المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة] - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

[ابن الموصلي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[فصل فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّأْوِيلِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا]

- ‌[فصل تَنَازَعَ النَّاسُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ]

- ‌[فصل تَعْجِيزِ الْمُتَأَوِّلِينَ عَنْ تَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَسُوغُ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وما لا يسوغ]

- ‌[فصل إِلْزَامِهِمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهُ تَأَوُّلًا نَظِيرَ مَا فَرُّوا مِنْهُ]

- ‌[فَصْلٌ شبهات الجهمي في الوجه والعين والجنب والساق والجواب عليها]

- ‌[فصل فِي الْوَظَائِفِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ]

- ‌[فصل بَيَانِ أَنَّ التَّأْوِيلَ شَرٌّ مِنَ التَّعْطِيلِ]

- ‌[فصل قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ]

- ‌[فصل فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ]

- ‌[فصل بَيَانِ أَنَّ تَيَسُّرَ الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ يُنَافِي حَمْلَهُ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمُخَالَفَاتِ لِحَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ]

- ‌[فَصْلُ اشْتِمَالُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَكْثَرَ مِنَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا عَدَاهُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَقْبَلُ التَّأَوُّلَ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَأْتِي الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ بِتَأْوِيلٍ إِلَّا أَمْكَنَ الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ أَنْ يَأْتِيَ بِتَأْوِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ النَّاسِ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ]

- ‌[فَصْلٌ أَسْبَابٌ قَبُولُ التَّأْوِيلِ]

- ‌[فَصْلٌ أَهْلَ التَّأْوِيلِ لَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى مُبْطِلٍ أَبَدًا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الآفَاتِ]

- ‌[حُجَجُهُ سُبْحَانَهُ الْعَقْلِيَّةُ والسمعية على توحيده وأسمائه وصفاته]

- ‌[موافقة صريح العقل لصحيح النقل]

- ‌[كَسْرُ الطَّاغُوتِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ]

- ‌[تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى الشَّرْعِ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ]

- ‌[إتمام الله لدينه لا يحوجنا إلى العقل]

- ‌[اتفاق العقل والنقل]

- ‌[معارضة العقل للشرع من عادة الكفار]

- ‌[الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة]

- ‌[غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل]

- ‌[كذب من زعم أن السلف لا يدرون معاني ألفاظ الصفات]

- ‌[أنواع التوحيد الصحيحة والباطلة]

- ‌[تسمية أهل الزيغ توحيد الرسل شركا وتجسيما]

- ‌[لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا لا نفيا]

- ‌[الجهة والفوقية والعلو نفيها عنه سبحانه تعطيل]

- ‌[فصل إنكار القدرية خلق أفعال العباد وتسميتهم بذلك بالعدل]

- ‌[العقل يصدق ما جاء الوحي أشد مما يصدق كثير من المحسوسات]

- ‌[أصول المعارضين للشرع بالعقل تنفي وجود الصانع لا صفاته فحسب]

- ‌[فصل مذهب أهل الكلام في الصفات]

- ‌[معارضة الوحي بالعقل]

- ‌[الفطرة والمعقول يثبتان صفات الله]

- ‌[أحسن ما قيل في المثل الأعلى]

- ‌[الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ببعضها لا بمعقولات]

- ‌[إنكار الصحابة على من عارض النصوص بآراء الرجال]

- ‌[الجهمية أول من عارض الوحي بالرأي]

- ‌[قيام ابن تيمية بالحجة واليد على غزو أهل الضلال]

- ‌[إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه]

- ‌[إفحام من ينكر الصفات]

- ‌[توحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل]

- ‌[أقوى الطرق وأدلها على الصانع]

- ‌[الأصل الذي قاد إلى القول بالتعطيل]

- ‌[فصل اتفاق الحكماء مع السلف على علو الله]

- ‌[فصل مناقشة من يمنعون الإشارة الحسية إليه تعالى]

- ‌[مناقشة نفاة الصفات وإفحامهم]

- ‌[فصل الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ مُعْتَرِفُونَ بِوَصْفَهِ تَعَالَى بِعُلُوِّ الْقَهْرِ وَعُلُوِّ الْقَدْرِ]

- ‌[فصل رؤية الرب إمكانها بالعقل وإثباتها بالشرع]

- ‌[نفي الشبيه ليس في نفسه مدح]

- ‌[فَصْلٌ حُجَّةِ الْجَهْمِيِّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ وَلَا يُحِبُّ وَلَا يَسْخَطُ وَالْجَوَابُ عَنْهَا]

- ‌[إدراك حكمة الله في خلقه]

- ‌[معنى قضاء الله في عباده وتنزيهه عن الظلم]

- ‌[فصل استدلال الجبرية بقوله تعالى لا يسأَل عما يفعل]

- ‌[فصل ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أَصناف]

- ‌[فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب]

- ‌[فصل حكمة الله تعالى في خلق الضدين]

- ‌[فصل العبودية إنما تظهر عند الامتحان بالشهوات]

- ‌[حكمة الله تعالى في خلق إبليس]

- ‌[رحمة الله سبقت غضبة]

- ‌[فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه]

- ‌[فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات]

- ‌[فصل القول بالمجاز قول مبتدع]

- ‌[تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم فاسد]

- ‌[تفريقهم بين الحقيقة والمجاز لاضطراد وفساده]

- ‌[أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره]

- ‌[الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاث اعتبارت]

- ‌[أن الله تعالى هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم]

- ‌[اللغة كلها حقيقة أو كلها مجاز]

- ‌[أنواع القرائن]

- ‌[تقسيم معاني الكلام إلى خبر وطلب واستفهام]

- ‌[نقل كلام ابن جني في المجاز والرد عليه]

- ‌[فصل ذكر ما ادعوا فيه المجاز من القرآن]

- ‌[المثال الأول قوله وجاء ربك والملك صفا صفا]

- ‌[المثال الثاني اسم الرحمن ورحمة الله]

- ‌[المثال الثالث استواء الله على عرشه]

- ‌[المثال الرابع إثبات اليدين حقيقة لله تعالى]

- ‌[المثال الخامس إثبات الوجه لله تعالى حقيقة]

- ‌[المثال السادس اسم الله النور وقوله تعالى الله نور السماوات والأرض]

- ‌[المثال السابع إثبات فوقية الله تعالى على الحقيقة]

- ‌[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة]

- ‌[حديث الجمعة وهو شجي في حلوق المعطلة]

- ‌[حديث لقيط بن عامر الجهني وفيه فوائد]

- ‌[النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن]

- ‌[فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال]

- ‌[فصل ثبوت الانتقال والحركة لله تعالى]

- ‌[المثال التاسع معية الله تعالى وقربه من عباده]

- ‌[المثال العاشر نداء الله ومناجاته وكلامه بحرف وصوت]

- ‌[فصل مذاهب الناس في كلام الله]

- ‌[مذهب الاتحادية]

- ‌[مذهب الفلاسفة المتأخرين]

- ‌[مذهب المعتزلة]

- ‌[مذهب الكلابية]

- ‌[مذهب الأشعري]

- ‌[مذهب الكرامية]

- ‌[مذهب السالمية]

- ‌[فصل مذهب أتباع الرسل]

- ‌[مسألة تكلم العباد بالقرآن]

- ‌[فصل جواب السؤال هل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة]

- ‌[فصل كون الكلام في محاله]

- ‌[فصل سماع كلام الله مباشرة وبواسكة]

- ‌[فصل وجود القرآن في المصحف]

- ‌[فصل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك]

- ‌[فصل منشأ النزاع هل كلام الرب بمشيئتة أم لا]

- ‌[فصل هل يمكن وجود حرف نطقي بلا صوت]

- ‌[فصل الاحتجاج بالأحاديث النبوية على إثبات صفات الله المقدسة العلية]

- ‌[المقام الأول بيان إفادة النصوص الدلالة القاطعة على مراد المتكلم]

- ‌[المقام الثاني موافقة القرآن للحديث]

- ‌[فصل كلام الشافعي في الاحتجاج بالسنة]

- ‌[فصل المقام الرابع إفادتها للعلم واليقين]

- ‌[فصل التفصيل في خبر الواحد وأنه ليس سواء]

- ‌[كلام الإمام ابن حزم في أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا]

- ‌[فصل استدلال ابن القيم على أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا]

- ‌[فصل الاستدلال بأحاديث الآحاد في العلم كالعمل]

- ‌[فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها]

- ‌[فصل المقام السابع اختلاف درجة الدليل بحسب درجة فهم المستدل]

- ‌[فصل المقام الثامن انعقاد الإجماع على قبول أحاديث الآحاد]

- ‌[فصل ليس في السنة ما يخالف القرآن]

- ‌[فصل المقام التاسع والعاشر أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة]

الفصل: ‌[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة]

[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة]

الْمِثَالُ الثَّامِنُ: مِمَّا ادُّعِيَ فِيهِ أَنَّهُ مَجَازٌ وَهُوَ حَقِيقَةُ لَفْظِ (النُّزُولِ) وَالتَّنْزِيلُ وَالْإِنْزَالُ حَقِيقَةُ مَجِيءِ الشَّيْءِ أَوِ الْإِتْيَانُ بِهِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ لُغَةً وَشَرْعًا، كَقَوْلِهِ:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] وَقَوْلِهِ: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4] وَقَوْلِهِ: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِالْقُرْآنِ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّهُ {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] وَتَوَاتَرَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِنُزُولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَادَّعَى الْمُعَطِّلُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنْزِيلِ مُجَرَّدَ إِيصَالِ الْكِتَابِ وَبِالنُّزُولِ الْإِحْسَانَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَسْنَدَ دَعْوَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] وَبِقَوْلِهِ: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] قَالَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ تُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ.

وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَجَازِ النُّزُولِ، وَأَنَّهُ مُطْلَقُ الْوُصُولِ لَا يُعْرَفُ فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا لُغَةٍ، وَلَا شَرْعٍ، وَلَا عُرْفٍ، وَلَا اسْتِعْمَالٍ، فَلَا يُقَالُ لِمَنْ صَعِدَ إِلَيْكَ فِي سُلَّمٍ إِنَّهُ نَزَلَ إِلَيْكَ وَلَا لِمَنْ جَاءَكَ مِنْ مَكَانٍ مُسْتَوٍ نُزُولٌ، وَلَا يُقَالُ نَزَلَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ إِذَا جَاءَ، وَذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَلُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ عُرِفَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِإِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ.

الثَّالِثُ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ الْأَمَانَ وَالثِّقَةَ بِاللُّغَاتِ، وَيُبْطِلُ فَائِدَةَ التَّخَاطُبِ، إِذْ لَا يَشَاءُ السَّامِعُ أَنْ يَخْرُجَ اللَّفْظُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَّا وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.

الرَّابِعُ: إِنَّ قَوْلَهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ لَمْ يُنَزَّلْ جِرْمُهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْعَامُ، يُقَالُ لَهُ: هَذَا مَعْلُومٌ لَكَ بِالضَّرُورَةِ أَمْ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَلَا ضَرُورَةَ يُعْلَمُ بِهَا ذَلِكَ، وَأَيْنَ الدَّلِيلُ.

الْخَامِسُ: إِنَّهُ قَدْ عَهِدَ نُزُولُ أَصْلِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ آدَمُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه: 123] فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يُنْزِلَ أَصْلَ الْأَنْعَامِ مِنْ أَصْلِ

ص: 441

الْأَنَامِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي نُزُولِ الْكَبْشِ الَّذِي فَدَى اللَّهُ بِهِ إِسْمَاعِيلَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي نُزُولِ الْحَدِيدِ مَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ، كَنُزُولِ السِّنْدَانِ وَالْمِطْرَقَةِ، وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَجْزِمْ بِذَلِكَ فَالْمُدَّعَى أَنَّ الْحَدِيدَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ مَعَهُ مَا يُبْطِلُ ذَلِكَ.

السَّادِسُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَوْلُهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لَا يُخْرِجُ لَفْظَةَ النُّزُولِ عَنْ حَقِيقَتِهَا، إِذْ عَدَمُ النُّزُولِ مِنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ مُطْلَقًا.

السَّابِعُ: إِنَّ الْحَدِيدَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ وَهِيَ عَالِيَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَعْدِنُهُ أَعْلَى كَانَ حَدِيدُهُ أَجْوَدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ:{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] ، فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُخْلَقُ بِالتَّوَالُدِ الْمُسْتَلْزِمِ إِنْزَالَ الذُّكُورِ الْمَاءَ مِنْ أَصْلَابِهَا إِلَى أَرْحَامِ الْإِنَاثِ، وَلِهَذَا يُقَالُ أَنْزَلَ وَلَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ إِنَّ الْأَجِنَّةَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْعَامَ تَعْلُو فُحُولُهَا إِنَاثَهَا بِالْوَطْءِ، وَيَنْزِلُ مَاءُ الْفَحْلِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى وَتُلْقِي وَلَدَهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ:{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ} [الزمر: 6] وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] فَتَكُونُ (مِنْ) لِبَيَانِ الْجِنْسِ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ الْمَحَلَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ مِنْهُ وَهُوَ أَصْلَابُ الْفُحُولِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ يُحْتَمَلَانِ فِي قَوْلِهِ:{جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} [الشورى: 11] هَلِ الْمُرَادُ جَعَلَ لَكُمْ مَنْ جِنْسِكُمْ أَزْوَاجًا أَوِ الْمُرَادُ جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَذَوَاتِكُمْ، كَمَا جُعِلَتْ حَوَّاءُ مِنْ نَفْسِ آدَمَ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ أَزْوَاجُ الْأَنْعَامِ مَخْلُوقَةً مِنْ ذَوَاتِ الذُّكُورِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الزَّوْجُ مِنْ نَفْسِ الذَّكَرِ إِلَّا مِنْ آدَمَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّوْعِ فَالزَّوْجُ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.

الْوَجْهُ الثَّامِنُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْإِنْزَالَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: أَحَدُهَا: إِنْزَالٌ مُطْلَقٌ كَقَوْلِهِ: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] فَأَطْلَقَ الْإِنْزَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَبْدَأَهُ، كَقَوْلِهِ:{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] .

ص: 442

الثَّانِيَةُ: الْإِنْزَالُ مِنَ السَّمَاءِ، كَقَوْلِهِ:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] .

الثَّالِثَةُ: إِنْزَالٌ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ:{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] وَقَوْلِهِ: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] وَقَوْلِهِ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] وَقَوْلِهِ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102] وَقَالَ: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 114] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْهُ، وَالْمَطَرُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْحَدِيدُ وَالْأَنْعَامُ مُنَزَّلَانِ نُزُولًا مُطْلَقًا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَلْبِيسُ الْمُعَطِّلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا إِنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ مُنَزَّلًا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا، كَالْمَاءِ وَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ، حَتَّى عَلَا بَعْضُهُمْ فَاحْتَجَّ عَلَى كَوْنِهِ مَخْلُوقًا بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، وَالْإِنْزَالُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ.

اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَرَّقَ بَيْنَ النُّزُولِ مِنْهُ وَالنُّزُولِ مِنَ السَّمَاءِ، فَجَعَلَ الْقُرْآنَ مُنَزَّلًا مِنْهُ، وَالْمَطَرَ مُنَزَّلًا مِنَ السَّمَاءِ، وَحُكْمُ الْمَجْرُورِ بِمِنْ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمُ الْمُضَافِ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ وَرُوحِ اللَّهِ وَعَبْدِهِ، فَهَذَا إِضَافَةُ مَخْلُوقٍ إِلَى خَالِقِهِ، وَهِيَ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ وَتَشْرِيفٍ.

الثَّانِي: إِضَافَةُ صِفَةٍ إِلَى مَوْصُوفِهَا كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامِهِ وَوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ، فَهَذَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ فِيهِ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا، بَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.

إِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَكَذَا حُكْمُ الْمَجْرُورِ بِمِنْ، فَقَوْلُهُ:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] لَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَوْصَافًا لَهُ قَائِمَةً بِهِ، وَقَوْلُهُ:{وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13] وَقَوْلُهُ: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، وَأَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَلُبِّسَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى هَذَا الْفُرْقَانِ، وَجَعَلُوا الْجَمِيعَ بَابًا وَاحِدًا، وَقَابَلَهُمْ طَائِفَةُ الِاتِّحَادِيَّةِ وَجَعَلُوا الْجَمِيعَ مِنْهُ بَعْضَ التَّبْعِيضِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَلَمْ يَهْتَدِ الطَّائِفَتَانِ لِلْفَرْقِ.

ص: 443

الْوَجْهُ التَّاسِعُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] فَالْكِتَابُ كَلَامُهُ وَالْمِيزَانُ عَدْلُهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُمَا مَعَ رُسُلِهِ، ثُمَّ قَالَ:{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] وَلَمْ يَقُلْ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْحَدِيدَ، فَلَمَّا ذَكَرَ كَلَامَهُ وَعَدْلَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُمَا مَعَ رُسُلِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ مَخْلُوقَهُ النَّاصِرَ لِكِتَابِهِ وَعَدْلِهِ أَطْلَقَ إِنْزَالَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ إِنْزَالَ كَلَامِهِ، فَالْمُسَوِّي بَيْنَ الْإِنْزَالَيْنِ مُخْطِئٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.

الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: إِنَّ نُزُولَ الرَّبِّ تبارك وتعالى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا قَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُهُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَجْمَعٍ، فَكَيْفَ تَكُونُ حَقِيقَتُهُ مُحَالًا وَبَاطِلًا وَهُوَ صلى الله عليه وسلم يَتَكَلَّمُ بِهَا دَائِمًا وَيُعِيدُهَا وَيُبْدِيهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَلَا يَقْرِنُ بِاللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَجَازِهِ بِوَجْهٍ مَا، بَلْ يَأْتِي بِمَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ؟ كَقَوْلِهِ:" «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي» " وَقَوْلُهُ: " «مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ» "، وَقَوْلُهُ:" «فَيَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ثُمَّ يَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ» " فَهَذَا كُلُّهُ بَيَانُ الْإِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، وَمَانِعُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَقَدْ صَرَّحَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ آخِرُهُمْ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِذَاتِهِ، وَنَظَمَ أَبُو الْفَرَجِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:

أَدْعُوكَ لِلْوَصْلِ تَأْبَى

أَبْعَثُ رَسُولِي فِي الطَّلَبِ

أَنْزِلُ إِلَيْكَ بِنَفْسِي

أَلْقَاكَ فِي النُّوَّامِ

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مُجَدِّدًا لِلدِّينِ فِي رَأْسِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ: وَكَانَ مِنَ اعْتِقَادِ الْإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ نُزُولَ اللَّهِ بِالذَّاتِ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِهِ وَقَدْ كَتَبَهُ فِي فَتَاوٍ عَدِيدَةٍ، وَأَمْلَى فِيهِ إِمْلَاءً إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِسْنَادُ حَدِيثِ نُعَيْمِ

ص: 444

ابْنِ حَمَّادٍ إِسْنَادٌ مَدْخُولٌ وَفِيهِ مَقَالٌ، مُرَادُهُ بِحَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ بِشْرٍ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ قَالَ " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ عَرْشِهِ نَزَلَ بِذَاتِهِ» ".

قُلْتُ: وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا يَحْتَاجُ إِثْبَاتُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَيْهِ، فَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ صَرِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا لَفْظُ الذَّاتِ.

الْحَادِي عَشَرَ: إِنَّ الْخَبَرَ وَقَعَ عَنْ نَفْسِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» " فَهَذَا خَبَرٌ عَنْ مَعْنًى لَا عَنْ لَفْظٍ، وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ هُوَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ فَإِنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ عَنِ اللَّفْظِ تَارَةً وَهُوَ قَلِيلٌ وَيَكُونُ مُسَمَّاهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، فَإِذَا قُلْتَ زَيْدٌ عِنْدَكُمْ وَعَمْرٌو قَائِمٌ، فَإِنَّمَا أَخْبَرْتَ عَنِ الذَّاتِ لَا عَنِ الِاسْمِ فَقَوْلُهُ:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] هُوَ خَبَرٌ عَنْ ذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى فَلَا يَحْتَاجُ الْمُخْبِرُ أَنْ يَقُولَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِذَاتِهِ، وَقَوْلُهُ:{اللَّهُ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 102] قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ نَفْسِ ذَاتِهِ، وَقَوْلُهُ:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ ذَاتِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ إِخْبَارٌ وَاحِدٌ الْبَتَّةَ.

فَالسَّامِعُ قَدْ أَحَاطَ عِلْمًا بِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ ذَاتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَيَعْلَمُ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقُولَ أَنَّهُ بِذَاتِهِ فَعَلَ وَخَلَقَ وَاسْتَوَى، فَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ وَذَاتِهِ هَذَا حَقِيقَةُ الْكَلَامِ، وَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ تُزِيلُ اللَّبْسَ وَتُعَيِّنُ الْمُرَادَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا أَنْ نَقُولَ: اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، وَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ بِذَاتِهِ، كَمَا لَا يُحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ خَلَقَ بِذَاتِهِ وَقَدَرَ بِذَاتِهِ وَسَمِعَ وَتَكَلَّمَ بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ.

الثَّانِي عَشَرَ: إِنَّ قَوْلَهُ " «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ» " إِذَا ضَمَمْتَ هَذَا إِلَى قَوْلِهِ " «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» " وَإِلَى قَوْلِهِ " فَيَقُولُ " وَإِلَى قَوْلِهِ: " «لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي» " عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ، وَأَنَّ هَذَا السِّيَاقَ نَصٌّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِوَجْهٍ، خُصُوصًا إِذَا أُضِيفَ إِلَى قَوْلِهِ " «ثُمَّ يَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ» " وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ:«إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّهِ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ.

ص: 445

الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ: إِنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِاللَّهِ وَأَنْصَحَهُمْ لِلْأُمَّةِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي لَا تُوقِعُ لَبْسًا قَدْ صَرَّحَ بِالنُّزُولِ مُضَافًا إِلَى الرَّبِّ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَا يَنْفِي الْحَقِيقَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا فَلَوْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ بَاطِلَةً، وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي عِلْمِهِ أَوْ نُصْحِهِ أَوْ بَيَانِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

الرَّابِعُ عَشَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى لَفْظِ النُّزُولِ الْعَارِي عَنْ قَرِينَةِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ مَا يُؤَكِّدُ إِرَادَةَ الْحَقِيقَةِ حَتَّى نَوَّعَ هَذَا الْمَعْنَى، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ كَالْهُبُوطِ وَالدُّنُوِّ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالطَّوَافِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] وَقَالَ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] فَفَرَّقَ بَيْنَ إِتْيَانِ أَمْرِهِ وَبَيْنَ إِتْيَانِ نَفْسِهِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210] وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَحَقُّ مَا اعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَلَفْظُهُ " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَقِفُونَ مَوْقِفًا وَاحِدًا مِقْدَارَ سَبْعِينَ عَامًا لَا يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ وَلَا يُقْضَى بَيْنَكُمْ، فَتَبْكُونَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ تَدْمَعُونَ دَمًا وَتَعْرَقُونَ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْكُمُ الْعَرَقُ الْأَذْقَانَ وَيُلْجِمُكُمْ، فَتَضِجُّونَ وَتَقُولُونَ: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فَيَقْضِي بَيْنَنَا فَتَقُولُونَ مَنْ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ، جَبَلَ اللَّهُ تُرْبَتَهُ وَخَلَقَهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ اللَّهُ قُبُلًا، فَيُؤْتَى آدَمُ فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَأْبَى، ثُمَّ يَسْتَقْرِئُونَ الْأَنْبِيَاءَ، كُلَّمَا جَاءُوا نَبِيًّا يَأْبَى، حَتَّى يَأْتُونِي فَيَسْأَلُونِي، فَآتِي الْفَحْصَ قُدَّامَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَلَا أَزَالُ سَاجِدًا حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عز وجل إِلَيَّ مَلَكًا فَيَأْخُذُ بِعَضُدِي فَيَرْفَعُنِي، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: مُحَمَّدٌ، فَأَقُولُ نَعَمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَأَقُولُ، يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ قَدْ شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيهِمْ فَأَقْضِي بَيْنَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْصَرِفُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ، فَبَيْنَا نَحْنُ وُقُوفٌ سَمِعْنَا حِسًّا مِنَ السَّمَاءِ شَدِيدًا فَهَالَنَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِمْ فَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقَالَ أَهْلُ الْأَرْضِ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا وَهُوَ آتٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنَ الْأَرْضِ أَشْرَقَتْ لِنُورِهِمْ

ص: 446

وَأَخَذُوا مَصَافَّهُمْ، قَالَ النَّاسُ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ قَالُوا: لَا، هُوَ آتٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِثْلَيْ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ نَزَلَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِعَرْشِهِ فَيُوضَعُ حَيْثُ شَاءَ، وَيَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، وَهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ أَقْدَامُهُمْ عَلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَالسَّمَاوَاتُ إِلَى حُجْزِهِمْ وَالْعَرْشُ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ، وَالْمَلَائِكَةُ حَوْلَ الْعَرْشِ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، ثُمَّ يُنَادَى نِدَاءٌ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ، فَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِّي أُنْصِتُ لَكُمْ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتُكُمْ فَأَنْصِتُوا إِلَيَّ الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هِيَ صُحُفُكُمْ وَأَعْمَالُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُمْ إِلَّا نَفْسَهُ، فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ، فَإِنَّهُ لَيُقِيدُ يَوْمَئِذٍ لِلْجَمَّاءِ مِنْ ذَاتِ الْقَرْنِ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ".

وَقَالَ رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ صَاحِبُ تَجْرِيدِ الصِّحَاحِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَهُوَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، اخْتَصَرَ تَفْسِيرَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَعَلَى كِتَابِهِ " التَّجْرِيدُ " اعْتَمَدَ صَاحِبُ كِتَابِ جَامِعِ الْأُصُولِ وَهَذَّبَهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158] قَالَ مُجَاهِدٌ {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [الأنعام: 158] عِنْدَ الْمَوْتِ حِينَ تَوَفَّاهُمْ {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158] يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَعَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَيْثُ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ إِتْيَانُ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِتْيَانِهِمْ لِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُمْ بِعَذَابِ الْكُفَّارِ وَإِهْلَاكِهِمْ.

وَأَمَّا إِتْيَانُ الرَّبِّ عز وجل فَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ لِقَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210] وَقَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22] قَالَ رَزِينٌ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَّبِعِينَ لِأَهْوَائِهِمُ الْمُقَدِّمِينَ بَيْنَ يَدَيْ كِتَابِ اللَّهِ لِآرَائِهِمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ

ص: 447

وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ، فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ قَوْلِهِ:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210] وَقَوْلِهِ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] وَقَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالْآثَارِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ يُثْبِتُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَوَهُّمٍ، وَيَرَوْنَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كَمَا جَاءَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْتَهَى.

وَالْإِتْيَانُ وَالْمَجِيءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَإِذَا كَانَ مَجِيءُ رَحْمَتِهِ أَوْ عَذَابِهِ كَانَ مُقَيَّدًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْخَيْرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: 52] وَقَوْلُهُ: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} [المؤمنون: 71] وَفِي الْأَثَرِ: لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا اللَّهُ.

النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ الْمُطْلَقُ كَقَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22] وَقَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210] وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَجِيئُهُ سُبْحَانَهُ، هَذَا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا، فَكَيْفَ إِذَا قُيِّدَ بِمَا يَجْعَلُهُ صَرِيحًا فِي مَجِيئِهِ نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ:{إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] فَعَطَفَ مَجِيئَهُ عَلَى مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ عَطَفَ مَجِيءَ آيَاتِهِ عَلَى مَجِيئِهِ، وَمِنَ الْمَجِيءِ الْمُقَيَّدِ قَوْلُهُ:{فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] فَلَمَّا قَيَّدَهُ بِالْمَفْعُولِ وَهُوَ الْبُنْيَانُ وَبِالْمَجْرُورِ وَهُوَ الْقَوَاعِدُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَجِيءِ مَا بَيَّنَهُ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا جَاءَ بِنَفْسِهِ لَا يَجِيءُ مِنْ أَسَاسِ الْحِيطَانِ وَأَسْفَلِهَا، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ تَعَالَى:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] فَهَذَا مَجِيءٌ مُقَيَّدٌ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ قَدْ أَوْقَعَ بِهِمْ بَأْسَهُ، وَعَلِمَ السَّامِعُونَ أَنَّ جُنُودَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُسْلِمِينَ أَتَوْهُمْ، فَكَانَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ فِي الْآيَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ عَلَى حَقِيقَةٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دُنُوًّا مِمَّنْ يُرِيدُ إِهْلَاكَهُمْ بِغَضَبِهِ وَانْتِقَامِهِ كَمَا يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ بِرَحْمَتِهِ

ص: 448

وَمَغْفِرَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الدُّنُوِّ وَالْإِتْيَانِ الْمُلَاصَقَةُ وَالْمُخَالَطَةُ، بَلْ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَهَؤُلَاءِ بِانْتِقَامِهِ وَعُقُوبَتِهِ، وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ إِذْ لَا يَكُونُ الرَّبُّ إِلَّا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، فَفَوْقِيَّتُهُ وَعُلُوُّهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ نُزُولِهِ وَدُنُوِّهِ، وَهُبُوطِهِ وَمَجِيئِهِ، وَإِتْيَانِهِ وَعُلُوِّهِ، لِإِحَاطَتِهِ وَسَعَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي قَبْضَتِهِ، وَأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ الظَّاهِرَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، فَهُوَ الْبَاطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، فَظُهُورُهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ أَعْلَمُ الْخَلْقِ لَا يُنَاقِضُ بُطُونَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ أَيْضًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَدْنُو وَيَقْرُبُ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّنُوَّ وَالْقُرْبَ مِنْهُ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» " فَهَذَا قُرْبُ السَّاجِدِ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» "، فَهَذَا قُرْبُهُ مِنْ دَاعِيهِ وَالْأَوَّلُ قُرْبُهُ مِنْ عَابِدِيهِ، وَلَمْ يُنَاقِضْ ذَلِكَ كَوْنُهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ.

وَإِنْ عَسُرَ عَلَى فَهْمِكَ اجْتِمَاعُ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ يُوَضِّحُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ إِحَاطَةِ الرَّبِّ وَسَعَتِهِ، وَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ فِي يَدِهِ كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ السَّبْعَ بِيَدِهِ وَالْأَرْضِينَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَمَنْ هَذَا شَأْنُهُ كَيْفَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الدُّنُوُّ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّنُوَّ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، وَهُوَ يُوجِبُ لَكَ فَهْمَ اسْمِهِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ هُوَ تَفْسِيرُ الْحَقِّ الْمُطَابِقُ لِكَوْنِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، وَكَوْنِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ.

وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ أَنَّ النُّزُولَ وَالْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ، وَالِاسْتِوَاءَ، وَالصُّعُودَ وَالِارْتِفَاعَ كُلُّهَا أَنْوَاعُ أَفْعَالٍ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَأَفْعَالُهُ كَصِفَاتِهِ قَائِمَةً بِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَعَّالًا وَلَا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ كَمَالِهِ، فَنُزُولُهُ وَمَجِيئُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَارْتِفَاعُهُ وَصُعُودُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كُلُّهَا أَفْعَالٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، الَّتِي إِنْ كَانَتْ مَجَازًا فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَجَازٌ وَلَا فِعْلَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَمَادَاتِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ مَنْ عَطَّلَ أَفْعَالَهُ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا حَقِيقَةً فَأَفْعَالُهُ نَوْعَانِ: لَازِمَةٌ وَمُتَعَدِّيَةٌ، كَمَا دَلَّتِ النُّصُوصُ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ عَلَى النَّوْعَيْنِ.

ص: 449

وَبِإِثْبَاتِ أَفْعَالِهِ وَقِيَامِهَا بِهِ تَزُولُ عَنْكَ جَمِيعُ الْإِشْكَالَاتِ، وَتُصَدِّقُ النُّصُوصُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَعْلَمُ مُطَابَقَتَهَا لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَإِنْ أَنْكَرْتَ حَقِيقَةَ الْأَفْعَالِ وَقِيَامَهَا بِهِ سُبْحَانَهُ اضْطَرَبَ عَلَيْكَ هَذَا الْبَابُ أَعْظَمَ اضْطِرَابٍ، وَبَقِيتَ حَائِرًا فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ أُصُولِ النُّفَاةِ، وَهَيْهَاتَ لَكَ بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، يُوَضِّحُهُ: إِنَّ الْأَوْهَامَ الْبَاطِلَةَ وَالْعُقُولَ الْفَاسِدَةَ لَمَّا فَهِمَتْ مِنْ نُزُولِ الرَّبِّ وَمَجِيئِهِ، وَإِتْيَانِهِ وَهُبُوطِهِ وَدُنُوِّهِ مَا يُفْهَمُ مِنْ مَجِيءِ الْمَخْلُوقِ وَإِتْيَانِهِ وَهُبُوطِهِ وَدُنُوِّهِ وَهُوَ أَنْ يُفْرِغَ مَكَانًا وَيَشْغَلَ مَكَانًا نَفَتْ حَقِيقَةَ ذَلِكَ فَوَقَعَتْ فِي مَحْذُورَيْنِ: مَحْذُورِ التَّشْبِيهِ وَمَحْذُورِ التَّعْطِيلِ، وَلَوْ عَلِمَتْ هَذِهِ الْعُقُولُ الضَّعِيفَةُ أَنَّ نُزُولَهُ سُبْحَانَهُ وَمَجِيئَهُ وَإِتْيَانَهُ لَا يُشْبِهُ نُزُولَ الْمَخْلُوقِ وَإِتْيَانَهُ وَمَجِيئَهُ، كَمَا أَنَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَعِلْمَهُ وَحَيَاتَهُ كَذَلِكَ، بَلْ يَدُهُ الْكَرِيمَةُ وَوَجْهُهُ الْكَرِيمُ كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ نُزُولًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ نُزُولٌ، فَكَيْفَ تُنْفَى حَقِيقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَنْفِ الْمُعَطِّلَةُ حَقِيقَةَ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا تَنَاقَضُوا، فَإِنَّهُمْ أَيُّ مَعْنًى أَثْبَتُوهُ لَزِمَهُمْ فِي نَفْيِهِ مَا أَلْزَمُوا بِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَى الْفَرْقِ سَبِيلًا.

فَلَوْ كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ لَزِمَ مِنْ نُزُولِهِ خَصَائِصُ نُزُولِهِمْ ضَرُورَةُ ثُبُوتِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ لِلْآخَرِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الْأَنْصَابِ وَالْأَصْنَامِ إِلَّا تَسَاقَطُوا فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَأَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ أُمَّةٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، قَالَ فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: " أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا» "، وَفِي لَفْظٍ فَيَقُولُ: "«هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ بِهَا، فَيَقُولُونَ السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدُ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا» ".

ص: 450

وَحَدِيثُ النُّزُولِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَرَابَةَ الْجُهَنِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَلَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَثَوْبَانُ: وَأَبُو حَارِثَةَ، وَخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ رضي الله عنهم.

فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَهُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " «يَنْزِلُ اللَّهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِكُلِّ نَفْسٍ إِلَّا إِنْسَانًا فِي قَلْبِهِ شَحْنَاءُ أَوْ مُشْرِكٌ» " رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيَقُولُ: أَلَا سَائِلٌ يُعْطَى، أَلَا دَاعٍ فَيُجَابُ، أَلَا مُذْنِبٌ يُسْتَغْفَرُ لَهُ، أَلَا سَقِيمٌ يُسْتَشْفَى» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي السُّنَّةِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ يَسْتَغْفِرُ فَأَغْفِرُ لَهُ» " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا

ص: 451

شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ " «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَنَادَى: هَلْ مِنْ مُذْنِبٍ يَتُوبُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ» ".

وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " «يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ» ".

فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ تَنْفِي الْمَجَازَ بِنِسْبَةِ النُّزُولِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَنِسْبَةِ الْقَوْلِ إِلَيْهِ، وَقَوْلِهِ:" «أَنَا الْمَلِكُ» " وَقَوْلِهِ: " «يَسْتَغْفِرُنِي» " وَقَوْلِهِ " «فَأَغْفِرُ لَهُ» " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ، " «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» . . . " فَذَكَرَهُ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا قَدِ اتَّفَقَتْ عَلَى دَوَامِ النُّزُولِ الْإِلَهِيِّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَاتَّفَقَتْ عَلَى حُصُولِهِ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ، وَاخْتَلَفَتْ فِي أَوَّلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ الثُّلُثِ الثَّانِي، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوَّلُ الشَّطْرِ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَوَّلُ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ لَمْ تَجِدْ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا.

بَقِيَتْ رِوَايَةُ: «إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ» ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ لَا تَكُونَ مَحْفُوظَةً وَتَكُونُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِ الرَّاوِي، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ الْأَوَّلُ وَالشَّطْرُ وَالثُّلُثُ الْأَخِيرُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ النُّزُولُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ عِنْدَ قَوْمٍ وَوَسَطُهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَثُلُثُهُ الْأَوَّلُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، فَيَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى أَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى هَذَا فَالشُّبْهَةُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي عَارَضَ بِهَا النُّفَاةُ حَدِيثَ النُّزُولِ تَكُونُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ قَدْ تَضَمَّنَتِ الْجَوَابَ عَنْهَا، فَإِنَّ هَذَا النُّزُولَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ كَوْنُهُ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ أَوْ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَطَالِعِ.

وَلَمَّا كَانَتْ رُقْعَةُ الْإِسْلَامِ مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنَ الْمَعْمُورِ فِي الْأَرْضِ كَانَ التَّفَاوُتُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْقَدْرِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذَا.

الثَّالِثُ: إِنَّ لِلنُّزُولِ الْإِلَهِيِّ شَأْنًا عَظِيمًا، لَيْسَ شَأْنُهُ كَشَأْنِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قُدُومُ مَلِكِ

ص: 452

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ الَّتِي تَلِينَا، وَلَا رَيْبَ أَنْ لِلسَّمَاوَاتِ وَأَمْلَاكِهَا عِنْدَ هُبُوطِ الرَّبِّ تَعَالَى وَنُزُولِهِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا شَأْنًا وَحَالًا.

وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: إِنَّ السَّمَاوَاتِ تَأْخُذُهَا رَجْفَةٌ وَيَسْجُدُ أَهْلُهَا جَمِيعًا.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ السَّبَّاقِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ الْعُلْيَا، أَلَا نَزَلَ الْخَالِقُ الْعَلِيمُ، فَيَسْجُدُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُنَادِي فِيهِمْ مُنَادٍ ذَلِكَ، فَلَا يَمُرُّ بِأَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا وَهُمْ سُجُودٌ» ، وَمِنْ عَوَائِدِ الْمُلُوكِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْقُدُومَ إِلَى بَلَدٍ أَوْ مَكَانٍ غَيْرِ مَكَانِهِمُ الْمَعْرُوفِ بِهِمْ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مُوَافَاتِهِمْ إِلَيْهِ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ مَصَالِحِ مُلْكِهِمْ، وَهَكَذَا شَأْنُ الرَّبِّ تبارك وتعالى أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدِي مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ كِتَابَةَ ذَلِكَ أَوْ إِعْلَامَ مَلَائِكَتِهِ أَوْ إِعْلَامَ رُسُلِهِ، كَمَا قَالَ:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] وَقَوْلُهُ لِنُوحٍ: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37] وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: {يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76] .

وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَتَقَدَّمُ إِلَى مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ بِإِعْلَامِهِمْ بِمَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ بِنُزُولِهِ وَيَحْدُثُ لِلسَّمَاوَاتِ وَلِلْمَلَائِكَةِ مِنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ سُبْحَانَهُ إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَتَأَثَّرُ السَّمَاوَاتُ وَالْمَلَائِكَةُ قَبْلَ النُّزُولِ " فَسَمَّى ذَلِكَ نُزُولًا لِأَنَّهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَمُتَّصِلًا بِهِ، كَمَا أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ عَلَى وَقْتِ الزَّلْزَلَةِ وَالرَّجْفَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالسَّاعَةِ أَنَّهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالسَّاعَةِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ، فَمُقَدِّمَاتُ الشَّيْءِ وَمَبَادِيهِ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى الْوُجُوهِ.

ص: 453

وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّازِقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، لَهُ فِي كُلِّ سَمَاءٍ كُرْسِيٌّ، فَإِذَا نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ثُمَّ مَدَّ سَاعِدَيْهِ فَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ غَيْرَ عَادِمٍ وَلَا ظَلُومٍ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُ فَأَغْفِرُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَتُوبُ فَأَتُوبُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ارْتَفَعَ فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ» " رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَلَهُ أَصْلٌ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ جل جلاله: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ» " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ خُشَيْشِ بْنِ أَصْرَمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لِثُلُثِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: أَلَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، أَوْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ يَدْعُونِي فَأَغْفِرُ لَهُ، أَلَا مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَلَا مَظْلُومٌ يَسْتَنْصِرُنِي فَأَنْصُرُهُ، أَلَا عَانٍ يَدْعُونِي فَأَفُكُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ ذَاكَ مَكَانُهُ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ثُمَّ يَعْلُو رَبُّنَا عز وجل إِلَى السَّمَاءِ الْعُلْيَا عَلَى كُرْسِيِّهِ» ".

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» " وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ يَرْفَعُهُ " «أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ " قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِلَّا مَنْ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، إِنَّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى

ص: 454

سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ، شُعْثًا غُبْرًا، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ضَاحِّينَ يَسْأَلُونِي رَحْمَتِي، فَلَا يُرَى يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا وَلَا عَتِيقَةً» .

فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَقَالَ: مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» " وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رِجَالُهُ أَئِمَّةٌ، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِهِ، وَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ أَلَا عَبْدٌ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِرَاكُهُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَرَوَى سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ " «يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الصَّيْحَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، فَيَسْمَعُهُ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» " وَسُلَيْمٌ هَذَا صَدُوقٌ خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فَرَوَى أَبُو الْيَمَانِ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَهَذَا سِيَاقُ حَدِيثِهِ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ عَامِرٍ «عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، شَيْءٌ تَعْلَمُهُ وَأَجْهَلُهُ، يَنْفَعُنِي وَلَا يَضُرُّكَ، مَا سَاعَةٌ أَقْرَبُ مِنْ سَاعَةٍ، وَمَا سَاعَةٌ تَبْقَى فِيهَا، يَعْنِي الصَّلَاةَ، فَقَالَ: " يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ، لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، إِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَتَدَلَّى مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَغْفِرُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ، وَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ صَلَاةُ الْكُفَّارِ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا اسْتَعْلَتِ الشَّمْسُ فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى يَعْتَدِلَ النَّهَارُ فَأَخِّرِ الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا فَاءَ الْفَيْءُ

ص: 455

فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ، فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» ".

وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ عَرَابَةَ الْجُهَنِيِّ فَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَقَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عز وجل إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأُكَفِّرُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ» " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّ الْمَلَكَ لَا يَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، وَلَا يَقُولُ: مَنْ يَسْأَلُنِي أُعْطِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ» "، وَأَنَّ دَاوُدَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: لَا يَسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَاحِرًا أَوْ عَشَّارًا " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِنَحْوِهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَنْزِلُ اللَّهُ فِي آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى مِنْهُنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَهِيَ مَسْكَنُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ فِيهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ

ص: 456