المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - مفاوضات التسليم ومعاهدة التسليم - قادة فتح الأندلس - جـ ٢

[محمود شيت خطاب]

فهرس الكتاب

- ‌السَّمْح بن مالك الخَوْلانِيّفاتح شطر جنوبيّ فرنسة

- ‌نسبه وأيامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌السّمح في التاريخ

- ‌نسبه وأيّامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌2 - فتح جنوب وجنوب شرقي الأندلس:

- ‌3 - فتوح البرتغال:

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌عبد العزيز في التاريخ

- ‌نسبه وأيّامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌الإنسان القائد

- ‌1 - الإنسان:

- ‌2 - القائد:

- ‌عبد الأعلى في التاريخ

- ‌نسبه وأيّامه الأولى

- ‌الفاتح

- ‌1 - في إِفْرِيْقِيَّة

- ‌2 - في البحر:

- ‌أ - في صِقِلِّيَة

- ‌ب - في مَيُوْرْقَة ومَنُوْرَقَة:

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌عبد الله في التاريخ

- ‌جزيرتامَيُوْرَقَة ومَنُوْرَقَة

- ‌1 - مَيُوْرَقَة

- ‌2 - مَنُوْرَقَة

- ‌نهاية الأندلس

- ‌مستهل

- ‌مملكة غرناطة

- ‌نشأة مملكة غرناطةوقيام الدولة النصريّة

- ‌طوائف الأندلسيين في عصر الانحلال

- ‌1 - مملكة غرناطة وحدودها

- ‌2 - عناصر السكاّن

- ‌3 - المدجّنون وتاريخهم وحياتهم في ظل الممالك النصرانية

- ‌4 - التكوين العنصري لسكان مملكة غرناطة

- ‌طبيعة الصراع بين الأندلس وإسبانيا النصرانية

- ‌1 - حرب الاسترداد ومولد مملكة غرناطة

- ‌2 - طبيعة الصراع الإسلامي النصراني في الأندلس

- ‌مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر

- ‌1 - ولاية محمّد الفقيه وأحداث أيامه

- ‌2 - أبو عبد الله محمد الملقّب بالمخلوع وأحداث أيامه

- ‌3 - نصر بن محمد الفقيه وحوادث أيامه

- ‌مملكة غرناطة في النصف الأول من القرن الثامن الهجريوذروة الصراع بين بني مرين وإسبانيا النصرانية

- ‌1 - أبو الوليد إسماعيل وحوادث أيامه

- ‌2 - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وحوادث أيامه

- ‌3 - أبو الحجّاج يوسف بن أبي الوليد وأحداث أيامه

- ‌الأندلس بين المد والجزر

- ‌1 - ولاية محمد الغني بالله وحوادث أيامه

- ‌2 - يوسف أبو الحجاج وحوادث أيامه

- ‌3 - محمد بن يوسف وحوادث أيامه

- ‌4 - يوسف بن يوسف

- ‌5 - أبو عبد الله محمد الأيسر بن يوسف

- ‌6 - السلطان يوسف الخامس (ابن إسماعيل) وحوادث أيامه

- ‌نهاية دولة الإسلام في الأندلس868 هـ - 897 هـ - 1463 م - 1492 م

- ‌الأندلس على شفا المنحدر

- ‌1 - علي أبو الحسن وأحداث أيامه

- ‌2 - أبو عبد الله محمد بن على أبي الحسن وأحداث أيامه

- ‌بداية النِّهاية

- ‌1 - مع أبي عبد الله محمد ثانيةً

- ‌الصراع الأخير

- ‌1 - مع أبي عبد الله محمد أخيراً

- ‌2 - مفاوضات التسليم ومعاهدة التسليم

- ‌3 - عاقبة الملك المتخاذل

- ‌4 - أبو عبد الله في المغرب ودفاعه عن نفسه

- ‌ثمرات المعاهدة الغادرة

- ‌1 - مأساة الأندلس ونقص الروايات العربية عن المأساة

- ‌2 - التنصير وحرق الكتب العربية

- ‌4 - ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين

- ‌نهاية النهاية

- ‌1 - توجّس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية

- ‌2 - مأساة النّفي

- ‌تأمّلات في آثار المأساة الأندلسية

- ‌أسباب انهيار الفردوس المفقود

- ‌يمكن تلخيص أسباب سقوط الأندلس بما يلى:

- ‌فهرس الجزء الثاني

الفصل: ‌2 - مفاوضات التسليم ومعاهدة التسليم

‌2 - مفاوضات التسليم ومعاهدة التسليم

وهنا يسدل الستار على تلك المناظر الرائعة المؤثرة، التي تقدمها الرواية لنا عن بسالة المسلمين في الدفاع عن مدينتهم وعلى ذلك الموقف الباهر الذي اتخذه أبو عبد الله مدى حين، واتّشح بثوب البطل المدافع عن ملكه وأمّته ودينه، وتبرز لنا طائفة من الحقائق المؤلمة التي تصم أولئك الزعماء والقادة، الذين جنحوا في النهاية إلى المساومة بحقوق أمتهم، واستغلالها لمآربهم الخاصة.

يقول صاحب أخبار العصر: إن كثيراً من الناس زعموا أن أمير غرناطة ووزيره وقواده، كان قد تقدم الكلام بينهم وبين ملك قشتالة سرّاً في تسليم غرناطة، ولم يجرأوا على المجاهرة بعزمهم خشية انتقاض الشعب، وإنهم لبثوا حيناً يلاطفون الشعب ويملقونه، حتى ألفوا السبيل ممهّداً للعمل برضاء الشعب وموافقته، ويستشهد أصحاب هذه الرواية بما حدث من انقطاع المعارك بين المسلمين والنصارى حيناً قبل بدء المفاوضة في التسليم، وتزيد الرواية على ذلك، بأن القوّاد المسلمين الذين اضطلعوا بهذه المفاوضة، تلقّوا تحفاً وأموالاً جزيلة من ملك قشتالة (1).

وفي نفس الوقت الذي اتجه فيه رأي الجماعة إلى المفاوضة في التسليم، كانت تبذل في الخفاء مساع أخرى لتحقيق ما يمكن تحقيقه من الضمانات والمغانم الخاصة لأبي عبد الله وأفراد أسرته ووزرائه، وكان الملكان الكاثوليكيان يرميان إلى استخلاص غرناطة بأي ثمن غير الحرب، ولا يدّخران وسعاً في بذل أية تضحية أو منحة لإغراء الزعماء والقادة لتذليل هذه المهمة. وهكذا كلّلت هذه المساعي الخفية بالنجاح، وفي نفس الوقت الذي عقدت فيه معاهدة التسليم، عقدت معاهدة سريّة أخرى يمنح فيها أبو عبد الله

(1) أخبار العصر (48 - 49) ونفح الطيب (2/ 615).

ص: 253

وأفراد أسرته ووزراؤه منحاً خاصة بين ضياع وأموال نقدية وحقوق مالية وغيرها. وقد أبقيت هذه المعاهدة في طي الكتمان، ولم يقف عليها سوى نفر من الخاصة، وهذا يثبت ما يشير إليه صاحب أخبار العصر.

ولم يك ثمة سبيل سوى الموت أو مفاوضة العدو الظافر، وقد اختار زعماء غرناطة المفاوضة، ولو أنهم اختاروا الموت تحت أنقاض مدينتهم دفاعاً عنها لأحرزوا لذكراهم الخلود وإعجاب التاريخ، ولكن يبدو أنه لم يكن ثمة لدى أبي عبد الله ومن معه إرادة القتال التي يتّسم بها الشعب الغرناطي المجاهد.

وبالطبع يحلو للمصادر الأجنبية أن تدفع الشكوك عن أبي عبد الله ومن حوله، فيقول مارمول الذي كتب روايته بعد ذلك بنحو سبعين عاماً:"ولما رأى الزّغيبي (أبو عبد الله) أن مدينة غرناطة لا تستطيع دفاعاً، ولا تأمل الغوث والإمداد، ونزولاً على رغبة السواد الأعظم من الشعب، الذي لم يعد يصبر على هذا الأمر الفادح، أرسل يطلب الهدنة من الملكين الكاثوليكيين، لكي يستطيع خلالها أن يتفاهم على شروط الصلح التي يمكن التسليم بمقتضاها"(1).

ويقول لافونت ألقنطرة: "اشتدت وطأة الجوع على المحصورين، وأصبحت الجماهير الصاخبة تجوب أنحاء المدينة تنذر الأغنياء بالويل، وتبعث الرجفة إلى أبي عبد الله وأولاده وأعوانه. وإزاء هذا التهديد، دعا الأمير مجلساً من الزعماء والقادة، وطلب إليهم البحث فيما يمكن عمله لتجنّب الأخطار التي تهدد المدينة من الداخل والخارج. وقال الشيوخ والفقهاء: إنه لم يبق سبيل سوى التسليم أو الموت، وأشار أهل الرأي بأن يقوم أبو القاسم بإذن أبي عبد الله بمفاوضة النصارى"(2).

لقد كان موقف أبي عبد الله موقفاً مريباً - ذلك الموقف الذي وقفه هو

(1) Luis del Marmol ; ibid ; Lib. 1.، Cap. XIX.

(2)

Lafuente Alcantra; ibid; V. 111. P. 97.

ص: 254

ووزراؤه - فحاولوا أن يحققوا لأنفسهم فيه مغانم خاصة، والذي يدل على الأثر والخور والضعف الإنساني، والتعلق بأسباب السلامة، وانتهاز الفرص، وهي ليست سمات المسؤول حقاً عن أمة وشعب ووطن.

وسار القائد أبو القاسم عبد الملك، مندوب أبي عبد الله إلى معسكر الملكين الكاثوليكيين ليؤدي مهمته الأليمة، وقد اضطلع هذا القائد فضلاً عن المفاوضة في تسليم غرناطة، بالمفاوضة في سائر الاتفاقات اللاحقة التي عقدت بين أبي عبد الله وبين ملكي قشتالة، ونرى اسمه مذكوراً في معظم الوثائق القشتالية الغرناطية التي أبرمت في تلك المدّة، باعتباره دائماً مندوب أبي عبد الله المفوّض. ولم نعثر على تفاصيل تخص شخصية هذا الوزير أو نشأته، ولكن الذي يبدو لنا من مواقفه وتصرفاته، أنه كان سياسياً عملياً، يؤمن إيماناً راسخاً بسياسة التسليم والخضوع للنصارى، وانتهازياً يرى انتهاز الفرص بأي الأثمان (1)، واستقبل فرديناند مندوب ملك غرناطة، وندب لمفاوضته أمينه فرناندو دى ثاخرا، وقائده جونزالفودي كردوبا، وكان خبيراً بالشئون الإسلامية، عارفاً باللغة العربية، وجرت المفاوضات بين الفريقين بمنتهى التكتّم، أحياناً في غرناطة، وأحياناً في قرية بزليانة (2)، القريبة الواقعة جنوب شرقي سنتمافيه. ويبدو من الخطابات التي تبودلت بين أبي عبد الله وبين ملكي قشتالة في تلك الأيام الدقيقة من حياة الأمة الأندلسية، أن حديث المفاوضة قد بدأ بين الفريقين في أوائل (أيلول - سبتمبر 1491 م)، وأن القائد أبا القاسم بن عبد الملك كان يعاونه في المفاوضة الوزير يوسف بن كُماشة، وقد كان مثله من خاصة أبي عبد الله ومن أنصار سياسة التسليم، وأن أبا عبد الله

(1) يذكر اسم أبي القاسم عبد الملك في الوثائق القشتالية محرّفاً: أبو القاسم عبد المليح أو أبو القاسم المليخ، وهو الأكثر شيوعاً: Bulacaen، Bulcasem al Muleh. ومن الغريب أنّ هذا التحريف غلب فيما بعد على كتابة اسمه بالعربية، فتراه يكتب في بعض الوثائق: أبو القاسم المليخ.

(2)

هي اليوم قرية Churiana، وهي من ضواحي غرناطة.

ص: 255

طلب في خطاب أرسله إلى ملكي قشتالة، أن تكون المفاوضات سرية حتى تتحقق غايتها المرجوّة، وذلك خشية انتفاض الشعب الغرناطي ونزعاته، هذا إلى أن الوزيرين الغرناطيين كتبا إلى ملكي قشتالة خطاباً يؤكدان فيه إخلاصهما وولاءهما واستعدادهما لخدمتهما حتى تتحقق رغباتهما كاملة، وفي ذلك كله ما يلقي ضوءاً واضحاً على الموقف المريب الذي وقفه أبو عبد الله ووزراؤه من مسألة التسليم (1). واستمرت المفاوضات بضعة أسابيع، وانتهى الفريقان إلى وضع معاهدة للتسليم وافق عليها الملكان، ووقعت في (اليوم الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني - نوفمبر سنة 1491 م - محرم سنة 897 هـ).

وقد تضمنت هذه الوثيقة الشهيرة، التي قرّرت مصير آخر القواعد الأندلسية ومصير الأمة الأندلسية، شروطاً عديدة بلغت ستاً وخمسين مادة. وقد لخّصت لنا الرواية الإسلامية معظم محتوياتها مع شيء من التحريف (2). ولكننا ننقل إلى العربية محتويات هذه المعاهدة عن نصوصها القشتالية الرسمية في توسع وإفاضة، وهذه هي مضمون المحتويات:

أن يتعهد ملك غرناطة، والقادة، والفقهاء، والوزراء، والعلماء، والناس كافة، سواء في غرناطة والبيازين وأرياضهما، بأن يسلّموا طواعية واختياراً، وذلك في ظرف ستين يوماً تبدأ من تاريخ هذه المعاهدة، قلاع الحمراء والحصن، وأبوابها وأبراجها، وأبواب غرناطة والبيازين، إلى الملكين الكاثوليكيين، أو أي مَن يندبانه من رجالهما، على ألاّ يسمح لنصراني أن يصعد إلى الأسوار القائمة بين القصبة والبيازين، حتى لا يكشف أحوال

(1) تحفظ الصورة القشتالية لهذه الخطابات ضمن مجموعة فرناندو دي ثافرا ببلدية غرناطة، وقد نشرها Garrido Atienza في مجموعة الوثائق الخاصة بتسليم غرناطة المسماة Para la Entrega de Granada (Granada 1910) P. 200-214 Las Capitulocibnes.

(2)

أخبار العصر (48 - 50) ونفح الطيب (2/ 615 - 616).

ص: 256

المسلمين، وأن يعاقب مَن يفعل ذلك. وضماناً لهذا التسليم، يقدم الملك المذكور مولاي أبو عبد الله والقادة المذكورون، إلى جلالتيهما، قبل تسليم الحمراء بيوم واحد، خمسمائة شخص صحبة الوزير ابن كماشة، من أبناء وأخوة زعماء غرناطة والبيازين، ليكونوا رهائن في يديهما لمدة عشرة أيام، تصلح خلالها الحمراء. وفي نهاية هذا الأجل يرد أولئك الرهائن أحراراً. وأن يقبل حلالتهما، ملك غرناطة وسائر القادة والزعماء وسكان غرناطة والبشرات وغيرهما من الأراضي، رعايا وأتباعاً تحت حمايتهما ورعايتهما "1".

وأنه حينما يرسل جلالتهما رجالهما لتسلم الحمراء المذكورة، فعليهم أن يدخلوا من باب العشاء ومن باب نجدة، ومن طريق الحقول الخارجية، وألاّ يسيروا إليها من داخل المدينة، حينما يأتون لتسلمها وقت التسليم "2".

وأنه متى تم تسليم الحمراء والحصن، يردّ إلى الملك المذكور مولاي أبي عبد الله ولده المأخوذ رهينة لديهما، وكذلك سائر الرهائن المسلمين الذين معه، وسائر حشمه الذين لم يعتنقوا النصرانية "3".

ويتعهد جلالتهما، وخلفاؤهما إلى الأبد، بأن يترك الملك المذكور أبو عبد الله والقادة، والوزراء، والعلماء، والفقهاء، والفرسان، وسائر الشعب، تحت حكم شريعتهم، وألاّ يؤمروا بترك شيء من مساجدهم وصوامعهم، وأن تترك لهذه المساجد مواردها كما هي، وأن يُقْضَى بينهم وفق شريعتهم وعلى يد قضاتهم، وأن يحتفظوا بتقاليدهم وعوائدهم "4".

وألاّ يؤخذ منهم خيلهم أو سلاحهم الآن أو فيما بعد، سوى المدافع الكبيرة والصغيرة، فإنها تسلم "5".

وأنه يحق لسائر سكان غرناطة والبيازين وغيرهما، الذين يريدون العبور إلى المغرب، أن يبيعوا أموالهم المنقولة لمن شاءوا، وأنه يحق للملكين شراءها بمالهما الخاص "6".

وأنه يحق للسكان المذكورين، أن يعبروا إلى المغرب، أو يذهبوا أحراراً

ص: 257

إلى أية ناحية أخرى، حاملين أمتعتهم وسلعهم، وحليّهم من الذهب والفضة وغيرها. ويلتزم الملكان بأن يجهّزوا في بحر ستين يوماً من تاريخه، عشر سفن في موانيهما يعبر فيها الذين يريدون الذهاب إلى المغرب. وأن يقدما خلال الأعوام الثلاثة التالية السفن، لمن شاء العبور، وتبقى السفن خلال هذه المدة تحت طلب الراغبين فيه، ولا يُقْتضَى منهم خلال هذه المدة أي أجر أو مغرم، وأنه يحق العبور لمن يشاء بعد ذلك، نظير دفع مبلغ (دوبل) واحد عن كل شخص، وأنه يحق لمن لم يتمكن من بيع أملاكه، أن يوكل لإدارتها، وأن يقتضي ريعها حيثما كان "7".

وألاّ يرغم أحد من المسلمين أو أعقابهم، الآن أو فيما بعد، على تقلد شارة خاصة بهم "8".

وأن ينزل الملكان، للملك أبي عبد الله المذكور، ولسكان غرناطة والبيازين وأرياضهما، لمدة ثلاث سنوات تبدأ من تاريخه، عن سائر الحقوق التي يجب عليهم أداؤها عن دورهم ومواشيهم "9".

وأنه يجب على الملك أبي عبد الله، وسكان غرناطة والبيازين وأرياضهما والبشرات وأراضيها، أن يسلّموا وقت تسليم المدينة طواعية ودون أية فدية، سائر الأسرى النصارى الذين تحت أيديهم "10".

وأنه لا يسمح لنصراني، أن يدخل مكاناً لعبادة المسلمين دون ترخيص، ويُعاقَب من فعل ذلك "12".

وألاّ يولى على المسلمين مباشرة يهودي، أو يمنح أية سلطة أو ولاية عليهم "13".

وأن يعامل الملك أبو عبد الله المذكور، وسائر السكان المسلمين، برفق وكرامة، وأن يحتفظوا بعوائدهم وتقاليدهم، وأن يؤدي للفقهاء حقوقهم المأثورة وفقاً للقواعد المرعية "14".

وأنه إذا قام نزاع بين المسلمين، فصل فيه وفقاً لأحكام شريعتهم، وتولاه قضاتهم "15".

ص: 258

وألاّ يكلفوا بإيواء ضيف أو تؤخذ منهم ثياب أو دواجن أو أطعمة أو ماشية أو غيرها دون إرادتهم "16".

وأنه إذا دخل نصراني منزل مسلم قهراً عنه، عوقب على فعله "17".

وأنه فيما يتعلق بشئون الميراث، يحتفظ المسلمون بنظمهم، ويحتكمون إلى فقهائهم وفقاً لسنن المسلمين "18".

وأنه يحق لسائر سكان غرناطة والبشرات وغيرهما الداخلين في هذا العهد، الذين يعلنون الولاء لجلالتهما، في ظرف ثلاثين يوماً من التسليم، أن يتمتعوا بالإعفاءات الممنوحة، مدى السنوات الثلاث "19".

وأنه يبقى دخل الجوامع والهيئات الدينية أو أية أشياء أخرى مرصودة على الخير، وكذا دخل المدارس متروكاً لنظر الفقهاء، وألاّ يتدخل جلالتهما بأية صورة، في شأن هذه الصدقات، أو يأمران بأخذها في أي وقت "20".

وأنه لا يؤخذ أي مسلم بذنب ارتكبه شخص آخر، فلا يؤخذ والد بذنب ولده، أو ولد بذنب والده، أو أخ بذنب أخيه، أو ولد عم بذنب ولد عمه، ولا يُعاقَب إلاّ مَن ارتكب الجرم "21".

وأنه إذا كان مسلم أسيراً، وفرّ إلى مدينة غرناطة أو البيازين أو أرباضهما أو غيرها، فإنه يعتبر حراً، ولا يسمح لأحدٍ بمطاردته إلاّ إذا كان من العبيد أو من الجزائر"24".

وألاّ يدفع المسلمون الضرائب أكثر مما كانوا يدفعون لملوكهم المسلمين "25".

وأنه يحق لسكان غرناطة والبيازين والبشرات وغيرها، ممن عبروا إلى المغرب، أن يعودوا خلال الأعوام الثلاثة التالية، وأن يتمتعوا بكل ما في هذا الاتفاق "28".

وأنه يحق لتجار غرناطة وأرياضها والبشرات وسائر أراضيها، أن يتعاملوا في سلعهم آمنين، عابرين إلى المغرب وعائدين، كما يحق لهم دخول النواحي التابعة لجلالتيهما، وألاّ يدفعوا من الضرائب سوى التي يدفعها

ص: 259

النصارى "29".

وإنه إذا كان أحد من النصارى - ذكراً أو أنثى - اعتنق الإسلام، فلا يحق لإنسان أن يهدّده أو يؤذيه بأية صورة، ومَن فعل ذلك يُعاقَب "30".

وأنه إذا كان مسلم قد تزوج بنصرانية واعتنقت الإسلام، فلا ترغم على العودة إلى النصرانية، بل تُسئل في ذلك أمام المسلمين والنصارى، وألاّ يرغم أولاد الروميات ذكوراً أو إناثاً، على اعتناق النصرانية "31".

وأنه لا يرغم مسلم ولا مسلمة قط على اعتناق النصرانية "32".

وأنه إذا شاءت مسلمة متزوجة أو أرملة أو بكر اعتناق النصرانية بدافع الحب، فلا يقبل ذلك حتى تسئل وتوعظ وفقاً للقانون. وإذا كانت قد استولت خلسة على حلي أو غيرها من دار أهلها أو أي شىءٍ آخر، فإنها تردّ لصاحبها، وتتخذ الإجراءات ضد المسئول "33".

وألاّ يطلب الملكان، أو يسمحا بأن يطلب إلى الملك المذكور مولاي أبي عبد الله، أو خدمه، أو أحد من أهل غرناطة أو البيازين وأرباضهما والبشرات وغيرها، من الداخلة في هذا العهد، بأن يردّوا ما أخذوه أيام الحرب من النصارى أو المدجّنين، من الخيل أو الماشية أو الثياب أو الفضة أو الذهب أو غيرها، أو من الأشياء المزروعة، ولا يحق لأحد يعلم بشيءٍ من ذلك أن يطالب به "34".

وألاّ يطلب إلى أي مسلم، يكون قد هدّد أو جرح أو قتل أسيراً أو أسيرة نصرانية، ليس أو ليست في حوزته، ردّه أو ردّها الآن أو فيما بعد "35".

وألاّ يدفع عن الأملاك والأراضي السلطانية، بعد انتهاء السنوات الثلاث الحرّة، من الضرائب إلاّ وفقاً لقيمتها، وعلى مثل الأراضي العادية "36".

وأن يطبق ذلك أيضاً على أملاك الفرسان والقادة المسلمين، فلا يدفع أكثر عن الأملاك العادية "37".

وأن يتمتع يهود من أهل غرناطة والبيازين وأرباضهما، والأراضي التابعة لها، بما في هذا العهد من الامتيازات، وأن يسمح لهم بالعبور إلى المغرب

ص: 260

خلال ثلاثة أشهر، تبدأ من يوم 18 كانون الثاني - ديسمبر "38".

وأن يكون الحكام والقواد والقضاة، الذين يعينون لغرناطة والبيازين والأراضي التابعة لهما، ممن يعاملون الناس بالكرامة والحسنى، ويحافظون على الامتيازات الممنوحة، فإذا أخلّ أحدهم بالواجب، عوقب وأحلّ مكانه مَن يتصرّف بالحق "39".

وأنه لا يحق للملكين أو لأعقابهما إلى الأبد، أن يسألوا الملك المذكور أبا عبد الله، أو أحداً من المسلمين المذكورين، بأية صورة، عن أي شيءٍ يكونوا قد عملوه حتى حلول يوم تسليم الحمراء المذكورة، وهي مدة الستين يوماً المنصوص عليها "40".

وأنه لا يولّى عليهم أحد من الفرسان أو القادة أو الخدم، الذين كانوا تابعين لملك وادي آش (1)"41".

وأنه إذا وقع نزاع بين نصراني أو نصرانية ومسلم أو مسلمة، فإنه ينظر أمام قاضٍ نصراني وآخر مسلم، حتى لا يتظلم أحد مما يقضي به "42".

وأن يقوم الملكان بالإفراج عن الأسرى المسلمين ذكوراً وإناثاً، من أهل غرناطة والبيازين وأرباضهما وأراضيهما، إفراجاً دون أية نفقة من فدية أو غيرها، وأن يكون الإفراج عمن كان من هؤلاء الأسرى بالأندلس في ظرف خمسة الأشهر التالية؛ وأما الأسرى الذين بقشتالة فيفرج عنهم خلال الثمانية أشهر التالية. وبعد يومين من تسليم الأسرى النصارى لجلالتيهما يفرج عن مائتي أسير مسلم، منهم مائة من الرهائن، ومائة أخرى "44".

وأنه إذا دخلت أية محلّة من نواحي البشرات في طاعة جلالتيهما، فإنها يجب أن تسلّم إليهما كل الأسرى النصارى ذكوراً وإناثاً، في ظرف خمسة عشر يوماً من تاريخ الانضمام، وذلك دون أية نفقة "46".

وأن تعطى الضمانات للسفن المغربية الراسية الآن في مملكة غرناطة، لكي

(1) المقصود هنا مولاي الزّغل.

ص: 261

تسافر في أمان على ألاّ تكون حاملة أي أسير نصراني، وألاّ يحدث أحد لها ضرراً أو إتلافاً، وألاّ يؤخذ منها شيء، ولا ضمان لمن تحمل منها أسرى من النصارى، ويحق لجلالتيهما إرسال مَن يقوم بتفتيشها لذلك الغرض "47".

وألاّ يدعى أو يؤخذ أحد من المسلمين إلى الحرب رغم إرادته، وإذا شاء جلالتهما استدعاء الفرسان الذين لهم خيول وسلاح للعمل في نواحي الأندلس، فيجب أن يدفع لهم الأجر من يوم الرحيل حتى يوم العودة "48".

وأنه يجب على كل مَن عليه دين أو تعهد، أن يؤديه لصاحب الحق، ولا يحق لهم التحرر من هذه الحقوق "52".

وأن يكون المأمورون والقضائيون الذين يعينون لمحاكم المسلمين أيضاً مسلمين، وألاّ يتولاّها نصراني الآن وفي أي وقت "54".

وأن يقوم الملكان في اليوم الذي تسلم إليهما فيه الحمراء والحصن والأبواب كما تقدم، بإصدار مراسيم الامتيازات للملك أبي عبد الله وللمدينة المذكورة، ممهورة بتوقيعهما، ومختومة بخاتمهما الرصاص ذي الأهداب الحريرية، وأن يصدّق عليها ولدهما الأمير والكاردينال المحترم دسبينا، ورؤساء الهيئات الدينية، والعظماء والدوقات، والمركيزون والكونتات والرؤساء، حتى تكون ثابتة وصحيحة الآن وفي كل وقت (56 ثافرا) - (43 سيمانقا).

وقد ذيِّلت المعاهدة، بنبذة خلاصتها، أن ملكي قشتالة يؤكدان ويضمنان بدينهما وشرفهما الملكي، القيام بكل ما يحتويه هذا العهد من النصوص، ويوقعانه باسميهما ويمهرانه بخاتمهما، وعليها تاريخ تحريرها وهو يوم (25 تشرين الثاني - نوفمبر 1491 م)(1). ثم ذيلت بعد ذلك بتاريخ لاحق هو يوم

(1) نهاية الأندلس (230 - 235)، وقد ترجمها المؤلف ولخّصها من نصوص معاهدة التسليم في الوثيقتين الرسميتين اللتين تضمنتا نصوص هذه المعاهدة، وهما: أولاًَ الوثيقة المحفوظة بدار المحفوظات العامة في (سيمانقا Archivo general de Simancas) وتحمل رقم P. R. 11-207 ضمن مجموعة ( Capitulaciones =

ص: 262

(30 كانون الثاني - يناير 1492 م) أعني بعد تسليم غرناطة بشهرين، بتوكيد جديد، يأمر فيه الملكان ولدهم الأمير وسائر المملكة بالمحافظة على محتويات هذا العهد، وألاّ يعمل ضده شيء، أو ينقص منه شيء، الآن إلى الأبد، وأنهما يؤكدان ويقسمان بدينهما وشرفهما الملكي بأن يحافظا، ويأمرا بالمحافظة على كل ما يحتويه بنداً بنداً إلى الأبد، وقد ذيّل هذا التوكيد بتوقيع الملكين، وتوقيع ولدهما وجمع كبير من الأمراء والأحبار والأشراف والعظماء (1).

وفي نفس اليوم الذي وقِّعت فيه معاهدة تسليم غرناطة، وهو (يوم 25 تشرين الثاني 1491 م)(2)، وفي نفس المكان الذي وقّعت فيه، وهو المعسكر الملكي بمرج غرناطة، أبرمت معاهدة أخرى أو ملحق سرّي للمعاهدة الأولى، يتضمن الحقوق والامتيازات والمنح، التي تعطى للسلطان أبي عبد الله، ولأفراد أسرته وحاشيته، وذلك متى نفذ تعهداته التي تضمنتها المعاهدة من تسليم غرناطة والحمراء وحصونها. وتتلخص هذه الحقوق والامتيازات والمنح فيما يأتي:

أن يمنح الملكان الكاثوليكيان لأبي عبد الله وأولاده وأحفاده وورثته إلى الأبد، حق الملكية الأبدية، فيما يملكان من محلاّت وضياع في بلاد برجة، ودلاية، ومرشانة، ولوشار، وأندراش، وأجيجر، وأرجبة، وبضعة بلاد

= Con Moros Y) - (Caballeros de Castilla) ، وهي تملأ إحدى عشرة لوحة كبيرة ومحرّرة بالقشتالية القديمة. وثانياً الوثيقة المعروفة بوثيقة فرناندو دي ثافرا أمين الملكين الكاثوليكيين، وتحفظ بمجموعة دي ثافرا ببلدية غرناطة Las Capitulaciones Para la Entraga، Por Miguel Garrido Arinza (Granada 1910) P. 269-295.

(1)

أنظر مجموعة وثائق تسليم غرناطة السالفة الذكر (289 - 290).

(2)

تحفظ النسخة القشتالية لهذه المعاهدة السرّية التي عقدت بين الملكين الكاثوليكيين وأبي عبد الله بدار المحفوظات العامّة في سيمانقا ( Archivo general de Simancas) وتحمل رقم: ( Fol.206،P.R.leg.11) .

ص: 263

أخرى مجاورة، وكل ما يخصها من الضرائب وحقوق الريع، وما بها من الدور والأماكن والقلاع والأبراج، لتكون كلها له ولأولاده وأعقابه وورثته بحق الملكية الأبدية، يتمتع بكل ريعها وعشورها وحقوقها، وأن يتولى القضاء في النواحي المذكورة باعتباره سيدها، وباعتباره في الوقت نفسه تابعاً وخاضعاً لجلالتيهما، وله حق بيع الأعيان المذكورة ورهنها، وأن يفعل بها ما يشاء ومتى شاء، وأنه متى أراد بيعها، فإنه يعرض ذلك أولاً على جلالتيهما، فإذا لم يريدا شراءها، فله أن يبيعها لمن شاء.

وأن يحتفظ جلالته بقلعة إدرة، وسائر القلاع الواقعة على الشاطئ.

وأن يعطي جلالتهما إلى الملك مولاي أبي عبد الله هبة قدرها ثلاثون ألف جنيه قشتالي من الذهب (كاستيليانو)، يبعثان بها إليه عقب تسليم الحمراء وقلاع غرناطة الأخرى التي يجب تسليمها، وذلك في الموعد المحدّد.

وأن يهب جلالتهما للملك المذكور، كل الأراضي والرّحى والحدائق والمزارع التي كان يملكها أيام أبيه السلطان أبي الحسن، سواء في غرناطة أو في البشرات، لتكون ملكاً له ولأولاده ولعقبه وورثته، ملكية أبدية، وله أن يبيعها أو يرهنها وأن يتصرّف فيها كيفما يشاء.

وأن يهب جلالتهما، إلى الملكة والدته، والملكات أخواته وزوجته، وإلى زوجة أبي الحسن، كل الحدائق والمزارع والأراضي والطواحين والحمامات، التي يملكنها في غرناطة والبشرات، تكون ملكاً لهنّ ولأعقابهن إلى الأبد، ولهن بيعها أو رهنها والتمتع بها وفقاً لما تقدم.

وأن تكون سائر الأراضي الخاصة بالملك المذكور والملكات المذكورات وزوجة مولاي أبي الحسن معفاة من الضرائب والحقوق الآن وإلى الأبد.

وأن لا يطلب جلالتهما أو أعقابهما إلى ملك غرناطة أو حشمه أو خدمه ردّ ما أخذوه في أيامهم سواء من النصارى أو المسلمين من الأموال والأراضي.

وأنه إذا شاء الملك المذكور أبو عبد الله والملكات المذكورات، وزوجة مولاي أبي الحسن وأولادهم وأحفادهم وأعقابهم وقوادهم وخدمهم وأهل

ص: 264

دارهم وفرسانهم وغيرهم، صغاراً وكباراً، العبور إلى المغرب، فإن جلالتهما يجهزان الآن وفي أي وقت سفينتين لعبور الأشخاص المذكورين، متى شاءوا، تحملهم وكل أمتعتهم وماشيتهم وسلاحهم، وذلك دون أي أجر أو نفقة.

وأنه إذا لم يتمكن الملك المذكور وأولاده وأحفاده وأعقابه، والملكات المذكورات، وزوجة مولاي أبي الحسن والقواد والحشم والخدم، وقت عبورهم إلى المغرب، من بيع أملاكهم المشار إليها، فإن لهم أن يوكلوا من شاءوا لقبض ريعها، وإرسالها حيث شاءوا دون أي قيد أو مغرم.

وأنه يحق للملك المذكور، متى خرج من غرناطة، أن يسكن أو يقيم متى شاء، في الأراضي التي قطعت له، وأن يخرج هو وخدمه وقواده وعلماؤه وقضاته وفرسانه، الذين يريد الخروج معه، بخيلهم وماشيتهم، متقلدين أسلحتهم، وكذلك نساؤهم وخدمهم، وألاّ يؤخذ منهم شىء سوى المدافع، وألاّ يفرض عليهم الآن أو في أي وقت، وضع علامة خاصة في ثيابهم أو بأية صورة، وأن يتمتعوا بسائر الإمتيازات المقررة في عهد تسليم غرناطة. وأنه في اليوم الذي يتم فيه تسليم الحمراء وحصونها، يصدر جلالتهما المراسيم اللازمة بالمنح المذكور، موقعة ومختومة، ومصدّقاً عليها من ابنهما الأمير والكردينال وسائر العظماء (1).

تلك هي الشروط التي وضعت لتسليم آخر القواعد الأندلسية، وتلك هي الامتيازات والمنح التي منحت لآخر ملوك الأندلس. فأما فيما يتعلق بغرناطة ومصاير الأمة المغلوبة، فقد كانت هذه المسهبة، والتي اشتملت على سائر الضمانات المتعلقة بتأمين النفس والمال، وسائر الحقوق المادية، وصون الدين والشعائر، والكرامَة الشخصية، أفضل ما يمكن الحصول عليه في مثل هذه المحنة، لو أخلص العدو الظافر في عهوده، ولكن هذه العهود لم تكن

(1) Prescott: ibid; P. 296.

ص: 265

في الواقع، حسبما أيّدت الحوادث فيما بعد، سوى ستار الغدر والخيانة، وقد نقضت هذه الشروط الخلاّبة كلها لأعوام قلائل من تسليم غرناطة، ولم يتردد المؤرخ الغربي نفسه في أن يصفها:(بأنها أفضل مادة لتقدير مدى الغدر الإسباني فيما تلا من العصور). وقد بذل فرديناند ما بذل من عهود وضمانات وامتيازات لأهل غرناطة، بعد ما لقيت جيوشه من الصعاب، وما منيت به من الخسائر الفادحة، أمام أسوار مالقة وبسطة، ولأنه كان يعلم أن الحاضرة الأندلسية الأخيرة كانت تموج بعشرات الألوف من المدافعين، وأنه يقتضي لأخذها عنوة بذل جهود مضنية، وتحمل تضحيات عظيمة، وقد لجأ فرديناند إلى جانب إرهاق غرناطة بالحصار الصارم، إلى البذل والرشوة لإغراء الزعماء والقادة، وعلى رأسهم أبو عبد الله، وذلك لكي يصل إلى غايته المنشودة بطريقة سليمة مأمونة، وجاءت نصوص المعاهدة السرية مؤيدة لما أشارت إليه الرواية الإسلامية المعاصرة من ريب وشكوك تحيط بموقف أبي عبد الله ووزرائه وقادته.

وعاد أبو القاسم عبد الملك والوزير ابن كُماشة يحملان شروط التسليم، وصحبهما فرناندو دى ثافرا أمين ملك قشتالة ومبعوثه، وأُدخل سرّاً إلى قصر الحمراء؛ وجمع أبو عبد الله الفقهاء وأكابر الجماعة في بهو الحمراء الكبير (بهو قمارش)، وبعد مناقشات طويلة عاصفة، تمت الموافقة على المعاهدة، وحملها دي ثافرا ممهورة بتوقيع أبي عبد الله إلى معسكر ملك قشتالة.

وقد انتهت إلينا عن هذه الجلسة الحاسمة في تاريخ الأمة الأندلسية، وعن موقف فارس غرناطة موسى بن أبي الغسّان، رواية قشتالية مؤثرة، تنم عن روح الانتقاض والسّخط التي كانت تضطرم بها بعض النفوس الأبية الكريمة التي كانت ترى الموت خيراً من التسليم لأعداء الوطن والدين.

تقول الرواية المذكورة: إنه حينما اجتمع الزعماء في بهو الحمراء الكبير ليوقّعوا عهد التسليم، وليحكموا على دولتهم بالذهاب، وعلى أمتهم بالفناء والمحو، عندئذٍ لم يملك كثير منهم نفسه من البكاء والعويل. ولكن موسى

ص: 266

لبث وحده صامتاً عابساً وقال: "أتركوا العويل للنساء والأطفال، فنحن رجال لنا قلوب لم تخلق لإرسال الدمع، ولكن لتقطر الدماء. وإني لأرى روح الشعب قد خبت حتى ليستحيل علينا أن ننقذ غرناطة؛ ولكن ما زال ثمة بديل للنفوس النبيلة، ذلك هو موت مجيد، فلنمت دفاعاً عن حرياتنا، وانتقاماً لمصائب غرناطة، وسوف تحتضن أمّنا الغبراء أبناءها من أغلال المستعبد وعسفه، ولئن لم يظفر أحدنا بقبر يستر رفاته، فإنه لن يعدم سماء تغطيه، وحاشا الله أن يقال: إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعاً عنها"(1).

ثم صمت موسى، وساد المجلس سكون الموت، وسرح أبو عبد الله البصر حوله، فإذا اليأس ماثل في تلك الوجوه التي أضناها الألم، وإذا كل عزم قد غاض في تلك القلوب الكبيرة الدامية. وعندئذٍ صاح أبو عبد الله:(الله أكبر، لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، ولا رادّ لقضاء الله. تالله لقد كُتب عليّ أن أكون شقياً، وأن يذهب الملك على يديّ). وصاحت الجماعة على أثره: (الله أكبر ولا رادّ لقضاء الله)، وكرروا جميعاً: إنها إرادة الله، ولتكن، وأنه لا مفرّ من قضائه ولا مهرب، وأن شروط ملك النصارى أفضل ما يمكن الحصول عليه. فلما رأى موسى أن اعتراضه عبث لا يُجدي، وأن الجماعة قد أخذت فعلاً في توقيع صك التسليم، نهض مغضباً وصاح:"لا تخدعوا أنفسكم، ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم. إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك بناتنا ونسائنا، وأمامنا الجور الفاحش، والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاع والمحارق. هذا ما سوف نعاني من مصائب وعسف، وهذا ما سوف تراه على الأقل تلك النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف. أما أنا، فوالله لن أراه". ثم غادر المجلس، واخترق بهو الأسود (كورة السباع) عابساً حزيناً، وجاز إلى أبهاء

(1) Conde ، ibid; V. 111. P. 256-257.

ص: 267

الحمراء الخارجية، دون أن يرمق أحداً، أو يفوه بكلمة، ثم ذهب إلى داره، وغطى نفسه بسلاحه، واقتعد غارب جواده المحبوب، واخترق شوارع غرناطة حتى غادرها من باب إلبيرة، ولم يره إنسان أو يسمع به بعد ذلك قط، هذا ما تقوله الرواية القشتالية عن نهاية موسى بن أبي الغسان (1)، ولكن مؤرخاً إسبانياً هو القس أنطونيو أجابيدا يحاول أن يلقي ضوءاً على مصيره فيقول: إن سرية من الفرسان النصارى تبلغ الخمسة عشر، التقت ذلك المساء بعينه، على ضفة نهر شنيل بفارس مسلم قد دجّجه السلاح من رأسه إلى قدمه، وكان مغلقاً خوذته شاهراً رمحه، وكان جواده غارقاً مثله في رداء من الصلب. فلما رأوه مقبلاًَ عليهم، طلبوا إليه أن يقف، وأن يعرف بنفسه، فلم يجب الفارس المسلم، ولكنه وثب إلى وسطهم، وطعن أحدهم برمحه وانتزعه عن سرجه فألقاه إلى الأرض، ثم انقضَّ على الباقين يثخن فيهم طعاناً، وكانت ضرباته ثائرة قاتلة، وكأنه لم يشعر بما أثخنه من جراح، ولم يرد إلاّ أن يقتل وأن يسيل الدم، وكأنه إنما يقاتل للانتقام فقط، وكأنّه يتوق إلى أن يُقتل دون أن يعيش لينعم بظفره. وهكذا لبث يبطش بالفرسان النصارى حتى أفنى معظمهم، غير أنه أصيب في النهاية بجرح خطر، ثم سقط جواده من تحته بطعنة أخرى، فسقط إلى الأرض، ولكنه ركع على ركبتيه واستل خنجره، وأخذ يناضل عن نفسه. فلما رأى أن قواه قد نضبت، ولم يرد أن يقع أسيراً في يد خصومه ارتد إلى ما وراءه بوثبة أخيرة، وألقى بنفسه إلى مياه النهر، فابتلعته لفوره، ودفعه سلاحه الثقيل إلى الأعماق. وهذا الفارس الملثم هو موسى بن أبي الغسّان، وإن بعض العرب المتنصرين في المعسكر عرفوا جواده المقتول (2).

وما كادت أنباء الموافقة على عهد التسليم تذاع، حتى عمّ الحزن ربوع

(1) هذه هي رواية كوندي فيما نقل عن مصادر عربية غير معروفة. Conde; ibid. V. 111. P. 257.

(2)

Irving: Conquest of Granada ; ch. 97.

ص: 268

غرناطة، وتسرّبت في الوقت نفسه أنباء غامضة عن المعاهدة السرّية، وعما حققه أبو عبد الله ووزراؤه لأنفسهم من المغانم الخاصة، وسرى الهمس بين العامة، واضطرم سواد الشعب يأساً وسخطاً على قادته، ولا سيما أبي عبد الله الذي اعتبر مصدر كل مصائبه ومحنه، وتعالى النداء بوجوب الدفاع عن المدينة حتى الرمق الأخير، وحدثت حركة انتقاض، خشي أبو عبد الله والقادة أن تقضي على خططهم وتدابيرهم، ولكنها انهارت قبل أن تنتظم، وأضحى كل فرد يفكر في مصيره.

واستقبل المسلمون عهود ملك قشتالة في تردّد وتوجّس، والشك يساورهم في إخلاص أعدائهم، وإزاء ذلك أعلن الملكان الكاثوليكيان في يوم 29 تشرين الثاني - نوفمبر، مع قسم رسمي بالله أن جميع المسلمين سيكون لهم مطلق الحرية في العمل في أراضيهم أو حيث شاءوا، وأن يحتفظوا بشعائر دينهم ومساجدهم كما كانوا، وأن يسمح لمن شاء منهم بالهجرة إلى المغرب. ولكن الأيمان والعهود لم تكن - حسبما تقدّم - عند ملكي قشتالة، سوى ذريعة للخيانة والغدر، ووسيلة لتحقيق المآرب بطريق الخديعة الشائنة. وقد كانت هذه أبرز صفات فرديناند الكاثوليكي، فهو لم يتردّد قط في أن يعمل لتحقيق غاياته بأي الوسائل، أو أن يقطع أي عهد أو يقدّم أي تأكيد، دون أن ينوي قط الوفاء بما تعهّد.

ولكن الشعب الغرناطي استمرّ في وجومه وتوجسه ويأسه، ولم تهدأ الخواطر المضطرمة، وكان أبو عبد الله والقادة يخشون تفاقم الأحوال، وإفلات الأمر من أيديهم، فاعتزموا العمل على التعجيل بالتسليم، حرصاً على سلامة المدينة وسلامة الزعماء، وألاّ ينتظروا مرور الستين يوماً التي نصت عليها المعاهدة. وفي 20 كانون الأول - ديسمبر، أرسل أبو عبد الله وزيره يوسف كماشة إلى فرديناند مع خمسمائة من الرهائن من الوجوه والأعيان، تنفيذاً لنص المعاهدة، وليعرب له عن حسن نية مليكه واستعداده، كما حمل إليه هدية تتألف من سيف ملوكي وجوادين عربيين مسرجين بعدد

ص: 269

ثمينة. واتفق مع ملك قشتالة على تسليم المدينة (في الثاني من كانون الثاني - يناير 1492 م) أي لتسع وثلاثين يوماً فقط من توقيع عهد التسليم.

وفي صباح يوم احتلال القشتاليين غرناطة، كان العسكر النصراني في شنتفى يموج بالضجيج والابتهاج، وكانت الأوامر قد صدرت، والأهبة قد اتخذت لاحتلال المدينة. وكان قد اتفق بين أبي عبد الله والملك فرديناند أن تطلق من الحمراء ثلاثة مدافع تكون إيذاناً بالتسليم. ولم يشأ فرديناند أن يسير إلى الحاضرة الإسلامية بنفسه، قبل التحقق من خضوعها التام، واستتباب الأمن والسلامة فيها، فأرسل إليها قوة من ثلاثة آلاف جندي وسرية من الفرسان، وعلى رأسها الكاردينال بيدرو دى مندوسا مطران إسبانيا الأكبر. وكان من المتفق عليه أيضاً بين فرديناند وأبي عبد الله، ألاّ يخترق الجيش النصراني شوارع المدينة، بل يسير توّاً إلى قصبة الحمراء، حتى لا يقع حادث أو شغب، ومن ثم فقد اخترق الجند القشتاليون الفحص إلى ضاحية أرميليا ( Armilla) - ( أرملة) الواقعة جنوبي غرناطة، ثم عبروا نهر شنيل واتجهوا توّاً إلى قصر الحمراء من ناحية التل المسمى:(تل الرّحى)، الواقع غربي المدينة وجنوبي غربي الحمراء ( Quest de los Molinos) .

وسار الملك فرديناند في الوقت نفسه في قوّة أخرى، ورابط على ضفة شنيل، ومن حوله أكابر الفرسان والخاصة في ثيابهم الزاهية، حتى يمهد الكاردينال الطريق لمقدم الركب الملكي. وانتظرت الملكة إيزابيلا في سرية أخرى من الفرسان في أرميليا على قيد مسافة قريبة. ووصل الجند القشتاليون إلى مدينة غرناطة من هذه الطريق المنحرفة نحو الظهر. وكانت أبواب الحمراء قد فتحت وأخليت أبهاؤها استعداداً للساعة الحاسمة.

وهنا تختلف الرواية، فيقال: إن الذي استقبل الكاردينال مندوسا وصحبه هو الوزير ابن كماشة، الذي ندب للقيام بتلك المهمة المؤلمة، وسلم الحرس المسلمون السلاح والأبراج. وكان يسود المدينة كلها، ويسود القصبة والقصر وما إليه، سكون الموت.

ص: 270

وفي رواية أخرى، إن أبا عبد الله قد شهد بنفسه تسليم الحمراء، وأنه حينما تقدم القشتاليون من تل الرحى صاعدين نحو الحمراء، تقدم أبو عبد الله من باب الطباق السبع راجلاً، يتبعه خمسون من فرسانه وحشمه، فلما عرف الكاردينال أبا عبد الله، ترجّل عن جواده، وتقدّم إلى لقائه، وحيّاه باحترام وحفاوة، ثم ابتعد الرجلان قليلاً، وتحدّثا برهة على انفراد. ثم قال أبو عبد الله بصوت مسموع (1):"هيا يا سيدي، في هذه الساعة الطيبة، وتسلّم هذه القصور - قصوري - باسم الملكين العظيمين اللذين أراد لهما الله القادر، أن يستوليا عليها، لفضائلهما، وزلاّت المسلمين"، فوجّه الكاردينال إلى أبي عبد الله بعض عبارات المواساة، ودعاه لأن يقيم في خيمته في المعسكر الملكي طيلة الوقت الذي يمكثه في شنتفي، فقبل أبو عبد الله شاكراً.

وتم تسليم القصور الملكية والأبراج على يد الوزير ابن كماشة الذي ندبه أبو عبد الله للقيام بهذه المهمة، وما كاد الكاردينال وصحبه يجوزون إلى داخل القصر الإسلامي المنيف، حتى رفعوا فوق برجه الأعلى، وهو المسمى (برج الحراسة) - ( Torre de la Vela) صليباً فضياً كبيراً، هو الذي كان يحمله الملك فرديناند خلال حرب غرناطة، كما رفعوا إلى جانبه علم قشتالة وعلم القديس ياقب، وأعلن المنادي فوق البرج بصوت جهوري ثلاثاً: أن غرناطة أصبحت ملكاً للملكين الكاثوليكيين، وأطلقت المدافع تدوي في الفضاء. ثم انطلقت فرقة الرهبان الملكية ترتل صلاة:(الحمد لله) Te Deian laudam على أنغام الموسيقى. وهكذا كان كل ما هنالك يؤكد الصفة الصليبية العميقة لهذه الحرب التي شهرتها إسبانيا النصرانية على الأمة الأندلسية، وعلى الإسلام في إسبانيا.

وفي أثناء ذلك، كان أبو عبد الله في طريقه إلى لقاء الملك الكاثوليكي،

(1) المفروض أنَّ أبا عبد الله كان يتحدّث القشتالية، وهي لغة يجيد التكلّم بها. فإذا كان قد تكلّم بالعربية، فمن المفروض أن الكاردينال يحسنها، وكانت العربية شائعة ليس في الأندلس حسب، بل عالمياً.

ص: 271

وكان فرديناند يرابط - كما قدّمنا - على ضفة نهر شنيل على مقربة من المسجد، الذي حوّل فيما بعد إلى كنيسة "سان سبستيان"، وهناك لقي عبد الله عدوّه الظافر، وسلّمه مفاتيح الحمراء. وكذلك قدّم أبو عبد الله خاتمه الذهبي الذي كان يوقع به على الأوامر الرسمية، إلى الكونت دى تندليا الذي عُيِّن محافظاً للمدينة.

وسار في صحبه بعد ذلك في طريق شنتفى، يتبعه أهله، أمّه وزوجه وأخواته، وكان موكباً مؤسياً، وعرّج في طريقه على محلّة الملكة إيزابيلا في أرميليا، فاستقبلته وأسرته برقّة ومجاملة، وحاولت تخفيف آلامه، وسلّمته ولده الصغير الذي كان ضمن رهائن التسليم.

وهنا تعود الرواية، فتختلف اختلافاً بيناً، فيقول بعضهم: إن الملكين الكاثوليكيين دخلا قصر الحمراء في نفس اليوم. وينفي بعضهم ذلك، ومنهم صاحب "أخبار العصر"، ويقول:"إنهما لم يدخلا إلاّ بعد ذلك ببضعة أيام".

تقول الرواية الأولى: إن إيزابيلا سارت على أثر استقبالها لأبي عبد الله، وانضمت بصحبها إلى الملك فرديناند، ثم سار الإثنان إلى الحمراء، بينما انتشر الجند القشتاليون في الساحة المجاورة، ودخل الملكان من "باب الشريعة"، حيث استقبلهما الكاردينال مندوسا والوزير ابن كماشة، وأعطى مفاتيح الحمراء إلى الكونت ديجو دى تندليا الذي عُين حاكماً للمدينة، وبعد أن تجوّل الملكان قليلاً في القصر، وشهدا جماله وروعته، عادا إلى شنتفى وبقي الكونت دي تندليا في الحمراء مع حامية قوية في خمسمائة جندي. ثم عاد الملكان، فزارا الحمراء زيارتهما الرسمية في 6 كانون الثاني - يناير، وسارا في موكب فخم من الأمراء والكبراء وأشراف العقائل، ودخلا غرناطة من باب إلبيرة، ثم جازا إلى الحمراء من طريق غمارة، ودخلا قصر الحمراء، وجلسا في بهو قمارش أو المشور (1)، حيث كان يجلس الملوك المسلمون في

(1) وهو المسمى أيضاً بهو السفراء.

ص: 272

نفس المكان على عرشهم، على عرش أعدّه الكونت دى تندليا، وهناك أقبل أشراف قشتالة للتهنئة، وكذلك بعض الفرسان المسلمين، الذين أتوا ليقدموا شعائر التحية والتجلة لسادتهم الجدد. وفي خلال ذلك كان الملكان الكاثوليكيان قد أفرجا عن رهائن المسلمين الخمسمائة، وفي مقدمتهم ولد أبي عبد الله، وأفرج المسلمون من جانبهم عن الأسرى النصارى، وعددهم نحو سبعمائة أسير رجالاً ونساء، وتعهّد القشتاليون من جانبهم أن يطلقوا سراح الأسرى المسلمين في سائر مملكة قشتالة، في ظرف خمسة أشهر بالنسبة للأسرى الموجودين في الأندلس، وثمانية أشهر بالنسبة للأسرى الموجودين في بقية أراضي قشتالة.

تلك هي خلاصة الرواية القشتالية عن تسليم غرناطة ومدينة الحمراء للملكين الكاثوليكيين. بيد أن هناك رواية أخرى لشاهد عيان، كتبها فارس فرنسي كان يقاتل في صفوف الجيش القشتالي، وشهد بنفسه حفلات التسليم، ونشرت روايته في القرن السادس عشر ضمن مؤلف عنوانه ( La Mar de las Historias بحر التواريخ)، وهذه خلاصتها: إن الذي أوفده الملكان لاستلام الحمراء في يوم 2 كانون الثاني - يناير، هو الأستاذ الأعظم، رئيس جمعية شنت ياقب، جوتيري دى كارديناس، وليس الكاردينال مندوسا حسبما تروي التواريخ القشتالية، وأنه تسلم القصر والأبراج، وأخرج منها الحرس المسلمين، ووضع بها الحرس النصارى، وأنه رفع الصليب الكبير فوق برج الحراسة ثلاث مرات، والمسلمون من أسفل يصعدون الزفرات ويذرفون الدموع، ثم لوّح بعد ذلك بعلم شنت ياقب ثلاث مرات، ونصب إلى جانب الصليب، وصاح المنادي بعد ذلك: القديس يعقوب ثلاثاً، قشتالة ثلاثاً، غرناطة لسيدنا الدون فرناندو ودوينا إيزابيلا ثلاثاً.

وأن الملك فرديناند لما رأى الصليب، وهو في جنده، من أسفل، ترجّل وجثا على ركبتيه، وجثا الجند جميعاً شكراً لله، ثم أطلقت المدافع ابتهاجاً.

وفي اليوم التالي: الثالث من كانون الثاني - يناير، سار الكاردينال مندوسا

ص: 273

والكونت دى تندليا، الذي عُيّن محافظاً للحمراء، إلى قصبة الحمراء في نحو ألف فارس وألفي راجل، وسلّم إليه الأستاذ الأعظم مفاتيح القصر والحصن، وفي اليوم الثامن من كانون الثاني - يناير، سار الملكان الكاثوليكيان إلى غرناطة في موكب حافل من الأمراء والأكابر والأحبار والأشراف، وتسلّم الملكان مدينة الحمراء بصفة رسمية، وأقيم القداس في الجامع الأعظم، وحُوِّل الجامع منذ ذلك اليوم إلى كتدرائية غرناطة. وفي ذلك اليوم أقيمت مأدبة عظيمة في قصر الحمراء، ومدّت الموائد الحافلة في أبهاء القصر العظيمة، وجلس إليها الملكان والأمراء والعظماء، وكانت مأدبة رائعة.

ويستخلص من هذه الرواية التي يؤيدها مؤرخون آخرون، أن أبا عبد الله لم يستقبل الملكين الكاثوليكيين، ولا مندوبيهما وقت التسليم، ولم تقع بينه وبين الكاردينال ولا بين الملكين، الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها.

وإلى جانب ذلك، يرى بعض النقدة المحدثين، أن أبا عبد الله حينما خرج للقاء الملكين الكاثوليكيين، قد فعل ذلك وهو في صحبه وحشمه فقط دون أهله، وأنه خرج يومئذٍ من داره الملكية الخاصة بحي البيازين، ولم يخرج من قصر الحمراء، وأنه كان يعيش في هذه الدار مع أهله وولده مذ عاد من الأسر، حتى أعلن الخلاف والحرب على الملكين الكاثوليكيين، وأنه كان يشعر وهو في هذه الدار، أنه بين أنصاره ومؤيديه. وأخيراً أنه كان قد أمر بإخلاء قصر الحمراء، وندب مَن يقوم بمهمّة التسليم في اليوم الثاني من كانون الثاني - يناير. وفي هذا اليوم، خرج في نفر من صحبه ليقدّم إلى الملكين الكاثوليكيين شعائر التحية والخضوع، ثم عاد إلى داره فبقي بها أياماً، حتى سويت مسألة مصيره مع الملكين الكاثوليكيين. على أنه يبدو لنا من تتبع حوادث حصار غرناطة، وما تلاه من مفاوضات على التسليم، أن الرواية الراجحة في هذا الشأن، هو أن أبا عبد الله، حتى مع افتراض أنه لم يشهد رسوم التسليم، ولم يقم بها بنفسه، كان يقيم بقصر الحمراء، يحيط به وزراؤه وقواده طيلة هذه الأحداث الخطيرة، أو على الأقل مذ بدأت

ص: 274

مفاوضات التسليم بينه وبين الملكين الكاثوليكيين، ومذ أبرمت بينهما معاهدة التسليم، حتى يوم الحسم النهائي الذي تمّ فيه ذلك التسليم، وأنه خرج في ذلك اليوم المشهود من الحمراء للقاء عدوّه الظافر؛ ومن المعقول أن تكون الحمراء قد أخليت قبل ذلك استعداداً لتسليمها لسادتها الجدد، وذلك حسبما يشير إليه صاحب:"أخبار العصر"(1).

وتلقي الرواية الإسلامية المعاصرة لتلك الأحداث ضوءاً على دخول ملك قشتالة مدينة غرناطة، وتصفه على النحو التالي: "فلما كان اليوم الثاني لربيع الأول عام سبعة وتسعين وثمانمائة (2 كانون الثاني - يناير سنة 1492 م) أقبل ملك الروم بجيوشه، حتى قرب من البلد، وبعث جناحاً من جيشه فدخلوا مدينة الحمراء، وأقام هو ببقية الجيوش خارج البلد لأنه كان يخاف من الغدر، وكان طلب من أهل البلد حين وقع الاتفاق على ما ذكر، رهوناً من أهل البلد ليطمئن بذلك، فأعطوه خمسمائة رجل منهم، وأقعدهم بمحلته. فلما اطمأن من أهل البلد، ولم ير منهم غدراً، سرّح جنوده لدخول البلد والحمراء، فدخل منهم خلق كثير، وبقي خارج البلد، وأشحن الحمراء بكثير من الدقيق والطعام والعُدّة، وترك فيها قائداً من قواده، وانصرف راجعاً إلى محلته

ثم إن ملك الروم سرّح الناس الذين كانوا عنده مرتهنين، ومؤمنين في أموالهم وأنفسهم مكرّمين، وأقبل في جيوشه حين أطمأن، فدخل مدينة الحمراء في بعض خواصه، وبقي الجند خارج البلد، وبقي يتنزه في الحمراء في القصور والمنازه المشيدة إلى آخر النهار، ثم خرج بجنوده وصار إلى محلته، فمن غدٍ أخذ في بناء الحمراء وتشييدها، وتحصينها، وإصلاح شأنها، وفتح طرقها، وهو مع ذلك يتردّد على الحمراء بالنهار ويرجع بالليل، فلم يزل كذلك إلى أن اطمأنت نفسه من غدر المسلمين، فحينئذٍ دخل البلد، ودار فيه في نفر من قومه وحشمه

" (2).

(1) أخبار العصر (50).

(2)

أخبار العصر (50 - 51).

ص: 275

وهكذا اختتمت المأساة الأندلسية، واستولى القشتاليون على غرناطة آخر الحواضر الإسلامية في إسبانيا، وخفق علم النصرانية ظافراً فوق صرح الإسلام المغلوب، وانتهت بذلك دولة الإسلام بالأندلس، وطويت إلى الأبد تلك الصفحة المجيدة المؤثرة من تاريخ الإسلام، وقضي على الحضارة الأندلسية الباهرة، وآدابها وعلومها وفنونها، وكل ذلك التراث الشامخ، بالفناء.

شهد المسلمون احتلال العدو الظافر لحاضرتهم ودار ملكهم وموطن آبائهم وأجدادهم، وقلوبهم تتقطر حزناً وأسى، على أن هذه المناظر المحزنة، كانت تحجب مأساة أليمة أخرى، تلك مأساة الملك التعس أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر وآخر ملوك الإسلام بالأندلس. فقد تقرّر مصيره وبُيٍّنت حقوقه وامتيازاته وفقاً للمعاهدة السريّة التي عقدت بينه وبين الملكين الكاثوليكيين. وقد نصت المعاهدة المذكورة على أن يُقطَع أبو عبد الله طائفة من الأراضي والضياع في: برجة، ودلاية، وأندراش، وأجيجر، وأرجبة، ولوشار، وبضعة بلاد أخرى من أعمال منطقة البشرات، وهذه البلاد يقع بعضها في جنوب غربي ولاية ألمرية، وبعضها الآخر قبالتها في جنوب شرقي ولاية غرناطة، وأن يحكم أبو عبد الله في هذه المنطقة باسم ملك قشتالة وتحت حمايته، ويتمتع بدخلها وسائر غلاتها وحقوقها. وقد حُدّدت إقامته أو اختار هو الإقامة في إحداها وهي بلدة أندرش الواقعة على النهر المسمى بهذا الاسم شمال برجة.

ولما اقترب اليوم المروّع - يوم التسليم - قام أبو عبد الله باتخاذ أهبته للرحيل مع أهله وحشمه وخاصته. وفي صباح اليوم الثاني من كانون الثاني - يناير 1492 م، في الوقت الذي اقترب فيه النصارى من أسوار غرناطة، كان أبو عبد الله قد غادر قصره وموطن عزّه ومجد آبائه إلى الأبد، في مناظر تثير الأسى والشجن.

وهناك روايتان، فهل خرج أبو عبد الله عندئذٍ لآخر مرة من الحمراء مع أهله

ص: 276

وحشمه وأمتعته؟ أم خرج بمفرده في صحبه من الحمراء للقاء الملكين الكاثوليكيين، ثم لحق به بعد ذلك ركب أهله وأمتعته؟ وهل سار تواً إلى طريق البشرات حيث تعيَّن محل إقامته، أم عرّج على المعسكر القشتالي الملكي في شنتفى، فلبث فيه مع أهله أياماً، ثم سار بعد ذلك إلى البشرات؟

أما الرواية الأولى، وهي أكثر الروايات ذيوعاً لدى المؤرخين القشتاليين، فتقول: في فجر اليوم الثاني من كانون الثاني - يناير، وهو اليوم الذي حُدّد لتسليم الحمراء. كان ضجيج البكاء يتردّد في غرف قصر الحمراء وأبهائه، وكانت الحاشية منهمكة في حزم أمتعة الملك المخلوع وآله، وساد الوجوم كل محيّا، واحتبست الزفرات في الصدور. وما كادت تباشير الصبح تبدو، حتى غادر القصر ركب قاتم مؤثر، وهو ركب الملك المنفى، يحمل أمواله وأمتعته، ومن ورائه أهله وصحبه القلائل، وحوله كوكبة من الفرسان المخلصين. وكانت أمّه الأميرة عائشة تمتطي صهوة جوادها، يشع الحزن من محيّاها الوقور، وكان باقي السيدات من آله وحشمه، يرسلن الزفرات العميقة والدموع السخينة. واخترق الركب غرناطة في صمت البكور وستره، وحين بلغ الباب الذي سيغادر منه المدينة إلى الأبد، ضجّ الحراس بالبكاء لرؤية هذا المنظر المؤلم، ثم اتجه الركب شطر نهر شنيل في طريق البشرات. وأما أبو عبد الله، فقد اتجه إلى وجهة أخرى ليتجرّع كأسه المرّة إلى الثمالة، وكان قد تقرر اللقاء في صباح ذلك اليوم بينه وبين ملك قشتالة، فخرج من باب مدينة الحمراء المسمى: باب الطباق السبع ( Siete Svelos) ، وفي طريقه إلى لقاء عدوه الظافر وسيده الجديد، في نفرٍ من الفرسان والخاصة. فاستقبله فرديناند بترحاب وحفاوة في محلّته على ضفة نهر شنيل، وحين لمح أبو عبد الله فرديناند همّ بترك جواده، ولكن فرديناند بادر بمنعه، وعانقه بعطف ومودّة، فقبل أبو عبد الله ذراعه اليمنى إيماءة الخضوع. ثم قدم إليه مفتاحي البابين الرئيسيين للحمراء قائلاً: "إنهما مفتاحي هذه الجنّة. وهما الأثر الأخير لدولة المسلمين في إسبانيا، وقد أصبحت أيها الملك سيّد تراثنا وديارنا

ص: 277

وأشخاصنا، وهكذا قضى الله، فكن في ظفرك رحيماً عادلاً". وتناول فرديناند المفتاحين قائلاً:"لا تشك في وعودنا، ولا تعوزنك الثقة خلال المحنة، وسوف تعوّض لك صداقتنا ما سلبه القدر منك"(1). بيد أن مؤرخاً قشتالياً عاش قريباً من ذلك العصر، يقدم إلينا رواية أخرى ربما كانت أقرب إلى الصحة والمعقول، وهي أن مفاتيح الحمراء قدَّمها القائد ابن كماشة مأمور التسليم إلى الملك فرديناند حينما وصل إلى الباب الرئيس، وأن فرديناند ناولها إلى قائده كونت دي مندوسا (كونت دي تندليا) الذي عيّنه حاكماً عسكرياً لغرناطة (2). وسار أبو عبد الله بعد ذلك صحبة فرديناند، إلى حيث كانت الملك إيزابيلا في ضاحية أرمليا، فقدم إليها تحياته وطاعته، ثم ارتد إلى طريق البشرات، ليلتحق بأسرته وخاصته. وأشرف أثناء مسيره في شعب تلّ البذول (بادول) على منظر غرناطة، فوقف يسرح نظره لآخر مرة في هاتيك الربوع العزيزة التي ترعرع فيها وشهدت عزّه وسلطانه، فانهمر في الحال دمعه، وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه عائشة:"أجل! فلتبك كالنساء، ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال"، وتعرف الرواية الإسبانية تلك الأكمة التي كانت مسرحاً لذلك المنظر المحزن باسم شعري مؤثِّر هو:"زفرة العربي الأخيرة"، وما تزال قائمة معروفة حتى اليوم، يعينها سكان تلك المنطقة للسائح المتجوّل.

والباب الذي خرج منه أبو عبد الله لآخر مرة، وهو باب الطباق السبع، قد سُدّ بعد خروجه منه برجاء منه إلى ملك قشتالة، وبني مكانه حتى لا يجوزه من بعده إنسان (3). وما زالت الرواية تعيّن لنا مكان هذا الباب بين الأطلال

(1) تردّد معظم التواريخ القشتالية اللاّحقة وصف هذا المنظر وذكر قصة أبي عبد الله أنظر: L. Alcantra; ibid; V. 111. P. 73

(2)

Luis del Marmol: Rebelian Y Costigo de los Moriscos de Granada، Lib. 1، Cor. XX.

(3)

Marmol ; ibid. 1; Cor. XX; L. Alcantra، ibid; V. 111. P. 80.

ص: 278