث ذيوع النقد الزائف اضطراباً شديداً في المعاملات، وحاولت الحكومة جمعه والعقوبة عليه وعلى ترويجه بعقوبات رادعة بلغت حدّ الإعدام، ولكنها لم تفلح في استئصال الشرّ، واستمرت هذه الحركة أعواماً طويلة، وعمد الإسبان بدورهم إلى التزييف، وعوقب كثير منهم أمام محاكم التحقيق والمحاكم المدنية، وعانى التجار والمتعاملون كثيراً من الضرر والإرهاق.
ولم تمض أعوام قليلة على نفي الموريسكيين، حتى ظهرت هذه الآثار المخرِّبة كلها في حياة المجتمع الإسباني بصورة مزعجة، وهال العرش والحكومة ما أصاب الأمة من ضروب البؤس والخراب، وطلب رئيس الحكومة الدوق دى ليرما في سنة (1618 م) إلى مجلس الدولة أن ينظر في هذا الأمر، ويعمل على تحقيقه ومعالجته، وقدم مجلس الدولة تقريره بعد عام، وأشير فيه إلى خراب المدن والقرى، ولكن لم يشر إلى نفي الموريسكيين، وإلى تكاثر عدد رجال الدين وتزييف العملة وبغض الشعب للعمل الشريف، بل حاول أن يرجع الشر إلى فداحة الضرائب، وإلى الترف الذي تعيش فيه الطبقات المختارة، وإسراف الملك في الإغداق على أصفيائه؛ وكذلك اهتم مجلس النواب (الكورتيس) بالأمر، وقدم عنه تقريراً إلى الملك، ومع أن التقارير الحكومية التي وضعت عن هذه المحنة، لم تشر إلى نفي الموريسكيين كعامل أساس فيما أصاب إسبانيا من الخراب والفقر، فقد كان في القرارات الملكية ما ينطق بهذه الحقيقة. ففي سنة (1622 م) أصدر الملك فيليب الرابع، قراراً بخفض الضرائب على بلنسية، أشار فيه إلى هجرة السكان، وإلى ما خسرته المدينة من ضروب الدخل، التي كانت تجبى على ما يستهلكه الموريسكيون، وما خسره التجار من انقطاع التعامل معهم.
على أن جهود العرش والحكومة، لم تُجْدِ شيئاً في تخفيف هذه الضائقة، التي طافت بالمجتمع الإسباني، وشملت سائر الطبقات سواء في الإنتاج أو
الاستهلاك، ومضى وقت طويل قبل أن تستقر الأحوال نوعاً ما، وتفيق الزراعة والصناعة والتجارة من الضربة التي أصابتها.
يقول الدكتور لي: "إنه لا يمكن لفريق من السكان، كان يعتمد عليه مدى القرون، في القيام بقسط عظيم من الإنتاج والتنظيمات المالية في البلاد، أن يُمزَّق فجأة ويُنبَذ، دون أن يبثّ ذلك الخراب الواسع، ويثير معتركاً من المشاكل يمتد أثرها إلى أجيال مرهقة". ثم ينعي على السياسة الإسبانية تخبطها وقصر نظرها فيقول: "وإنه لمن خواص السياسة الإسبانية في ذلك العصر، أنه لم يفكر أحد في هذه الشئون ولم يحتط أحد في المباحثات الطويلة التي جرت في قضية الموريسكيين. وقد حدثت ثمة مناقشات لا نهاية لها حول مختلف المشاريع ومزاياها، والوسائل التي ينفذ بها النفي، وماذا يسمح به للمنفيين، وماذا يكون مصير الأطفال. ولكن النتائج المحتملة تركت للمصادفة، واحتقرت التفاصيل العملية، واحتقر رخاء الفرد، وهو ما يوضح إخفاق السياسة الإسبانية"(1).
وجواباً على هذا التساؤل، فإن الذي حجب التفكير السليم عن الذين بيدهم الأمر في إسبانيا يومئذ؛ وهم رجال الدين والنبلاء المقربون للملك، الذين كانوا هم صانعي القرار، هو أمران: التعصب الأعمى المتسم بالجهل المطبق والمتمثل في كره الإسلام والمسلمين، ومحاولة القضاء عليهم قضاءاً مبرماً. والثاني هو حرص أولئك الزمرة على أموال الموريسكيين المنقولة وغير المنقولة، ورغبتهم الجامحة في اغتصابها لأنفسهم في غطاء من القرارات الملكية، دفاعاً عن حاضر إسبانيا ومستقبلها ظاهرياً، واقتناصاً للمكاسب المادية لأنفسهم واقعياً، حتى ولو أدى جشعهم إلى الإضرار ببلدهم عامة، ورخاء الفرد الإسباني خاصة. ولم يكن نشاط الموريسكيين مجهولاً على النطاقين الحكومي والشعبي في إسبانيا، فنشاطهم واضح
(1) Dr Lea: The Moriscos ; P. 387.
معروف لا يخفى على أحد، وقد مرّ بنا أن قسماً من النبلاء فاتحوا الملك في محاذير نفي الموريسكيين على الزراعة في إسبانيا، فلم يفلحوا في توسطهم، ويبدو أن هؤلاء النبلاء كانوا من الإقطاعيين الذين يستفيدون من مهارة الموريسكيين الفذة في الزراعة، وتوقعوا أن مزارعهم سيتسرب إليها الخراب بعد نفي الموريسكيين، وهذا ما حدث فعلاً، وعلى نفسها جنت براقش التي أعماها التعصب والجشع، فقد كان صانعوا القرار الإسباني يومئذ متعصبين أولاً ومنتفعين ثانياً، فخرّب تعصبهم بلادهم، وانتفعوا بعددهم المحدود، وأضروا الشعب بأسره، وعلى رأسهم صفوته الموريسكيون بلا مراء.
تلك هي النتائج المادية الواضحة، الاقتصادية والاجتماعية، التي جنتها إسبانيا النصرانية من جراء سياستها المبيتة لإبادة الأمة الأندلسية. فقد لبثت إسبانيا زهاء قرن تعمل بأقسى وسائل الإرهاق والمطاردة، على استصفاء ما بقي من فلول الأمة الأندلسية في الأرض التي بسطت عليها ظلها زهاء ثمانية قرون، ظلال الرخاء والأمن، وضوء العلم والعرفان، ولم تطق حتى بعد أن استحالت هذه الفلول إلى شراذم معذَّبة مهيضة، وأكرهت على نبذ دينها ولغتها وتقاليدها، أن تبقي عليها، وعلى ما تبقى لها من مواهب وقوى منتجة، ورأت في سبيل أسطورة من التعصب والجهالة، أن تقضي عليها بالتشرد والنفي النهائي، وأن تخرج من بين سكانها زهاء نصف مليون من أفضل العناصر العاملة. وكان من سوء طالع إسبانيا أن جاء نفي الموريسكيين في وقت أخذت فيه عظمة إسبانيا ورخاؤها ينحدران سراعاً إلى الحضيض، وجنح المجتمع الإسباني إلى حياة الدّعة والخمول، وأخذ سكانها في التدهور، فجاء نفي الموريسكيين ضربة جديدة لحيوية إسبانيا، التي أخذت في التفكك والذبول، وتركت وراءها جرحاً عميقاً لم يقو الزمن على محو آثاره بصورة حاسمة. ومن ثم فإنه من الواضح أن يعلق النقد الحديث أهمية بالغة على نفي الموريسكيين، ويعتبره عاملاً بعيد المدى فيما أصاب إسبانيا الحديثة، من ضروب التفكك والانحلال.
ب - على أن التفكير الإسباني يختلف في هذا الرأي وتقدير مداه، ويهاجمه وينكره - بالأخص رجال الدين - وقد كانوا منذ البداية روح هذه السياسة المخرِّبة، وأكبر العاملين على تنفيذها. وقد استقبل رجال الدين نفي الموريسكيين بأعظم مظاهر الغبطة والرضى، واعتبروه ذروة النصر الديني؛ ويقول أحدهم وهو القس بليدا - وهو مؤرخ من مؤرخي القرن الماضي، في كتابه الذي نشره دفاعاً عن هذه الإجراءات -:"بأن عصر إسبانيا الذهبي، بدأ بذهاب الموريسكيين، وأن إسبانيا قد حققت به وحدتها الدينية، وأنقذت من مشاغلها الداخلية، وأن النفي كان أعظم حادث بعد بعث المسيح، واعتناق إسبانيا للنصرانية"(1). ويقول حبر آخر: "لقد زعم الموريسكيون أن رخاء إسبائيا قد ذهب مذ أكرهوا على التنصير، ولكن الرخاء قد عمّ بنفيهم، وازدهرت التجارة، وساد الأمن في الداخل والخارج"(2). ويقول الحبر فثنتي دى لا فونتي ( VICENTE DE LA FUENTE) في تاريخه الديني: إنه من السخرية أن يقال: إن نفي الموريسكيين كان سبباً في انحطاط إسبانيا، فإن أمة قد تفقد مائة وخمسين ألفاً في وباء أو حرب أهلية. ثم يتسائل في تهكم: لماذا ينحى على فيليب الثالث بمثل هذا اللوم؟! على أنه يعترف مع ذلك بأن النفي كان سبباً في تدهور دخل الأشراف والكنائس (3). ويروي آخرون من الأحبار، أن إسبانيا قد دفعت بالنفي ثمناً باهظاً، ولكن تحملهم نزعة فلسفية فيقولون: إن وفرة الرخاء، تذهب بالفضائل، وإنه لا بأس من التقشف مع الإيمان، وأن الفقراء استطاعوا بعد إجلاء الموريسكيين أن يجدوا أعمالاً (4).
ولكن حبراً ومؤرخاً إسبانياً كبيراً، هو دون لورنتي مؤرخ ديوان التحقيق، يحدثنا عن وسائل الديوان، ونفي الموريسكيين في قوله: "كانت هذه
(1) Bleda: Difensio Fidei in Cavsa Neophglorum olive Morishorum in Hispanios.
(2)
Dr Lea: The Moriscos ، P. 366.
(3)
Dr Lea: ibid ، P. 394-396.
(4)
Dr Lea: ibid ، P. 367.
الوسائل بقسوتها الشائنة، تذكي روع الموريسكيين من تلك المحكمة الدموية، وكانوا بدلاً من التعلّق بالنصرانية - وهو ما كانت تؤدي إليه معاملتهم بشيء من الإنسانية - يزدادون مقتاً لدين لم تحملهم إلى اعتناقه سوى القوة. وكان هذا سبب الاضطرابات التي أدت فى سنة (1609 م) إلى نفي هذا الشعب، وعدده يبلغ المليون يومئذٍ، وهي خسارة فادحة لإسبانيا تضاف إلى خسائرها الفادحة، ففي مائة وتسع وثلاثين سنة، انتزع ديوان التحقيق من إسبانيا ثلاثة ملايين، ما بين يهود، ومسلمين، وموريسكيين" (1).
ويقول الكاردينال ديشليو الفرنسي، وهو من أعظم أحبار الكنيسة في مذكراته، وكان معاصراً للمأساة:"إنها أشدّ ما سجلت صحف الإنسانية جرأة ووحشية".
هذا عن الأحبار، أما عن آراء البحث الإسباني الحديث، فإنها تختلف في تقدير آثار نفي الموريسكيين اختلافاً بيناً، بيد أنها تميل على الأغلب إلى الاعتراف بفداحة الآثار المخرّبة التي أصابت إسبانيا من جرائه، وإلى اعتباره عاملاً قوياً في تدهور إسبانيا وانحلالها، بيد أنها مع ذلك تحاول الاعتذار عن النفي، ويرى بعضهم أنه كان إجراء طبيعياً، وضرورة لا محيص عنها، وينكر بعضهم الآخر أنه كان كارثة أو أنه ترتبت عليه آثار مخربة، ونورد هنا طائفة من آراء عدد في المؤرخين والمفكرين الإسبان المحدثين، بدقة وإفاضة تسمحان بفهم الروح الإسبانية إزاء هذا الحدث التاريخي الخطير، وتقديرها على حقيقتها.
يقول دانفيلا إى كوليادو: "وهكذا تحقق نفي الموريسكيين الإسبان، بغض النظر عن كونهم شباباً أو شيوخاً، صالحين أو عقماء، مذنبين أو أبرياء. وكانت مسألة الوحدة السياسية تحمل في ثنيتها ضرورة الوحدة الدينية، وضع خطتها الملكان الكاثوليكيان، وحاول تحقيقها الإمبراطور
(1) Liorente: Historia Critica de la Inquisiciande Espana (1817-1815) .
شارل الخامس (شارلكان) وفيليب الثاني، ولكنهما ارتدا خشية من عواقبها. أما فيليب الثالث، فكان يزاول سلطانه على يد أصفيائه، ولذا ألفى سلطة العرش الدينية والسياسية، أيسر وأهون، وكانت الحرب الدينية تضطرم ضد الجنس الأندلسي، وقد ألفت عواطف الروح الرقيقة نفسها، وجهاً لوجه أمام المسألة السياسية. ودخلت الإنسانية والدين في صراع، وخرج الدين ظافراً، وفقدت إسبانيا أنشط أبنائها، وانتزع الأبناء من جحور أمهاتهم وحنان آبائهم، ولم يلق الموريسكي أية رأفة أو رحمة. ولكن الوحدة الدينية بدت ساطعة رائعة في سماء إسبانيا، واغتبطت الأمة إذ أضحت واحدة في جميع مشاعرها العظيمة".
"وكان الموريسكيون شديدي المراس، وكان الوطن ينشد وحدة معنوية، تغدو متممة للوحدة السياسية، التي تحققت باندماج سائر العروش في شبه الجزيرة، وكان عنصر تناقض قوي، كالذي تمثله طائفة الموريسكيين، لا يكون فقط عقبة شديدة يصعب تذليلها، ولكنه كان استحالة مطلقة، تحول دون تحقيق الغاية، التي تتجه إليها الحركة العامة للفكر القومي؛ وكانت الصعوبة كلها تجثم في الدين، ولم تكن اللغة التي كانت تبدو خاصة قومية أخرى، تكون يومئذ أو في أي وقت عقبة بمثل هذه الخطورة، ففي شمال إسبانيا، وفي شرقها، توجد اللهجات المختلفة، من الجليقية والقطلونية والميورقية والبلنسية وغيرها. وكذلك يوجد مثل هذا التباين في النظم القضائية، والثياب والعادات الخاصة بكل منطقة، ولكن ذلك لم يكن عقبة كأداء في سبيل وحدة الدين والروح القومي، ولم يخلق مثل المعضلة الدائمة التي خلقها الدين بالنسبة للموريسكيين، والتي جعلتهم دائماً في حالة دائمة من التربّص والتوجّس. إن ما بذله شارل الخامس وفيليب الثاني لإخضاع الموريسكيين للنصرانية، مما لا يمكن وصفه، ولكن جهودهم كلها ذهبت عبثاً، ذلك أنه بعد ثلاثة قرون من الخضوع، لبث الموريسكيون في عهد فيليب الثالث، يضطرمون بنفس الروح المتمردة، التي كانت لأسلافهم الذين
أخضعوا بالسيف، وقد ارتضوا حالتهم كمحنة مؤقتة عابرة، ولم ينبذوا الأمل قط، ولم يتركوا قط الوسائل التي يعتقدون أنها تمكنهم ذات يوم من الأخذ بالثأر، واسترداد استقلالهم وسيادتهم". ثم يقول:"وإنها لخرافة أن يقال: إن الموريسكيين كانوا عنصراً مفيداً في إنتاج إسبانيا، ولو أنهم كانوا كذلك، لحملوا الرخاء إلى بلد المغرب حيث ذهبوا"(1).
ويقول المؤرخ الكبير موديستو لا فونتي - وسنرى أنه يذهب في الصراحة وتقدير الحقائق المنزهة إلى أبعد حد -: "وعلى أي حال، فإن مراسيم فيليب الثالث الشهيرة ضد الموريسكيين، قد جرّدت إسبانيا - وقد كانت يومئذ جدّ مقفرة من السكان، بسبب الإدارة السيئة والحروب المستمرة - من طائفة كبيرة من السكان، أو بعبارة أخرى من السكان الزراعيين والتجاريين والصناعيين من السكان المنتجين، أولئك الذين يساهمون بأكبر قسط في الضرائب. وكان أقل ما في ذلك تسرّب الملايين من الدوقيات التي حملتها الطائفة المنفية معها، في الوقت الذي كانت فيه المملكة تعاني من قلة النقد، فكان نقص الذهب الفجائي على هذا النحو أشد وطأة عليها. كذلك وقع ضرر أفدح بذيوع النقد المزيف أو المنقوص، الذي روّجه المنفيون بسوء قصد قبل رحيلهم. وأسوأ ما في ذلك كله هو: أنه فُقِد برحيلهم العنصر العامل الذكي المتمرس في الفنون النافعة. وهم قد بدأوا بالزراعة وزراعة السكر والقطن والحبوب التي كان لهم بإنتاجها التفوق الجمّ، وذلك لنظامهم المدهش في الرّي بواسطة السواقي والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً، كان له أثره في الإنتاج العظيم الذي امتازت به مروج بلنسية وغرناطة، ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوغة، وهي صناعات برع الموريسكيون فيها أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الآلية، وهي حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبّرهم يحتقرونها، ومن ثم فقد احتكرها
(1) M. Danvila Y Collado: La Expululsin de Los Moriscos Espanoles (Madrid 1889) P. 320-322.
الموريسكيون واختصّوا بها. وقد عانى كل شيءٍ من نقص في السواعد في البراعة، وهو نقص جعلت المفاجأة من المستحيل تداركه، ثم غدا بعد ذلك ملؤه مبهظاً بطيئاً صعباً".
"ويقول نفس المؤرخ البلنسي الذي شهد النفي، وكتب عقب إتمامه أنه ترتب على ذلك أن بلنسية، وهي حديقة إسبانيا الغناء، استحالت إلى قفر جاف موحش. وحدث هنالك كما حدث في قشتالة، وفي باقي البلاد، أن بدأ شبح الجوع الداهم، وبالرغم من أنه قد جيء بسكان جدد إلى الأماكن التي هجرها الموريسكيون، لكي يتدربوا على العمل في الحقول والمصانع والمعامل، إلى جانب أولئك القلائل الذين ارتضوا البقاء (هو اعتراف مخجل بلا ريب). على أن مثل هذا التمرن لم يؤت نتائجه السريعة، والتدرب والدأب ليسا من الفضائل التي ترتجل، ولم يكن من السهل أن يعوّض مثل هذا الجنس من البشر، وهو الذي استطاع بعبقريته، ومركزه الخاص في البلاد، ووفرة براعته وجَلَده، أن يحقق ما يشبه قهر الطبيعة، واستغلالها لسائر مبتكراته. وهكذا حلّ مكان ضجيج القرى، الصّمتُ الموحش في الأماكن المهجورة. وإذا كان ثمة بعض السادة الإقطاعيين قد غنموا من تراث المنفيين، فقد كان عدد الذين خسروا أعظم بكثير، وبلغ الأمر ببعضهم أن طلبوا نفقات للطعام. أما الذين غنموا، فقد كانوا بلا شك هم الدوق دى ليرما وأسرته، وقد استولوا على نصيب مما تحصل من بيع منازل الموريسكيين".
"ومن ثم فقد اعتبر نفي الموريسكيين من الناحية الاقتصادية بالنسبة إلى إسبانيا، أفدح إجراء مخرِّب يمكن تصوّره، وإنه ليمكن أن تُغض الطرف عن المبالغة التي دفعت بأحد الساسة الأجانب، وهو الكاردينال ريشليو، أن يسميه: (أعرق إجراء في الجرأة البربرية مما عرفه التاريخ في أي عصر سابق)، والحق أن الصدع الذي أصاب ثروة إسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول: إنه لم يبرأ حتى عصرنا".
"فأما من الناحية الدينية، فقد كان الإجراء ثمرة الأفكار التي سادت في
إسبانيا قبل ذلك بقرون، وثمرة البغض التقليدي المتأصّل، الذي يكنّه الشعب لغالبيه وأعدائه الألداء القدماء. وليس مما يمكن إنكاره، إنه كان مؤيداً لفكرة الوحدة الدينية، التي دأب على العمل لتحقيقها وإكمالها الملوك الإسبان والشعب الإسباني. بيد أنا نعتقد أنه كان من البراعة (ما عدا اعتباره صراعاً مقدّراً هو من خصائص العصور الوسطى) أن نصل إلى الوحدة الدينية بطريق إفناء أولئك الذين يعتنقون عقائد أخرى. وقد كانت البراعة أن نعمل على اجتذاب المخالفين المعاندين، بالتعاليم والإقناع، والحزم، والرفق، وتفوّق الحضارة".
"وأما كونه إجراء سياسياً، قصد به إلى تحقيق سلامة الدولة وسلامها، فقد كان ممكناً أن نسوِّغ اتخاذه لو كانت المؤامرة حقيقية وخطيرة، وكانت الخطط شنيعة، وكانت الوسائل قوية، والخطر داهماً، وذلك كما افتراض الوزير المقرّب والأسقف ربيرا والنصحاء الآخرون. أجل لم يك ثمة شك في أنه كانت هناك مكاتبات وعلائق ومشاريع معادية لإسبانيا، بين بعض الموريسكيين البلنسيين وبين المغاربة والترك، بل بينهم وبين بعض الفرنسيين. بيد أننا لم نقتنع بأن هذه الخطط كانت من الجسامة والخطر بمثل ما كان يصوِّرها أنصار النفي، ولم نقتنع بأن النصارى المحدثين في بلنسية كان لهم من القوة ما يمكن أن يثير مخاوف ذات شأن، كما أنه لم يكن ما يثير المخاوف من جانب الموريسكيين في أراغون وفي مرسية، مثلما زعمت الوفود التي أتت من هذين الإقليمين، وكذلك لم يكن الموريسكيون في قشتالة يعرفون التآمر أو يقدرون عليه، وعلى أي حال فإنه متى ذكرنا، أننا بعد مضي أكثر من قرن على قهر الموريسكيين وإخضاعهم لقوانين المملكة، وتفريقهم ومزجهم بالإسبان والنصارى، لم نوفق إلى تأليفهم في العادات والعقائد، أو أن ندمج بقية الأمة المغلوبة في الكتلة الكبرى للأمة الغالبة، ولم نوفق إلى جعلهم نصارى وإسبانيين، ثم لجأنا بلا ضرورة إلى وسيلة إفناء جيل برمّته، متى ذكرنا ذلك، فإنا لا نستطيع أن ننظر بعطف إلى مهارة فيليب
الثالث والملوك الذين سبقوه، ولا إلى حزمهم أو سياستهم" (1).
ويقول فلورثيو خانير - وهو يحذو حذو لافونتي في تقديره وتعليله، وينقل بعض أقواله -:"ومع ذلك، فإنه لمصلحة الدين، والسلام الداخلي، وسلامة الدولة، قد وقع الإغضاء عن المزايا التي كان يسبغها الموريسكيون على الصناعة والتجارة والزراعة، بل وعلى ثروة الأمة الإسبانية كلها، وذلك حينما أخرج بواسطة مراسيم فيليب الثالث، آلاف من الصناع الموريسكيين، يحملون معهم بذور الحضارة والحرث". وقد قال كامبومانس الشهير: "إن بدء تدهور صناعاتنا يرجع إلى سنة (1609 م) حينما بدئ بنفي الموريسكيين. فمن ذلك الحين تبدأ مع خراب المصانع صيحات الأمة المتوالية، وعبثاً يحاول ساستنا أن ينسبوا بؤس القرن السابع عشر، إلى أسباب أخرى، فهي وإن كانت جزئية، لا يمكن أن تضارع ضربة بهذه المفاجأة، وهي ضربة لم تستطع الأمة حتى اليوم أن تنهض من عثارها"
…
"ولقد أحدثت مزاولة العرب للمهن الفنية في الإسبان أثرين سيئين الأول: أنهم اعتبروا هذه المهن من الأمور الشائنة. والثاني: أنهم لم يتعلموا شيئاً منها حتى لا يتشبهوا بأولئك الذين يزاولونها. وهم قد بدأوا بالزراعة وزراعة السكر والقطن والحبوب، التي كان للموريسكيين فيها التفوق الجم، وذلك لنظامهم المدهش في الري بواسطة السواقي والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً، كان له أثره في الإنتاج العظيم الذي امتازت به مروج بلنسية وغرناطة الخصبة.
"ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوغة، وهي صناعات برع فيها الموريسكيون أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الآلية، وهي حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبرهم يحتقرون مزاولتها؛ ومن ثم فقد كان الموريسكيون يحتكرونها؛ وقد وقع من جراء ذلك نقص في
(1) Modesto Lafuente: Historia general de Espana (Madrid 1862) T. V111. P. 211-214.
الأيدي وفي المهارة كان من المستحيل ملؤها في الحال، ثم غدا بعد ذلك ملؤها مبهظاً بطيئاً صعباً. وقد بلغ النقص في الأنفس - وفقاً للدراسات التي قمنا بها لنتائج الحادث - على الأقل نحو مليون. ثم يأتي بعد ذلك نقص العملة الذهبية، بسبب الكميات الكبيرة التي حملوها معهم من الدوقيات، وأخيراً يأتي ذيوع النقد الزائف أو ناقص الوزن، وهو الذي ملأوا به المملكة قبل نزوحهم منها، على أن الضرر الفادح الذي لم يعوّض لسنين بعيدة، هو بلا ريب ما أصاب الزراعة والصناعة والتجارة".
"ومن ثمّ ففي وسعنا أن نقول عن بلادنا بحق: إن بلاد العرب السعيدة، قد استحالت إلى بلد العرب القفراء، وعن بلنسية بوجه خاص إن حديقة إسبانيا الغناء قد استحالت إلى صحراء جافة مشوّهة. وقد حلّ شبح الجوع بالاختصار في كل مكان، وحلّ محل المرح الصاخب للقرى العامرة، الصمت الموحش في الأمكنة المهجورة؛ وبدلاً من أن ترى أمامك العمال والصناع، فإنك تغامر بأن تقابل قطّاع الطرق يملؤونها ويجثمون في أطلال القرى المهجورة. ولئن كان ثمة فريق من السادة الملاك الذين أفادوا من مخلّفات المنفيين، فقد كان ثمة عدد أكبر بكثير ممن خسروا، وانتهى بعضهم إلى الموقف المؤلم، بأن يلتمسوا من الحكومة نفقة لإطعامهم، ولم يك بينهم أحد قط ممن غنم كما غنم الدوق دى ليرما وأسرته، وقد استولوا على جزء من أثمان بيع منازل الموريسكيين، بلغ نحو خمسة ملايين ونصف ريال".
"وإذاً فقد كان نفي الموريسكيين من الناحية الاقتصادية، يعتبر بالنسبة إلى إسبانيا، أفدح إجراء مخرِّب يمكن تصوره، وإنه ليمكن أن نتسامح في المبالغة التي يصفه بها سياسي أجنبي هو الكاردينال ريشليو، حيث يصفه بأنه: "أعرق إجراء في الجرأة البربرية مما عرفه التاريخ في أي عصر سابق". والحقّ أن الصدع الذي منيت به ثروة إسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول: إنه لم يبرأ حتى
يومنا" (1). بيد أن خانير مع ذلك يقول: إن النفي كان ضرورة دينية وسياسية، وإن الوحدة الدينية، تغدو اليوم أسطع جوهرة للأمة الإسبانية.
ويعلق المؤرخ الاجتماعي بكاتوستي، في الفصل الذي عقده عن (بؤس إسبانيا العام) في كتابه:(عظمة إسبانيا وانحلالها) على نفي الموريسكيين، فيقول:(كان نفي الموريسكيين من أفدح المصائب التي نزلت بإسبانيا. أجل، لقد وجد أيام الملكين الكاثوليكيين بعض المتعصبين الذين كانوا يقترحون هذا النفي ويعملون له. ولكنهم وجدوا عقبة كأداء في معارضة الملكة إيزابيلا. وفي سنة (1529 م) بذل أسقف إشبيلية جهوداً مضنية مضاعفة في هذا السبيل، وكذا طوال حكم فيليب الثاني كان هذا الموضوع يثار من وقت إلى آخر، ولكن أمكن فقط في عصر فيليب الثالث المحزن، أن يرتكب هذا الخطأ الفادح.
"والمسئولية الكبرى التي تقع على عاتق الملك، وعلى نصحائه وأسلافه تتلخص في أنهم لم يحملو مصالح الموريسكيين المادية، فيمهّدوا لتلك الطائفة العاملة سبل الحياة المستقرة الهادئة، ولم يكن لهم من القوة أو الكياسة أو الحزم ما يمكنهم من إخضاع هذه الطائفة المتمردة، التي عاشت في إسبانيا في أوقات، كانت فيها الأحقاد في أوج اضطرامها بين الغالبين والمغلوبين".
"وقد أثار الإسراف في فرض الضرائب وبخس الأعمال، والاضطهاد الديني، ومساوئ ديوان التحقيق، هذه الأرواح التي قابلت حكومة ضعيفة التدبير، حتى أنه أضحى من المحتوم أن يتخذ هذا الإجراء الشاذ المتطرّف".
"إن المؤرخين والساسة الذين دافعوا عن نفي الموريسكيين، بعضهم للدفاع عن أخطاء هذه المدرسة، وبعضهم لكي يشيد بالعمل الرائع، إنما يدافعون عن أمور سيئة، أو يرغبون في أن يضعوا السياسة والسلطة فوق رأس
(1) D. Florecio Janer: Condicion Sociad de Los Moriscos de Espana (Madrid 1853) . P. 100-101.
الأمة، وهم في تسويغ مثل هذا الإجراء، لم يراعوا إلاّ ضرورة الساعة. وإذا فرضنا جدلاً ضرورته للسياسة باسم السلام والسكينة العامة، وهي التي اتخذت لتسويغ كثير من الأخطاء، بل كثير من الجرائم، فإنا لا نستطيع أن ننسى أن هذا الموقف المحزن، قد خلقته أخطاء السلطة التي واجهت تلك المشكلة القاسية، ورأت أن تقصي الموريسكيين عن إسبانيا، لأنها شعرت أنها عاجزة عن إخماد ثوراتهم المستمرة".
"إن فقد هذه السواعد في الأعمال الزراعية، وفي كثير من الفنون والأعمال، والازدهار الذي كان الإسبان يضمرونه لهذه الطائفة ولنشاطها، والسرعة التي وقعت بها هذه الخسارة، وعدم تحوّط الحكومة، التي لم تحاول بأية وسيلة أن تعوض عن نشاطها، وزيادة الضرائب وغيرها من المغارم التي أضحى عبؤها يقع فقط على عاتق الشعب الإسباني، لكي يعوّض ذلك ما خسرته الدولة مما كان يؤديه الموريسكيون؛ هذه ربما كانت الأسباب السريعة للبؤس العام".
"ولقد قام بعض المؤرخين ببحوث مدهشة لتقدير عدد المنفيين، ونحن لا نجاريهم في ذلك، إذ يبدو لنا العدد أمراً لا أهمية له. وسواء كان المنفيون كثرة أو قلة، فقد كانوا هم الوحيدين الذين يعملون، وقد أحدث خروجهم من المملكة اضطراباً خطيراً".
"يمثل هذا العوامل، وصل البؤس الداخلي في المملكة إلى حدّ لا يمكن تصوّره، ولا تمكن مقارنته، هذا بينما كان البلاط يغرق في الحفلات الشائقة، وينسب إلى فيليب الرابع ما كان يمكن صدوره من فيليب الثاني أو شارل الخامس"(1).
ويرى العلامة مننديث بلايو ( MENENDEX PELAYO) ، وهو من أعظم المفكرين، والنقدة الإسبان المحدثين، أن نفي الموريسكيين كان نتيجة
(1) D. Felipe Picatost: Estudios Sobere la Granadez Y de cadencia de Espana (Madrid 1887) . P. 101-102.
محتومة لسير التاريخ، ويشرح في كتابه عن:(الخوارج الإسبان) على النحو الآتي: "ولنقل الآن رأينا في مسألة النفي، بكل وضوح وإخلاص، وذلك بالرغم من أنه يستطيع أن يتكهن به مَن تتبع القصة السابقة، بروية وبلا تحيّز. ولن أتردد بالجهر به، وإن كان من المؤسف أن يكون ثمة ما أخّر إبداءه. فهل كان من الممكن أن يقوم الدين الإسلامي بيننا في القرن السادس عشر؟ من الواضح أن لا، بل ولا يمكن أن يكون ذلك الآن في أي جزء من أوروبا. فكيف يستسيغ وجوده في تركيا أولئك الإنسانيون الأجانب الذين يصفوننا بالبربرية لأننا قمنا بإجراء النفي؟ وإنهم لأسوأ مائة مرة من المسلمين الخلّص، مهما كان دينهم عائقاً لكل تمدّن، أولئك النصارى المنافقون، والمرتدون المارقون، الذين لم يحسن إخضاعهم، وأولئك الإسبان الأوغاد الأعداء الداخليون خميرة كل غزو أجنبي، الجنس الذي لا يقبل الاندماج، كما أثبتت ذلك التجارب المحزنة مدى قرن ونصف، فهل يعتبر ذلك تسويغاً للذين مزّقوا عهود غرناطة، أو لأولئك الثوار الذين أضرموا الهياج في بلنسية، ونصروا الموريسكيين بصورة منافية للدين؟ كلا على الاطلاق. بيد أنه وقد سادت الأمور منذ البداية على هذا النحو، فإنه لم يكن من الممكن أن تكون ثمة نتيجة أخرى، فقد كانت الأحقاد والشكوك المتبادلة تضطرم باستمرار بين النصارى القدامى والمحدثين، وقد لطخت بقاع البشرّات بالدماء غير مرة، وفقد الأمل في تحقيق التنصير بالوسائل السليمة، وذلك بالرغم من تسامح ديوان التحقيق (كذا!!) والغيرة الطيبة التي أبداها رجال مثل تلافيرا، وفيلانيفا، وربيرا، وإذاً فلم يك ثمة محيص من النفي. وأكرر أن فيليب الثاني قد أخطأ في كونه لم ينفذه في الوقت المناسب. وإنه لمن الحمق أن نعتقد أن الصراع من أجل البقاء، والمعارك والمذابح بين الأجناس، تنتهي بصورة أخرى غير النفي أو الفناء، ذلك أن الجنس الأدنى ينهار دائماً، ويفوز بالنصر مبدأ القومية الأقوى".
"وأما أن النفي كان حدثاً مقوِّضاً، فهذا ما لا ننكره، فإنه من المقرر أنه في
العالم يمتزج الخير والشر دائماً، وخسارة مليون بأسره من الناس، لم تكن هي السبب الأساسي في إقفار بلادنا من السكان، وإن كان لها أثر في ذلك. وبعد، فإن ذلك يجب ألاّ يُعدّ إلاّ كإحدى قطرات الماء في جانب نفي يهود، واستعمار أمريكا، والحروب الخارجية في مائة مكان معاً، وعدد الجند النظاميين الضخم، وهي أسباب نوّه بها كلها بإيجاز اقتصاديونا القدامى، ومنهم مَن لم يتردد كالحبر فرديناند نفاريتي في نقد نفي الموريسكيين بعد وقوعه بأعوام قليلة، وما كانت، بل وليست الأجزاء المقفرة من السكان في إسبانيا، هي التي تركها العرب، كما أنها ليست أسوأ زراعة، وهو ما يدل على أن الخسارة التي لحقت بالزراعة من جراء نفي كبار الزراع المسلمين، لم تكن عميقة أو باقية الأثر، كما قد يتبادر إلى الذهن لو أننا وقفنا فقط عند عويل أولئك الذين تأملوا الحقول المروية غداة تنفيذ أوامر النفي. ونحن أبعد من أن نعتقد مع الشاعر الساذج الشيوعي نوعاً حسبار دى أجيلار، أنه لم يخسر بالنفي سوى السادة الذين فقدوا أتباعهم المسلمين، وأن الكثرة من الناس قد غنمت وغدا:
الأغنياء فقراء، والفقراء أغنياء
والصغار كبارا، والكبار صغارا
"ذلك أن مثل هذه النظريات، وإن أملاها الإخلاص والحماسة الشعبية، اللذان يضطرم بهما الشاعر، ليست إلاّ من أسخف وأضل ضروب الاقتصاد السياسي. ذلك أن مملكة بلنسية كلها كان لزاماً أن تخسر، وقد خسرت برحيل مثل هذا العدد الجم من عمال مهرة هادئين مثابرين، وقد كانوا حسبما يصفهم السكرتير فرنسيسكو أدياكيث: "يكفون وحدهم لإحداث الخصب والرخاء في سائر الأرض، لبراعتهم في الزراعة، وقناعتهم في الطعام". هذا بينما يصف هذا السكرتير النصارى القدماء بقوله:"إنهم قليلوا الخبرة في الزراعة". على أنه من المحقق أنهم تعلموا، وأن بلنسية قد عمرت فيما بعد، وأن سائر الطرق الزراعية ونُظم الري البديعة، - التي ربما كان من الخطأ أن
تنسب إلى العرب وحدهم - قد أحييت في هذه المناطق حتى يومنا، وإذا كان تدهور الزراعة مما لا ينكر، ولعله مبالغ فيه، فإن تأثر الصناعة كان أقل. ذلك لأن الصناعة كانت قبل ذلك بنصف قرن قد أصيبت باضمحلال واضح، وكذلك لأن الصناعات الرئيسة، إذا استثنينا الورق والحرير، لم تكن في أيدي الموريسكيين، وقد كانوا دائما عمالاً أكثر منهم صناعاً. فإذا قيل مثلاً: إن المناسج التي بلغ عددها من قبل في إشبيلية ستة عشر ألفاً، لم يبق منها في عهد فيليب الخامس سوى ثلاثمائة، ونسب ذلك كله إلى واقعة النفي، فإن أصحاب هذا القول ينسون أنه لم يكن في إشبيلية أحد من الموريسكيين، وأن هذه المصانع كانت قد تركت قبل النفي بخمسين عاماً، كأنما آثر أجدادنا أن يحققوا الثراء بالحرب في إيطاليا وبلاد الفلاندر، وبغزو أمريكا، وكأنهم كانوا ينظرون باحتقار سخيف مؤسف للفنون والأعمال الصناعية. إن اكتشاف العالم الجديد، والثروات التي كانت تتدفق من هناك، فتثير الجشع، وتذكي أطماعاً يسهل تحقيقها. ذلك هو السبب الحقيقي الذي أسكت مناسجنا وأمحل زراعتنا، وجعل منا أول طائفة من المغامرين المحظوظين، ثم بعد ذلك شعباً من الأشراف المتسولين، وانه لمن المضحك أن ننسب إلى سبب واحد، ربما كان أقل الأسباب، ما كان نتيجة لأخطاء اقتصادية يعسر علينا أن نتبين علاقتها بالتعصب الديني".
"والخلاصة، أنه متى تدبّرنا المزايا والمضار، فإننا ننظر إلى إجراء النفي العظيم، بنفس الحماسة التي امتدحه بها لوبي دى فيجا وثرفانتس، وكل إسبانيا في القرن السابع عشر، باعتباره ظفراً لوحدة الجنس ووحدة الدين واللغة والتقاليد. أما الأضرار المادية، فقد شفاها الزمن، وقد استحال ما كان صحراء بلقع قاتمة، إلى مهاد خصبة وحدائق غناء. وأما الذي لا يشفى، وأما الذي يترك دائماً الأحقاد الدموية الأبدية، فهي جرائم تشبه جرائم الوندال. ولما هدأت آثار النفي، أضحى النفي ليس فقط إجراء محموداً، بل كذلك إجراء ضرورياً. ولم يكن ميسوراً أن تحل العقدة، فكان لابد من قطعها،
ومثل هذه النتائج تقترن دائماً بالانقلابات المفروضة" (1).
ومن الواضح أن هذا الدفاع عن النفي، يصدر عن تعصب أعمى، ومع ذلك لم يستطع أن يحجب أضرار النفي على إسبانيا فيما كتب، ولو أنه اعترف بذلك في ثنايا رده المتهافت بصورة غير مباشرة.
ويعلّق الدكتور لي، وهو من أحدث الباحثين في هذا الموضوع، على آراء المفكرين والمؤرخين الإسبان بقوله: "إذا كان نفي الموريسكيين، كما يقول مننديث إى بلايو، نتيجة محتومة لقانون تاريخي، وإذا كان قد غدا ضرورة في عهد فيليب الثالث، فقد كانت ضرورة مصطنعة، خلقها تعصب القرن السادس عشر، وإذا كان وجود المدجّنين منذ أيام ملوك ليون وقشتالة وأراغون في الأراضي الإسبانية، من الأمور المأمونة، وذلك في الوقت الذي كان فيه زعماء إسبانيا النصرانية يشغلون بحروب أهلية مضطرمة، ويواجهون دول العرب والمرابطين والموحدين القوية، وإذا كان في وسع الملوك النصارى في هذه العصور المضطربة أن يركنوا إلى ولاء رعاياهم المسلمين أثناء الحرب، وأن يفيدوا من نشاطهم أثناء السلم، فإن الضرورة السياسية للوحدة الدينية، بعد أن غدت إسبانيا دولة قوية موحدة، وغدا المسلمون طوائف ممزقة، لم تكن بلا ريب سوى ضرب من الخيال المغرق الذي يخلقه التعصب. وقد كان هذا التعصب نتيجة لتعاليم الكنيسة المستمرة، وهي التعاليم التي اعتنقتها إسبانيا مذ غدت قوة عالمية. وما إن انحدرت إسبانيا إلى طريق التعصب، حتى دفعه توقد المزاج الإسباني إلى نهايته المحتومة باكتمال لا نظير له. ولما قضت غطرسة الكاردينال خمنيس العنيفة على ثقة المسلمين في عدالة إسبانيا وشرفها، اتخذت الطريق الخطوة المحتومة في طريق لم تكن له سوى نهاية واحدة
…
ولقد كان الموريسكيون بالضرورة أعداء في الداخل، حملوا بكل وسيلة على بغض دين فرض عليهم بالقوة،
(1) M. Menendez Y Pelayo: Historia de Los Heterodoxes Espanoles. P. 339-343.
وتبلورت مثله في الظلم والاضطهاد وفظائع ديوان التحقيق، وكان من المستحيل في ظل المؤثرات الدينية، التي غلبت على السياسة الإسبانية، أن يعامل الموريسكيين بالرفق والتسامح، وبها فقط كان يمكن العمل على إرضائهم، وتحقيق رخائهم وبث محبّة النصرانية في قلوبهم. وقد كانت كل محاولة لتلطيف الموقف، تزيده سوءاً حتى غدوا إغراء لاتصال كل عدو من الخارج، ومثاراً دائماً لجزع السياسة الإسبانية. فلما اضمحلت قوة إسبانيا، وفقد حكامها الثقة بالنفس، لم يكن ثمة بدّ من أن يتوجّ قرن من الغدر والظلم، بالنفي والإبعاد. وقلما يقدّم لنا التاريخ مثلاً كوفئت فيه السيئة بأمثالها، وطمت كوارثه، كذلك الذي ترتب على جهود الكاردينال خمنيس بما يطبعها من تعصب مضطرم".
ثم يقول: " على أنه مهما كان من فداحة الضربة، فقد كان من الميسور تداركها بسرعة، لو أن إسبانيا كانت تملك الحيوية القوية، التي مكّنت أمماً أخرى من أن تنهض من كوارث أشدّ. إن انحلال إسبانيا لا يرجع فقط إلى خسارتها لجزء من السكان، بنفي اليهود والعرب المتنصرين، فقد كان من المستطاع أن تعوّض هذه الخسارة، ولكن الخطب يرجع إلى أن اليهود والعرب المتنصرين، كانوا من الناحية الاقتصادية أقيم عنصرين بين سكانها، وكان نشاطهم معيناً لحياة الآخرين، وبينما كانت أمم أوروبا الأخرى تنهض وتسير إلى الأمام في مضمار التقدم، كانت إسبانيا وشعارها أن تضحي بكل شيء في سبيل الوحدة الدينية، تنحدر سراعاً إلى غمر البؤس والشقاء، وتغدو جنّة للأحبار والقساوسة، وعمال ديوان التحقيق، تخمد فيها كل نزعة إلى الرقي العقلي، وتقطع فيها كل صلة مع العالم الخارجي، ويشل فيها كل جهد يبذل في سبيل التقدم المادي. وقد كان من العبث أن تنهمر ثروات العالم الجديد إلى أيدي شعب لا تقل مواهبه الطبيعية عن أي شعب آخر، وإلى أرض كانت مواردها عظيمة، مثلما كانت حينما جعلتها براعة العرب ونشاطهم في طليعة الأمم الأوربية ازدهاراً. ومهما كانت قيمة الخدمات التي
أدتها إيزابيلا الكاثوليكية والكاردينال خمنيس، فإن السيء في عملهما يفوق الحسن، لأنهما علّما الأمة أن الوحدة الدينية هي أول غاية يجب تحقيقها، وقد ضحّت في سبيل هذه الغاية برخائها المادي ورقيها العقلي" (1).
وأخيراً يجمل الدكتور لي خلاصة بحثه المستفيض في مأساة الموريسكيين في هذه العبارة الموجزة القوية: "إن تاريخ الموريسكيين لا يتضمّن فقط مأساة تثير أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء التي اتحدت لتنحدر بإسبانيا في زهاء قرن من عظمتها أيام شارل الخامس إلى ذلّتها في عصر شارل الثاني"(2).
ويقول سكوت: "لقد كانت نتائج هذه الجريمة التي ارتكبت ضد الحضارة، سواء البعيد منها والمباشر، ضربة لإسبانيا. فقد عصفت بموارد عيشها، ودفع بها القحط إلى الخراب، وأضحى من الضرورة أن تمدّ الحكومة يد الغوث إلى كثير من الأسر النبيلة، التي أودى بثروتها تصرف العرش الانتحاري، وخيّم الصمت والوجوم على مناطق شاسعة، كان يغمرها الخصب الأخضر، وظهر اللصوص والخوارج على القانون، مكان الزراع والصناع، وحل الجزاء المروّع عقب مأساة لم تقدم على مثلها لحسن الطالع أية أمة أخرى، مأساة أنزلت منذ وقوعها بالأمة التي ارتكبت فظائعها، كل صنوف الدمار والويل حتى الجيل الأخير"(3).
ويمكن تلخيص رأي النقد الإسباني المعاصر، بما سمعه الأستاذ محمد عبد الله عنان من الأستاذ مننديث بيدال الذي نقلنا رأيه فيما سلف، وهو من أعظم المؤرخين والنقدة الإسبان في هذا العصر، فقد حدّثه الأستاذ عنان في مدريد عن قضية الموريسكيين ونفيهم، فقال: "لاريب أن إسبانيا قد منيت من جراء نفي الموريسكيين بخسارة مادية، لأنها خسرت بإخراجهم شعباً مجداً
(1) Dr Lea: The Moriscos; P. 395-397 and 399-401.
(2)
Dr Lea: The Moriscos ; P. V.
(3)
Scott: the Moorish Empire in Europe; V. 111. P. 328.
عاملاً بارعاً في الزراعة والصناعة، ولكن الواقع أن حركة الإنقلاب البروتستانتي حملت إسبانيا على أن تتبع من جانبها سياسة كاثوليكية شديدة، وكان من جراء ذلك أن اشتدت في معاملة الموريسكيين، ويمكن أن نصف هذه السياسة بأنها كانت عنيفة مغرقة".
"ولم يكن نفي الموريسكيين خطوة موفقة، وكانت أيضاً من آثار الرجعية الكاثوليكية، وما كان ملك قوي مثل فيليب الثاني ليقدم على اتخاذ مثل هذه الخطوة، ولكن ولده فيليب الثالث كان ملكاً ضعيفاً يعوزه الذكاء والحصافة. وقد غلبت السياسة الدينية والكنسية في هذه المسألة. ويبدو خطأ هذه السياسة - بالأخص من الناحية العنصرية - فإن العلامة ربيرا يعتقد مثلاً أن الموريسكيين كان نصفهم على الأقل من الإسبان الخلّص الذين اتخذوا الإسلام في عهود مختلفة، ثم أرغموا على التنصير بعد سقوط غرناطة، وصاروا موريسكيين".
ويسلم الأستاذ بيدال بأن نفي الموريسكيين كان من عوامل انحلال إسبانيا، ولكنه يرى من المبالغة أن يقال: إنه السبب الرئيسي لهذا الانحلال، ثم يقول:"والواقع إن هذه مسألة معقدة، وأعتقد أن من أهم أسباب انحلال إسبانيا، عنف السياسة الكنسية المناهضة لحركة الإصلاح الديني - البروتستانتية - وهو عنف لم يقع مثله في أي بلد أوروبي آخر، بل انفردت به إسبانيا والكنيسة الإسبانية"(1).
ويبدي دى مارليس الذى اتخذ مؤلف كوندي أساساً لكتابه عن (تاريخ دولة المسلمين في إسبانيا والبرتغال) حماسة في تقدير تراث الأمة الأندلسية وما أصاب إسبانيا من جراء القضاء عليها، ويعلق في خاتمة تاريخه على مأساة الموريسكيين في تلك العبارات الشعرية المؤثرة: "وهكذا اختفى من الأرض الإسبانية إلى الأبد، ذلك الشعب الباسل اليقظ الذكي المستنير، الذي
(1) نهاية الأندلس (412).
أحيا بهمته وجدّه تلك الأراضي التي أسلمتها كبرياء القوط الخاملة إلى الجدب، فدرّ عليها الرخاء والفيض، واحتفر لها العديد من القنوات، ذلك الشعب الذي أحاطت شجاعته الفياضة في أيام الرخاء والشدة معاً، عرش الخلفاء بسياج من البأس، والذي أقامت عبقريته بالمران والتقدم والدرس، في مدنه صرحاً خالداً من الأنوار، الذي كان ضوؤها المنبعث ينير أوروبا، ويبث فيها شغف العلم والعرفان، والذي كان روحه الشّهم يطبع كل أعماله بطابع لا نظير له من العظمة والنبل، ويسبغ عليه في نظر الخلف، لوناً غامضاً من العظمة الخارقة، ودهاناً سحرياً من البطولة، يذكرنا بعصور هومير السحرية، ويقدّم لنا فهم أنصاف الآلهة اليونان".
"ولكن شيئاً لا يدوم في هذا العالم، فإن هذا الشعب قاهر القوط، الذي كان يبدو أنه صائر خلال القرون، إلى أقصى الأجيال، قد ذهب ذهاب الأشباح، وعبثاً يسائل اليوم السائح الفريد قفار الأندلس المحزنة، التي كان يعمرها من قبل شعب غني منعَّم. ظهر العرب فجأة في إسبانيا كالقبس الذي يشق عباب الهواء بضوئه، وينشر لهبه في جنبات الأفق، ثم يفيض سريعاً في عالم العدم، ظهروا في إسبانيا، فملؤوها فجأة بنشاطهم وثمار براعتهم، وأظلها كوكب من المجد شملها من البرنية إلى صخرة طارق، ومن المحيط إلى شاطئ برشلونة، ولكن.