المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سابعا: حكم الإعانة على تناول المخدرات: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ المذهب المالكي:

- ‌ المذهب الشافعي:

- ‌ المذهب الحنبلي:

- ‌ نقول عن بعض الفقهاء المعاصرين

- ‌أولا: أدلة من قال بالمنع:

- ‌ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه:

- ‌ الدواعي والأسباب التي تبرر التدوين والإلزام:

- ‌تمهيد في الفرق بين الشرع المنزل، والمؤول، والمبدل:

- ‌ الآثار المترتبة على البقاء مع الأصل:

- ‌ الآثار التي تترتب على العدول عن الأصل:

- ‌ مدى تصرف إمام المسلمين في مجال الإلزام

- ‌ هل يكفر الإنسان وعلى لسانه لا إله إلا الله

- ‌ الصلاة خلف إمام ينكر أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ هل الإكراه بالقول أو الفعل يسوغ إظهار الكفر

- ‌ دراسة الفلسفة والمنطق والنظريات التي فيها استهزاء بآيات الله

- ‌ الحد الفاصل بين الكفر والإسلام

- ‌اتخاذ المسيحيين إخوانا

- ‌ الموالاة التي يكفر صاحبها وتخرجه من الملة

- ‌ مشاركة المسلم في الاحتفالات التي يقيمها البوذيون لموتاهم:

- ‌ زيارة الأقارب الذين يحبون الكفار

- ‌ كيفية التعامل مع النصراني المجاور في السكن أو في المدرسة

- ‌ تجنس الكافر بجنسية دولة مسلمة

- ‌ دخول غير المسلم مسجدا أو مصلى للمسلمين

- ‌ اتخاذ معبد للديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌ الازدواجية في إخراج الزكاة:

- ‌مفهوم الجهاد في الإسلام

- ‌مكانة الصبر:

- ‌حماسة المسلمين:

- ‌لا بد للجهاد من قاعدة:

- ‌جهاد اللسان:

- ‌فضل الجهاد:

- ‌المساواة:

- ‌الحرية:

- ‌ حرية الفكر لا حرية الكفر:

- ‌الحرية الحقيقية:

- ‌لا إكراه في الدين:

- ‌حكم الردة:

- ‌الرق:

- ‌الإسلام والرق:

- ‌موقف اليهود من الرقيق:

- ‌موقف النصرانية من الرقيق:

- ‌أوروبا المعاصرة والرقيق:

- ‌المرأة:

- ‌الميراث:

- ‌الطلاق:

- ‌الحضانة:

- ‌تعدد الزوجات:

- ‌تطبيق الشريعة:

- ‌الحدود والعقوبات الجسدية:

- ‌الجهاد في سبيل الله:

- ‌حقيقة الجهاد:

- ‌أمم الأرض والقوة:

- ‌أهم المصادر

- ‌أولا: تعريف المخدرات:

- ‌ثانيا: أنواع المخدرات والعقاقير المخدرة:

- ‌ثالثا: تصنيف المخدرات والعقاقير المخدرة:

- ‌رابعا: حكم تناول المخدرات في الشريعة الإسلامية:

- ‌خامسا: أدلة تحريم المخدرات والمفترات والعقاقير النفسية وغيرها:

- ‌سادسا: حكم تعاطي المخدرات للعلاج ومدى مشروعية التداوي بها:

- ‌سابعا: حكم الإعانة على تناول المخدرات:

- ‌تاسعا: حكم تصرفات من يتناول المخدرات:

- ‌المسألة الثالثة: من يؤدي الصلاة وهو تحت تأثير المخدر:

- ‌المسألة الرابعة: جناية متناول المخدرات على غيره:

- ‌عاشرا: عقوبة المخدرات في الشريعة الإسلامية:

- ‌ثانيا: عقوبة الإتجار بالمخدرات وتهريبها والترويج لها:

- ‌حادي عشر: الواجب الشرعي على المسلم إزاء مدمني ومهربي ومروجي المخدرات:

- ‌ثاني عشر: أسباب تعاطي المخدرات وانتشارها

- ‌ثالث عشر: الآثار السلبية المترتبة على تعاطي المخدرات:

- ‌أولا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد دينيا:

- ‌ثانيا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اجتماعيا:

- ‌ثالثا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد سلوكيا:

- ‌رابعا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد صحيا:

- ‌خامسا: الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الأفراد اقتصاديا:

- ‌رابع عشر: طرق الوقاية من المخدرات وعوامل مكافحتها:

- ‌أولا: سن التشريعات الوقائية:

- ‌ثانيا: التوعية الدينية

- ‌ثالثا: مسئولية البيئة الاجتماعية:

- ‌رابعا: دور المؤسسات التربوية في الوقاية من المخدرات ومكافحتها:

- ‌خامسا: التوعية الإعلامية ودور وسائل الإعلام في مكافحة المخدرات والوقاية منها:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌أقوال الأئمة فيه جرحا وتعديلا:

- ‌أولا: الأئمة الذين جرحوه:

- ‌ثانيا: الأئمة الذين وثقوه:

- ‌ثالثا: القول الراجح فيه:

- ‌إلى من يعود الضمير في قوله: عن أبيه عن جده:

- ‌منزلة حديثه عند العلماء:

- ‌من قرارت المجامع الفقهية

- ‌القرار السابعبشأن الظروف الطارئة وتأثيرها في الحقوق والالتزمات العقدية

- ‌القرار الثانيحكم الإحرام من جدة للواردين إليها من غيرها

- ‌بيان لهيئة كبار العلماء بشأن ما كتبلولي الأمر عن بعض الأمور

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌سابعا: حكم الإعانة على تناول المخدرات:

المريض لمخاطر الإدمان والأمراض العقلية والجسمية والنفسية المترتبة على استعمالها.

ص: 242

‌سابعا: حكم الإعانة على تناول المخدرات:

اتضح لنا مما سبق أن حرمة تناول المخدرات صارت واضحة لكل ذي لب وأن تعاطيها للتداوي مشروط بالضوابط التي تقدمت قريبا. وبناء على ذلك: فإن الإعانة على التعاطي تكون أيضا محرمة، لأن الوسيلة إلى فعل المعصية تكون معصية كذلك. كما أن الوسائل إلى الطاعات تكون طاعات كذلك. وهذه قاعدة إسلامية عظيمة حيث تأخذ الوسائل حكم الغايات فبيع السلاح وقت الفتنة حرام كحرمة بيع أرض للنصارى بقصد بنائها كنيسة وبيع العنب لمن يعصره خمرا ونحو ذلك (1).

والإعانة المحرمة تشمل: زارعي هذه المواد المخدرة والمتجرين فيها والمشترين لها والوسطاء فيها والحاملين لها لتوصيلها إلى الشاربين وصانعي مشتقاتها التي يقصد بها الاستعمال في التخدير بقصد تغييب العقل أو الحصول على شيء من النشوة والمرح، كما أن الثمن الناتج عن بيعها حرام والصدقة به (2). لا تجوز.

وقد تضافرت النصوص الشرعية على ذلك منها:

قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (3)

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد جـ 5/ 747.

(2)

المخدرات بين الطب والفقه د / أحمد طه ريان ص 98.

(3)

سورة المائدة الآية 2

ص: 242

[ب] حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (1)» . . الحديث (2). وبيع هذه المواد يدخل في تحريم بيع الخمر بطريق القياس بجامع تغييب العقل في كل.

[جـ] حديث أنس رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له (3)» . فاللعن هنا واقع على جميع الأطراف المتعاونة على فعل المحرم.

[د] وروى مالك في موطئه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجالا من أهل العراق قالوا له يا أبا عبد الرحمن إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها فقال عبد الله بن عمر "إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والإنس أني لا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تشربوها ولا تسقوها فإنها رجس من عمل الشيطان"(4).

[هـ] حديث أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلا أراد أن يهدي النبي صلى الله عليه وسلم خمرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها قد حرمت. فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، فقال الرجل: أفلا أكارم بها اليهود؟ فقال: إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود. قال: فكيف أصنع بها؟ قال شنها في البطحاء (5)» .

إن الخمر وسائر المخدرات والمسكرات بكافة أنواعها وأسمائها يحرم تعاطيها بأي وجه من وجوه التعاطي. كما يحرم تصنيعها وزراعتها وإنتاجها وتهربيها والاتجار فيها وبيعها وإهداؤها والتعامل بها على أي وجه كان وعلى أي صفة، والإعانة على ذلك إعانة على معصية محرمة لا شبهة في حرمتها. . يقول الله

(1) صحيح البخاري البيوع (2236)، صحيح مسلم المساقاة (1581)، سنن الترمذي البيوع (1297)، سنن النسائي البيوع (4669)، سنن أبو داود البيوع (3486)، سنن ابن ماجه التجارات (2167)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 324).

(2)

رواه مسلم حديث رقم 1581.

(3)

سنن أبي داود جـ 2 ص 292.

(4)

تنوير الحوالك شرح موطأ مالك بن أنس رحمه الله جـ 2/ 58 كتاب الأشربة.

(5)

المسند للحميدي جـ 2/ 448 حديث رقم 1034.

ص: 243

تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (1) الآية.

فكل خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه وبمعاونة غيره عليها من إخوانه المؤمنين بكل قول يبعث عليها وينشط لها وبكل فعل كذلك، وكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه (2).

وروى مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء (3)» . ولمسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (4)» . قال النووي في شرح مسلم (5): (هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك وسواء كان العمل في حياته أو بعد موته).

(1) سورة المائدة الآية 2

(2)

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن السعدي جـ 2 ص 238، 239.

(3)

صحيح مسلم جـ 4/ 2059، 2060 كتاب العلم برقم 1017.

(4)

صحيح مسلم جـ 4/ 2058 كتاب العلم برقم 2674.

(5)

جـ 16/ 226، 227.

ص: 244

فيحرم على المسلم أن يتملك شيئا من هذه السموم المهلكة من المخدرات والمسكرات وأن يملكها غيره بأي سبب من أسباب الملك من البيع والشراء والهبة والهدية وغيرها (1).، كما لا يحل له أن يعاونه على شربها أو حيازتها وإحرازها، فإن فعل فقد ضره والضرر منفي شرعا "فلا ضرر ولا ضرار"(2). في الإسلام، فلا يحل لمسلم أن يضر أخاه المسلم بقول أو فعل أو سبب بغير حق، وسواء كان له في ذلك نوع منفعة أو لا وهذا عام في كل حال على كل أحد" (3).

كما يعتبر الزارع والمروج والمهرب والتاجر لهذه السموم عاصيا، لأنه يرضى لغيره أن يتعاطاها والإعانة على الطاعة طاعة والإعانة على المعصية معصية. روى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري قال:«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني "أبدع بي ". فاحملني فقال ما عندي. فقال رجل يا رسول الله أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دل على خير فله مثل أجر فاعله (5)» . وهذا يقتضي من دل على شر، فعليه مثل وزر فاعله، فكل من عاون غيره على البر والتقوى فهو من الدالين على الخير الداعين إلى الهدى، وكل من أعان غيره على الإثم والعدوان فهو من الدالين على الشر الداعين إلى الضلالة.

فلنكن دعاة خير وهدى ولنجتهد في مطاردة متعاطي هذه الآفات المدمرة وجميع من يعاونونهم على شربها أو ترويجها والاتجار فيها. والله المستعان.

(1) الفقه الإسلامي وأدلته د / وهبة الزحيلي جـ 6/ 156، 157.

(2)

رواه أحمد وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3)

القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة للسعدي ص 52 ط المدني بالقاهرة 1375هـ.

(4)

صحيح مسلم جـ 3/ 1506 حديث رقم 1893.

(5)

أي هلكت دابتي وهي مركوبي [صحيح مسلم هامش 1 جـ 3/ 1506]. (4)

ص: 245

حكم من استحل تناول المخدرات

والعقاقير المخدرة

ذكرت فيما سبق الحكم الشرعي لتناول المخدرات وأنها داخلة في عموم تحريم الخمر، إما بالنص أو بالقياس على الخمر أو لما فيها من الأضرار الفردية، والاجتماعية وغيرها. وأقمت الأدلة على حرمتها ثم (1).؛ وبناء عليه فما يثبت من أحكام على متناول الخمر يثبت تبعا على متناول هذه المواد المخدرة. قال ابن حجر الهيثمي في الزواجر (2).

الكبيرة السبعون بعد المائة: أكل المسكر الطاهر كالحشيشة والأفيون والشيكران بفتح الشين المعجمة وهو البنج وكالعنبر والزعفران وجوزة الطيب فهذه كلها مسكرة كما صرح به النووي في بعضها وغيره في باقيها ولا ينافي أنها تسمى مخدرة. وإذا ثبت أن هذه كلها مسكرة أو مخدرة فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيء من هذه المذكورات، لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه لأنه الآلة للفهم عن الله تعالى وعن رسوله والمتميز به الإنسان عن الحيوان والوسيلة إلى إيثار الكمالات عن النقائص فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر.

فمن تعمد شرب القليل من الخمر وكذا المخدرات بأنواعها مع علمه بالتحريم فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، بل ذهب بعضهم إلى أن ذلك من أكبر الكبائر (3). ولا ريب أن كل ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة من أخبث الخبائث وفاعله مستحق للعن والطرد من رحمة الله تعالى إلا أن يتوب، روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى

(1) انظر ما سبق في هذا الحديث حول أدلة تحريم المخدرات من هذا البحث.

(2)

جـ 1/ 212 ط دار المعرفة / لبنان.

(3)

الكبائر للحافظ الذهبي ص 90.

ص: 246

الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ومات ولم يتب منها وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة (1)» ، وروى الحاكم في مستدركه (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر (3)» وروى الحاكم في مستدركه (4) أيضا بسنده: أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم ينتهون إليه فأرسلوا إلى عبد الله بن عمرو يسألونه عن ذلك فأخبرهم أن أعظم الكبائر شرب الخمر وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل نفسا أو يزني أو يأكل لحم خنزير أو يقتلوه إن أبى فاختار أن يشرب الخمر وأنه لما شربها لم يمتنع من شيء أرادوه منه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا مجيبا ما من أحد يشربها فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية» .

وقد وردت الأحاديث الكثيرة في تحريم هذه الخبائث والتحذير منها والوعيد لشاربها وتوعده بالعقوبة في الدنيا والآخرة إلا أن يتوب فمن تاب. . تاب الله عليه. روى الحاكم في مستدركه وصححه (5). عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر شربة لم تقبل توبته أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل توبته أربعين صباحا فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة. الخبال يوم القيامة (6)» وردغة الخبال:

(1) صحيح مسلم الأشربة (2003)، سنن الترمذي الأشربة (1861)، سنن أبو داود الأشربة (3679)، سنن ابن ماجه الأشربة (3390)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 98).

(2)

جـ 4/ 145 ط دار الكتاب العربي، بيروت / لبنان.

(3)

سنن ابن ماجه الأشربة (3371).

(4)

جـ 4/ 147.

(5)

جـ 1/ 30.

(6)

الردغة: طين ووحل كثير: المستدرك المرجع السابق.

ص: 247

أي طينة الخبال أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى «حين سئل وما طينة الخبال؟ فقال: عصارة أهل النار (1)» . أعاذنا الله من شرها وحرها وعصارة أهلها.

وهذا الذي تقدم فيمن شربها معتقدا حرمتها، أما من شرب الخمر وسائر المسكرات والمخدرات مستحلا لها معتقدا أنها له حلال، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى تكفيره وإباحة قتله إن لم يتب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد سئل عمن يأكل الحشيشة فأجاب:(الحمد لله هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنها حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين)(2). وبهذا أفتى بعض فقهاء الحنفية كنجم الدين الزاهدي وغيره، وعللوا ذلك بأن مفاسدها [أي الحشيشة] أعظم من مفاسد الخمر (3).

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن مستحل ذلك فاسق زنديق تلزمه أحكام الفسقة في رد شهادته وعدم صلاحيته لتولي الوظائف العامة في الدولة ونحو ذلك والذي يظهر- والله أعلم- أن القول بكفر مستحل المخدرات والمسكرات أيا كان نوعها وجنسها هو الأقرب للصواب وهو الذي يتفق مع القواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي تقضي بكفر من أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة. قال شارح الطحاوية: " لا خلاف بين المسلمين أن الرجل إذا أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا ".

(1) سنن أبي داود.

(2)

مجموع فتاوى شيح الإسلام ابن تيمية جـ 34، ص 186 وما بعدها.

(3)

رسائل ابن عابدين.

ص: 248

"وروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال وتأولوا قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} (1) الآية، فأجمع علي وعمر أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا"(2). "ولقد ثبتت حرمة الخمر بدليل قطعي وهو القرآن الكريم والسنة والإجماع فمن استحلها فهو كافر مرتد حلال الدم والمال"(3).

"وفي المخدرات من المفاسد ما ليس في الخمر فهي أولى منها بالتحريم، وقد أجمع العلماء على حرمة تعاطي هذه السموم، وزراعتها والتجارة فيها وإجماع العلماء حجة شرعية يجب العمل بها ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ ذلك لأنه قد استحل حراما مجمعا على تحريمه "(4).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(والحشيشة المسكرة حرام، ومن استحل السكر منها فقد كفر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (5)» يتناول ما يسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا أو مشروبا أو جامدا أو مائعا. فلو اصطبغ كالخمر كان حراما، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراما، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم، فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن) (6).

إن العجب كل العجب أن بعض المدمنين والمهربين وتجار المخدرات يجادلون

(1) سورة المائدة الآية 93

(2)

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي جـ 6/ 299.

(3)

المغني لابن قدامة 8/ 303، 304.

(4)

أضرار المخدرات وحوار مع حشاش / عمران عبد الكريم ص 46، 47 مطابع السلام العالمية بالقاهرة.

(5)

صحيح مسلم حديث رقم 03/ 20 كتاب الأشربة، ومسند الإمام أحمد 2جـ / 16، 29.

(6)

فتاوى ابن. تيمية جـ 34/ 204، 205.

ص: 249