الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن أقوال علي الخليفة الرابع: " من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا "(1).
وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على أن الشريعة وأهلها قد كفلوا لأتباع الأديان الذين يعيشون في ظل الإسلام البقاء على عقائدهم ودياناتهم، ولم يرغم أحد على اعتناق الإسلام.
ومعلوم لدى القاصي والداني أن هذا لم يكن موقف ضعف من دولة الإسلام، بل كان هذا هو مبدأها حتى حين كانت في أوج قوتها أمة فتية قادرة.
ولو أرادت أن تفرض على الأفراد عقيدتها بالقوة القاهرة لكان ذلك في مقدورها، لكنها لم تفعل.
الرابعة:
المسلم إذا تزوج كتابية، فإنه لا يلزمها بالتخلي عن دينها والدخول في الإسلام، بل لها الحق الكامل في البقاء على ديانتها وحقوق الزوجية محفوظة لها كاملة.
(1) راجع نصب الراية 3/ 381
حكم الردة:
الكلام على الردة ينتظم عدة جوانب:
أولها: الإيمان بالإسلام المبني على الإكراه والجبر - غير معتد به - كما سبق - أي أنه لا يدخل الداخل فيه حقيقة إلا إذا كان عن اقتناع ورضا وتبصر، ذلك أن النظرة العاقلة المنصفة تؤكد كمال هذا الدين، وتنزهه عن الباطل، وتحقيقه لحاجات البشر، وتوافقه مع الطبائع السليمة التي فطر الله الناس عليها.
الثاني: في تاريخ الإسلام الطويل لا يكاد يذكر مرتد ارتد عن هذا الدين رغبة عنه وسخطا عليه، وإن وجد فلا يخلو من أحد رجلين، إما أن يكون لمكيدة يقصد بها الصد عن دين الله، كما حصل من بعض اليهود في أول عهد الدعوة حينما تمالأ نفر منهم بأن يؤمنوا أول النهار ثم يكفروا في آخره من أجل إحداث
البلبلة في المؤمنين؛ لأن اليهود أهل كتاب، فإذا حصل منهم هذا يختلج في بعض النفوس الضعيفة أن هؤلاء اليهود لو لم يتبينوا خطأ في هذا الدين الجديد لما رجعوا عنه، فكان مقصودهم الفتنة والصد عن دين الله. وإما أن يكون هذا المرتد رجلا يريد أن يطلق لشهواته العنان ويتحلل من ربقة التكاليف.
الثالث: الخروج عن الإسلام يعتبر خروجا على النظام العام، ذلك أن الإسلام دين كامل، كما يهتم بعلاقة الإنسان بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره من بني جنسه؛ بين المرء وزوجه وبينه وبين أقربائه وجيرانه، وفيما بينه وبين أعدائه حربا وسلما، في شمول منقطع النظير، عبادة ومعاملة وجناية وقضاء إلى سائر ما تنقسم إليه قوانين الدنيا بل أوسع من ذلك. وبناء على هذا فيجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل، وليس قاصرا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين. وإذا كان ذلك كذلك فالردة تعني الخروج على النظام.
الرابع: في جعل العقوبة على الردة إباحة دم المرتد زاجر لمن يريد الدخول في هذا الدين مشايعة ونفاقا للدولة أو لأهلها، وباعث له على التثبت في أمره فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطان بين، فالدين تكاليف وشعائر يتعسر الاستمرار عليها من قبل المنافقين وأصحاب المآرب المدخولة.
الخامس: للإنسان قبل أن يؤمن بالإسلام الحق في أن يؤمن أو يكفر، فإذا آثر أي ديانة من الديانات فلا اعتراض عليه، ويبقى له حق الحياة والأمن والعيش بسلام. وإذا آثر الإسلام ودخل فيه وآمن به، فعليه أن يخلص له ويتجاوب معه في أمره ونهيه وسائر هديه في أصوله وفروعه، ثم بعد ذلك نقول: هل من حرية الرأي أن يمكن صاحبها من الخروج على هذا المجتمع ونبذ قواعده ومشاقة أبنائه؟ هل خيانة الوطن أو التجسس لحساب الأعداء من الحرية؟ هل إشاعة الفوضى في جنباته والاستهزاء بشعائره ومقدساته من الحرية؟
إن محاولة إقناع المسلمين بقبول هذا الوضع مسفه. ومطالبة المسلمين بتوفير حق الحياة لمن يريد نقض بناء دينهم وتنكيس لوائه أمر عجيب!
ونقول بكل قوة: إن سرقة العقائد والنيل من الأخلاق والمثل أضحت حرفة لعصابات وطوائف من دعاة التنصر الكارهين للإسلام وكتابه ونبيه وأتباعه، وما فتئوا يثيرون الفتن وأسبابها في كل ناحية من أجل هز كيان المجتمع وقلبه رأسا على عقب.
ويؤكد حقنا في رفع الصوت عاليا ما نرمقه من المواقف المفضوحة في بلاد الحريات - فرنسا وبريطانيا وأمريكا - من المسلمين الذين بدءوا يظهرون تمسكا بدينهم وظهورهم بالزي المحتشم رجالا ونساء مما أثار حفائظهم، وبخاصة الفرنسيين في قضية الحجاب على الرغم من أن قوانينهم فيها نصوص تعطي الحق لأهل كل ديانة أن يلتزموا بدياناتهم، ولكنهم بحجة الأمن والحفاظ على النظام العام كانت لهم تلك المواقف المكشوفة، ومن حقنا كذلك أن نتذكر ما يجري لكثير من الأقليات المسلمة في روسيا وبلغاريا مما هو معلن فكيف بغير المعلن، ثم إن عقوبة الإعدام موجودة في كثير من القوانين المعاصرة سواء لمهربي المخدرات أو غيرهم، وهم لم يقولوا بها إلا لجدواها في القضاء على الجريمة والتخفيف منها وحماية لعموم المجتمع من سوئها، ولم يقل أحد: إن تشريع عقوبة الإعدام في حق هؤلاء المفسدين مصادم لحريتهم إذا كانوا قد تجاوزوا في حرياتهم حتى سطوا على حريات الآخرين، أو نغصوا عليهم في حياتهم الطبيعية الآمنة السوية.
وهناك إعدام من أجل الخيانة العظمى أو ما يشبهها، ولم يكن هذا مصادما للحرية أو محل نقد لدى هذه المؤسسة التنصيرية وأشباهها، مما يذكر بما قلناه أول الحديث من الشك في حسن النية في إثارة مثل هذه التساؤلات.
وفي ختام هذه الفقرة عن حرية الديانة والارتداد أنقل بعض الوقائع من مواقف الديانات الأخرى نحو المسلمين، والتعسف والتعصب والحقد الدفين الذي يظهر واقعا حيا حين تتاح له فرصة الظهور.
يقول الكاتب " جيبون ": " إن الصليبيين خدام الرب يوم استولوا على بيت
المقدس في 15/ 7 / 1099 م رأوا أن يكرموا الرب بذبح سبعين ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرت ثلاثة أيام بلياليها، حطموا رءوس الصبيان على الجدران، وألقوا بالأطفال الرضع من سطوح المنازل، وشووا الرجال والنساء بالنار، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب. . . ثم يقول الكاتب:" كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كله أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران؟ "(1).
ويقول جوستاف لوبون عن فعل الصليبيين بمسلمي الأندلس: " لما أجلي العرب - يعني المسلمين - سنة 1610 م اتخذت جميع الذرائع للفتك بهم فقتل أكثرهم، وكان من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس، في حين أن العرب لما فتحوا أسبانيا تركوا السكان يتمتعون بحريتهم الدينية، محتفظين بمعاهدهم ورئاستهم، وقد بلغ من تسامح العرب طوال حكمهم في أسبانيا مبلغا قلما يصادف الناس مثله هذه الأيام "(2).
وفي أيامنا هذه نقرأ في وثائق اليهود نحو أهل فلسطين: " يا أبناء إسرائيل: اسعدوا واستبشروا خيرا لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكتل الحيوانية في اصطبلاتها وسنخضعها لإرادتنا ونسخرها لخدمتنا ".
وفي روسيا الشيوعية أغلقت الحكومة أربعة عشر ألف مسجد في مقاطعة تركستان، وفي منطقة الأورال سبعة آلاف مسجد، وفي القوقاز أربعة آلاف مسجد، وكثير من هذه المساجد حولت إلى دور للبغاء، وحوانيت خمر، واصطبلات خيول وحظائر بهائم، وفوق ذلك التصفية الجسدية للمسلمين، ويكفي أن نعلم أنهم قتلوا في ربع قرن ستة وعشرين مليون مسلم مع تفنن في طرق التعذيب والقتل.
(1) العلاقات الدولية - لكامل الدقس ص 333
(2)
حضارة العرب - جوستاف لوبون ص 279