الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصُّبْحِ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَشْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ بِرَأْيٍ دَخِيلٍ، وَاسْتِحْسَانٍ ذَمِيمٍ، وَظَنٍّ فَاسِدٍ، وَنَظَرٍ مَشُوبٍ بِالْهَوَى.
فَانْظُرْ وَفَّقَكَ اللَّهُ لِلْحَقِّ: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَاسْتِعْمَالِ الْأَثَرِ.
فَإِذَا قَضَيْتَ بَيْنَ هَذَيْنِ بِوَافِرِ لُبِّكَ وَصَحِيحِ نَظَرِكِ، وَثَاقِبِ فَهْمِكَ فَلْيَكُنْ شُكْرُكُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى حَسَبِ مَا أَرَاكَ مِنَ الْحَقِّ وَوَفَّقَكَ لِلصَّوَابِ وَأَلْهَمَكَ مِنَ السَّدَادِ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ هَذَا عِنَايَتُهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسِيرَتِهِ وَهَدْيِهِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَالنَّظَرِيِّ مَا لَا تُفِيدُهُ عِنْدَ الْمُعْرِضِ عَنْهَا الْمُشْتَغِلِ بِغَيْرِهَا، وَهَذَا شَأْنُ مَنْ عُنِيَ بِسِيرَةِ رَجُلٍ وَهَدْيِهِ وَكَلَامِهِ وَأَحْوَالِهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ مَا هُوَ مَجْبُولٌ لِغَيْرِهِ.
[فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها]
فَصْلٌ
الْمَقَامُ الْخَامِسُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَوْ لَمْ تُفِدِ الْيَقِينَ فَإِنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ حَاصِلٌ مِنْهَا وَلَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِهَا كَمَا لَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْأَحْكَامِ الطَّلَبِيَّةِ بِهَا، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الطَّلَبِ وَبَابِ الْخَبَرِ بِحَيْثُ يَحْتَجُّ بِهَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الْخَبَرِيَّاتِ الْعِلْمِيَّاتِ كَمَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الطَّلَبِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ، وَلَا سِيَّمَا وَالْأَحْكَامُ الْعَمَلِيَّةُ تَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ شَرَعَ كَذَا وَأَوْجَبَهُ وَرَضِيَهُ دِينًا، بِشَرْعِهِ وَدِينِهِ رَاجِعٌ إِلَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَمْ تَزَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ جَوَّزَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
فَأَيْنَ السَّلَفُ وَالْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، نَعَمْ سَلَفُهُمْ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَا عِنَايَةَ لَهُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ يَصُدُّونَ الْقُلُوبَ عَنِ الِاهْتِدَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَيُحِيلُونَ عَلَى آرَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَوَاعِدِ الْمُتَكَلِّفِينَ، فَهُمُ الَّذِينَ يُعْرَفُ عَنْهُمْ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الدِّينَ إِلَى مَسَائِلَ عِلْمِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ وَسَمَّوْهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا وَقَالُوا: الْحَقُّ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَاحِدٌ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، وَأَمَّا مَسَائِلُ الْفُرُوعِ فَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الْخَطَأُ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ حُكْمُهُ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَوْ
رَجَعَ إِلَى مُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَا سَمَّوْهُ أُصُولًا مِمَّا سَمَّوْهُ فُرُوعًا، فَكَيْفَ وَقَدْ وَضَعُوا عَلَيْهِ أَحْكَامًا وَضَعُوهَا بِعُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ (مِنْهَا) التَّكْفِيرُ بِالْخَطَأِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ دُونَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (وَمِنْهَا) إِثْبَاتُ الْفُرُوعِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ دُونَ الْأُصُولِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكُلُّ تَقْسِيمٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأُصُولُ الشَّرْعِ بِالِاعْتِبَارِ فَهُوَ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ يَجِبُ إِلْغَاؤُهُ.
وَهَذَا التَّقْسِيمُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ ضَلَالِ الْقَوْمِ فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا سَمَّوْهُ أُصُولًا وَمَا سَمَّوْهُ فُرُوعًا، وَسَلَبُوا الْفُرُوعَ حُكْمَ اللَّهِ الْمُعَيَّنَ فِيهَا، بَلْ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آرَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَجَعَلُوا مَا سَمَّوْهُ أُصُولًا مَنْ أَخْطَأَ فِيهِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، وَادَّعَوُا الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا التَّفْرِيقِ، وَلَا يُحْفَظُ مَا جَعَلُوهُ إِجْمَاعًا عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهَذَا عَادَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ يُحَكِّمُونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ، أَمَّا هَذِهِ دَعْوَى الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَأَمْثَالِهِمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُبْطِلُوا سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا يَدَّعُونَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ نَصًّا أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَنَازِعِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَيْسُوا كُلُّهُمْ سَوَاءً، بَلْ فِيهِمُ الْمُصِيبُ وَالْمُخْطِئُ، فَالْكَلَامُ فِيمَا سَمَّوْهُ أُصُولًا وَفِيمَا سَمَّوْهُ فُرُوعًا، يَنْقَسِمُ إِلَى مُطَابِقٍ لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَغَيْرِ مُطَابِقٍ، فَانْقِسَامُ الِاعْتِقَادِ فِي الْحُكْمِ إِلَى الْمُطَابِقِ وَغَيْرِ مُطَابِقٍ كَانْقِسَامِ الِاعْتِقَادِ فِي بَابِ الْخَمْرِ إِلَى مُطَابِقٍ وَغَيْرِ مُطَابِقٍ، فَالْقَائِلُ فِي الشَّيْءِ حَلَالٌ وَالْقَائِلُ حَرَامٌ فِي إِصَابَةِ أَحَدِهِمَا وَخَطَأِ الْآخَرِ كَالْقَائِلِ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرَى وَالْقَائِلِ أَنَّهُ لَا يُرَى فِي إِصَابَةِ أَحَدِهِمَا وَخَطَأِ الْآخَرِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى خَطَأٌ أَوْ عَمْدٌ فِي هَذَا كَالْكَذِبِ عَلَيْهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الْمُخْبِرَ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِكَذَا وَأَبَاحَهُ، وَالْآخَرُ يُخْبِرُ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُ، فَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ قَطْعًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا بَلْ هُوَ حَلَالٌ فِي حَقِّ مَنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ، حَرَامٌ فِي حَقِّ مَنِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ.
قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْمِفْتَاحِ وَغَيْرِهِ (مِنْهَا) إِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَخِلَافُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ
حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعًا لِآرَاءِ الرِّجَالِ وَظُنُونِهَا (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ حَسَنًا قَبِيحًا مُرْضِيًا لِلَّهِ مَسْخُوطًا مَحْبُوبًا لَهُ مَبْغُوضًا (وَمِنْهَا) أَنَّهُ يَنْفِي حَقِيقَةَ حُكْمِ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَمِنْهَا) أَنْ تَكُونَ الْحَقَائِقُ تَبَعًا لِلْعَقَائِدِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ بُطْلَانَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ كَانَ بَاطِلًا وَمَنِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ كَانَ صَحِيحًا، وَمَنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ كَانَ حَلَالًا، وَمَنِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ كَانَ حَرَامًا، وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا قَالَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ بُطْلَانَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَشْرَعْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حُكْمًا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ (وَمِنْهَا) إِنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَرْجِعُ إِلَى خَبَرِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَإِذَا أَرَادَ إِيجَابَ الشَّيْءِ وَأَخْبَرَ بِهِ صَارَ وَاجِبًا، وَإِذَا أَرَادَ تَحْرِيمَهُ وَأَمَرَ بِذَلِكَ صَارَ حَرَامًا، فَإِنْكَارُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ حَكَمًا إِنْكَارٌ لِخَبَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَإِلْغَاءٌ لِتَعَلُّقِهَا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَرْفَعُ ثُبُوتَ الْأَجْرَيْنِ لِلْمُصِيبِ، وَالْأَجْرَ لِلْمُخْطِئِ، فَإِنَّهُ لَا خَطَأَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ بَلْ كَانَ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَمِنْهَا) أَنَّهُ يَبْطُلُ أَنْ يُوَافِقَ أَحَدٌ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلِكِ» " مَعْنًى، وَلَا لِقَوْلِهِ:" «إِنْ سَأَلُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ أَمْ لَا» " مَعْنًى وَلَا لِقَوْلِهِ: " «إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ رَبَّهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ» " وَلَا لِقَوْلِهِ {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] مَعْنًى، إِذًا كُلٌّ مِنْهُمَا حَكَمَ بِعَيْنِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ، وَلَا لِقَوْلِهِ:" «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» " مَعْنًى.
وَأَيْضًا فَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ الصِّدِّيقُ فِي الْكَلَالَةِ:" أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ وَرَسُولُهُ "، وَقَالَ عُمَرُ لِكَاتِبِهِ:" اكْتُبْ هَذَا مَا رَآهُ عُمَرُ فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنْ عُمَرَ "، وَقَالَ فِي قَضِيَّةٍ قَضَاهَا:" وَاللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَهُ "، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا وَقَدِ اسْتَشَارَ عُثْمَانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنْ كَانَا اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَآ وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدَا فَقَدْ غَشَّاكَ، عَلَيْكَ الدِّيَةُ فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى رَأْيِهِ، وَاعْتَرَفَ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِخَطَئِهِ فِي خَبَرِ صِفِّينَ وَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ بَرْوَعَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ فِي الْعَوْلِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ لِأُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ:" أَخْبِرِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ يَتُوبَ "، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ نَاظَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: أَمَا تَخْشَوْنَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْمُرُ بِالتَّمَتُّعِ فَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ نَهَى عَنْهُ فَقَالَ: أَيُّهُمَا أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ كِتَابُ اللَّهِ أَوْ كَلَامُ عُمَرَ.
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ، يُعَرِّضُ بِعُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ: لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ فَجَرِّبْ إِنْ شِئْتَ، وَقَالَ عَلِيٌّ لِابْنِ عَبَّاسٍ مُنْكِرًا عَلَيْهِ إِبَاحَةَ (الْحُمُرِ) الْأَهْلِيَّةِ وَمُتْعَةِ النِّسَاءِ: إِنَّكٌ امْرُؤٌ تَائِهٌ، أَيْ تُهْتَ عَنِ الْقَوْلِ الْحَقِّ، وَفَسَخَ عُمَرُ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَرَدَّهُنَّ حَبَالَى مِنْ تُسْتَرَ، وَفَسَخَ حُكْمَ الصِّدِّيقِ فِي اسْتِرْقَاقِ نِسَاءِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَكَانَ يَضْرِبُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَعَائِشَةُ يُصَلُّونَهَا، فَتَرَكَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو أَيُّوبَ مُدَّةَ حَيَاةِ عُمَرَ خَوْفًا مِنْهُ، فَلَمَّا مَاتَ عَاوَدَاهَا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا طُلِبَ مِنْهُ مُوَافَقَةُ أَبِي مُوسَى فِي مَسْأَلَةِ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَأَعْطَى الْبِنْتَ النِّصْفَ وَالْأُخْتَ النِّصْفَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، فَجَعَلَ الْقَوْلَ الْآخَرَ الَّذِي جَعَلَهُ الْمُصَوِّبَةُ صَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ ضَلَالًا، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَيْضًا فَالْأَحَادِيثُ وَالْآيَاتُ النَّاهِيَةُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ الْمُتَضَمِّنَةُ لِذَمِّهِ كُلُّهَا شَهَادَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَمَا عَدَاهُ فَخَطَأٌ، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَوَابًا لَمْ يَنْهَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَلَا ذَمَّهُ.
وَأَيْضًا فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِهِ فَلَيْسَ بِالصَّوَابِ، قَالَ تَعَالَى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا اخْتَلَفَ مَعَانِيهِ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِذِ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ.
وَأَيْضًا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدَانِ فَرَأَى أَحَدُهُمَا إِبَاحَةَ دَمِ إِنْسَانٍ، وَالْآخَرُ تَحْرِيمَهُ وَرَأَى أَحَدُهُمَا تَارِكَ الصَّلَاةِ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، وَالْآخَرُ رَآهُ مُؤْمِنًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ حَقًّا وَصَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوِ الْجَمِيعُ خَطَأً عِنْدَهُ، أَوِ الصَّوَابُ وَالْحَقُّ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَالْآخَرُ خَطَأٌ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْإِحَالَةِ وَهُمَا بِالْهَوَسِ أَشْبَهُ مِنْهُمَا بِالصَّوَابِ فَكَيْفَ يَكُونُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ مُؤْمِنًا كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي الْجَنَّةِ وَفِي النَّارِ، وَكَوْنُ الْمُصِيبِ وَاحِدًا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ لَهُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهُوَ دِينُ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الَّذِينَ لَا دِينَ لَهُ سِوَاهُ.
وَلَيْسَ الْغَرَضُ اسْتِقْصَاءَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَلِ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَطَأَ يَقَعُ فِيمَا سَمَّوْهُ فُرُوعًا كَمَا يَقَعُ فِيمَا جَعَلُوهُ أُصُولًا فَنُطَالِبُهُمْ بِفَرْقٍ صَحِيحٍ بَيْنَ مَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الدِّينِ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَى الْفَرْقِ سَبِيلًا إِلَّا بِدَعَاوٍ بَاطِلَةٍ ثُمَّ نُطَالِبُهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُطَالِبُهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَأْثَمُ جَاحِدُهُ أَهْوَ إِثْمُ كُفْرٍ أَوْ فَسُوقٍ وَمَا لَا يَأْثَمُ جَاحِدُهُ، وَنُطَالِبُهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْقَطْعُ الْيَقِينِيُّ، وَمَا يُكْتَفَى فِيهِ الظَّنُّ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى تَقْرِيرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَقَالُوا: الْأَصْلُ مَا فِيهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ وَالْفَرْعُ بِخِلَافِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: لَا تَثْبُتُ الْأُصُولُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ ثُمَّ قِيلَ: وَالْأَصْلُ مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ كَانَ ذَلِكَ دَوْرًا ظَاهِرًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ بَلْ أَكْثَرُهَا عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِاحْتِلَامِ، وَهَكَذَا أَكْثَرُ الشَّرِيعَةِ أَدِلَّتُهَا قَطْعِيَّةٌ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ أُصُولٌ أَدِلَّتُهَا ظَنِّيَّةٌ.
وَهَكَذَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، كَالْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ وَالْقِيَاسِ، وَتَقَدُّمِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ وَالْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَمَسْأَلَةِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَالِاحْتِجَاجِ بِالْمَرَاسِيلِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَأَضْعَافِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ كَمَسْأَلَةِ الْحَالِ وَبَقَاءِ الرَّبِّ تَعَالَى وَقِدَمِهِ هَلْ هِيَ بَقَاءٌ وَقِدَمٌ زَائِدَيْنِ عَلَى الذَّاتِ، وَالْوُجُودِ الْوَاجِبِ هَلْ مِنْ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ زَائِدٌ عَلَيْهَا، وَإِثْبَاتِ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ تَكُونُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ وَنَحْوُهَا فَرْعِيَّةً وَتِلْكَ الْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ أُصُولِيَّةً.
قَالَ: وَقِيلَ: الْأَصْلُ مَا لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ فِيهِ إِلَّا بِأَمْرٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَالْفَرْعُ بِخِلَافِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْفَرْقُ أَفْسَدُ مِنَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُرُوعِ لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ فِيهَا إِلَّا بِالْمَشْرُوعِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالسُّجُودِ لِلْأَصْنَامِ وَإِبَاحَةِ الْفَوَاحِشِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ وَالظُّلْمِ فِي الْأَمْوَالِ، وَانْتِهَاكِ الْأَعْرَاضِ وَشَهَادَاتِ الزُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ نُفَاةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يُجَوِّزُونَ التَّعَبُّدَ بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ الشَّرَائِعُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُمْ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ.
قَالَ: وَقِيلَ: الْأَصْلُ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ وُرُودِ الشَّرْعِ وَالْفَرْعِ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا أُصُولًا لَمْ تُعْلَمْ إِلَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ، كَاقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ، وَكَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً وَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، بَلْ أَكْثَرُ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ لَمْ تُعْلَمْ إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَجَوَازُ رُؤْيَةِ الرَّبِّ تبارك وتعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَى عَرْشِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ عُلُوِّهِ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ بِالذَّاتِ فَإِنَّهَا فِطْرِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَأَكْثَرُ مَسَائِلِ الْمَعَادِ وَتَفْصِيلِهِ لَا يُعْلَمُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَمَسَائِلُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيُّ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ يَحْرُمُ الْخِلَافُ فِيهَا مَعَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ وَيَكُونُ مُعْتَقِدُ خِلَافِهَا جَاهِلًا، فَهِيَ مِنَ الْأُصُولِ، عَقْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ شَرْعِيَّةً، وَالْفَرْعُ مَا لَا يَحْرُمُ الْخِلَافُ فِيهِ أَوْ مَا لَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ فِيهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّا قَبْلَهُ بَاطِلٌ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ قَطْعِيًّا وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ فِيهَا لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا فَلَا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَقَدْ سَلَّمَ الْقَاضِي ذَلِكَ فِيمَا إِذَا خَفِيَ عَلَيْهِ النَّصُّ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فَرْقًا آخَرَ فَقَالَ: الْأُصُولِيَّاتُ هِيَ الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّاتُ، وَالْفُرُوعِيَّاتُ هِيَ الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا أَمْرَانِ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ أَيْضًا، وَهُوَ حُبُّ الْقَلْبِ وَبُغْضُهُ وَحُبُّهُ لِلْحَقِّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ وَتَضَمَّنَتْهُ، وَبُغْضُهُ الْبَاطِلَ الَّذِي يُخَالِفُهَا، فَلَيْسَ الْعَمَلُ مَقْصُورًا عَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ، بَلْ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ أَصْلٌ لِعَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ تَبَعٌ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَتْبَعُهَا إِيمَانُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ وَحُبُّهُ وَذَلِكَ عَمَلٌ بَلْ هُوَ أَصْلُ الْعَمَلِ، وَهَذَا مِمَّا غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ، حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ دُونَ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ وَأَعْظَمِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكُفَّارِ كَانُوا جَازِمِينَ بِصِدْقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ شَاكِّينَ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ التَّصْدِيقِ عَمَلُ الْقَلْبِ مِنْ حُبِّ مَا جَاءَ بِهِ وَالرِّضَا بِهِ وَإِرَادَتِهِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ عَلَيْهِ.
فَلَا تُهْمِلْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ جِدًّا، بِهِ تُعْرَفُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ.
فَالْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ عَمَلِيَّةٌ وَالْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ عِلْمِيَّةٌ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَكْتَفِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْعَمَلِيَّاتِ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ، وَلَا فِي الْعِلْمِيَّاتِ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ دُونَ الْعَمَلِ.
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بِأَنَّ مَسَائِلَ الْأُصُولِ هِيَ الَّتِي يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، كَالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَمَسَائِلِ الْفُرُوعِ مَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، كَوُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاشْتِرَاطِ الطُّمَأْنِينَةِ وَوُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، وَكَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَأَيْضًا فَالتَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَالْكَافِرُ مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْكُفْرُ جَحْدُ مَا عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُسَمُّونَهَا عِلْمِيَّةً أَوْ عَمَلِيَّةً، فَمَنْ جَحَدَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ فِي دِقِّ الدِّينِ وَجِلِّهِ.
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بِأَنَّ الْأُصُولَ مَا تَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ، وَالْفُرُوعَ مَا تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَبِ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنِ الْفُرُوقِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ بِالتَّصْدِيقِ بِهَذَا وَهَذَا، عِلْمًا وَإِيمَانًا وَعَمَلًا وَحُبًّا وَرِضًا، وَمُوَالَاةً عَلَيْهِ وَمُعَادَاةً كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَسَائِلَ الْأُصُولِ هِيَ مَا لَا يَسُوغُ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَمَسَائِلُ الْفُرُوعِ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: مَا الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْلِيدُ؟ فَيَقُولُونَ: مَسَائِلُ الْفُرُوعِ، وَالَّذِي لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ مَسَائِلُ الْأُصُولِ، وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ طَرْدًا وَعَكْسًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم جَاءَ بِذَلِكَ وَشَكَّ فِيهِ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ رَسُولٌ، كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ جَاءَ بِالتَّوْحِيدِ وَتَصْدِيقِ الْمُرْسَلِينَ وَإِثْبَاتِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ وَالْكَلَامِ، لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُرْسَلًا فَكَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الطَّلَبِيَّةِ يَجُوزُ فِيهَا التَّقْلِيدُ لِلْعَاجِزِ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّقْلِيدُ.
فَتَقْسِيمُ الدِّينِ إِلَى مَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ تَقْسِيمٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وَلَا مُنْعَكِسٍ وَلَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ.
وَأَيْضًا فَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَمَنْ قَبِلَ قَوْلَ غَيْرِهِ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَاءَ بِهِ خَبَرًا أَوْ طَلَبًا، فَإِنَّمَا قَبِلَ قَوْلَهُ لَمَّا أَسْنَدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهَذِهِ حُجَّةٌ لَكِنَّ تَقْدِيرَ مُقَدِّمَاتِهَا وَدَفْعَ الشُّبَهِ الْمُعَارِضَةِ لَهَا قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، فَمَا كُلُّ مَنْ عَرَفَ الشَّيْءَ بِدَلِيلِهِ أَمْكَنَهُ تَقْرِيرُهُ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ وَلَا دَفْعُ الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ عَنْهُ تَقْلِيدًا كَانَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ مُقَلِّدِينَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ، وَإِنْ يَكُنِ الْعَجْزُ عَنْهُ تَقْلِيدًا لَمْ يَكُونُوا مُقَلِّدِينَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ وَالْمَعَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَجْزُ عَنْهُ تَقْلِيدًا لَمْ يَكُونُوا مُقَلِّدِينَ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ مَبْنَى تَعَبُّدَاتِهَا وَتَحْرِيمِهَا وَتَحْلِيلِهَا عَلَى مَا عَلِمَتْهُ مِنْ نَبِيِّهَا بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِهِ، وَلَوْ سُئِلَتْ عَنْ تَقْرِيرِهِ لَعَجِزَ عَنْهُ أَكْثَرُهُمْ كَمَا يَجْزِمُ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُهُ، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَلَوْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَعَجِزَ عَنْهُ أَكْثَرُهُمْ.
وَأَمَّا الْمَقَامُ السَّادِسُ: وَهُوَ أَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى
زَعْمِهِمْ أَقْوَى مِنَ الْجَزْمِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى تِلْكَ الْقَضَايَا الْوَهْمِيَّةِ، فَهَذَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ هَذَا وَهَذَا، وَمَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْأَمْرَيْنِ يَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ لِقَضَايَاهُمُ الْبَاطِلَةِ: قَوَاطِعُ عَقْلِيَّةٌ وَبَرَاهِينُ يَقِينِيَّةٌ، وَيَقُولُونَ لِنُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: ظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، قَدْ يَقَعُ لَهُ صِحَّةُ قَوْلِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ وَإِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَاسْتِنَادًا إِلَى بَعْضِ الشُّبَهِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا وَأَمَّا الْمُسْتَبْصِرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَفِيمَا عِنْدَ الْقَوْمِ فَإِنَّهُ يَجْزِمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَضَايَاهُمُ الَّتِي خَالَفُوا فِيهَا النُّصُوصَ لَا تُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا الْبَتَّةَ، بَلْ يَقُولُونَ: صَرِيحُ الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ تَشْهَدُ بِكَذِبِهَا وَبُطْلَانِهَا، وَإِنِ اتَّفَقَ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ، فَأَكْثَرُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبَاطِلِ جَمِيعُهُمْ تَجِدُ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَالْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَشْهَدُ عَلَى مُخَالِفِيهَا بِأَنَّهُمْ خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَالْفِطْرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا خَالَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالْفَلَاسِفَةُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ فِيهِ. وَالْعَجَبُ أَنَّكَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَقْطَعُ بِالْقَوْلِ وَيُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَهُ ثُمَّ يَقْطَعُ هُوَ بِخِلَافِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِيهِمْ جِدًّا.
قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ يَدَّعُونَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ مُلْتَزِمُونَ فِي الظَّاهِرِ شِعَارَهَا يَرَوْنَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقُّ غَيْرَ أَنَّ الطُّرُقَ تَفَرَّقَتْ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَحْدَثُوا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم فَزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ وَيَنْتَحِلُهُ.
غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَى أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ وَالْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ إِلَّا مَعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا دِينَهُمْ وَعَقَائِدَهُمْ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَقَرْنًا عَنْ قَرْنٍ إِلَى أَنِ انْتَهَوْا إِلَى التَّابِعِينَ وَأَخَذَهُ التَّابِعُونَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَخَذَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ مِنَ الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ وَالصِّرَاطِ الْقَوِيمِ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقُ الَّذِي سَلَكَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْفِرَقِ فَطَلَبُوا الدِّينَ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ لِأَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَعْقُولِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ وَآرَائِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوا شَيْئًا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَضُوهُ عَلَى مِعْيَارِ عُقُولِهِمْ، فَإِنِ اسْتَقَامَ لَهُمْ قَبِلُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ فِي مِيزَانِ عُقُولِهِمْ رَدُّوهُ، فَإِنِ اضْطُرُّوا إِلَى قَبُولِهِ حَرَّفُوهُ
بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ وَالْمَعَانِي الْمُسْتَكْرَهَةِ فَحَادُوا عَنِ الْحَقِّ وَزَاغُوا عَنْهُ وَنَبَذُوا الدِّينَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَعَلَوُا السُّنَّةَ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَجَعَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَمَامَهُمْ، وَطَلَبُوا الدِّينَ مِنْ قِبَلِهَا وَمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ مَعْقُولِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ وَآرَائِهِمْ عَرَضُوهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَجَدُوهُ مُوَافِقًا لَهُمَا قَبِلُوهُ وَشَكَرُوا اللَّهَ حَيْثُ أَرَاهُمْ ذَلِكَ وَوَفَّقَهُمْ لَهُ، وَإِنْ وَجَدُوهُ مُخَالِفًا لَهُمَا تَرَكُوا مَا وَقَعَ لَهُمْ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَرَجَعُوا بِالتُّهْمَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا يَهْدِيَانِ إِلَّا إِلَى الْحَقِّ، وَرَأْيُ الْإِنْسَانِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ بَاطِلًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ وَهُوَ أَوْحَدُ أَهْلِ زَمَانِهِ قَالَ: مَا حَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِشَيْءٍ إِلَّا طَلَبْتُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ أُتِيَ بِهِمَا وَإِلَّا رَدَدْتُهُ.
(قَالَ) : وَمِمَّا يَدُلُّ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَقِّ أَنَّكَ لَوْ طَلَعْتَ جَمِيعَ كُتُبِهِمُ الْمُصَنَّفَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا، وَجَدْتَهَا مَعَ اخْتِلَافِ بُلْدَانِهِمْ وَزَمَانِهِمْ وَتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَارِ، وَسُكُونِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُطْرًا مِنَ الْأَقْطَارِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنَمَطٍ وَاحِدٍ، يَجْرُونَ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ لَا يَحِيدُونَ عَنْهُ وَلَا يَمِيلُونَ عَنْهَا، قُلُوبُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَنَقْلُهُمْ لَا تَرَى فِيهِ اخْتِلَافًا وَلَا تَفَرُّقًا فِي شَيْءٍ مَا، وَإِنْ قَلَّ، بَلْ لَوْ جَمَعْتَ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَنَقَلُوهُ عَنْ سَلَفِهِمْ وَجَدْتَهُ كَأَنَّهُ جَاءَ عَنْ قَلْبٍ وَاحِدٍ وَجَرَى عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ، وَهَلْ عَلَى الْحَقِّ دَلِيلٌ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] .
وَأَمَّا إِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ رَأَيْتَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ مُخْتَلِفِينَ شِيَعًا وَأَحْزَابًا، وَلَا تَكَادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الِاعْتِقَادِ، يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَرْتَقُونَ إِلَى التَّكْفِيرِ، يُكَفِّرُ الِابْنُ أَبَاهُ، وَالْأَخُ أَخَاهُ، وَالْجَارُ جَارَهُ، وَتَرَاهُمْ أَبَدًا فِي تَنَازُعٍ وَتَبَاغُضٍ وَاخْتِلَافٍ تَنْقَضِي أَعْمَارُهُمْ وَلَمْ تَتَّفِقْ كَلِمَاتُهُمْ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] أَوَمَا سَمِعْتَ بِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ فِي هَذَا اللَّوْنِ يُكَفِّرُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْهُمُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْبَصْرِيُّونَ الْبَغْدَادِيِّينَ وَيُكَفِّرُ أَصْحَابُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ
وَابْنِهِ أَبَا هَاشِمٍ وَأَصْحَابَهُ، وَأَصْحَابُ أَبِي هَاشِمٍ يُكَفِّرُونَ أَبَا عَلِيٍّ وَأَصْحَابَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ رُءُوسِهِمْ وَأَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ مِنْهُمْ إِذَا تَدَبَّرْتَ أَقْوَالَهُمْ رَأَيْتَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَالرَّافِضَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَسَائِرُ الْمُبْتَدَعَةِ كَذَلِكَ، وَهَلْ عَلَى الْبَاطِلِ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 159] فَبَرَّأَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ.
(قَالَ) : وَكَانَ السَّبَبُ فِي اتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا الدِّينَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَوْرَثَهُمُ الِاتِّفَاقَ وَالِائْتِلَافَ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ أَخَذُوا الدِّينَ مِنْ عُقُولِهِمْ فَأَوْرَثَهُمُ التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ، فَإِنَّ النَّقْلَ وَالرِّوَايَةَ مِنَ الثِّقَاتِ وَالْمُتْقِنِينَ قَلَّمَا تَخْتَلِفُ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي لَفْظِهِ أَوْ كَلِمِهِ فَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ لَا يَضُرُّ الدِّينَ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَأَمَّا الْمَعْقُولَاتُ وَالْخَوَاطِرُ، وَالْأَرَاءُ فَقَلَّمَا تَتَّفِقُ، بَلْ عَقْلُ كُلِّ وَاحِدٍ وَرَأْيُهُ وَخَاطِرُهُ يُرِي صَاحِبَهُ غَيْرَ مَا يُرِي الْآخَرَ.
قَالَ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مُفَارَقَةُ الِاخْتِلَافِ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ اخْتِلَافَ الْعَقَائِدِ فِي الْأُصُولِ، فَإِنَّا وَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهُمْ اخْتَلَفُوا بَعْدَهُ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ، فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَكُونُوا شِيَعًا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَنَظَرُوا فِيمَا أُذِنَ لَهُمْ فَاخْتَلَفَ أَقْوَالُهُمْ وَآرَاؤُهُمْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَمَسْأَلَةِ الْجَدِّ وَالْمُشْرِكَةِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَصَارُوا بِاخْتِلَافٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَحْمُودِينَ، وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاخْتِلَافِ رَحْمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ أَيَّدَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالْيَقِينِ، ثُمَّ وَسَّعَ عَلَى الْعُلَمَاءِ النَّظَرَ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا حُكْمَهُ فِي التَّنْزِيلِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَهْلَ مَوَدَّةٍ وَنُصْحٍ، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُمْ نِظَامُ الْأُلْفَةِ، فَلَمَّا حَدَثَتْ هَذِهِ الْأَهْوَاءُ الْمُرْدِيَةُ الدَّاعِيَةُ أَصْحَابَهَا إِلَى النَّارِ وَصَارُوا أَحْزَابًا انْقَطَعَتِ الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ وَسَقَطَتِ الْأُلْفَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنَائِيَ، وَالْفُرْقَةَ إِنَّمَا حَدَثَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي ابْتَدَعَهَا الشَّيْطَانُ أَلْقَاهَا عَلَى أَفْوَاهِ أَوْلِيَائِهِ لِيَخْتَلِفُوا وَيَرْمِيَ بَعْضُهَا بَعْضًا بِالْكُفْرِ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَخَاضَ فِيهَا النَّاسُ وَاخْتَلَفُوا، وَلَمْ يُورِثْ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وَلَا نَقْصًا وَلَا تَفَرُّقًا، بَلْ بَقِيَتْ بَيْنَهُمُ الْأُلْفَةُ وَالنَّصِيحَةُ وَالْمَوَدَّةُ، وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا، وَالْآخَرُ يَقُولُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا لَا يُوجِبُ تَبْدِيعًا وَلَا تَكْفِيرًا كَمَا ظَهَرَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاءِ
الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَأَوْرَثَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ التَّوَلِّيَ وَالْإِعْرَاضَ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ، وَرُبَّمَا ارْتَقَى إِلَى التَّكْفِيرِ، عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ أَنْ يَجْتَنِبَهَا وَيُعْرِضَ عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا.
إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى شَرْطًا فِي تَمَسُّكِنَا بِالْإِسْلَامِ أَنْ نُصْبِحَ فِي ذَلِكَ إِخْوَانًا، فَقَالَ تَعَالَى:{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] .
قَالَ: (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) : الْخَوْضُ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالصِّفَاتِ وَالْإِيمَانِ يُورِثُ التَّقَاطُعَ وَالتَّدَابُرَ، فَيَجِبُ طَرْحُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ.
(فَالْجَوَابُ) : إِنَّمَا قُلْنَا هَذَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَةِ، فَأَمَّا هَذِهِ الْمَسَائِلُ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، وَلَا يَجُورُ لَنَا الْإِعْرَاضُ عَنْ نَقْلِهَا وَرِوَايَتِهَا وَبَيَانِهَا كَمَا فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِظْهَارِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ مَعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْحَقَّ فِيمَا رَوَوْهُ وَنَقَلُوهُ.
(فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) : أَنْتُمْ سَمَّيْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَمَا نَرَاكُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مُدَّعِينَ لِأَنَّا وَجَدْنَا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنَ الْفِرَقِ تَنْتَحِلُ أَتْبَاعَ السُّنَّةِ، وَتَنْسِبُ مَنْ خَالَفَهَا إِلَى الْبِدْعَةِ وَلَيْسَ عَلَى أَصْحَابِكُمْ مِنْهَا سِمَةٌ وَعَلَامَةٌ أَنَّهُمْ أَهْلُهَا دُونَ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ، وَكُلُّنَا فِي انْتِحَالِ هَذَا اللَّقَبِ شُرَكَاءُ مُتَكَافِئُونَ، وَلَسْتُمْ بِأَوْلَى بِهَذَا اللَّقَبِ إِلَّا أَنْ تَأْتُوا بِدَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ مِنْ إِجْمَاعِ الْمَعْقُولِ.
(فَالْجَوَابُ) : أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ دَعْوَى إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ بِدَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا لَنَا قَائِمَتَانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] فَأَمَرَنَا اتِّبَاعَهُ وَطَاعَتَهُ فِيمَا سَنَّهُ وَأَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَمَا حَكَمَ بِهِ، وَقَالَ:" «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» " وَقَالَ: " «وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» " فَعَرَفْنَا سُنَّتَهُ وَوَجَدْنَاهَا بِهَذِهِ الْآثَارِ
الْمُشْتَهِرَةِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي يَنْقُلُهَا حُفَّاظُ الْعُلَمَاءِ وَثِقَاتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فَرَأَيْنَا فِرْقَةَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَهَا أَطْلَبُ وَفِيهَا أَرْغَبُ، وَلَهَا أَجْمَعُ، وَلِأَصْحَابِهَا أَتْبَعُ، فَعَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُمْ أَهْلُهَا دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْفِرَقِ، فَإِنَّ صَاحِبَ كُلِّ حِرْفَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَلَالَةٌ وَآلَةٌ مِنْ آلَاتِ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ وَالْحِرْفَةِ ثُمَّ ادَّعَى تِلْكَ الصِّنَاعَةَ كَانَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِلًا، فَإِذَا كَانَتْ مَعَهُ آلَاتُ الصِّنَاعَةِ وَالْحِرْفَةِ شَهِدَتْ لَهُ تِلْكَ الْآلَاتُ بِصِنَاعَتِهِ، بَلْ شَهِدَ لَهُ كُلٌّ مِنْ غَايَتِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، كَمَا إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا قَدْ فَتَحَ بَابَ دُكَّانِهِ عَلَى بَزٍّ عَلِمْتَ أَنَّهُ بَزَّازٌ أَوْ عَلَى تَمْرٍ عَلِمْتَ أَنَّهُ تَمَّارٌ أَوْ عَلَى عِطْرٍ عَلِمْتَ أَنَّهُ عَطَّارٌ، أَوْ إِذَا رَأَيْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكِيرَ وَالسَّنْدَانَ وَالْمِطْرَقَةَ عَلِمْتَ أَنَّهُ حَدَّادٌ، وَكُلُّ صَاحِبِ صَنْعَةٍ يَسْتَدِلُّ عَلَى صِنَاعَتِهِ بِآلَتِهِ فَحُكِمَ لَهُ بِهَا بِالْمُعَايَنَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَلَوْ رَأَيْتَ بَيْنَ يَدَيْ إِنْسَانٍ قَدُومًا أَوْ مِنْشَارًا وَمِثْقَبًا وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْعَمَلِ بِهَا ثُمَّ سَمَّيْتَهُ خَيَّاطًا جَهِلْتَ، وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ التَّمْرِ لِصَاحِبِ الْعِطْرِ: أَنَا عَطَّارٌ، وَصَاحِبُ الْبِنَاءِ لِلْبَزَّازِ: أَنَا بَزَّازٌ، قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، وَصَدَّقَهُ النَّاسُ عَلَى تَكْذِيبِهِ، ثُمَّ كَلُّ صَاحِبِ صَنْعَةٍ وَحِرْفَةٍ يَفْتَخِرُ بِصِنَاعَتِهِ وَيُجَالِسُ أَهْلَهَا وَيَأْلَفُهُمْ وَيَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ وَيَحْرِصُ عَلَى بُلُوغِ الْغَايَةِ فِي صِنَاعَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهَا أُسْتَاذًا، وَرَأَيْنَا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا هُمُ الَّذِينَ رَحَلُوا فِي هَذِهِ الْآثَارِ وَطَلَبُوا فَأَخَذُوهَا مِنْ مَعَادِنِهَا وَحَفِظُوهَا وَاغْتَبَطُوا بِهَا وَدَعَوْا إِلَى اتِّبَاعِهَا، وَعَابُوا مَنْ خَالَفَهُمْ، وَكَثُرَتْ عِنْدَهُمْ وَفِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى اشْتَهَرُوا بِهَا كَمَا يَشْتَهِرُ أَصْحَابُ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ بِصِنَاعَتِهِمْ وَحِرَفِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْنَا قَوْمًا انْسَلَخُوا مِنْ حِفْظِهَا وَمَعْرِفَتِهَا وَتَنَكَّبُوا عَنِ اتِّبَاعِ صَحِيحِهَا وَشَهِيرِهَا، وَغَنُوا عَنْ صُحْبَةِ أَهْلِهَا، وَطَعَنُوا فِيهَا وَفِيهِمْ، وَزَهَّدُوا النَّاسَ فِي حَقِّهَا وَضَرَبُوا لَهَا وَلِأَهْلِهَا أَسْوَأَ الْأَمْثَالِ، وَلَقَّبُوهُمْ أَقْبَحَ الْأَلْقَابِ، فَسَمَّوْهُمْ نَوَاصِبَ وَمُشَبِّهَةً وَحَشْوِيَّةً وَمُجَسِّمَةً، فَعَلِمْنَا بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَالشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ أَنَّ أُولَئِكَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاتِّبَاعَ هُوَ الْأَخْذُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي صَحَّتْ عَنْهُ وَالْخُضُوعُ لَهَا وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَوَجَدْنَا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلٌ وَاضِحٌ يَشْهَدُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِاسْتِحْقَاقِهَا، وَعَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا.
قُلْتُ: وَلَهُمْ عَلَامَاتٌ أُخَرُ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَتْرُكُونَ أَقْوَالَ النَّاسِ لَهُمْ، وَأَهْلَ
الْبِدَعِ يَتْرُكُونَهَا لِأَقْوَالِ النَّاسِ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَعْرِضُونَ أَقْوَالَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ فَمَا وَافَقَهَا قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهَا طَرَحُوهُ، وَأَهْلَ الْبِدَعِ يَعْرِضُونَهَا عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ، فَمَا وَافَقَ آرَاءَهَا مِنْهَا قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهَا تَرَكُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَدْعُونَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَيْهَا دُونَ آرَاءِ الرِّجَالِ وَعُقُولِهَا وَأَهْلَ الْبِدَعِ يَدْعُونَ إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ وَمَعْقُولَاتِهَا (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِذَا صَحَّتْ لَهُمُ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا وَاعْتِقَادِ مُوجِبِهَا عَلَى أَنْ يُوَافِقَهَا مُوَافِقٌ، بَلْ يُبَادِرُونَ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَنْ وَافَقَهَا أَوْ خَالَفَهَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَعَابَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَا أَعْمَلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى أَعْرِفَ مَنْ قَالَ بِهِ ذَهَبَ إِلَيْهِ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَقْبَلَهَا وَأَنْ يُعَامِلَهَا بِمَا كَانَ يُعَامِلُهَا بِهِ الصَّحَابَةُ حِينَ يَسْمَعُونَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ عَلَامَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهَا إِذَا ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى مَقَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَا إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الرَّسُولِ فَلَيْسَ لَهُمْ لَقَبٌ يُعْرَفُونَ بِهِ وَلَا نِسْبَةٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا، إِذَا انْتَسَبَ سِوَاهُمْ إِلَى الْمَقَالَاتِ الْمُحْدَثَةِ وَأَرْبَابِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: السُّنَّةُ مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْمَقَالَةِ تَارَةً كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَإِلَى الْقَائِلِ تَارَةً كَالْهَاشِمِيَّةِ وَالنَّجَّارِيَّةِ وَالضَّرَاوِيَّةِ، وَإِلَى الْفِعْلِ تَارَةً كَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ بَرِيئُونَ مِنْ هَذِهِ النِّسَبِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِنَّمَا يَنْصُرُونَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَالْآثَارَ السَّلَفِيَّةَ، وَأَهْلَ الْبِدَعِ يَنْصُرُونَ مَقَالَاتِهِمْ وَمَذَاهِبَهُمْ (وَمِنْهَا) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إِذَا ذَكَرُوا السُّنَّةَ وَجَرَّدُوا الدَّعْوَةَ إِلَيْهَا نَفَرَتْ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46] وَأَهْلَ الْبِدَعِ إِذَا ذَكَرْتَ لَهُمْ شُيُوخَهُمْ وَمَقَالَاتِهِمُ اسْتَبْشَرُوا بِهَا فَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45]