الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَهَذَا الرَّبُّ الَّذِي لَهُ هَذَا الْجُنْدُ الْعَظِيمُ وَلَا يَتَنَزَّلُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَهُوَ الْمَالِكُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ وَمُلْكُهُ وَكَمُلَ عِلْمُهُ، فَلَا يَنْسَى شَيْئًا أَبَدًا، وَهُوَ الْقَائِمُ بِتَدْبِيرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، كَمَا هُوَ الْخَالِقُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ رَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، فَهَذَا الرَّبُّ هُوَ الَّذِي لَا سَمِيَّ لَهُ لِتَفَرُّدِهِ بِكَمَالِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، فَأَمَّا مَنْ لَا صِفَةَ لَهُ وَلَا فِعْلَ وَلَا حَقَائِقَ لِأَسْمَائِهِ، إِنْ هِيَ إِلَّا أَلْفَاظٌ فَارِغَةٌ مِنَ الْمَعَانِي، فَالْعَدَمُ سَمِيٌّ لَهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ كَمَالِ أَوْصَافِهِ فَقَالَ: {حم - عسق - كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الشورى: 1 - 6] إِلَى قَوْلِهِ: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
فَهَذَا الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْحِفْظِ وَالْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمُلْكِ وَالْحَمْدِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَلَامِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْوِلَايَةِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ الشَّامِلَةِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَكَوْنِهِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لِكَثْرَةِ نُعُوتِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَثُبُوتِهَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ، فَالْمُثْبِتُ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ هُوَ الَّذِي يَصِفُهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا الْمُعَطِّلُ النَّافِي لِصِفَاتِهِ وَحَقَائِقِ أَسْمَائِهِ فَإِنَّ وَصْفَهُ بِأَنَّهُ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، كَمَا يَقُولُ فِي سَائِرِ أَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ.
[أحسن ما قيل في المثل الأعلى]
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّ لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى فَقَالَ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60] وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27] فَجَعَلَ مَثَلَ السَّوْءِ الْمُتَضَمِّنِ لِلنَّقَائِصِ وَسَلْبِ الْكَمَالِ
لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَثَلَ الْأَعْلَى الْمُتَضَمِّنَ لِإِثْبَاتِ الْكَمَالَاتِ كُلُّهَا لَهُ وَحْدَهُ، وَبِهَذَا كَانَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، أَيْ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَعْلَى عَدَمٌ مَحْضٌ مَنْفِيٌّ صِرْفٌ، وَأَيُّ مَثَلٍ أَدْنَى مِنْ هَذَا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ الْمُعَطِّلِينَ عُلُوًّا كَبِيرًا، السُّوءُ الْعَادِمُ صِفَاتُ الْكَمَالِ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ مِثْلَ الْجَاحِدِينَ لِتَوْحِيدِهِ وَكَلَامِهِ وَحِكْمَتِهِ، لِأَنَّهُمْ فَقَدُوا الصِّفَاتِ الَّتِي مَنِ اتَّصَفَ بِهَا كَانَ كَامِلًا، وَهِيَ: الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْعِبَادَةُ لِلَّهِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ فِي الْآخِرَةِ، وَالصَّبْرُ وَالرِّضَى وَالشُّكْرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي مَنِ اتَّصَفَ بِهَا كَانَ مِمَّنْ آمَنَ بِالْآخِرَةِ، فَلَمَّا سُلِبَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ عَنْهُمْ، وَهِيَ صِفَاتُ كَمَالٍ كَانَ لَهُمْ مَثَلُ السَّوْءِ، فَمَنْ سَلَبَ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعُلُوَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَكَلَامَهُ وَعِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسَائِرَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، فَقَدْ جَعَلَ لِلَّهِ تَعَالَى مَثَلَ السَّوْءِ، وَنَزَّهَهُ عَنِ الْمَثَلِ الْأَعْلَى، وَأَنَّ مَثَلَ السَّوْءِ هُوَ أَوَّلُ مَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَضِدُّهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالْمَعَانِي الثُّبُوتِيُّةِ الَّتِي كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ فِي الْمَوْصُوفِ وَأَكْمَلَ كَانَ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَمَّا كَانَ الرَّبُّ هُوَ الْأَعْلَى، وَوَجْهُهُ الْأَعْلَى، وَكَلَامُهُ الْأَعْلَى، وَسَمْعُهُ الْأَعْلَى، وَسَائِرُ صِفَاتِهِ عُلْيَا، كَانَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، بَلْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي الْمَثَلِ الْأَعْلَى اثْنَانِ، لِأَنَّهُمَا إِنْ تَكَافَآ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَافَآ فَالْمَوْصُوفُ بِالْمَثَلِ الْأَعْلَى أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى مِثْلٌ، أَيْ: نَظِيرٌ، وَهَذَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَالْقُوَّةِ.
وَنَظِيرُ هَذَا الْقَهْرِ الْمُطْلَقِ مَعَ الْوَحْدَةِ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَلَا يَكُونُ الْقَهَّارُ إِلَّا وَاحِدًا، إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ كُفْءٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْهَرْهُ لَمْ يَكُنْ قَهَّارًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ قَهَرَهُ لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا وَكَانَ الْقَهَّارُ وَاحِدًا، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ كَانَ قَوْلُهُ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وَقَوْلُهُ:{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [الروم: 27] مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى ثُبُوتِ صِفَاتِ كَمَالِهِ سبحانه وتعالى.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا حَقِيقَةُ الْمَثَلِ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: قَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَاسْتَشْكَلُوا أَقْوَالَ السَّلَفِ فِيهِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ قَالُوا: مَثَلُ السَّوْءِ الْعَذَابُ وَالنَّارُ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى: شَهَادَةُ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْإِخْلَاصُ وَالتَّوْحِيدُ، وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا أَدْرِي لِمَ قِيلَ
لِلْعَذَابِ مَثَلُ السَّوْءِ وَالْإِخْلَاصُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى؟ قَالَ: وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَثَلُ السَّوْءُ: الصِّفَةُ السَّوْءُ مِنَ احْتِيَاجِهِمْ لِلْوَلَدِ وَكَرَاهَتِهِمْ لِلْإِنَاثِ خَوْفَ الْعَيْلَةِ وَالْعَارِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى: الصِّفَةُ الْعُلْيَا وَتَنَزُّهُهُ وَبَرَاءَتُهُ مِنَ الْوَلَدِ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَالْمَثَلُ كَثِيرًا يَرِدُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَثَلُ السَّوْءِ مَا ضَرَبَ اللَّهُ لِلْأَصْنَامِ وَعَبَدَتِهَا مِنَ الْأَمْثَالِ، وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى نَحْوَ قَوْلِهِ:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] ) ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [الروم: 27] هُوَ الْأَطْيَبُ وَالْأَفْضَلُ وَالْأَحْسَنُ وَالْأَجْمَلُ، وَذَلِكَ التَّوْحِيدُ وَالْإِذْعَانُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
قُلْتُ: الْمَثَلُ الْأَعْلَى يَتَضَمَّنُ الصِّفَةَ الْعُلْيَا، وَعِلْمَ الْعَالَمِينَ بِهَا، وَوُجُودَهَا الْعِلْمِيَّ، وَالْخَبَرَ عَنْهَا وَذِكْرَهَا، وَعِبَادَةَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِوَاسِطَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ الْقَائِمَةِ بِقُلُوبِ عَابِدِيهِ وَذَاكِرِيهِ، فَهَا هُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: ثُبُوتُ الصِّفَاتِ الْعُلْيَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، عَلِمَهَا الْعِبَادُ أَوْ جَهِلُوهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَسَّرَهُ بِالصِّفَةِ، الثَّانِي: وَجُودُهَا فِي الْعِلْمِ وَالتَّصَوُّرِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إِنَّهُ مَا فِي قُلُوبِ عَابِدِيهِ وَذَاكِرِيهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَهَذَا الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْمَثَلِ الْأَعْلَى لَا يَشْتَرِكُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَهُ، بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا اخْتَصَّ بِهِ فِي ذَاتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَهْلُ السَّمَاءِ يُحِبُّونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يُجِلُّونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ، وَإِنْ أَشْرَكَ بِهِ مَنْ أَشْرَكَ، وَعَصَاهُ مَنْ عَصَاهُ، وَجَحَدَ صِفَاتَهُ مَنْ جَحَدَهَا، فَكُلُّ أَهْلِ الْأَرْضِ مُعَظِّمُونَ لَهُ مُجِلُّونَ لَهُ خَاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ، قَالَ تَعَالَى:{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26] فَلَسْتَ تَجِدُ أَحَدًا مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ إِلَّا وَاللَّهُ أَكْبَرُ فِي صَدْرِهِ وَأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، الثَّالِثُ: ذِكْرُ صِفَاتِهِ وَالْخَبَرُ عَنْهَا وَتَنْزِيهُهَا عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ وَالْمَثِيلِ، الرَّابِعُ: مَحَبَّةُ الْمَوْصُوفِ بِهَا وَتَوْحِيدُهُ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْإِيمَانُ بِالصِّفَاتِ أَكْمَلُ كَانَ هَذَا الْحُبُّ وَالْإِخْلَاصُ أَقْوَى.
فَعِبَارَةُ السَّلَفِ تَدُورُ حَوْلَ هَذِهِ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ لَا تَتَجَاوَزُهَا، وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ السَّوْءِ لِلْأَصْنَامِ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُقُ شَيْئًا وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا وَلَا لِعَابِدِيهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا.
فَهَذَانِ مَثَلَانِ ضَرَبَهُمَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْأَصْنَامِ: لِلْأَصْنَامِ مَثَلٌ بِالسَّوْءِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.
وَقَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 73 - 74] فَهَذَا الْمَثَلُ الْأَعْلَى الَّذِي لَهُ سُبْحَانَهُ، وَالْأَوَّلُ مَثَلُ السَّوْءِ لِلصَّنَمِ وَعَابِدِيهِ.
وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُعَارِضِينَ بَيْنَ الْوَحْيِ وَعُقُولِهِمْ بِمَثَلِ السَّوْءِ بِالْكَلْبِ تَارَةً، وَبِالْحُمُرِ تَارَةً، بِالْأَنْعَامِ تَارَةً، وَبِأَهْلِ الْقُبُورِ تَارَةً، وَبِالْعُمْيِ الصُّمِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْثَالِ السَّوْءِ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُمْ وَلِأَوْثَانِهِمْ، وَأَخْبَرَ عَنْ مَثَلِهِ الْأَعْلَى بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَضَرَبَ لِأَوْلِيَائِهِ وَعَابِدِيهِ أَحْسَنَ الْأَمْثَالِ، وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ فَهِمَ الْمُرَادَ بِالْمَثَلِ الْأَعْلَى وَمَثَلِ السَّوْءِ.
السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الْكِتَابِ الْمُفَصَّلِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، وَقَالَ تَعَالَى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} [البقرة: 213]، وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] ، وَقَالَ تَعَالَى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
فَقَوْلُهُ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114] اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، يَقُولُ: كَيْفَ أَبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ
وَقَدْ أَنْزَلَ كِتَابًا مُفَصَّلًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ:{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقَوْلُهُ:(مُفَصَّلًا) يُبَيِّنُ أَنَّ الْكِتَابَ الْحَاكِمَ مُفَصَّلٌ مُبَيَّنٌ ضِدَّ مَا يَصِفُهُ بِهِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ عُقُولَ الرِّجَالِ تُعَارِضُ بَعْضَ نُصُوصِهِ، أَوْ أَنَّ نُصُوصَهُ خَلِيَتْ أَوْ أَفْهَمَتْ خِلَافَ الْحَقِّ لِمَصْلَحَةِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ أَنَّ لَهَا مَعَانِيَ لَا تُفْهَمُ وَلَا يُعْلَمُ الْمُرَادُ مِنْهَا، أَوْ أَنَّ لَهَا تَأْوِيلَاتٍ بَاطِلَةً، خِلَافَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُهَا، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَيْسَ الْكِتَابُ عِنْدَهُمْ مُفَصَّلًا، بَلْ مُجْمَلٌ مُؤَوَّلٌ، وَلَا يُعْلَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ أَوْ إِفْهَامُ خِلَافِ الْحَقِّ، ثُمَّ قَالَ:{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114] وَذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ مُصَدِّقٌ لِلْقُرْآنِ، فَمَنْ نَظَرَ فِيهِ عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ هَذَا وَهَذَا مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، لَا سِيَّمَا فِي بَابِ التَّوْحِيدِ وَالْأَسْمَاءِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمُبَدَّلُ الْمُحَرَّفُ الَّذِي أَنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي شَهِدَ لَهُ الْقُرْآنُ وَصَدَّقَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الصِّفَاتِ ; وَلَا عَابَهُمْ بِهِ ; وَلَا جَعَلَهُ تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا وَتَمْثِيلًا، كَمَا فَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ النُّفَاةِ، وَقَالَ: الْيَهُودُ أَئِمَّةُ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ، فَالَّذِي عَابَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَأْوِيلِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ لَمْ يَعِبْهُمْ بِهِ الْمُعَطِّلَةُ بَلْ شَارَكُوهُمْ فِيهِ، وَالَّذِي اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِهِ مِنْ مُوَافَقَةِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ عَابُوهُمْ وَنَسَبُوهُمْ إِلَى التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، وَهَذَا ضِدُّ مَا عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَأَصْحَابُهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ذَكَرُوا لَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْمُعَطِّلَةُ تَجْسِيمًا وَتَشْبِيهًا صَدَّقَهُمْ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، كَمَا صَدَّقَهُمْ فِي خَبَرِ الْخَبَرِ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَضَحِكَ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ ; وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115] فَمَا أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ صِدْقٌ وَمَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا فِي النُّصُوصِ مِنَ الْخَبَرِ فَهُوَ صِدْقٌ، عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَ بِهِ لَا نُعَارِضُهُ وَلَا نُعْرِضُ عَنْهُ، وَمَنْ عَارَضَهُ بِعَقْلِهِ لَمْ يُصَدِّقْ بِهِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ تَصْدِيقًا مُجْمَلًا، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ تَصْدِيقًا مُفَصَّلًا فِي أَعْيَانِ مَا أَخْبَرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَلَوْ أَقَرَّ بِلَفْظِهِ مَعَ جَحْدِ