الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن]
فَصْلُ وَهَذَا النُّزُولُ إِلَى الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَنِيُّ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ الْأَصْبَحِي قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا تَفَرَّقُوا دَنَوْتُ فَقُلْتُ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ لِيُقْضَى بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ» . . . " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَفِيهَا " «ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى» " وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُزُولِهِ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ: وَنُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حِينَ يَخْلُو أَهْلُهَا، وَنُزُولِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي سُوَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله قَالَ: زَعَمَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «خَرَجَ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحَدَ ابْنَيْ بِنْتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَجْبُنُونَ وَتَجْهَلُونَ وَتَبْخَلُونَ وَإِنَّكُمْ لِمَنْ رَيَاحِينِ اللَّهِ وَإِنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ بِوَجٍّ» " وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ
قَالَ إِنَّ آخِرَ وَطْأَةِ اللَّهِ لَبِوَجٍّ، قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَسْأَلُونِي وَفِيكُمْ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ.
وَفِي الْبَابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ.
فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ النُّزُولِ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَنَظَائِرِهَا، تَضَمَّنَهَا كَلَامُ أَعْلَمِ الْخَلْقِ بِاللَّهِ وَأَقْدَرِهِمْ عَلَى اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِمَا قَصَدَهُ مِنْ وَصْفِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَنْصَحِهِمْ لِلْأُمَّةِ وَالْمَجَازُ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَوْ أَكَثَرَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ عَادَةً أَنْ يَطَّرِدَ فِي جَمِيعِهَا اطِّرَادًا وَاحِدًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَمِيعُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ مَجَازًا.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الدِّيَانَةِ وَالسُّنَّةِ إِلَى زَمَانِنَا أَنَّ جَمِيعَ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَصٌّ فِي الصِّفَاتِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْإِيمَانُ بِهَا، وَأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ مَعَانِيهَا بِدْعَةٌ، وَالْجَوَابُ كُفْرٌ وَذَنْدَقَةٌ، مِثْلَ قَوْلِهِ:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] وَنَظَائِرِهَا مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، كَالْفَوْقِيَّةِ وَالنَّفْسِ وَالْيَدَيْنِ، وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَصُعُودِ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ إِلَيْهِ، وَالضَّحِكِ وَالتَّعَجُّبِ، وَالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَاعْتِقَادُنَا فِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ فِي الْقُرْآنِ نَقْلُهَا وَلَا نَرُدُّهَا، وَلَا نَتَأَوَّلُهَا بِتَأْوِيلِ الْمُخَالِفِينَ، وَلَا نَحْمِلُهَا عَلَى تَشْبِيهِ الْمُشَبِّهِينَ، وَلَا نَتَرَحَّمُ عَنْ صِفَاتِهِ بِلُغَةٍ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَنُسَلِّمُ الْخَبَرَ لِظَاهِرِ تَنْزِيلِهَا.
قَالَ إِمَامُ عَصْرِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِ التَّبْيِينِ فِي مَعَالِمِ الدِّينِ: الْقَوْلُ فِيمَا أَدْرَكَ عِلْمُهُ مِنَ الصِّفَاتِ خَبَرًا، وَذَلِكَ مِثْلَ إِخْبَارِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ، وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا، وَأَنَّ لَهُ قَدَمًا، وَأَنَّهُ يَضْحَكُ، وَأَنَّهُ يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَذَكَرَ أَوَّلَهَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ» . . . الْحَدِيثَ، أَلَيْسَ يَقُولُ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: صَحِيحٌ، وَزَادَ إِسْحَاقُ: لَا يَدَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ فِي شَعْبَانَ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: نُزُولُهُ بِعِلْمِهِ أَمْ بِمَاذَا؟ فَقَالَ اسْكُتْ عَنْ هَذَا، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَلِهَذَا أَمْضِ الْحَدِيثَ كَمَا وَرَدَ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ إِلَّا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل: 74] يَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ لِحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا يَتَحَوَّلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ؟ فَسَكَتَ حَمَّادٌ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَكَانُهُ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ يَعْنِي تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] هُوَ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ.
وَقَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ الرَّابِطِيَّ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ذَاتَ يَوْمٍ وَحَضَرَ إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ فَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ قُوَّادِ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ، يَا أَبَا يَعْقُوبَ أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ كَيْفَ يَنْزِلُ؟ قَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: أَثْبِتْهُ فَوْقَ حَتَّى أَصِفَ لَكَ النُّزُولَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أُثْبِتُهُ فَوْقَ؟ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا} [الفجر: 22] فَقَالَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قَالَ إِسْحَاقُ أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ وَمَنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَمْنَعُهُ الْيَوْمَ؟ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ: أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ، فَقُلْ أَنْتَ: أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؟ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَثْرَمُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنَّ حَنْبَلًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ