الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عقله كان زائلا وقت إتيان الفعل فلم يكن مدركا، والإدراك أساس المسئولية الجنائية فإذا فقد انعدمت المسئولية، ومصدر هذا الرأي عثمان رضي الله عنه. وقد أخذ به قلة من الفقهاء في كل مذهب، ولكنه رأي مهجور. وبهذا يترجح القول الأول وهو أخذ السكران القاتل بالقصاص والمرتكب ذنبا موجبا للحد بالعقوبة المقررة في ذلك، لأنه إذا علم من تسول له نفسه الاقتراب من المسكرات أنه مؤاخذ بجرمه معاقب بذنبه لتردد ألف مرة قبل إقدامه على تناولها، وبذلك يكون عامل ردع له ولغيره، وذلك من أهم الأغراض التي شرعت العقوبات لتحقيقها (1) والله أعلم.
(1) التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي د / عبد القادر عودة المرجع السابق.
الإقرار بالقتل أو الحد:
إذا أقر السكران بجناية قتل أو إصابة ذنب موجب للحد وحدث منه هذا الإقرار حال سكره، فإنه لا يعتد بهذا الإقرار، لأنه صدر من شخص لا يدري ما يقول، فهو كالمجنون. . وهذا هو قول الجمهور.
ويرى بعض الفقهاء أنه يؤاخذ بإقراره في القتل والحدود.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يؤاخذ بإقراره ولا يعتد به للحديث الصحيح الوارد في قصة ماعز الأسلمي، فهو حجة على عدم الأخذ بإقرار السكران في الحدود والدماء (1) والله أعلم.
(1) المخدرات بين الطب والفقه ص 97 د / أحمد ريان.
عاشرا: عقوبة المخدرات في الشريعة الإسلامية:
العقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع، والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد واستنقاذهم من الغواية وإرشادهم من الضلالة وكفهم
عن المعاصي وبعنهم على الطاعة وانتشالهم من الوقوع في مهابط الرذيلة والخروج عن الطريق المستقيمة (1) فالعقوبة مصلحة لا لذاتها، ولكن باعتبار ما يترتب عليها من المصالح، قال الإمام عز الدين بن عبد السلام:
" إن العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكون المصلحة هي المقصودة من شرعها كقطع السارق وقاطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية "(2).
وقبل أن أوضح آراء الفقهاء في عقوبة المخدرات أقرر حقيقة لا ريب فيها وهي: أنه لا خلاف بين العلماء في حرمة تناول المخدرات بجميع أسمائها وأنواعها، كما أنه لا خلاف بينهم أيضا في أن تعاطي المخدرات ذنب تجب عليه العقوبة، بل يجب تشديد العقوبة على فاعل ذلك، ولكن تختلف عقوبة المخدرات باختلاف الجريمة المعاقب عليها وهي لا تخلو إما أن تكون تناولا للمادة المخدرة أو إتجارا وترويجا لها.
أولا: عقوبة تناول المادة المخدرة:
لما كان متناول المخدرات والعقاقير المخدرة يشترك مع متعاطي الخمر في بعض الخصائص- كما بينا سابقا- كفقد التمييز، وعدم القدرة على الامتناع عنها بعد تناولها، وفي الصد عن الذكر وعن الصلاة وغير ذلك من الخصائص كما أن هذه المواد تتميز عن الخمر ببعض الخصائص كتناول كثير منها وهي جامدة أو تناولها عن طريق الحقن وعدم هياج متناولها، وعدم قدرته على البطش غالبا لتخدر حواسه وغير ذلك.
لذلك اختلف أهل العلم في تقييم وتصنيف هذه المواد وبالتالي اختلف
(1) انظر: صور من سماحة الإسلام د / عبد العزيز الربيعة ص 111.
(2)
قواعد الأحكام في مصالح الأنام جـ 1/ 12.
آراؤهم في تحديد العقوبة على متناول هذه المواد المخدرة على قولين:
القول الأول: أن المواد المخدرة مواد مسكرة، لذا تعتبر أنواعا من الخمر ويستدل على تحريمها وإثم متناولها بأدلة تحريم الخمر من الكتاب والسنة ويجب أن تطبق على متناولها جميع الأحكام التي تطبق على شارب الخمر لاشتراكها معها في علة الحرمة وهي الإسكار. وبما أن الخمر يجب فيها الحد فكذلك هذه المواد، وممن قال بهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيثمي المكي والزركشي والذهبي يرحمهم الله تعالى.
قال ابن تيمية رحمه الله: (حد الشرب ثمانون سوطا أو أربعون إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر)(1) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (. . . واستدل بمطلق قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام (2)» على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة وجزم آخرون بأنها مخدرة وهو مكابرة، لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها) (3) وقال ابن حجر المكي:(. . . فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيء من هذه المذكورات، لاشتراكها في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه، فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر)(4) وقال الزركشي تعقيبا على ما ذكره العلامة القسطلاني من بعض المسكرات كالحشيش والأفيون وجوزة الطيب والبنج وغيرها. . قال:
(إن هذه الأمور المذكورة تؤثر في متعاطيها المعنى الذي يدخله في حد
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ 34 صفحة 212.
(2)
سنن الترمذي الأشربة (1866)، سنن أبو داود الأشربة (3687).
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري جـ 10/ 44، 45.
(4)
الزواجر عن اقتراف الكبائر جـ 1/ 212.
السكران، فإنهم قالوا: السكران هو الذي اختل كلامه المنظوم وانكشف في المكتوم أو هو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض) (1) وقال الذهبي رحمه الله: (والحشيشة المصنوعة من ورق القنب- حرام بالإجماع يحد شاربها كما يحد شارب الخمر)(2).
ولم يفرق جمهور الفقهاء بين شرب الخمر وغيرها؛ فقالوا: " كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر حكمه حكم الخمر في تحريمه ووجوب الحد على شاربه "(3).
" وينسب هذا القول أيضا لابن قيم الجوزية، وابن حزم، والأمير الصنعاني ومن تابعهم من الفقهاء المحدثين"(4) ويقاس على الحشيش سائر المخدرات الأخرى.
والخلاصة: أنه إذا ثبت تناول المسكر خمرا أو غيره، فلا بد أن يعاقب فاعل ذلك دنيويا، وهذا أمر مسلم به بين المسلمين جميعا ولا خلاف بينهم في ذلك، فقد ثبت تحريم الخمر بالقرآن الكريم، وأما العقاب على شربها فمصدره السنة النبوية المطهرة. وأما نوع العقوبة فمصدره الإجماع فقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر ثم اختلفوا في مقداره ما بين أربعين أو ثمانين جلدة (5) وسبب هذا الاختلاف هو أن القرآن الكريم لم يذكر العقوبة وأن السنة النبوية غير صريحة ولا قاطعة في تحديدها وكذلك
(1) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي جـ 1/ 213 وعون المعبود شرح سن أبي داود 10/ 232.
(2)
الكبائر 86.
(3)
بداية المجتهد 2/ 434، المغني 8/ 304، المهذب 2/ 286.
(4)
المخدرات الخطر الداهم د / محمد علي البار ص53.
(5)
الموسوعة الفقهية ج 5/ 22، 23 ط وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
الآثار الواردة عن الصحابة، ولم يثبت لديهم نص ملزم في ذلك. لهذا تغير حكمهم واختلفت فتواهم بتغير الزمن واختلاف الأحوال.
وإليك طرفا من الأحاديث والآثار التي وردت في هذا الصدد منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم يتلو ذلك بيان آراء الفقهاء قديما وحديثا مع ترجيح الرأي المختار منها وبيان ذلك على النحو التالي:
روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال (1)» وفي رواية: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين (2)» وفي لفظ للترمذي «ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بنعلين أربعين (3)» وأخرج مسلم في صحيحه من طريق حضير [مصغر]، ابن المنذر أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده، فلما بلغ أربعين قال: أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي " (4) قال ابن حجر العسقلاني في الفتح (5) " فيه الجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها "فجلده نحو أربعين " والجمع بينها أن عليا أطلق الأربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب ".
وروى أبو داود في سننه (6) بسنده عن علي رضي الله عنه قال: " لا أدي (7) أو ما كنت لأدي من أقمت عليه حدا إلا شارب الخمر، فإن
(1) صحيح البخاري الحدود (6773)، صحيح مسلم الحدود (1706)، سنن الترمذي الحدود (1443)، سنن أبو داود الحدود (4479)، سنن ابن ماجه الحدود (2570)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 247)، سنن الدارمي الحدود (2311).
(2)
صحيح مسلم الحدود (1706)، سنن الترمذي الحدود (1443)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 247)، سنن الدارمي الحدود (2311).
(3)
صحيح البخاري وسنن الترمذي.
(4)
صحيح مسلم.
(5)
فتح الباري شرح صحيح البخاري جـ 12/ 70ط السلفية.
(6)
سنن أبي داود ج 4/ 626 حديث رقم 4486.
(7)
مضارع أداه يديه إذا أعطى ديته.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسن فيه شيئا، إنما هو شيء قلناه نحن ". قال ابن حجر في الفتح (1): " والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وأنه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين: أي لم يسن شيئا زائدا على الأربعين.
يؤيده قوله: "وإنما هو شيء قلناه نحن " وفي بعض الروايات: وإنما هو شيء صنعناه نحن، يشير إلى ما أشار به على عمر. وعلى هذا فقوله:" لو مات لوديته " أي في الأربعين الزائدة وبذلك جزم البيهقي وابن حزم ". وروى البيهقي في سننه (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الشراب كانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر رضي الله عنه: "لو فرضنا لهم هذا! فتوخى لهم نحوا مما كانوا يضربون في عهد، النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر رضي الله عنه يجلدهم أربعين حتى توفي ".
ولما كان عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الناس في جلد شارب الخمر وقال: إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها! فقال علي: إن السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى " قذف الأبرياء " فاجعله حد الفرية [أي القذف] فجعله عمر حد الفرية ثمانين (3) وورد أن عليا رضي الله عنه زاد على الثمانين في بعض الأحوال.
روى البيهقي في سننه (4) عن سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: " أتي علي رضي الله عنه بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فأفطر فضربه
(1) فتح الباري جـ 12/ 71، 72.
(2)
سنن البيهقي جـ 8/ 320.
(3)
المصنف لعبد الرزاق الصنعاني جـ 7/ 379.
(4)
جـ 8/ 321.
ثمانين ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، وقال: إنما ضربتك هذه العشرين لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان".
وروى أبو داود في سننه (1) عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم (2)» .
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن ابن جريج سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فيها حدا كان يأمر من حضره يضربون بأيديهم ونعالهم حتى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا.
بل قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود في سننه بسند قوي (3): عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا، قال ابن عباس وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء (4)» .
وبعد: فهذا ما ورد من الروايات في حد شرب الخمر ويتحصل من مجموعها أن في المسألة ستة أقوال أشار إليها ابن حجر رحمه الله في الفتح (5) قال رحمه الله: والذي تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستة أقوال:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل فيها حدا معلوما، بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به. قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم أتي النبي بسكران فأمرهم بضربه وتبكيته، فدل على ألا حد في السكر،
(1) جـ 4/ 623، 624 كتاب الحدود حديث رقم 4482
(2)
سنن أبو داود الحدود (4482)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 95).
(3)
جـ 4/ 619، 620.
(4)
سنن أبو داود الحدود (4476)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 322).
(5)
جـ 12/ 74.
بل فيه التنكيل والتبكيت، ولو كان ذلك على سبيل الحد لبينه بيانا واضحا قال: فلما كثر الشراب في عهد عمر استشار الصحابة، ولو كان عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء محدود لما تجاوزوه كما لم يتجاوزوا حد القذف ولو كثر القاذفون وبالغوا في الفحش، فلما اقتضى رأيهم أن يجعلوه كحد القذف، واستدل علي بما ذكر من أن في تعاطيه ما يؤدي إلى وجود القذف غالبا أو إلى ما يشبه القذف، ثم رجع إلى الوقوف عند تقدير ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، دل على صحة ما قلناه، لأن الروايات في التحديد بأربعين اختلفت عن أنس وكذا عن علي، فالأولى ألا يتجاوز أقل ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه، لأنه المحقق سواء كان ذلك حدا أو تعزيرا.
الثاني: أن الحد فيه أربعون ولا تجوز الزيادة عليها.
الثالث: مثله لكن للإمام أن يبلغ به الثمانين وهل تكون الزيادة من تمام الحد أو تعزيرا قولان.
الرابع: أنه ثمانون ولا تجوز الزيادة عليها.
الخامس: أنه ثمانون وتجوز الزيادة تعزيرا.
السادس: إن شرب فجلد ثلاث مرات فعاد الرابعة وجب قتله، وقيل إن شرب أربعا فعاد الخامسة وجب قتله.
وقد جمع القرطبي رحمه الله بين الأخبار الواردة في عدم معاقبة شارب الخمر بشيء والواردة في معاقبته حدا أو تعزيرا فقال رحمه الله:
"لم يكن أولا في شرب الخمر حد وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس السابق في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الأمر ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا ".
والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم تساهل في أول الأمر لقرب عهدهم من حل الخمر حتى إذا استقر التشريع ضرب وجلد وإن لم يوقت حدا. وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان السابق من أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة أو الخامسة وهو ما ذهب إليه بعض فقهاء الظاهرية والإمامية فهو منسوخ بما رواه عبد الرزاق في مصنفه (1) وغيره:
عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر فاجلدوه. . ثم إذا شرب الرابعة فاقتلوه، قال فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتي به وقد شرب فجلده ثم أتي به في الرابعة قد شرب فجلده فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة (2)» .
ومال الخطابي (3) إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل فقال: " قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وإنما قصد به الردع والتحذير. ثم قال: ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل ". وقال ابن المنذر (4): " كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة وبإجماع أهل العلم إلا من شذ من لا يعد خلافه خلافا ". وبناء عليه فيمكن إرجاع الآراء الثاني والثالث والرابع والخامس إلى رأيين فقط:
الرأي الأول: " أن حد الشرب والسكر ثمانون جلدة وهذا هو ما يراه الفقهاء: مالك وأبو حنيفة والشافعي في رواية عنه وأحمد في رواية عنه والثوري والأوزاعي وابن المنذر "(5) ويرى بعض الفقهاء أن حد الشرب والسكر
(1) جـ 7/ 78، 79، 80.
(2)
سنن النسائي الأشربة (5662)، سنن أبو داود الحدود (4484)، سنن ابن ماجه الحدود (2572)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 280)، سنن الدارمي الأشربة (2105).
(3)
انظر: سنن أبي داود جـ 4/ 624 هامش " معالم السنن الخطابي ".
(4)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني جـ 12/ 80، 81.
(5)
بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد القرطبي المالكي ج 2/ 435.
أربعون جلدة. وهذا هو ما يراه أبو ثور وداود والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية ثانية عنه (1) قال القاضي عياض: "أجمعوا على وجوب الحد في الخمر واختلفوا في تقديره فذهب الجمهور إلى الثمانين وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: أربعين. وتبعه على نقل الإجماع ابن دقيق العيد والنووي ومن تبعهما"(2).
الرأي الثاني: يرى بعض العلماء من القدامى والمحدثين أن عقوبة شرب الخمر ليست من عقوبات الحدود، وإنما هي من عقوبات التعزير حكى هذا الطبري وابن المنذر عن طائفة من أهل العلم قديما (3) مستدلين بأحاديث كثيرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصرح فيها بتعيين عدد الضرب وأصرحها حديث أنس ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه (4) واستدلوا أيضا بما رواه ابن شهاب حين سئل: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟. . الحديث. وبما رواه ابن عباس فيمن شرب فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت. . الحديث، وبما رواه الطبري عن ابن عباس أيضا، «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا ولقد غزا تبوك فغشي حجرته من الليل سكران فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله (5)»
وممن رأى ذلك من العلماء المحدثين (6) د. عبد العظيم شرف الدين في كتابه " العقوبة المقدرة لمصلحة المجتمع الإسلامي " ود. محمد سليم العوا في كتابه " أصول النظام الجنائي " والشيخ محمود شلتوت في كتابه " الإسلام عقيدة وشريعة" وغيرهم.
(1) نيل الأوطار للشوكاني ج 7/ 155.
(2)
فتح الباري جـ 12/ 72.
(3)
نيل الأوطار للشوكاني 7/ 150.
(4)
قلت: نعم إن كان حديث أنس لم يصرح بتعيين عدد الضرب، فحديث علي صرح به.
(5)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر جـ 12/ 72.
(6)
المسكرات والمخدرات بين الشريعة والقانون، المستشار / عزت حسنين ص61 ط الأولى 1984م.
الرأي الراجح:
والرأي الراجح عند عامة أهل العلم: أن العقوبة "ثمانون جلدة" وأنه لم يحدد مقدارها بهذا العدد إلا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حد شارب الخمر، فأفتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يحد ثمانين جلدة ووافق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي (1) وأرى أنه مادام قد ثبت حد الشرب للخمر وتغيرت فتوى الصحابة رضي الله عنهم في مقدار الحد من عصر لعصر، ومن حال لحال، فيكون مرجع ذلك إلى نظر الإمام أو الحاكم؛ فإذا رأى أن يجلده (2) عددا معينا إلى حد الثمانين جلدة فله بما وقع من الصحابة أسوة. وإن رأى أن يأمر بمطلق الضرب له من غير تعيين فله برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.
قال الشوكاني رحمه الله: " من شرب مسكرا مكلفا مختارا جلد على ما يراه الإمام إما أربعين جلدة أو أقل أو أكثر ولو بالنعال "(3) القول الثاني: أن المخدرات مواد مخدرة فقط وليست مسكرة. وبناء عليه فإن عقوبة متعاطيها عقوبة تعزيرية فقط يترك تحديد نوعها ومقدارها لولي الأمر حسبما يرى أن المصلحة تقتضيه مراعيا في ذلك مدى انتشار الجريمة وحال المجرم، وما إلى ذلك من الاعتبارات على أن تكون العقوبة التي يقدرها ولي الأمر عقوبة رادعة حتى قال بعض العلماء: إن التعزير من الممكن أن يصل إلى حد الإعدام.
ويرى جمهور الفقهاء أن التعزير بما دون حد الخمر (4).
وجاء في مجلة " اللواء الإسلامي "(5) عن د. عبد الصبور شاهين قوله:
(1) التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، عبد القادر عودة ص 649.
(2)
أي يجلد الشارب الخمر وبالقياس عليها المخدرات بجميع أنواعها وأصنافها الحديثة.
(3)
الدرر البهية.
(4)
المؤتمر السادس لمكافحة المخدرات جـ 3/ 72: 103.
(5)
العدد 195 في 3/ 2 / 1406 هـ الموافق 17/ 10 / 1985م ط دار القلم دمشق 1408هـ.