الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِله يَبْقَى على الأيام ذو حيدٍ
…
بمشمخرٍّ به الظَّيان والآسُ [بحر البسيط]») (1).
ويؤكد على أَنَّ التاء لا تحذف من لفظ الجلالة «الله» إذا أردنا معنى التعجب، و «لله» مثلها ومن العرب من يحذف التاء؛ فيقول:«الله لأفعلنَّ، وذلك أَنَّهُ أراد حرف الجر، وإياه نوى، فجاز حيث كثر في كلامهم، وحذفوه تخفيفا وهم ينوونه» ) (2).
وسيبويه لن يقر ارتباط «تالله أو لله» بمعنى التعجب بدون تتَبُّع لهذا الأسلوب أو هذا التركيب اللغويّ في السِّياقات اللُّغَوِيَّة المختلفة، فهو لا يفتات على اللُّغَة ولا يتزيَّد عليها كما علمنا من منهجه.
ولا يُظَنُّ أَنَّ «تالله» بملازمتها لمعنى التعجب تتخلى عن معنى التوكيد. فهذا اللفظ المرتبط بالتاء يحمل المعنيين: التوكيد والتعجب. ومن مفسري القرآن من يربط المعنيين بالتاء نفسها التي قد توجد مع لفظ الجلالة، فيقول عند قوله تعالى {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}:
وقد تتدخل إرادة المُتَكَلِّم أو حالته النفسِيَّة من حيث الانتباه والتركيز في تكرار الاسم المُقسَم
به. يقول: «ولو قال: وحقِّك وحقِّ زيد على وجه النِّسيان والغلط جاز. ولو قال: وحقِّك وحقِّك، على التوكيد جاز، وكانت الواو واو الجر» ) (4).
إن المحلل للنص اللغويّ يجب أَنْ يتنبَّه إلى أَنَّ تكرار القسم فقد يكون السبب فيه إرادةَ المُتَكَلِّم المرتبطة بالسِّياق، أو إنَّه جاء على سبيل الخطأ والنسيان.
***
8 ــ النصب على التعظيم أو الذم:
من المواضع التي ينصب فيها الاسم «النصب على التعظيم أو الشتم» ، نصّ على ذلك سيبويه في بعض المواضع، منها الموضع التالي:
(1) سيبويه: الكتاب، 3/ 497
(2)
سيبويه: الكتاب، 3/ 498
(3)
شمس الدين الشربيني الشافعي: السرّاج المنير، مطبعة بولاق الأميرية، القاهرة، ) بدون تحديد لرقم الطبعة 1285 هـ (، 2/ 509
(4)
سيبويه: الكتاب، 3/ 502
«واعلم أَنَّهُ ليس كلُّ موضع يجوز فيه التعظيمُ، ولا كلُّ صفة يحسن أَنْ يعظَّم
بها. لو قلت: مررت بعبد الله أخيك صاحبَ الثياب أو البزّاز، لم يكن هذا مما يعظَّم به الرجل عند الناس ولا يفخَّم به. وأما الموضع الذي لا يجوز فيه التعظيم فأن تذكر رجلاً ليس بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم ثُمَّ تعظمه كما تعظم النبيه. وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالح. فإنْ قلت مررت بقومك الكرام الصالحين ثُمَّ قلت المُطعِمين في المَحْل) المَحْلُ: الجَدبُ، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلاء (، جاز لأنَّهُ إذا وصفهم صاروا بمنزلة من قد عُرف منهم ذلك، وجاز له أَنْ يجعلهم كَأَنَّه قد عُلموا. فاستحسن من هذا ما استحسن العربُ، وأجِزْه كما أجازته»)(1).
ومن خلال تأمل نصّ سيبويه هنا نضع أيدينا على الحقائق التالية:
أالتعظيم يرتبط بمواقف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ومخصوصة.
ب يحتاج النصب على التعظيم إلى صفات مُعَيَّنَة «تعارف» الناس فيما بينهم على أنَّها صفات «عظيمة» يُفَخَّمُ ويُبَجَّلُ ويُكَبَّرُ صاحبُها، مثل ــ كما ذكر سيبويه في نصه ــ:
«النباهة» ، «والإطعام وقت المَحْل» ، «والصلاح» . ويجب أَنْ يُعْرَف ما من الصفات يميل بها العُرْفُ إلى استخدامها مع البشر، وما يميل بها العُرْفُ إلى ستخدامه التعظيم «الذات الإلهية» .
ت وأنْ يكون صاحب الصفة «معروفا» عند الناس.
ث وأنْ تكون الصفة محل التعظيم «متأصِّلة» في صاحبها.
أي أَنَّنا لكي «ننصب على التعظيم» يجب أَنْ نوفر الشروط الآتية: وجود سياق تعظيمي مُعَيَّن، صفة من الصفات التي يتعارف الناس فيما بينهم على التعظيم بها، وأنْ يُعْرَفَ صاحبُها، وأَنْ تكون هذه الصفة متأصِّلة فيه، ويعرف كونها خاصة بالبشر أم خاصة بالذات الإلهية.
وينبغي أَنْ نشير هنا أَنَّ أحد أسرار النصب على التعظيم ــ كما يفهم من كلام سيبويه ــ
«العُرْف» ، وما «يتعارف» عليه الناس من صفات التعظيم.
وقد يرد على الذهن سؤال هو: هل هناك فرق بين قولنا «نصب على التعظيم» و «نصب على المدح» ؟
أقول إنّ هناك فرقا دقيقا بين قولنا «نصب على التعظيم» وقولنا «نصب على المدح» ، وقد كان سيبويه ــ شيخ العربِيَّة ــ على وعي بهذا الفرق، ولم يضطرب في استخدام المصطلحين.
(1) سيبويه: الكتاب، 2/ 69
ولكي نظهر هذا الفرق الدقيق بين استخدام مصطلحي: المدح والتعظيم، يجب أولا الوقوف على «الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية لكلمة المدح» .
في هذا الشأن تحدثنا معاجم الفروق اللُّغَوِيَّة أَنَّ كلمة «المدح» لها الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية الآتية:
1 ــ المدح يكون للحي وغير الحي كاللؤلؤ واليواقيت الثمينة.
2 ــ يكون قبل الإحسان وبعده.
3 ــ وأنَّه قد يكون منهيًّا عنه شرعا.
4 ــ أنَّه قد يكون بأقوال تدلُّ على أَنَّ صاحبها مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره.
5 ــ أنَّه يكون بالفعل والصفة؛ وذلك أَنْ يمدح الرجل بإحسانه إلى نفسه وإلى غيره وأَنْ يمدحه بحسن وجهه، وطول قامته، ويمدحه بصفات التعظيم من نحو قادر، وحكيم) (1).
ونخرج من هذه الملامح بأمرين:
» أن التعظيم أخص من المدح؛ فليس كل مدح تعظيما.
» وواضح من هذه الصفات والملامح الدِّلالِيَّة أَنَّ العرف يتدخل بطريق غير مباشر في تحديدها، فليس من العرف أَنْ يمدح اللؤلؤ والياقوت، وليس من العرف أَنْ يمدح المحسن قبل إحسانه، وليس من العرف المبالغة والإكثار من المدح مما يستوجب نهي الشارع، وليس من العرف المدح بجمال الوجه وطول القامة.
أي أَنَّ العرف يفرق بين ما قد يكون مدحا وبين ما قد يكون تعظيما.
فعندما أقول: «مررت بعبد الله جميلَ الوجه» ؛ و «وسلمت على محمدٍ طويلَ القامة» فَإِنَّ الكلمتين «جميل، طويل» قد تنصبان ويكون النصب على المدح؛ أي بتقدير أمدح، ولا يصح النصب على التعظيم؛ لأَنَّ جمال الوجه وطول القامة ليسا من الصفات «المتعارف عليها بين الناس بالتعظيم والتفخيم والتبجيل والتكبير» .
وعندما نقول: «مررت بعبد الله الصالحَ» ، إذا أردنا النصب فَإِنَّ الأفضل والأحسن ــ إذا عُرف عن عبد الله صفة الصلاح وتهيَّأت ظروف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ــ أَنْ نقول إِنَّ كلمة «الصالحَ» منصوبة على التعظيم.
إنَّ الفرق بين التعظيم والمدح كان واضحا في ذهن سيبويه، لذلك كان في منتهى الدقة عند استعماله لمصطلح التعظيم.
(1) أبو هلال العسكري: معجم الفروق اللُّغَوِيَّة، ط 1، ) 1412 هـ (، ص 202
ولا شك أَنَّ تلك الشروط التي استنبطناها من نصّ سيبويه للنصب على التعظيم هي شروط سِيَاقِيَّة بامتياز، فالنصب على التعظيم يحتاج إلى موقف له خصوصية سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة، وهي في الغالب مواقف المدح والثناء، والعرف يتدخل في تحديد الصفة التي يعظم بها، والصفات التي يُعَظَّم بها تختلف من جماعة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر، والشخص المعظم يجب أَنْ يكون معروفا بين جماعته اللُّغَوِيَّة بهذه الصفات؛ لهذا قال السيرافي: «يحتاج التعظيم إلى اجتماع معنيين في
المعظم: أحدهما أَنْ يكون الذي عُظِّم به فيه مدح وثناء ورفعة. والآخر: أَنْ يكون المعظم قد عرفه المخاطب وشهر عنده بما عظم به، أو يتقدَّم من كلام المُتَكَلِّم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدح وثناء وتشريف في المذكور يصح أَنْ يورد بعدها التعظيم») (1).
وما يصحُّ للتعظيم لذات الله ــ عز وجل ــ قد لا يصح للبشر، والعكس بالعكس، فـ «ليس كل شيء من الكلام يكون تعظيما لله عز وجل يكون تعظيما لغيره من المخلوقين: لو قلت: الحمدُ لزيد تريد العظمةَ لم يجز، وكان عظيمًا)؛ أي كان أمرا عظيما غير مغتفر (»)(2).
ومن خلال السِّياق نُفَرِّق بين النصب على التعظيم أو الشتم وبين النصب على أساس أي معني آخر، فمثلا:
- قول الشاعر:
لا عَيبَ بِالقَومِ مِن طولٍ وَلا عِظَمٍ
…
جِسمُ البِغالِ وَأَحلامُ العَصافير [بحر البسيط]
- وقول الشاعر:
وما غرّني حوزُ الرِّزاميّ مِحصَنًا
…
عَواشِيَها بالجَوّ وهو خصيبُ [بحر الطويل]
(1) سيبويه: الكتاب، 2/ 69، الحاشية ذات الرَّقْم 6
(2)
سيبويه: الكتاب، 2/ 96
(3)
سيبويه: الكتاب، 2/ 74
(4)
سيبويه: الكتاب، 2/ 74، ويؤكد الأستاذ عبد السلام هارون في الحاشية ذات الرَّقْم 3 على أنَّ موطن الشاهد نصب ((محصن بإضمار فعل يجوز إظهاره، وهو أعني، ولم يقصد مدحا ولا ذما فينصبه عليه)). أما المصدر
((حَوْز)) فمعموله في البيت كلمة ((عواشيها))، ولا يجوز أن يكون ((محصنا)) هو معمول هذا المصدر؛ لأنَّ المعنى لا يستقيم على ذلك، فمعنى البيت: أن الشاعر لم يغره أن يحوز) يجمع (الرزامي) نسبة إلى رزام، وهم حي من بني عمرو بن تميم (ــ ويقصد ويعني من بينهم محصنا ــ العواشي) المواشي التي ترعى بالعشي (، ليمنع الشاعر القرى.