الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل استدلال الجبرية بقوله تعالى لا يسأَل عما يفعل]
فَصْلٌ
أَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْجَبْرِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] فَدَلِيلٌ حَقٌّ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى بَاطِلٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ تَوْحِيدِهِ سُبْحَانَهُ وَبُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ مَا سِوَاهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ عَدَاهُ مَرْبُوبٌ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ مَسْئُولٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ عَمَّا يَفْعَلُهُ، قَالَ تَعَالَى:{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ - لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ - لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 21 - 23] فَلَمْ تَكُنِ الْآيَةُ مَسُوقَةً لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ بِحِكْمَةٍ وَلَا لِغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ مَطْلُوبَةٍ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ بِلَا حِكْمَةٍ وَلَا سَبَبٍ وَلَا غَايَةٍ، بَلِ الْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَأَنَّ أَفْعَالَهُ صَادِرَةٌ عَنْ تَمَامِ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، فَكَمَالُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ يُنَافِي اعْتِرَاضَ الْمُعْتَرِضِينَ عَلَيْهِ وَسُؤَالَ السَّائِلِينَ لَهُ، وَهُمْ حَمَّلُوا الْآيَةَ عَلَى أَنَّهُ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُهُ لِقَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَدْحٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنْ تَضَمَّنَ مَدْحًا مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَإِنَّمَا الْمَدْحُ التَّامُّ أَنْ يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ حِكْمَتَهُ حَمْدَهُ وَوُقُوعَ أَفْعَالِهِ عَلَى أَتَمِّ الْمَصَالِحِ، وَمُطَابَقَتَهُ لِلْحِكْمَةِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُهُ لِكَمَالِ مُلْكِهِ وَكَمَالِ حَمْدِهِ، فَلَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَاسْتِدْلَالُ نُفَاةِ الْحِكْمَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ كَاسْتِدْلَالِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وَالْآيَتَانِ دَالَّتَانِ عَلَى ضِدِّ قَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ، فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لِكَمَالِ صِفَاتِهِ الَّتِي بِكَمَالِهَا وَقِيَامِهَا بِهِ لَمْ يَكُنْ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» " فَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْجَمِيعُ قَضَاؤُهُ وَالْجَمِيعُ عَدْلٌ مِنْهُ فِي عَبْدِهِ، لَا بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُتَصَرِّفًا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ، بَلْ بِوَضْعِ الْقَضَاءِ فِي مَوْضِعِهِ وَإِصَابَةِ مَحَلِّهِ، فَكُلُّ مَا قَضَاهُ عَلَى عَبْدِهِ فَقَدْ وَضَعَهُ مَوْضِعَهُ اللَّائِقَ بِهِ وَأَصَابَ بِهِ مَحَلَّهُ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَظْلِمْهُ بِهِ، أَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالْمَصَائِبُ فَالْأَمْرُ فِيهَا ظَاهِرٌ، إِذْ هِيَ عَدْلٌ مَحْضٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] .
وَأَمَّا الْآلَامُ الَّتِي تُصِيبُ الْعَبْدَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، كَالْآلَامِ الَّتِي تَنَالُ غَيْرَ الْمُكَلَّفِينَ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ، فَقَدْ خَاضَ النَّاسُ فِي أَسْبَابِهَا وَحِكَمِهَا قَدِيمًا، وَحَدِيثًا وَتَبَايَنَتْ طُرُقُهُمْ فِيهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا عَدْلٌ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ كَوْنِهَا عَدْلًا فَالْجَبْرِيَّةُ تُثْبِتُ عَلَى أُصُولِهَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاقِعٍ أَوْ مُمْكِنٍ عَدْلٌ، وَالْقَدَرِيَّةُ جَعَلَتْ وَجْهَ كَوْنِهِ عَدْلًا، وُقُوعُهَا بِسَبَبِ جُرْمٍ سَابِقٍ أَوْ عِوَضٍ لَاحِقٍ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى غَيْرِهِ، قَالُوا فَوُقُوعُهَا عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ بِالْجُرْمِ وَالتَّعْوِيضِ بِخُرُوجِهَا عَنْ كَوْنِهَا ظُلْمًا، وَبِقَصْدِ الْعِبْرَةِ تُخْرِجُ كَوْنَهَا سَفَهًا، وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ لَازِمِ الْخِلْقَةِ فِيهِ وَمُقْتَضَيَاتِ النَّشْأَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ إِلَّا ذَلِكَ، وَلَوْ فُرِضَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكَانَ غَيْرُ هَذَا الْعَالَمِ، فَإِنَّ تَرْكِيبَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ وَيَفْسُدُ يَقْتَضِي أَنْ تَعْرِضَ لَهُ الْآلَامُ كَمَا يَعْرِضُ لَهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَالضَّجَرُ وَنَحْوُهَا، وَقَالُوا: رَفَعُ هَذَا بِالْكُلِّيَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِرَفْعِ أَسْبَابِهِ، وَالْخَبَرُ الَّذِي فِي أَسْبَابِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الشَّرِّ الْحَاصِلِ بِهَا، فَاحْتِمَالُ الشَّرِّ الْقَلِيلِ الْجُزْئِيِّ فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الْيَسِيرَةِ الْجُزْئِيَّةِ، قَالُوا: وَمَنْ تَأَمَّلَ أَسْبَابَ الْآلَامِ وَجَدَ مَا فِي ضِمْنِهَا مِنَ الْمَلَذَّاتِ وَالْخَيْرَاتِ وَالْمَصَالِحِ أَضْعَافَ أَضْعَافَ مَا فِي ضِمْنِهَا مِنَ الشُّرُورِ، كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ وَالثَّلْجِ وَالرِّيحِ وَتَنَاوُلِ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَوَاكِهِ وَأَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ، وَصُنُوفِ الْمَنَاكِحِ، وَأَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ وَالْحَرَكَاتِ، فَإِنَّ الْآلَامَ إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ غَالِبُهَا عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَصَالِحُهَا وَلَذَّتُهَا وَخَيْرَاتُهَا أَكْثَرُ مِنْ مَفَاسِدِهَا وَشُرُورِهَا وَآلَامِهَا.
وَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ سَلَكَهَا طَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَإِذَا أَخَذْتَ مِنْ طَرِيقٍ حَقَّهَا وَرَمَيْتَ بَاطِلَهَا كَنْتَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَأَصْحَابُ الْمَشِيئَةِ الْمَحْضَةِ أَصَابُوا فِي إِثْبَاتِ عُمُومِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، فَخُذْ مِنْ قَوْلِهِمْ هَذَا الْقَدْرَ وَأَلْقِ مِنْهُ إِبْطَالَ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ وَالتَّعْلِيلِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِ الْخَلْقِ، وَالْقَدَرِيَّةُ أَصَابُوا فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ وَأَخْطَئُوا فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: إِخْرَاجُ أَفْعَالِ عِبَادِهِ عَنْ مُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، الثَّانِي: تَعْطِيلُهُمْ عَوْدَ الْحِكْمَةِ وَالْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوا أَنْوَاعَ حِكْمَةٍ تَعُودُ إِلَى الْمَفْعُولِ لَا إِلَى الْفَاعِلِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ شَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ فِيمَا يَحْسُنُ مِنْهُمْ وَمَا يَقْبُحُ فَقَاسُوهُ فِي أَفْعَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَاعْتَبَرُوا حِكْمَتَهُ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي لِعِبَادِهِ، فَخُذْ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ لَا يَفْعَلُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَحِكْمَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ الظُّلْمَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْهُ لِغِنَاهُ وَكَمَالِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ