الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حول، والمعتبر في قيمة السهم قيمته السوقية، حيث إن هذه الأسهم تعتبر بهذا القصد والتصرف عروض تجارة، وتجب فيها الزكاة كوجوب الزكاة في عروض التجارة محلا وزمنا ومقدارا.
منع
الازدواجية في إخراج الزكاة:
خروجا من الازدواجية في إخراج الزكاة على سبيل تكرار إخراجها، ولأن القائمين على إدارة الشركات في الغالب في حاجة إلى تبصيرهم بما يجب على هذه الشركات من زكاة حتى يكونوا على بينة من تصرفهم، ولئلا يكونوا في ذلك بين إفراط وتفريط في دفع الزكاة، فإن الزكاة في شركات المساهمة تختلف من حيث مقدار الوجوب وزمنه باختلاف تخصصها، فإن كانت الشركة شركة صناعية فتخرج زكاتها من صافي أرباحها عند صدور ميزانية الشركة على الوضع الذي تكرر ذكره، ومن يملك أسهما فيها فإن كان تملكه إياها على سبيل الاستثمار والاستمرار في تملكها ترصدا لعائدها الدوري فإن الزكاة واجبة في عائد الأسهم التي يملكها، وحيث قامت الشركة بإخراج الزكاة عنها باعتبار القائمين عليها وكلاء عن المساهمين بحكم نظامها الأساسي والدخول في المساهمة فيها على هذا الاعتبار، ولأن نظام الشركات الصادر من ولي الأمر يلزمها بدفع زكاتها عند صدور كل ميزانية شركة، حيث الأمر كذلك فيكتفي المساهم فيها على هذا السبيل بما أخرجته الشركة زكاة عن كامل كيانها المتمثل في جميع أسهمها. ومن ذلك ما يملكه في هذه الشركة من أسهم. وإن كان تملكه إياها على سبيل المتاجرة فيها عروض تجارة فقد سبق القول إن الزكاة واجبة في القيم السوقية لهذه الأسهم.
فإذا افترضنا أن زيدا من الناس يملك ألف سهم في شركة صناعية على سبيل المتاجرة بهذه الأسهم، قيمة السهم السوقية منها ثلاثمائة ريال، فإن الزكاة عند تمام الحول واجبة فيها باعتبار قيمتها السوقية البالغة ثلاثمائة ألف (300000) ريال، وقدر هذه الزكاة سبعة آلاف وخمسمائة (7500) ريال.
فإذا افترضنا أن الشركة أخرجت زكاتها عن صافي أرباحها، وأن كل سهم يخصه من الزكاة التي أخرجتها الشركة ريالا واحدا، وأن مجموع زكاة الألف سهم مما أخرجته الشركة ألف (1000) ريال، هذه الألف الريال يحسمها مالك هذه الأسهم من مجموع الزكاة الواجبة على أسهمه التي يملكها بنية التجارة، فتكون الزكاة الواجبة على هذه الأسهم ستة آلاف وخمسمائة (6500) ريال، إضافة إلى ما أخرجته الشركة زكاة عن صافي أرباحها، ومن ذلك هذه الأسهم الألف منها.
وإن كانت الشركة شركة زراعية مساهمة، فإذا كانت زراعتها محصورة في الحبوب التي تقدمها لصوامع الغلال، وقامت صوامع الغلال بحسم الزكاة من كامل ما استلمته من إنتاج هذه الشركة فلا ينبغي للشركة أن تكرر دفع الزكاة عند إصدار ميزانيتها، بل تكتفي بما قدمته لصوامع الغلال من زكاة عن الشركة.
فإن كان مالك الأسهم في هذه الشركة يقصد بتملكه إياها الاستمرار في التملك للاستثمار وأخذ العائد الدوري، فقد أخرجت عنه زكاة أسهمه، حيث أخذتها صوامع الغلال، فيكتفي بذلك.
وإن كان مالكها يقصد المتاجرة بها على سبيل المتاجرة بعروض التجارة، فإن زكاتها واجبة عليه في قيمتها السوقية عند تمام الحول، مخصوما من ذلك قيمة مقدار ما يخص السهم من الزكاة التي استلمتها صوامع الغلال؛ لأن عدم خصم ذلك يعني الازدواجية في دفع الزكاة.
وإن كانت الشركة شركة مساهمة تجارية كالمصارف الإسلامية وشركات الاستيراد والتصدير، فإن الزكاة واجبة في كامل القيمة الحقيقية للشركة رأسمالها وأرباحها واحتياطياتها محسوما من ذلك المصاريف الإدارية والأصول الثابتة على ما سبق ذكره.
فإذا أصدرت هذه الشركة ميزانيتها فيجب أن يكون إخراج زكاتها على هذا التوجيه.
أما ما جرت عليه مثل هذه الشركات في الاكتفاء بإخراج الزكاة من صافي الربح قياسا على الشركات الصناعية فغير صحيح، وهو منع لجزء كبير من مال الشركة الواجب فيه الزكاة؛ لأن مال الشركة مال معد للتجارة بيعا وشراء وتداولا وإدارة وتقليبا، فهو خاضع لأحكام الزكاة في عروض التجارة، فإذا أخرجت الشركة الزكاة عن هذه الأموال باعتبار القيمة الحقيقية لها؛ فإن الأمر بالنسبة لمالكي الأسهم لا يخلو من حالين، إما أن يكون مالك الأسهم فيها يقصد بتملكه إياها الاستمرار في التملك والاكتفاء بالعائد الدوري منها؛ فإنه يكتفي بما أخرجته الشركة من زكاة عن أموال الشركة، وإن كان مالك هذه الأسهم يقصد بتملكه إياها المتاجرة فيها على سبيل الإدارة التجارية بيعا وشراء كعروض التجارة؛ فإن الزكاة واجبة في قيمتها السوقية عند تمام الحول.
فإذا افترضنا أن زيدا من الناس يملك في إحدى الشركات التجارية ألف سهم، قيمة السهم الحقيقية مائتا (200) ريال، وقيمته السوقية ألف (1000) ريال، فإذا حال الحول على أمواله التجارية؛ فإن الزكاة واجبة في كامل القيمة السوقية لهذه الأسهم الألف وقيمتها مليون ريال، ومقدار الزكاة على هذا المبلغ خمسة وعشرون ألف (25000) ريال، وحيث إن الشركة نفترض فيها أنها أخرجت الزكاة عن كامل القيمة الحقيقية لهذه الأسهم الألف، ومقدار قيمة هذه الأسهم مائتا ألف (200000) ريال مقدار زكاتها خمسة آلاف (5000) ريال فيخصم هذا المقدار من المبلغ الواجب؛ ليكون المبلغ الواجب عليه إخراجه زكاة عن هذه الأسهم عشرين ألف (20000) ريال، يخرجها مالك هذه الأسهم، وفي هذا مراعاة للخروج عن الازدواجية في دفع الزكاة، والله أعلم.
هذا وقد رأيت أن من تمام البحث إيراد ما ذكره فضيلة الشيخ الجليل الدكتور يوسف القرضاوي - حفظه الله - في كتابه القيم " فقه الزكاة " من بحث بعنوان: كيف تزكى أسهم الشركات المختلفة. حتى إذا ظهر لنا فيه ما يدعو إلى التعليق أو الملاحظة أو المناقشة أمكننا ذلك لارتباط الموضوع بعضه
ببعض، ولأن في ذلك تعاونا على إظهار الحقيقة. قال حفظه الله:
كيف تزكى أسهم الشركات المختلفة؟
نجد هنا اتجاهين لمن كتب من العلماء المعاصرين عن زكاة الأسهم والسندات وقليل من كتب فيها.
الاتجاه الأول:
فالاتجاه الأول ينظر إلى هذه الأسهم تبعا لنوع الشركة التي أصدرتها: أهي صناعية أم تجارية أم مزيج منهما؟
فلا يعطى السهم حكما إلا بعد معرفة الشركة التي يمثل جزءا من رأس مالها، وبناء عليه يحكم بتزكيته أو بعدمها. يمثل هذا الاتجاه الشيخ عبد الرحمن عيسى في كتابه (المعاملات الحديثة وأحكامها) حيث يقول:
" قد لا يعرف كثير ممن يملكون أسهم الشركات حكم زكاة هذه الأسهم، وقد يعتقد بعضهم أنها لا تجب زكاتها، وهذا خطأ. وقد يعتقد البعض وجوب الزكاة في أسهم الشركات مطلقا، وهذا خطأ أيضا. وإنما الواجب النظر في هذه الأسهم تبعا لنوع الشركة التي أصدرتها.
فإن كانت الشركة المساهمة شركة صناعية محضة، أي بحيث لا تمارس عملا تجاريا كشركات الصباغة، وشركات التبريد، وشركات الفنادق، وشركات الإعلان، وشركات (الأتوبيس) وشركات النقل البحري والبري، وشركات الترام، وشركات الطيران، فلا تجب الزكاة في أسهمها؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والإدارات والمباني وما يلزم الأعمال التي تمارسها، ولكن ما ينتج ربحا لهذه الأسهم يضم إلى أموال المساهمين ويزكى معها زكاة المال (أي ما بقي منه إلى الحول، وبلغ مع المال الآخر نصابا).
" وإن كانت الشركة المساهمة شركة تجارية محضة تشتري البضائع وتبيعها بدون إجراء عمليات تحويلية على هذه البضائع: كشركة بيع المصنوعات
المصرية، وشركة التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد. . أو كانت شركة صناعية تجارية، وهي الشركات التي تستخرج المواد الخام أو تشتريها، ثم تجري عليها عمليات تحويلية، ثم تتجر فيها، مثل: شركات البترول وشركات الغزل والنسيج للقطن أو الحرير، وشركة الحديد والصلب، والشركات الكيماوية. . فتجب الزكاة في أسهم هذه الشركات. . فمقدار وجوب الزكاة في أسهم الشركات: أن تكون الشركة تمارس عملا تجاريا، سواء معه صناعة أم لا. وتقدر الأسهم بقيمتها الحالية، مع خصم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات، فقد تمثل هذه الآلات والمباني ربع رأس المال أو أكثر أو أقل، فيخصم من قيمة السهم ما يقابل ذلك - أي الربع أو أكثر أو أقل - وتجب الزكاة في الباقي. ويمكن معرفة صافي قيمة المباني والآلات والأدوات بالرجوع إلى ميزانية الشركة وهي تنشر كل عام في الصحف ".
هذا ما ذكره الشيخ عن زكاة الأسهم وهو مبني على الرأي المشهور: أن المصانع والعمائر الاستغلالية ورءوس الأموال المغلة - غير التجارية - على وجه العموم كالفنادق والسيارات والترامات والطائرات ونحوها، ليس فيها كلها زكاة، لا في رأس المال والربح معا كمال التجارة، ولا في الغلة والإيراد، كالخارج من الأرض الزراعية (إلا إذا بقي منها شيء وحال عليه الحول) وعلى هذا الأساس فرق بين الشركات الصناعية (ويعني بها التي لا تمارس عملا تجاريا) وبين غيرها من الشركات، فأعفى أسهم الأولى من الزكاة وأوجب في الأخرى. فإذا كان هناك شخصان يملك كل منهما ألف دينار، اشترى أحدهما بألفه مائتي سهم من شركة للاستيراد والتصدير مثلا، واشترى الثاني بمبلغه مائتي سهم في شركة لطباعة الكتب أو الصحف، فإن على الأول أن يخرج الزكاة عن أسهمه المائتين، وما جلبت إليه من ربح أيضا في رأس كل حول، مطروحا من ذلك قيمة الأثاث ونحوه كما هو الشأن في مال التجارة، وأما الثاني فليس عليه زكاة عن أسهمه المائتين، لأنها موضوعة في أجهزة وآلات ومبان ونحوها.
ولا زكاة فيما يأتي من ربح، إلا إذا بقي إلى رأس الحول وبلغ نصابا بنفسه أو بغيره، فإذا أنفقه قبل الحول فلا شيء عليه.
وبهذا يمكن أن تمضي أعوام على مثل هذا الشخص دون أن تجب عليه زكاة، لا في أسهمه ولا في أرباحها. بخلاف الشخص الأول، فالزكاة واجبة عليه لزوما في كل عام، عن أسهمه وعن أرباحها معا. وهي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين.
وقد بينا في الفصل الثامن في حديثنا عن زكاة " المستغلات " من العمارات والمصانع ونحوها: أن فيها - خلاف الرأي التقليدي المشهور - آراء ثلاثة:
1 -
الرأي الذي يعتبرها مالا كمال التجارة ويقول بتقويمها كل حول وإخراج ربع عشرها.
2 -
الرأي الذي يقول بأخذ الزكاة من غلتها وربحها، باعتبارها مالا مستفادا، فيزكي زكاة النقود.
3 -
الرأي الذي يقيسها على الأرض الزراعية، ويوجب فيها العشر أو نصفه من صافي الغلة والأرباح.
وقد رجحنا هناك هذا الرأي الأخير.
فالذي أراه هنا:
أن التفرقة بين الشركات الصناعية أو شبه الصناعية، وبين الشركات التجارية أو شبه التجارية - بحيث تعفى الأولى من الزكاة، وتجب في الأخرى - تفرقة ليس لها أساس ثابت من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح.
ولا وجه لأخذ الزكاة عن الأسهم إذا كانت في شركة تجارية، وإسقاطها عنها إذا كانت في شركة صناعية، والأسهم هنا وهناك رأس مال نام يدر ربحا سنويا متجددا، وقد يكون ربح الثانية أعظم وأوفر من الأولى.
فإذا أردنا أن نأخذ بهذا الاتجاه وهو النظر إلى الأسهم تبعا لنوع الشركة
التجارية التي يكون جزءا من رأس مالها، فإني أختار هنا أن تعامل الشركات - أيا كان نوعها - معاملة الأفراد، إذا ملكوا ما تملكه الشركات من مصانع أو متاجر. فالشركات الصناعية أو شبه الصناعية، وأعني بها تلك التي تضع رأس مالها أو جله في أجهزة وآلات ومبان وأدوات، كالمطابع والمصانع، والفنادق، وسيارات النقل والأجرة ونحوها، هذه الشركات لا تؤخذ الزكاة من أسهمها، بل من إيرادها وربحها الصافي بمقدار العشر، كما رجحناه في زكاة المستغلات، وكما نعامل المصانع والفنادق ونحوها لو كانت ملكا للأفراد على ما اخترناه من قبل.
أما الشركات التجارية وهي التي جل رأس مالها في منقولات تتاجر فيها ولا تبقى عينها، فهذه تؤخذ الزكاة من أسهمها حسب قيمتها في السوق. مضافا إليها الربح، وتكون الزكاة بمقدار ربع العشر 2. 5 في المائة بعد طرح قيمة الأثاث الثابت من الأسهم، كما ذكرنا في عروض التجارة: أن الزكاة في رأس المال المتداول المتحرك. وهذه المعاملة للشركات التجارية هي نفس المعاملة التي تعامل بها المحلات التجارية إذا كانت ملكا للأفراد ولا فرق. اهـ (1).
وتعليقي على هذا الاتجاه الأول يتلخص فيما يلي:
أولا: إن الاتجاه الذي أخذ به فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى رحمه الله من أن الزكاة واجبة في صافي ربح الشركة الصناعية إذا حال عليه الحول، أو حال على بعضه وفي القيمة الحقيقية للشركات التجارية بما في ذلك رأس مالها وأرباحها واحتياطياتها، مخصوما من ذلك الأصول الثابتة مما ليست محلا للتجارة، وإنما هي وسيلتها كمكاتب الشركة وتجهيزاتها.
هذا الاتجاه وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم من جميع المذاهب الإسلامية، وهو قول يعتمد على النقل والعقل. أما العقل فإن الزكاة واجبة في كل ما هو نام بالفعل، أو بالقوة، ولاشك أن شركة المساهمة التجارية تجمع
(1) فقه الزكاة جـ 1 ص 523 - 526.
بين الأموال النامية بالفعل، وهي المتمثلة فيما لديها من سلع وبضائع معدة للبيع وشراء بدلها، وبين الأموال النامية بالقوة والمتمثلة فيما لديها من سيولة نقدية.
وأما النقل ففي مسند أبي داود بإسناده إلى سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. وأما شركة المساهمة الصناعية فهي شبيهة بالعقار المعد للكراء من حيث حبس الأصل في الجميع عن أن تتداوله الأيدي على سبيل البيع والشراء وطلب الاستغلال، إما على سبيل الكراء أو على سبيل التصنيع وأخذ الكسب من ذلك. وقد أجمع الفقهاء رحمهم الله إلا من شذ - على أن العقار المعد للكراء تجب الزكاة في غلته، والخلاف بينهم هل تجب بمجرد قبض الأجرة، أو حتى يحول الحول عليها، أو على بعضها.
أما عين العقار فلا تجب فيه الزكاة لكونه ليس ناميا بفعل ولا بقوة، إلا أن يكون لمالك هذا العقار قصد في تملكه للفرار من الزكاة، فيعامل بنقيض قصده، بل إن العقار المعد للكراء عرضة للنقص والخلل بحكم استعماله فيما أجر لأجله.
ثانيا: لم يتعرض فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى فيما نقله عن فضيلة الدكتور يوسف إلى الشركات الزراعية، كما أنه لم يتعرض رحمه الله إلى طريق إخراج المساهم زكاته عما يملكه من أسهم في شركة تجارية للسهم فيها قيمتان قيمة حقيقية وقيمة سوقية تجمع بين القيمة الحقيقية والقيمة الاعتبارية، وعليه فالمساهم بتملكه أسهما في شركة تجارية بين قصدين: أحدهما أن يقصد بتملكه الاستمرار في التملك والاكتفاء من ذلك بالعائد الدوري، الثاني أن يقصد بتملكه المتاجرة فيما يملكه من أسهم على سبيل المتاجرة في عروض التجارة.
أرى أن بحثي هذه المسألة وما فيه من التفصيل المتقدم ذكره يعتبر إكمالا لرأي فضيلة الشيخ عبد الرحمن رحمه الله.
ثالثا: لم تظهر لي وجاهة الاعتراض من محبنا وزميلنا الدكتور يوسف على
ما اتجه إليه الشيخ عبد الرحمن عيسى وأخذ به في تفريقه بين الشركة التجارية والشركة الصناعية.
فإن التفريق بين الشركات وبناء الحكم على ذلك في وجوب الزكاة، ومقدارها أمر يمليه ويبرره القصد في التملك، فبإجماع المسلمين أن من ملك عينا لاتخاذها عرضا من عروض التجارة - سواء أكانت ثابتة أو منقولة - فزكاتها ليست كزكاة من ملك مثلها على سبيل حبس أصلها واستغلاله على سبيل الكراء، فتجب الزكاة في قيمة الأولى ولا تجب في الثانية، وإنما تجب الزكاة في غلتها على خلاف بين أهل العلم في اشتراط تمام الحول على الغلة، كما أن من ملك مثل هذه العين على سبيل القنية ولم يرد بها تجارة ولا استغلالا فلا زكاة فيها مطلقا.
وبهذا يتضح التفريق بين الأموال الواجبة فيها الزكاة ومقدار ذلك، والأموال التي لا زكاة فيها، وأصل التفريق في ذلك النية في التملك والتصرف فيه وفق هذه النية.
وأذكر في ذلك مجموعة فتاوى لشيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله من مجموع رسائله وفتاواه - مطبوع.
قال رحمه الله:
الأرض المشتراة المعدة للتجارة، هذه عروض تجارة فيها الزكاة في قيمتها إذا حال عليها الحول وبلغت نصابا. اهـ. الفتوى رقم 1034 جـ 4 ص 101.
وقال رحمه الله إجابة عن سؤال رجل عنده سيارة يترزق عليها، هل تجب فيها الزكاة أو في دخلها؟
قال: لا زكاة فيها إذا لم ينوها من عروض تجارة، وإنما الزكاة فيما يتحصل من ريعها إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول. اهـ. الفتوى رقم 1041 جـ 4 ص 105.
وقال رحمه الله عن الدور التي تبنى بمبلغ ضخم، هل عليها زكاة أو الزكاة
تكون من ريعها؟
قال: لا زكاة عليها، وإنما الزكاة في ريعها إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول. الفتوى رقم 1040 جـ 4 ص 105.
وقال في الفتوى رقم 1042 لا زكاة في سيارات النقل، وقال في الفتوى رقم 1043 لا زكاة في عين البواخر والفنادق والمكائن والآلات والورش والمراكب.
ونصه: إن جميع ما ذكر لا زكاة فيه سواء أريد للإجارة والكراء أو للاستغلال والقنية.
وقال في الفتوى رقم 1044 لا زكاة في ورشة النجارة، وإنما الزكاة في غلتها إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول.
وقول فضيلة الدكتور يوسف - حفظه الله ومتعنا بعلمه - بعد ذكره مثالا لرجلين أحدهما يملك أسهما في شركة تجارية، والآخر يملك أسهما في شركة صناعية:
فإن على الأول أن يخرج الزكاة عن أسهمه المائتين وما جلبت إليه من ربح أيضا في رأس كل حول. . - إلى قوله -: وهي نتيجة يأباها عدل الشريعة التي لا تفرق بين متماثلين. اهـ. قول فضيلته.
هذا فيه نظر. فلا شك أن الشريعة لا تفرق في الحكم بين متماثلين ولكننا نؤكد لفضيلة الدكتور يوسف بأن المالكين في الشركتين ليسا متماثلين، فأحدهما ملك أسهمه في شركة تجارية وبنية التجارة، والتجارة حركة مبنية على المخاطرة في التصرف فقد يخسر التاجر وهو يأمل أن يربح، وقد يربح كثيرا وهو يخشى الخسارة، أو لا يؤمل الربح كثيرا، فهو في تصرفه بين الخوف والرجاء.
والشارع لا يوجب عليه زكاة إلا فيما تحت يده إذا حال عليه الحول.
أما الثاني فهو يملك في شركة أصولها ثابتة مرصودة للاستغلال من أعيانها
مع بقائها وطلب غلتها، فالفرق بين المالين واضح، وبين القصدين في التملك لا يخفى، وبين الآثار المترتبة على قصد التملك جلي.
وبهذا ينتفي القول بالتماثل في الشركتين، شركة المساهمة التجارية، وشركة المساهمة الصناعية.
رابعا: ذكر فضيلة الدكتور يوسف - حفظه الله - أنه في حال الأخذ بما أخذ به الشيخ عبد الرحمن عيسى فهو يختار أن تعامل الشركات أيا كان نوعها معاملة الأفراد، فإن كانت تجارية فتعامل كالفرد التاجر، وإن كانت صناعية فتعامل معاملة من يملك مصنعا أو مطبعة أو فندقا ونحو ذلك. وهذا القول الذي يختاره فضيلة الدكتور يوسف في حال أخذه بهذا القول اختيار صحيح يتفق مع ما اتجه إليه عامة أهل العلم في جميع المذاهب الإسلامية، وأرجو أن يتمسك فضيلته بهذا الرأي، فهو قول يمليه العقل والنقل ويتفق مع الحكم والمقاصد الشرعية للزكاة، سواء ما يتعلق بمصلحة دافعها أو مصلحة آخذها.
ويبقى معنا التحفظ على ما أخذ به فضيلة الدكتور يوسف من قياس غلال الأعيان المعدة للاستغلال من ثابت أو منقول على الخارج من الأرض، إذ لا وجه لهذا القياس، فالخارج من الأرض إنتاج زراعي تجب الزكاة في عينه بشروطه، أما الغلة من الأعيان المعدة للاستغلال فهي أثمان من ذهب أو فضة أو أوراق نقدية تجب فيها الزكاة وجوب الزكاة في الأثمان بشروطه. وهذا ما اتجه إليه عامة أهل العلم، ولعل فضيلة شيخنا الدكتور يوسف - حفظه الله - يعيد النظر في هذا، فالحق أحق أن يتبع.
وقال فضيلة الدكتور ما نصه:
الاتجاه الثاني: اعتبار الأسهم عروض تجارة
وإلى جانب الاتجاه الذي ذكرناه نجد اتجاها آخر يخالف الاتجاه الأول، إنه
لا ينظر إلى الأسهم تبعا لنوع شركاتها فنفرق بين أسهم في شركة وأسهم في شركة أخرى بل ينظر إليها نظرة واحدة ويعطيها حكما واحدا، بغض النظر عن الشركة التي أصدرتها، فيرى الأساتذة أبو زهرة وعبد الرحمن حسن وخلاف، أن الأسهم أموال قد اتخذت للاتجار فإن صاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء ويكسب فيها كما يكسب كل تاجر من سلعته، وقيمتها الحقيقية التي تقدر في الأسواق تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فهي بهذا الاعتبار من عروض التجارة، فكان من الحق أن تكون وعاء للزكاة لكل أموال التجارة، ويلاحظ فيها ما يلاحظ من عروض التجارة.
ومعنى هذا أن يؤخذ منها آخر كل حول 2. 5 % من قيمة الأسهم حسب تقديرها في الأسواق مضافا إليها الربح، بشرط أن يبلغ الأصل والربح نصابا أو مكملا مع مال عنده نصابا. اهـ.
وتعليقي على هذا الاتجاه الثاني يتلخص فيما يلي:
إن أصحاب هذا الاتجاه لم يفرقوا بين شركات صناعية الغرض منها حبس أصولها وطلب غلتها وبين شركات تجارية، اختصاصها في تقليب أموالها بيعا وشراء على سبيل الإدارة التجارية، بل عاملوا كل الشركات بمختلف اختصاصاتها ونوع نشاطها، كما تعامل عروض التجارة من حيث وجوب الزكاة في كاملها بعد حسم أصولها الثابتة، مما لا يعتبر محلا للتجارة.
وهذا الاتجاه مخالف ما عليه عامة أهل العلم من التفريق بين ما أعد للاستغلال على سبيل الكراء، وما أعد للتجارة على اعتباره عروض تجارة، وفضلا عن المخالفة لما عليه أهل العلم فإن في ذلك بعدا عن العدل والإنصاف مع من يملك أسهما في شركة صناعية لا يتصور له نماء في أسهمه على سبيل الإدارة التجارية، كما يتصور ذلك ويترقبه من يملك عينا يرصدها للتجارة، ومن ذلك الشركات التجارية.
فكما أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين كذلك لا تجمع بين مختلفين، وعليه فإن هذا الاتجاه الثاني صحيح في نظري فيما يتعلق بالشركات التجارية، وغير صحيح فيما يتعلق بالشركات الصناعية للفرق بين الشركات بحكم اختصاصها وما انحصر نشاطها فيه.
وأخيرا فلا يسعني وأنا ألاحظ على جزئية مما ورد ذكرها في كتاب فضيلة الدكتور يوسف - فقه الزكاة - إلا أن أعبر عن تقديري وإعجابي بهذا الكتاب القيم، الذي سد بحق ثغرة عظيمة في مسائل الزكاة ومشاكلها.
فجزى الله شيخنا خيرا، وجعل هذا الكتاب وغيره من كتبه القيمة عملا صالحا ينفعه في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ لانتفاع إخوانه المسلمين بها، وجعل العمل للجميع خالصا لوجهه الكريم.
والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.