المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ المذهب المالكي:

- ‌ المذهب الشافعي:

- ‌ المذهب الحنبلي:

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء المعاصرين

- ‌أولا: أدلة من قال بالمنع:

- ‌ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه:

- ‌ الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام:

- ‌تمهيد في الفرق بين الشرع المنزل، والمؤول، والمبدل:

- ‌ الآثار المترتبة على البقاء مع الأصل:

- ‌ الآثار التي تترتب على العدول عن الأصل:

- ‌ مدى تصرف إمام المسلمين في مجال الإلزام

- ‌ هل يكفر الإنسان وعلى لسانه لا إله إلا الله

- ‌ الصلاة خلف إمام ينكر أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ هل الإكراه بالقول أو الفعل يسوغ إظهار الكفر

- ‌ دراسة الفلسفة والمنطق والنظريات التي فيها استهزاء بآيات الله

- ‌ الحد الفاصل بين الكفر والإسلام

- ‌اتخاذ المسيحيين إخوانا

- ‌ الموالاة التي يكفر صاحبها وتخرجه من الملة

- ‌ مشاركة المسلم في الاحتفالات التي يقيمها البوذيون لموتاهم:

- ‌ زيارة الأقارب الذين يحبون الكفار

- ‌ كيفية التعامل مع النصراني المجاور في السكن أو في المدرسة

- ‌ تجنس الكافر بجنسية دولة مسلمة

- ‌ دخول غير المسلم مسجدا أو مصلى للمسلمين

- ‌ اتخاذ معبد للديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌ الازدواجية في إخراج الزكاة:

- ‌مفهوم الجهاد في الإسلام

- ‌مكانة الصبر:

- ‌حماسة المسلمين:

- ‌لا بد للجهاد من قاعدة:

- ‌جهاد اللسان:

- ‌فضل الجهاد:

- ‌المساواة:

- ‌الحرية:

- ‌ حرية الفكر لا حرية الكفر:

- ‌الحرية الحقيقية:

- ‌لا إكراه في الدين:

- ‌حكم الردة:

- ‌الرق:

- ‌الإسلام والرق:

- ‌موقف اليهود من الرقيق:

- ‌موقف النصرانية من الرقيق:

- ‌أوروبا المعاصرة والرقيق:

- ‌المرأة:

- ‌الميراث:

- ‌الطلاق:

- ‌الحضانة:

- ‌تعدد الزوجات:

- ‌تطبيق الشريعة:

- ‌الحدود والعقوبات الجسدية:

- ‌الجهاد في سبيل الله:

- ‌حقيقة الجهاد:

- ‌أمم الأرض والقوة:

- ‌أهم المصادر

- ‌أولا: تعريف المخدرات:

- ‌ثانيا: أنواع المخدرات والعقاقير المخدرة:

- ‌ثالثا: تصنيف المخدرات والعقاقير المخدرة:

- ‌رابعا: حكم تناول المخدرات في الشريعة الإسلامية:

- ‌خامسا: أدلة تحريم المخدرات والمفترات والعقاقير النفسية وغيرها:

- ‌سادسا: حكم تعاطي المخدرات للعلاج ومدى مشروعية التداوي بها:

- ‌سابعا: حكم الإعانة على تناول المخدرات:

- ‌تاسعا: حكم تصرفات من يتناول المخدرات:

- ‌المسألة الثالثة: من يؤدي الصلاة وهو تحت تأثير المخدر:

- ‌المسألة الرابعة: جناية متناول المخدرات على غيره:

- ‌عاشرا: عقوبة المخدرات في الشريعة الإسلامية:

- ‌ثانيا: عقوبة الإتجار بالمخدرات وتهريبها والترويج لها:

- ‌حادي عشر: الواجب الشرعي على المسلم إزاء مدمني ومهربي ومروجي المخدرات:

- ‌ثاني عشر: أسباب تعاطي المخدرات وانتشارها

- ‌ثالث عشر: الآثار السلبية المترتبة على تعاطي المخدرات:

- ‌أولا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد دينيا:

- ‌ثانيا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اجتماعيا:

- ‌ثالثا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد سلوكيا:

- ‌رابعا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد صحيا:

- ‌خامسا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اقتصاديا:

- ‌رابع عشر: طرق الوقاية من المخدرات وعوامل مكافحتها:

- ‌أولا: سن التشريعات الوقائية:

- ‌ثانيا: التوعية الدينية

- ‌ثالثا: مسئولية البيئة الاجتماعية:

- ‌رابعا: دور المؤسسات التربوية في الوقاية من المخدرات ومكافحتها:

- ‌خامسا: التوعية الإعلامية ودور وسائل الإعلام في مكافحة المخدرات والوقاية منها:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌أقوال الأئمة فيه جرحا وتعديلا:

- ‌أولا: الأئمة الذين جرحوه:

- ‌ثانيا: الأئمة الذين وثقوه:

- ‌ثالثا: القول الراجح فيه:

- ‌إلى من يعود الضمير في قوله: عن أبيه عن جده:

- ‌منزلة حديثه عند العلماء:

- ‌من قرارت المجامع الفقهية

- ‌القرار السابعبشأن الظروف الطارئة وتأثيرها في الحقوق والالتزمات العقدية

- ‌القرار الثانيحكم الإحرام من جدة للواردين إليها من غيرها

- ‌بيان لهيئة كبار العلماء بشأن ما كتبلولي الأمر عن بعض الأمور

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام:

ونوقش ثالثا: بأن مضرة عدم إلزام القاضي أو المفتي أن يقضي أو يفتي بقول معين قد تكون أشد من مضرة إلزامه بذلك، فلولي الأمر أن يلزمه بقول معين ولو خالف عقيدته في المسائل الاجتهادية، رعاية للمصلحة بارتكاب أخف المفسدتين تفاديا لأشدهما، وقد يقال: إن معرفة ذلك تتوقف على معرفة الآثار المترتبة على كل منهما، وسيأتي بحث ذلك.

ص: 39

‌ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه:

استدل من قال بجواز إلزام القاضي أو المفتي بمذهب أو قول معين بالدواعي والأسباب الطارئة التي اقتضت ضرورة تدوين أحكام المعاملات وإلزام القضاة والمفتين أن يعملوا بموجبها. . كما استدلوا بآثار عن السلف ووقائع قضوا فيها، ومن لم يثبت عنه قول في ذلك ولا عمل به سكت ولم ينكر فكان سكوته تقريرا، وصار ذلك إجماعا على مشروعية الإلزام، وفيما يلي تفصيل ذلك مع المناقشة.

أولا:‌

‌ الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام:

أ- وقوع أحكام اجتهادية متناقضة في قضايا متماثلة أدت إلى اتهام القضاة باتباع الهوى فيما يقضون. . إلخ، ويمكن أن يناقش ذلك بأن أحكام القضاة التي قيل فيها: إنها متناقضة قد يكون اختلاف الحكم فيها ناشئا عن اختلاف الظروف والأحوال في القضيتين، وتابعا للملابسات والدلائل والأمارات المختلفة فيهما، فيظن من نظر إلى أصل القضيتين دون ما أحاط بهما تماثل القضيتين، ويحكم بتناقض الحكم فيهما حسب نظره، والواقع أنه لا تناقض بل هذا من اختلاف الحكم لاختلاف الملابسات، وقد يكون تقابل الحكمين واختلافهما ناشئا عن اختلاف اجتهاد القاضيين، أو عن تغير اجتهاد القاضي وهذا سائغ شرعا، بل الواجب على القاضي أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده حين الفصل في القضية الحاضرة ولو خالف اجتهاده فيها اجتهاده في قضية سابقة مماثلة

ص: 39

وإن قدر أنه لم يفعل ذلك كان آثما، ولهذا نظير في أحكام الخلفاء الراشدين، بل اختلف الحكم في قضاء الصحابي الواحد، مثاله ما حكم به عمر بن الخطاب في قضية ميراث، ومثيلتها من حرمان الإخوة الأشقاء أولا من الميراث في قضية وتشريكهم مع الإخوة للأم في الثلث بعد ذلك في مثيلة الأولى، ولم يبعث ذلك ريبة في القاضي للثقة بعلمه وعدله وأمانته ولم يحملهم ذلك على التفكير في اختيار رأي واحد يلتزمون القضاء به، وقد يكون الاختلاف ناشئا من قصور القاضي في علمه أو في تطبيقه أو غير ذلك، فيكون طريق الخلاص من ذلك النهوض بالقضاة علميا وتدريبهم على التطبيق إلى غير هذا مما سيأتي بيانه.

ب- عدم وجود كتاب في المعاملات سهل العبارة يتعرف منه الناس أحكام المعاملات التي يفصل بها في الخصومات ليراعوها ويوفقوا بينها وبين أعمالهم. . إلخ ما تقدم في الدواعي. ونوقش ذلك بما يأتي:

1 -

الخلاف بين الفقهاء في الأحكام الفقهية قديم، وكان القاضي يعين منهم وليس له فقه مدون فيقضي باجتهاده، وأحيانا يعين حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا فيقضي بالفقه المدون في مذهب الإمام الذي انتسب إليه، وقد يؤديه اجتهاده إلى القضاء بقول في غير مذهب إمامه، ولم يتوقف وجوب رجوع المتخاصمين في الحقوق إلى التقاضي أمام المحاكم الشرعية على معرفة الرعية بشيء من الأحكام قبل بدئهم في العمل أو قبل التقاضي أكثر من أن القاضي سيحكم بينهم بما أداه إليه اجتهاده أو اجتهاد إمامه في الكتاب والسنة وما تفرع عنهما، فكان ذلك منهم إلغاء لاعتبار هذا السبب في تدوين الراجح عند بعض الفقهاء وإلزام القضاة العمل به.

2 -

إن هذا الداعي أو السبب مجرد فرض ومحض تقدير، وبيانه أن القوانين الوضعية مدونة ولها لوائح تفسيرية، ومع ذلك يجهلها السواد الأعظم من الأمة قبل العمل وقبل التقاضي عند الخلاف وإنما يعرفها القليل من

ص: 40

المتعلمين، ولهذا يوكلهم السواد الأعظم في التقاضي لجهلهم بمراجع القضاء في الحكم وقصورهم عن الدفاع، فكان ما ذكر مجرد تقدير لا يتفق مع واقع الأمم.

3 -

إنه على تقدير معرفة الناس بأحكام كلية حددت لهم فهي مما تختلف فيه الأفهام في التطبيق على جزئيات القضايا والوقائع، وخاصة إذا اختلفت الظروف والملابسات التي تحيط بالقضايا، فلا يزول ما تصور من الأشكال بالتدوين الخاص والإلزام بما فيه.

4 -

إذا رضي السواد الأعظم في كل أمة تتحاكم إلى القوانين الوضعية بالتقاضي إلى محاكمهم مع جهلهم بهذه القوانين وجب أن يرضوا بالتحاكم إلى المحاكم الشرعية مع جهلهم بتفاصيل مراجعهم في المعاملات بل الرضا بهذه المحاكم أولى؛ لأن مراجعها أعدل وأحكم، إذ هي مستقاة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقضاة المحاكم الشرعية أقرب إلى الخير والعدالة وأحرص على الحق وأكثر تحريا له، وأبعد عن الهوى وبواعث الجور.

جـ- تهرب بعض الناس من رفع قضاياه للمحاكم الشرعية بالمملكة إلى رفعها لمحاكم في دول أجنبية. . إلى آخر ما تقدم في الدواعي. . ويمكن أن يناقش بأن التهرب من المحاكم الشرعية ليس ناشئا من عدم تدوين الأحكام، فإنها مدونة ميسور الاطلاع عليها وفهمها وتحقيق الحق منها لمن راض نفسه على البحث فيها، وليس من ترك الاقتصار على الراجح وإلزام القضاة به خاصة. فإن القوانين الوضعية قد دونت وجعلت أحكاما موحدة منظمة معها أرقامها، وألزم قضاتها بالعمل بها فمع ذلك اختلفوا في فهمها أحيانا وفي تطبيقها أكثر، ووقع في الحكم بها اختلاف وأخطاء ونقض بعضها في محاكم الاستئناف، فلم يكن الاقتصار على أحكام موحدة في دولة ما، ولا الإلزام بها مانعا من الاختلاف ولا من الخطأ في فهمها أو تطبيقها، ولا من الخطأ عن إهمال أو هوى وإذن، فما وقع من الخطأ في الأحكام القضائية ليس مرده عدم الإلزام بقول

ص: 41

واحد، وإنما مرده إلى عدم النهوض بالقضاة علميا وقلة تدريبهم على تطبيق الأحكام على الوقائع إلى غير هذا من عدم توفر الوسائل والنظم التي لا بد منها لتفادي الأخطاء أو تقليلها، فبذلك ضعفت الثقة عند بعض الناس، وتمكنت الريبة فيهم فكان ما قيل من التهرب من التقاضي أمام المحاكم الشرعية واللجوء إلى غيرها.

أما الأجانب فيلزمون بما ذكر في عقودهم من الشروط الخاصة بعقدهم، وهم أدرى بمقتضاه فنيا، ويطبق عليهم ذلك كما يطبق عليهم ما ذكر في العقد الموحد من الخضوع للأحكام المعمول بها في المملكة، وقد دخلوا على ذلك عند التعاقد باختيارهم مع عقل ورشد، فيلزم كل بما التزم به، وليس لدولته التدخل في ذلك مع معرفته إجمالا بما دخل عليه، فيجب حل الإشكال بما أشير إليه من قبل إجمالا، وسيأتي شرحه دون اللجوء إلى التدوين والإلزام بما دون من القول الراجح، وقد يقال: إن اختلاف الأحكام القضائية في صدر الإسلام لم يبعث على تدوين أحكام موحدة ولا على الإلزام برأي معين لقوة العلماء في ذلك العهد وكفايتهم وقلة الاختلاف في الأحكام وندرة المشاكل، فتوفرت الثقة في نفوس الأمة وأمنت الفتنة فلهذا وأمثاله لم تلجئهم حاجة إلى ما ذكر من التدوين ولا إلى إلزام القضاة بقول معين، أما اليوم وقد صار أمر الناس إلى خلاف ذلك، فالحاجة ملحة، والضرورة إلى التدوين على الطريقة المقترحة والإلزام بالحكم بمقتضى ما دون أمر لا بد منه رعاية للمصلحة، وحفظا لحقوق الأمة، وإبقاء على العمل بأحكام الشريعة في المحاكم الشرعية.

ويقال أيضا: إن الخطأ في الفصل في الخصومات وإن كان لا يزال متوقعا بعد الاقتصار على القول الراجح إلا أنه أقل وأخف خطرا؛ لأنه بالتزام العمل بالقول الراجح تنحصر الأخطاء في تطبيقه على الوقائع بعد تحقيقها وتشخيصها، ومن المعلوم شرعا أن المفاسد إذا لم يمكن

ص: 42

القضاء عليها وجب بذل الجهد لتقليلها.

ص: 43

ثانيا: استدل من قال بجواز الإلزام بأدلة من الكتاب والسنة والآثار:

أ - أما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (1) الآية، فأمر سبحانه بطاعة أولي الأمر وهم الأمراء والعلماء وقرن حق طاعتهم بحق طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم إلا أن حق طاعة الله وطاعة رسوله عام في كل شيء وفي كل حال، وحق طاعة أولي الأمر خاص بالمعروف، فتجب طاعتهم فيما وافق الكتاب والسنة، وفيما لم يكن فيهما لكنه لم يتعارض معهما إذا أمروا به رعاية للمصلحة

ونوقش ذلك بما تقدم بيانه من أن طاعتهم فيما وضح حكمه واتفقت عليه الأمة، أما ما اشتبه أمره واختلف فيه العلماء فالمرجع في فصل النزاع فيه الكتاب والسنة بدليل قوله تعالى في نفس الآية:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (2) الآية، ولذا استدل علماء الأصول بهذه الآية على حجية الإجماع، وبذلك تكون الآية دليلا على المنع لا على الجواز، واستدلوا أيضا بقوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (3) وقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (4) فأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستشير أصحابه في الأمر ينزل به أو بالمسلمين، وأثنى على خيار المؤمنين بأن من شأنهم أن يتشاوروا بينهم، وقرن ذلك بثنائه عليهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وبالتناصر عند البغي عليهم ردا للعدوان ونصرة للحق، وغير هذا من الأفعال الواجبة والصفات الحميدة، ولا شك أن القضاء والفصل في الخصومات من أهم شئون المسلمين فينبغي تعاون القضاة مع كبار العلماء في حل مشاكل القضاء والعمل بمشورتهم ليكون القاضي على بصيرة فيما يحكم به بدلا من أن يستقل في ذلك بنفسه

(1) سورة النساء الآية 59

(2)

سورة النساء الآية 59

(3)

سورة آل عمران الآية 159

(4)

سورة الشورى الآية 38

ص: 43

فيكون عرضة لكثرة الخطأ والتناقض في أحكامه، ويكفيه أن يتحمل مشقة البحث في تشخيص القضايا وعناء تطبيق ما اختاره كبار العلماء من الأقوال على الوقائع والقضايا الجزئية بعد تحقيقها.

ب- وأما السنة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في شئونه وشئون الأمة، من ذلك أنه استشار الصحابة في أمر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما هو معروف في قصة الإفك، ومنها استشارته إياهم في غزواته في غزوة بدر، وأحد، والأحزاب، وغيرها مما لا يكاد ينكره أحد، وعمل بمشورة أصحابه رجالا ونساء، فعمل بمشورة سلمان في حفر الخندق، وبمشورة أم سلمة حينما دخل عليها في صلح الحديبية مغضبا، وقد أمر أصحابه أن ينحروا هديهم ويتحللوا من إحرامهم فلم يفعلوا فأشارت عليه أن يبدأ في ذلك بنفسه فقبل مشورتها، وكان في قبولها الخير، إلى غير هذا من الاستشارات والمشورات الكثيرة التي تواتر معناها، ومنها فيما ذكروا ما جاء في الأثر: إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه نص من كتاب ولا سنة، فقال:«اجمعوا له العالمين ولا تقضوا فيه برأي واحد» فثبت بهذا أن الشورى أصل شرعي فيجب على العلماء وضع كتاب فقهي مشتمل على الأقوال الراجحة ليسهل على الجميع معرفة الأحكام منه، وبالتالي يلزم القضاة الحكم بمقتضاه تفاديا لمفاسد الاختلاف وقضاء على التناقض في الأحكام، وإلا تعطلت الشورى واستشرى الفساد، وتفاقم التناقض.

ونوقش بأن الشورى مشروعة باتفاق، وعليها قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل خير القرون من هذه الأمة، لكنها غير ملزمة لمن استشار إلا إذا وافق اجتهاده اجتهاد من أشار عليه واقتنع به، ولا يصح أن يلزم بما أشير به عليه من آراء خالفت اجتهاده وإن كان فردا والمشيرون عليه كثرة؛ لأن الحق ليس وقفا على الكثرة، وليست الكثرة ميزانا يفرق به بين الحق والباطل. وأيضا الصحابة كانوا أحرص الناس على الشورى

ص: 44

وأكثرهم عملا بهم، ولم يلزموا المستشير أن يعمل بما أشير به عليه، ولم تتعطل الشورى، من ذلك أن عمر أشار على أبي بكر رضي الله عنهما أن يفاوت بين الناس في العطاء من بيت المال فيعطي كلا منهم حسب درجته ونصرته للإسلام وسبقه إليه، فأبى أبو بكر إلا أن يسوي بينهم في العطاء لاختلاف نظرهما في مقتضى العطاء. ومن ذلك ما أشار به الصحابة - وهم كثرة- على أبي بكر بترك قتال المرتدين ومانعي الزكاة فأبى إلا أن يقاتلهم ومضى فيما عزم عليه، وكان خيرا للمسلمين من رأي مخالفيه.

ومن ذلك أن عمر استشار الصحابة في دخول أرض علموا أن بها طاعونا وعدوله عن الدخول فيها ثم خالف مشورتهم وعدل عن الدخول فيها، وهم كثرة، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبره بما حفظه في ذلك من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيه تأييد لرأي عمر رضي الله عنه. وبالجملة فالأمر كما تقدم من أن الشورى ليست ملزمة، ولا حرج على الواحد في مخالفة الكثرة والعمل بمقتضى اجتهاده، بل هذا هو الواجب، وأصول الشريعة تشهد لصحته.

ولقائل يقول: إن ما ذكر في المناقشة إنما ينطبق على المجتهد؛ لأن له قولا أداه إليه اجتهاده واعتقد صحته، أما المقلد المحض فلا رأي له وهو لعجزه عن استنباط الأحكام مخير في اتباع إمام من الأئمة المجتهدين، فمثل هذا قد يقال بأن إمام المسلمين له أن يلزمه إذا تولى القضاء أن يحكم بمذهب أو قول معين، رعاية لما تقدم بيانه من المصلحة، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تابع على كل حال، فليكن تابعا لما أمره به ولي الأمر في الشئون العامة والحقوق المشتركة بين الأمة، وقد استدل بعض المعاصرين بأن الصحابة قالوا:«إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه كتاب ولا سنة، فقال: " اجمعوا له العالمين ولا تقضوا فيه برأي واحد (1)» على الإلزام، ولكن الاستدلال به يتوقف على إثبات كونه عن

(1) سنن الدارمي المقدمة (117).

ص: 45

النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه لم يصح، فقد ذكره الخطيب البغدادي في باب القول في الاحتجاج بصحيح القياس ولزوم العمل به من كتاب الفقيه والمتفقه، قال: أنا أبو القاسم علي بن محمد بن موسى البزار، وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل قالا: أنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، أنا محمد بن الربيع بن بلال العامري، أنا إبراهيم بن أبي الفياض، أنا سليمان بن بزيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال: قلت: «يا رسول الله الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء، قال: "أجمعوا له العابدين من أمتي، واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد» .

وساق ابن حجر في لسان الميزان هذا الحديث في ترجمة سليمان بن بزيع ثم قال: قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان ليسا بالقويين، ولا يحتج بهما. قلت: وقال الدارقطني في غرائب مالك: لا يصح، تفرد به إبراهيم بن أبي الفياض عن سليمان، ومن دون مالك ضعيف، وساقه الخطيب في كتاب الرواة عن مالك من طريق إبراهيم عن سليمان، وقال: لا يثبت عن مالك. . والله أعلم. انتهى.

ثم هو مخالف لما جرى عليه العمل قرونا كثيرة حيث كان كل من المجتهدين يعمل بمقتضى اجتهاده ويحكم به، وكان الصحابة بل الرسول صلى الله عليه وسلم يقبلون مشورة الواحد ويعملون بها، ولم يكن من شأنهم أن يجمعوا العالمين في كل ما نزل بهم، ثم لو ثبت لم يزد على أن يكون نصا من نصوص المشورة، وتقدم أنها غير ملزمة إلا إذا وافقت اجتهاد المستشير، وإلا عمل باجتهاد نفسه كما تقدم بيانه في النقل عن الصحابة رضي الله عنهم.

ص: 46

جـ- وأما الآثار فكثيرة:

أ- منها إجماع الصحابة على جمع القرآن وتدوينه في نسخة واحدة، حفظا للقرآن من أن يذهب بذهاب القراء، وهذا وإن كان في بادئ الأمر أمرا جديدا وعملا محدثا حيث إنه لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه واجب؛ لاتفاقه مع روح الشريعة ومقاصدها، فكذا إلزام القضاة أن يحكموا بالقول الراجح من أقوال الفقهاء، فإنه وإن كان يبدو أمرا محدثا إلا أنه لا يخالف كتابا ولا سنة، بل هو مقتضى المصلحة؛ لما فيه من دفع الريبة والقضاء على الاضطراب والتناقض في الأحكام فكان واجبا.

ونوقش بأن القرآن كان مكتوبا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، والأمة مأمورة بحفظ الدين وإبلاغه بالنصوص المتواترة، ولم يزد الصحابة على أن جمعوا ما كان مفرقا عملا بمقصد ضروري من مقاصد الشريعة وهو وجوب حفظ الدين وإبلاغه بخلاف إلزام القضاة بالحكم الراجح من أقوال الفقهاء فإنه مخالف لمقتضى النصوص ولما جرى عليه العمل في القرون التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخير.

ونوقش هذا بأمور:

2 -

ومنها جمع عثمان رضي الله عنه الأمة على حرف واحد من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن، وقصر الناس على القراءة بهذا الحرف، وتحريقه المصاحف الأخرى التي تخالف مصحف الإمام. وقد كتب من هذا المصحف نسخا وأرسل بها إلى أمهات البلاد الإسلامية، واستمرت القراءة لهذا اليوم. فكذا إلزام القضاة بالقول الراجح من أقوال الفقهاء بل هو أولى بأن أقوال الفقهاء شرع مؤول يحتمل كل منها الخطأ أو الصواب، والقراءات شرع منزل كلها حق لا يحتمل الخطأ، فكان الإلزام واجبا رعاية للمصلحة.

ونوقش هذا بأمور:

الأول: أن عثمان ومن وافقه من الصحابة استندوا إلى مصلحة شهدت لها أصول الشريعة، فإن في قصره على حرف واحد حفظا للدين بحفظ أصله- وهو القرآن- من الاختلاف فيه، وحفظا للنفوس، وبيانه أن حذيفة أخبره بان الصحابة اختلفوا في القراءة اختلافا تخشى منه الفتنة ووقوع القتال بينهم، وفي اختلافهم واقتتالهم ضياع للدين

ص: 47

وقضاء على وحدة المسلمين وقوتهم، بل قضاء على نفوسهم، وحفظ الدين والنفوس من الضروريات الخمس فوجب إيثار ذلك على بقاء القراءات؛ لأن بقاءها كمالي للاستغناء عنها بقراءة منها، لتضمنها ما في القراءات الأخرى من المعاني والأحكام، بخلاف إلزام القضاة أن يحكموا بقول راجح اختير من قولين أو أقوال للفقهاء، فإن ما ظن فيه من المصلحة غير معتبر لشهادة الأدلة السابقة بعدم اعتباره، ولأن القراءات كلها معصومة متحدة الأحكام والمقاصد فصح الاكتفاء بواحدة منها بخلاف أقوال الفقهاء فإنها مختلفة في مقاصدها وأحكامها ولا ينحصر الحق في واحد منها، فلم يجز الاقتصار على ما يرى جماعة من العلماء أنه الراجح منها وإلزام الناس به، فقد يكون الحق فيما ترك.

الثاني: أنه منع من القراءة بما يخالف مصحفه، أما الاحتجاج بالقراءات الأخرى فلم يمنع منه، ولذا لا يزال الاحتجاج بما صح منها قائما باقيا عند جماعة من الأئمة المجتهدين، إما على أنها أخبار آحاد أو قول صحابي عند من يعتبره حجة.

الثالث: إن القراءة بالأحرف السبعة كانت على التخيير لا الإلزام، تيسيرا للقراءة على الناس لاختلاف ألسنتهم، فلما لانت بها ألسنتهم لكثرة اجتماعهم والاختلاط بينهم، وكان ما كان من الاختلاف فيها كان بقاؤها كماليا عارضه مصلحة ضرورية، فقدمت على مصلحة بقاء القراءات، ولم يفت المسلمين شيء من أحكام القرآن بذلك؛ لاجتماعها في المصحف الإمام، بخلاف الاقتصار على قول من أقوال الفقهاء فإنه لا يدري عما اختير، هل هو متضمن للحق والصواب أو الحق فيما ترك من الأقوال.

3 -

ومنها: ما رواه سعيد بن منصور في سننه، وابن أبي شيبة في المصنف أن معاوية كتب إلى زياد أن يأمر شريحا بتوريث المسلم من الكافر دون العكس، فلما أمره زياد قضى بقوله فكان إذا قضى بذلك يقول: هذا قضاء أمير المؤمنين، فهذا من معاوية وشريح دليل على جواز إلزام القضاة أن يحكموا بقول معين، وعلى التزام القاضي بذلك ولو كان مجتهدا.

ص: 48

ونوقش أولا بأن في سند هذا الأثر مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وثانيا بأن قضاء شريح بقول معاوية يحتمل أن يكون من باب الخبر، بدليل أنه كان يقول بعد قضائه: هذا قضاء أمير المؤمنين.

4 -

ومنها: كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما في شئون القضاء، وفيه:"اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك" فأمره عمر أن يحكم بالقياس وأن يجتهد في ذلك، وكلاهما مجتهد، وقد يكون رأي أبي موسى في أصل العمل بالقياس مخالفا لرأي عمر رضي الله عنهما، ففي الأثر تقييد الإمام لقاضيه المجتهد برأيه حيث أمره أن يقيس الأمر بما يشبهه، ويحكم بمقتضاه، فدل على جواز إلزام القضاة - ولو كانوا مجتهدين - برأي معين. وقد يناقش بما ذكره ابن حزم في الجزء السابع من كتاب الأحكام من أن هذا الحديث روي من - طريقتين: الأولى فيها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، قال ابن حزم: عبد الملك متروك الحديث ساقط بلا خلاف وأبوه مجهول. وذكر أن في الطريق الثانية أربعة مجهولين وأنها منقطعة. وقد ناقشه ابن القيم في ذلك في كتاب إعلام الموقعين، وقد يناقش أيضا بأن هذا من باب إجابة الإمام لمن استرشده من أمرائه وعماله والنصيحة والتوجيه له في القيام بعمله، ثم هو مجتهد فيما يحكم به قاض بمقتضى نظره، وليس من باب تقييد القاضي وإلزامه أن يحكم بقول معين وإن كان مجتهدا، لقيام الدليل على أن كل مجتهد يجب عليه العمل باجتهاده.

5 -

وفي معنى ما تقدم من الآثار تدوين السنة وسائر العلوم العربية والدينية وإنشاء المعاهد والمدارس والجامعات العلمية والمصانع والمصحات ودور العجزة والأيتام، وتدوين الدواوين ونحوها مما يدخل في عموم تصرفات ولاة الأمور، رعاية لمصلحة الأمة في دينها ودنياها، وحفظا لحقوقها العامة والخاصة، وسيأتي إن شاء الله بيان مدى تصرف إمام المسلمين، وبيان ما إذا كان يدخل فيه إلزام القضاة أن يحكموا بقول أو مذهب معين أو لا يدخل في ذلك.

ص: 49