الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَبَذَلَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثَمَنِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ مَا يُرِيدُ، فَلَوْ رَأَيْتَهَا وَقَدْ عُزِلَتْ عَنْ سَلْطَنَةِ الْيَقِينِ، وَجُعِلَتْ تَحْتَ تَحَكُّمِ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، هَذَا وَقَدْ قَعَدَ النُّفَاةُ عَلَى صِرَاطِهَا الْمُسْتَقِيمِ بِالدَّفْعِ فِي صُدُورِهَا وَالْأَعْجَازِ وَقَالُوا: لَا طَرِيقَ لَكِ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْمَعْقُولَاتِ وَأَصْحَابُ الْبَرَاهِينِ، وَأَنْتِ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ، لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَا الْيَقِينَ، فَسَنَدُكِ آحَادٌ وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلطَّعْنِ فِي النَّاقِلِينَ، وَإِنْ صَحَّ وَتَوَاتَرَ فَفَهْمُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهَا مَوْقُوفٌ عَلَى انْتِفَاءِ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهَا عِنْدَ النَّاظِرِينَ وَالْبَاحِثِينَ.
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ! ! كَمْ هَدَمَتْ هَذِهِ الْمَعَاوِلُ مِنْ مَعَاقِلِ الْإِيمَانِ، وَتَثَلَّمَتْ بِهَا حُصُونُ حَقَائِقِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، فَكَشْفُ عَوْرَاتٍ هَؤُلَاءِ وَبَيَانُ فَضَائِحِهِمْ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:" «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ» ".
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْعَبْدِ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعْقِدَ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْهُدَى هُدًى، وَأَنَّ الْحَقَّ دَائِرٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وُجُودًا وَعَدَمًا، وَأَنَّهُ لَا مُطَاعَ سِوَاهُ وَلَا مَتْبُوعَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ يُعْرَضُ عَلَى كَلَامِهِ فَإِنْ وَافَقَهُ قَبِلْنَاهُ، لَا لِأَنَّهُ قَالَهُ بَلْ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ رَدَدْنَاهُ، وَلَا يُعْرَضُ كَلَامُهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى آرَاءِ الْقِيَاسِيِّينَ وَلَا عَلَى عُقُولِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا أَذْوَاقِ الْمُتَزَهِّدِينَ، بَلْ تُعْرَضُ هَذِهِ كُلُّهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، عَرْضَ الدَّرَاهِمِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى أَخْبَرِ النَّاقِدِينَ، فَمَا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ فَهُوَ مِنْهُ الْمَقْبُولُ، وَمَا حَكَمَ بَرَدِّهِ فَهُوَ الْمَرْدُودُ.
[فصل قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ]
فَصْلٌ
فِي أَنَّ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ، وَأَنَّ الْقَصْدَيْنِ يَتَنَافَيَانِ، وَأَنَّ تَرْكَهُ بِدُونِ ذَلِكَ الْخِطَابِ خَيْرٌ لَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى الْهُدَى.
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ دِلَالَةَ السَّامِعِ وَإِفْهَامَهُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْ يُبَيِّنَ
لَهُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَأَنْ يَدُلَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ كَانَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى أَمْرَيْنِ: بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ، وَتَمَكُّنِ السَّامِعِ مِنَ الْفَهْمِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْبَيَانُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ حَصَلَ وَلَمْ يَتَمَكَّنِ السَّامِعُ مِنَ الْفَهْمِ، لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا بَيَّنَ الْمُتَكَلِّمُ مُرَادَهُ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مُرَادِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ مَعَانِيَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْبَيَانُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَكُّنِ السَّامِعِ مِنَ الْفَهْمِ وَحُصُولِ الْإِفْهَامِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ كَلَامِهِ خِلَافَ حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ لَكَانَ قَدْ كَلَّفَهُ أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مُرَادِهِ وَأَرَادَ مِنْهُ فَهْمَ النَّفْيِ لِمَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْإِثْبَاتِ، وَفَهْمَ الشَّيْءِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضِدِّهِ، وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهٌ يُعْبَدُ، وَأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا فَوْقَهُ وَلَا تَحْتَهُ وَلَا خَلْفَهُ وَلَا أَمَامَهُ، بِقَوْلِهِ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَقَوْلِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَأَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِفْهَامَ أُمَّتِهِ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: " «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» " وَأَرَادَ إِفْهَامَ كَوْنِهِ خَلَقَ آدَمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ بِقَوْلِهِ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وَأَرَادَ إِفْهَامَ تَخْرِيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِعَادَتِهِمَا إِلَى الْعَدَمِ بِقَوْلِهِ: " «يَقْبِضُ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» " وَأَرَادَ إِفْهَامَ مَعْنَى: مَنْ رَبُّكَ وَمَنْ تَعْبُدُ، بِقَوْلِهِ:" أَيْنَ اللَّهُ؟ " وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى السَّمَاءِ مُسْتَشْهِدًا بِرَبِّهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رَبٌّ وَإِلَهٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِفْهَامَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُ وَقَوْلَهُمْ، فَأَرَادَ بِالْإِشَارَةِ بِأُصْبُعِهِ بَيَانَ كَوْنِهِ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهُمْ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَعْلَمُ السَّامِعُ قَطْعًا أَنَّهَا لَمْ تُرَدْ بِالْخِطَابِ، وَلَا تُجَامِعُ قَصْدَ الْبَيَانِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِيمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ النُّفَاةُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يَقُولُونَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، بَلْ يَجِدُونَهَا عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ عِنْدَهُمْ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا، بَلْ دَلَّتْ عِنْدَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا يُضِلُّهُمْ ظَاهِرُهُ وَيُوقِعُهُمْ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَيَانَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَلَمْ يُفْصِحْ بِهِ، بَلْ رَمَزَ إِلَيْهِ رَمْزًا وَأَلْغَزَهُ إِلْغَازًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ الْجَهِيدِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَلَّفَ عِبَادَهُ أَلَّا يَفْهَمُوا مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ حَقَائِقَهَا وَظَوَاهِرَهَا، وَكَلَّفَهُمْ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْهَا مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهَا قَرِينَةً تُفْهِمُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ دَائِمًا مُتَكَلِّمًا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا ظَاهِرُهُ خِلَافَ الْحَقِّ بِأَنْوَاعٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنَ الْخِطَابِ، تَارَةً بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَتَارَةً بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تُرْفَعُ إِلَيْهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي نُزُولِهَا مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى أَسْفَلَ تَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّ الْكِتَابَ نَزَلَ مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَتَارَةً بِأَنَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ عِيَانًا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَنَوُّعِ الدَّلَالَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُوَافِقُ مَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ وَلَا يَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ مَا هُوَ الصَّوَابُ فِيهِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا وَلَا بَيِّنَةً.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَخَيْرُ الْقُرُونِ قَدْ أَمْسَكُوا مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ فِي هَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهَمِّ أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ إِمَّا جَهْلٌ يُنَافِي الْعِلْمَ، وَإِمَّا كِتْمَانٌ، وَلَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِخِيَارِ الْأُمَّةِ مَنْ نَسَبَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا ازْدَوَجَ التَّكَلُّمُ بِالْبَاطِلِ وَالسُّكُوتُ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ تَوَلَّدَ بَيْنَهُمَا جَهْلُ الْحَقِّ وَإِضْلَالُ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا لَمَّا اعْتَقَدَ النُّفَاةُ التَّعْطِيلَ صَارُوا يَأْتُونَ مِنَ الْعِبَارَاتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْطِيلِ وَالنَّفْيِ نَصًّا وَظَاهِرًا وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِثْبَاتِ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّصُوصِ مَا هُوَ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي الْإِثْبَاتِ حَرَّفُوهُ أَنْوَاعَ التَّحْرِيفَاتِ، وَطَلَبُوا لَهُ مُسْتَكْرَهَ التَّأْوِيلَاتِ، وَمِنْهُمْ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا لِذَلِكَ تَجْهِيلَ السَّلَفِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ مُقْبِلِينَ عَلَى الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالتَّسْبِيحِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَمْ تَكُنِ الْحَقَائِقُ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّ تَرْكَ النَّاسِ مِنْ إِنْزَالِ هَذِهِ النُّصُوصِ كَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ وَأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّهُمْ مَا اسْتَفَادُوا بِنُزُولِهَا غَيْرَ التَّعَرُّضِ لِلضَّلَالِ، وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهَا يَقِينًا وَلَا
عِلْمًا لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قِيلَ: اسْتَفَدْنَا مِنْهَا الثَّوَابَ عَلَى تِلَاوَتِهَا وَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِهَا، قِيلَ: هَذَا تَابِعٌ لِلْمَقْصُودِ بِهَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْهُدَى وَالْإِرْشَادُ وَالدِّلَالَةُ عَلَى إِثْبَاتِ حَقَائِقِهَا وَمَعَانِيهَا وَالْإِيمَانِ بِهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ وَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ، بَلْ أُنْزِلَ لِيُتَدَبَّرَ وَيُعْقَلَ وَيُهْتَدَى بِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَيُبَصِّرَ مِنَ الْعَمَى وَيُرْشِدَ مِنَ الْغَيِّ، وَيُعَلِّمَ مِنَ الْجَهْلِ وَيَشْفِيَ مِنَ الْعِيِّ، وَيَهْدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهَذَا الْقَصْدُ يُنَافِي قَصْدَ تَحْرِيفِهِ وَتَأْوِيلِهِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي فَلَا يَجْتَمِعُ قَصْدُ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَقَصْدُ مَا يُضَادُّهُ أَبَدًا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ كِتَابَهُ بِأَوْضَحِ الْبَيَانِ وَأَحْسَنِ التَّفْسِيرِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] فَأَيْنَ بَيَانُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ فِي أَلْفَاظٍ ظَاهِرُهَا بَاطِلٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا تَطَلُّبُ أَنْوَاعِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرِهَةِ الْمُسْتَنْكِرَةِ لَهَا الَّتِي لَا يُفْهَمُ مِنْهَا بَلْ يُفْهَمُ مِنْهَا ضِدُّهَا، وَقَالَ تَعَالَى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فَأَيْنَ بَيَّنَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ وَالْمُتَأَوِّلُونَ؟ وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] وَعِنْدَ النُّفَاةِ إِنَّمَا حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ بِأَبْكَارِ أَفْكَارِهِمْ وَنَتَائِجِ آرَائِهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى:{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] وَعِنْدَ النُّفَاةِ الْمُخْرِجِينَ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ عَنْ إِفَادَةِ الْيَقِينِ إِنَّمَا حَصَلَ الْيَقِينُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَسَّسَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ، فَبِهِ اهْتَدَوْا، وَبِهِ آمَنُوا، وَبِهِ عَرَفُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَبِهِ صَحَّتْ عُقُولُهُمْ وَمَعَارِفُهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وَأَنْتَ لَا تَجِدُ الْخِلَافَ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي آرَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، وَهِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ خَيَالَاتٌ وَهْمِيَّةٌ نَبَذُوا بِهَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُوا مَا