المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المثال الثالث استواء الله على عرشه] - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

[ابن الموصلي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌[فصل فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّأْوِيلِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا]

- ‌[فصل تَنَازَعَ النَّاسُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ]

- ‌[فصل تَعْجِيزِ الْمُتَأَوِّلِينَ عَنْ تَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَسُوغُ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وما لا يسوغ]

- ‌[فصل إِلْزَامِهِمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهُ تَأَوُّلًا نَظِيرَ مَا فَرُّوا مِنْهُ]

- ‌[فَصْلٌ شبهات الجهمي في الوجه والعين والجنب والساق والجواب عليها]

- ‌[فصل فِي الْوَظَائِفِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ]

- ‌[فصل بَيَانِ أَنَّ التَّأْوِيلَ شَرٌّ مِنَ التَّعْطِيلِ]

- ‌[فصل قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُخَاطَبِ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ يُنَافِي قَصْدَ الْبَيَانِ]

- ‌[فصل فِي بَيَانِهِ أَنَّهُ مَعَ كَمَالِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ]

- ‌[فصل بَيَانِ أَنَّ تَيَسُّرَ الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ يُنَافِي حَمْلَهُ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمُخَالَفَاتِ لِحَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ]

- ‌[فَصْلُ اشْتِمَالُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَكْثَرَ مِنَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا عَدَاهُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَقْبَلُ التَّأَوُّلَ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَأْتِي الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ بِتَأْوِيلٍ إِلَّا أَمْكَنَ الْمُعَطِّلُ لِلتَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ أَنْ يَأْتِيَ بِتَأْوِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِسَامِ النَّاسِ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ]

- ‌[فَصْلٌ أَسْبَابٌ قَبُولُ التَّأْوِيلِ]

- ‌[فَصْلٌ أَهْلَ التَّأْوِيلِ لَا يُمْكِنُهُمْ إِقَامَةَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَى مُبْطِلٍ أَبَدًا وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الآفَاتِ]

- ‌[حُجَجُهُ سُبْحَانَهُ الْعَقْلِيَّةُ والسمعية على توحيده وأسمائه وصفاته]

- ‌[موافقة صريح العقل لصحيح النقل]

- ‌[كَسْرُ الطَّاغُوتِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ]

- ‌[تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى الشَّرْعِ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ]

- ‌[إتمام الله لدينه لا يحوجنا إلى العقل]

- ‌[اتفاق العقل والنقل]

- ‌[معارضة العقل للشرع من عادة الكفار]

- ‌[الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة]

- ‌[غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل]

- ‌[كذب من زعم أن السلف لا يدرون معاني ألفاظ الصفات]

- ‌[أنواع التوحيد الصحيحة والباطلة]

- ‌[تسمية أهل الزيغ توحيد الرسل شركا وتجسيما]

- ‌[لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا لا نفيا]

- ‌[الجهة والفوقية والعلو نفيها عنه سبحانه تعطيل]

- ‌[فصل إنكار القدرية خلق أفعال العباد وتسميتهم بذلك بالعدل]

- ‌[العقل يصدق ما جاء الوحي أشد مما يصدق كثير من المحسوسات]

- ‌[أصول المعارضين للشرع بالعقل تنفي وجود الصانع لا صفاته فحسب]

- ‌[فصل مذهب أهل الكلام في الصفات]

- ‌[معارضة الوحي بالعقل]

- ‌[الفطرة والمعقول يثبتان صفات الله]

- ‌[أحسن ما قيل في المثل الأعلى]

- ‌[الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ببعضها لا بمعقولات]

- ‌[إنكار الصحابة على من عارض النصوص بآراء الرجال]

- ‌[الجهمية أول من عارض الوحي بالرأي]

- ‌[قيام ابن تيمية بالحجة واليد على غزو أهل الضلال]

- ‌[إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه]

- ‌[إفحام من ينكر الصفات]

- ‌[توحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل]

- ‌[أقوى الطرق وأدلها على الصانع]

- ‌[الأصل الذي قاد إلى القول بالتعطيل]

- ‌[فصل اتفاق الحكماء مع السلف على علو الله]

- ‌[فصل مناقشة من يمنعون الإشارة الحسية إليه تعالى]

- ‌[مناقشة نفاة الصفات وإفحامهم]

- ‌[فصل الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ مُعْتَرِفُونَ بِوَصْفَهِ تَعَالَى بِعُلُوِّ الْقَهْرِ وَعُلُوِّ الْقَدْرِ]

- ‌[فصل رؤية الرب إمكانها بالعقل وإثباتها بالشرع]

- ‌[نفي الشبيه ليس في نفسه مدح]

- ‌[فَصْلٌ حُجَّةِ الْجَهْمِيِّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ وَلَا يُحِبُّ وَلَا يَسْخَطُ وَالْجَوَابُ عَنْهَا]

- ‌[إدراك حكمة الله في خلقه]

- ‌[معنى قضاء الله في عباده وتنزيهه عن الظلم]

- ‌[فصل استدلال الجبرية بقوله تعالى لا يسأَل عما يفعل]

- ‌[فصل ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أَصناف]

- ‌[فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب]

- ‌[فصل حكمة الله تعالى في خلق الضدين]

- ‌[فصل العبودية إنما تظهر عند الامتحان بالشهوات]

- ‌[حكمة الله تعالى في خلق إبليس]

- ‌[رحمة الله سبقت غضبة]

- ‌[فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه]

- ‌[فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات]

- ‌[فصل القول بالمجاز قول مبتدع]

- ‌[تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم فاسد]

- ‌[تفريقهم بين الحقيقة والمجاز لاضطراد وفساده]

- ‌[أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره]

- ‌[الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاث اعتبارت]

- ‌[أن الله تعالى هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم]

- ‌[اللغة كلها حقيقة أو كلها مجاز]

- ‌[أنواع القرائن]

- ‌[تقسيم معاني الكلام إلى خبر وطلب واستفهام]

- ‌[نقل كلام ابن جني في المجاز والرد عليه]

- ‌[فصل ذكر ما ادعوا فيه المجاز من القرآن]

- ‌[المثال الأول قوله وجاء ربك والملك صفا صفا]

- ‌[المثال الثاني اسم الرحمن ورحمة الله]

- ‌[المثال الثالث استواء الله على عرشه]

- ‌[المثال الرابع إثبات اليدين حقيقة لله تعالى]

- ‌[المثال الخامس إثبات الوجه لله تعالى حقيقة]

- ‌[المثال السادس اسم الله النور وقوله تعالى الله نور السماوات والأرض]

- ‌[المثال السابع إثبات فوقية الله تعالى على الحقيقة]

- ‌[المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة]

- ‌[حديث الجمعة وهو شجي في حلوق المعطلة]

- ‌[حديث لقيط بن عامر الجهني وفيه فوائد]

- ‌[النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن]

- ‌[فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال]

- ‌[فصل ثبوت الانتقال والحركة لله تعالى]

- ‌[المثال التاسع معية الله تعالى وقربه من عباده]

- ‌[المثال العاشر نداء الله ومناجاته وكلامه بحرف وصوت]

- ‌[فصل مذاهب الناس في كلام الله]

- ‌[مذهب الاتحادية]

- ‌[مذهب الفلاسفة المتأخرين]

- ‌[مذهب المعتزلة]

- ‌[مذهب الكلابية]

- ‌[مذهب الأشعري]

- ‌[مذهب الكرامية]

- ‌[مذهب السالمية]

- ‌[فصل مذهب أتباع الرسل]

- ‌[مسألة تكلم العباد بالقرآن]

- ‌[فصل جواب السؤال هل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة]

- ‌[فصل كون الكلام في محاله]

- ‌[فصل سماع كلام الله مباشرة وبواسكة]

- ‌[فصل وجود القرآن في المصحف]

- ‌[فصل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك]

- ‌[فصل منشأ النزاع هل كلام الرب بمشيئتة أم لا]

- ‌[فصل هل يمكن وجود حرف نطقي بلا صوت]

- ‌[فصل الاحتجاج بالأحاديث النبوية على إثبات صفات الله المقدسة العلية]

- ‌[المقام الأول بيان إفادة النصوص الدلالة القاطعة على مراد المتكلم]

- ‌[المقام الثاني موافقة القرآن للحديث]

- ‌[فصل كلام الشافعي في الاحتجاج بالسنة]

- ‌[فصل المقام الرابع إفادتها للعلم واليقين]

- ‌[فصل التفصيل في خبر الواحد وأنه ليس سواء]

- ‌[كلام الإمام ابن حزم في أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا]

- ‌[فصل استدلال ابن القيم على أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا]

- ‌[فصل الاستدلال بأحاديث الآحاد في العلم كالعمل]

- ‌[فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها]

- ‌[فصل المقام السابع اختلاف درجة الدليل بحسب درجة فهم المستدل]

- ‌[فصل المقام الثامن انعقاد الإجماع على قبول أحاديث الآحاد]

- ‌[فصل ليس في السنة ما يخالف القرآن]

- ‌[فصل المقام التاسع والعاشر أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة]

الفصل: ‌[المثال الثالث استواء الله على عرشه]

أَثَرَ هَذَا الِاسْمِ وَقَبَضَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَعْدُهُ قَبَضَ الرَّحْمَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتَضَعُ لِذَلِكَ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ عَنْ أَوْلَادِهَا، فَيُضِيفُ سُبْحَانَهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ الَّتِي رَفَعَهَا وَقَبَضَهَا مِنَ الْأَرْضِ إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ فَيُكْمِلُ بِهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَيَرْحَمُ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَتَابِعِهِمْ.

وَأَنْتَ لَوْ تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ لَرَأَيْتَهُ مُمْتَلِئًا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الْوَاحِدَةِ كَامْتِلَاءِ الْبَحْرِ بِمَائِهِ وَالْجَوِّ بِهَوَائِهِ، وَمَا فِي خِلَالِهِ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ فَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ:" «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» " فَالْمَسْبُوقُ لَا بُدَّ لَاحِقٌ وَإِنْ أَبْطَأَ، وَفِيهِ حِكْمَةٌ لَا تُنَاقِضُهَا الرَّحْمَةُ، فَهُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَعْمَى بَصِيرَةَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ مَجَازٌ.

الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقْسَمَ صَادِقًا بَارًّا " «إِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا» "، وَفِي هَذَا إِثْبَاتُ كَمَالِ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازِيَّةٌ، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ أُصِيبَتْ فِي السَّبْيِ، وَكَانَتْ كُلَّمَا مَرَّتْ بِطِفْلٍ أَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ " قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ:" اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» " فَإِنْ كَانَتْ رَحْمَةُ الْوَالِدَةِ حَقِيقَةً فَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ مَجَازًا فَرَحْمَةُ الْوَالِدَةِ لَا حَقِيقَةَ لَهَا.

[المثال الثالث استواء الله على عرشه]

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فِي سَبْعِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ حَقِيقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الْأُمَّةِ إِلَّا الْجَهْمِيَّةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مَجَازٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَجَازِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ مَا حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ وَبَدَّعَهُمْ وَضَلَّلَهُمْ فِيهِ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، أَيْ مَلَكَ وَقَهَرَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَى قَصَدَ وَأَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: بَلْ هُوَ مُجْمَلٌ فِي مَجَازَاتِهِ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا كُلُّهَا لَا يُعْلَمُ أَيُّهَا الْمُرَادُ إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ انْتِفَاءَ الْحَقِيقَةِ عَنْهُ بِالْعَقْلِ، هَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِلٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا:

ص: 371

أَحَدُهَا: أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِوَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِلُغَتِهِمْ وَأَنْزَلَ بِهَا كَلَامَهُ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَالْمُطَلَّقُ مَا لَمْ يُوصَلْ مَعْنَاهُ بِحَرْفٍ مِثْلُ قَوْلِهِ:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: 14] وَهَذَا مَعْنَاهُ كَمُلَ وَتَمَّ، يُقَالُ: اسْتَوَى النَّبَاتُ وَاسْتَوَى الطَّعَامُ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَثَلَاثَةُ أَضْرَابٍ: أَحَدُهَا: مُقَيَّدٌ بِإِلَى كَقَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] وَاسْتَوَى فُلَانٌ إِلَى السَّطْحِ وَإِلَى الْغُرْفَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْمُعَدَّى بِإِلَى فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ: فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] وَالثَّانِي فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] وَهَذَا بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنَذْكُرُ أَلْفَاظَهُمْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَالثَّانِي: مُقَيَّدٌ بِعَلَى كَقَوْلِهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] وَقَوْلِهِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29] وَهَذَا أَيْضًا مَعْنَاهُ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ وَالِاعْتِدَالُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، الثَّالِثُ: الْمُقِرُّونَ بِوَاوِ (مَعَ) الَّتِي تُعَدِّي الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ، نَحْوَ: اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةَ بِمَعْنَى سَاوَاهَا، وَهَذِهِ مَعَانِي الِاسْتِوَاءِ الْمَعْقُولَةِ فِي كَلَامِهِمْ، لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى اسْتَوْلَى الْبَتَّةَ، وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مُتَأَخِّرُو النُّحَاةِ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، يُوَضِّحُهُ:

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوهُ نَقْلًا، فَإِنَّهُ مُجَاهَرَةٌ بِالْكَذِبِ وَإِنَّمَا قَالُوهُ اسْتِنْبَاطًا وَحَمْلًا مِنْهُمْ لِلَفْظَةِ اسْتَوَى عَلَى اسْتَوْلَى، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ

مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مُهْرَاقِ

وَهَذَا الْبَيْتُ لَيْسَ مِنْ شِعْرِ الْعَرَبِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ أَنْكَرُوهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى؟ فَقَالَ: لَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ مَنْ أَكَابِرِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.

ص: 372

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ (شِعَارِ الدِّينِ) قَالَ: الْقَوْلُ فِي أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَدِلَّةَ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ: فَدَلَّ مَا تَلَوْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُسْلِمِينَ خَاصِّهِمْ وَعَامِّهِمْ بِأَنْ يَدْعُوا رَبَّهُمْ عِنْدَ الِابْتِهَالِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ وَيَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، وَذَلِكُمْ لِاسْتِفَاضَةِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ الْمَدْعُوَّ فِي السَّمَاءِ سُبْحَانَهُ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ، وَنَزَعَ فِيهِ إِلَى بَيْتٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَقُلْهُ شَاعِرٌ مَعْرُوفٌ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَكَانَ الْكَلَامُ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَكُلِّ قَطْرٍ وَبُقْعَةٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَتَحْتَ الْعَرْشِ، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِهِ الْعَرْشَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِيلَاءَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمَنْعِ مِنَ الشَّيْءِ، فَإِذَا وَقَعَ الظَّفَرُ بِهِ قِيلَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَأَيُّ مَنْعٍ كَانَ هُنَاكَ حَتَّى يُوصَفَ بِالِاسْتِيلَاءِ بَعْدَهُ؟ هَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِكَلَامِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ صَاحِبٌ وَلَا تَابِعٌ، وَلَا قَالَهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ الَّذِينَ يَحْكُونَ أَقْوَالَ السَّلَفِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ".

الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ إِحْدَاثَ الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً فِي نَفْسِهِ، أَوْ تَكُونَ أَقْوَالُ السَّلَفِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ خَطَأً، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدِ اطَّرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ الِاسْتِوَاءِ دُونَ الِاسْتِيلَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى لَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَكْثَرِ مَوْرِدِهِ كَذَلِكَ، فَإِذَا جَاءَ مَوْضِعٌ أَوْ مَوْضِعَانِ بِلَفْظِ اسْتَوَى حُمِلَ عَلَى مَعْنَى اسْتَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَأْلُوفُ الْمَعْهُودُ، وَأَمَّا أَنْ يَأْتِيَ إِلَى لَفْظٍ قَدِ اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَدَّعِي صَرْفَهُ فِي الْجَمِيعِ إِلَى مَعْنًى لَمْ يَعْهَدِ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ وَيَفْعَلْهُ مِنْ قَصْدِ الْبَيَانِ، هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاقِ مَا يَأْتِي حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الَّذِي اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَكَيْفَ وَفِي السِّيَاقِ مَا يَأْبَى ذَلِكَ.

ص: 373

الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظَةِ (ثُمَّ) الَّتِي حَقِيقَتُهَا التَّرْتِيبُ وَالْمُهْلَةُ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرْشِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَأَخَّرْ ذَلِكَ إِلَى مَا بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنَّ الْعَرْشَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:" «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» "، وَقَالَ تَعَالَى:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَادِرٍ وَلَا مُسْتَوْلٍ عَلَى الْعَرْشِ إِلَى أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.

فَإِنْ قِيلَ: نَحْمِلُ " ثُمَّ " عَلَى مَعْنَى الْوَاوِ وَنُجَرِّدُهَا عَلَى مَعْنَى التَّرْتِيبِ.

قِيلَ: هَذَا بِخِلَافِ الْأَصْلِ وَالْحَقِيقَةِ، فَأَخْرَجْتُمْ ثُمَّ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَالِاسْتِوَاءَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَلَفْظَ الرَّحْمَنِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَرَكَّبْتُمْ مَجَازَاتٍ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَأْتِي " ثُمَّ " لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبِرِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا سَابِقًا عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الْوُجُودِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فِي الْإِخْبَارِ.

قِيلَ: هَذَا لَا يَثْبُتْ أَوَّلًا وَلَا يَصِحُّ بِهِ نَقْلٌ، وَلَمْ يَأْتِ فِي كَلَامٍ فَصِيحٍ، وَلَوْ قُدِّرَ وُرُودُهُ فَهُوَ نَادِرٌ لَا يَكُونُ قِيَاسًا مُطَّرِدًا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ لِأَجْلِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11] وَالْأَمْرُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ كَانَ قَبْلَ خَلْقِنَا وَتَصْوِيرِنَا، قَالَ تَعَالَى:{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46] وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى عَلَى أَفْعَالِهِمْ سَابِقَةٌ عَلَى رُجُوعِهِمْ.

قِيلَ: لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا بَعْدَ (ثُمَّ) عَلَى مَا قَبْلَهَا، أَمَّا قَوْلُهُ:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] فَهُوَ خَلْقُ أَصْلِ الْبَشَرِ وَأَبِيهِمْ، وَجَعَلَهُ سُبْحَانَهُ خَلْقًا لَهُمْ وَتَصْوِيرًا إِذْ هُوَ أَصْلُهُمْ وَهُمْ فَرْعُهُ، وَبِهَذَا فَسَّرَهَا السَّلَفُ، قَالُوا خَلَقْنَا أَبَاكُمْ، وَخَلْقُ أَبِي الْبَشَرِ خَلْقٌ لَهُمْ.

ص: 374

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46] فَلَيْسَ تَرْتِيبًا لِإِطْلَاعِهِ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ لِمُجَازَاتِهِمْ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الشَّهَادَةَ الَّتِي هِيَ عِلْمُهُ وَلِإِطْلَاعِهِ تَقْرِيرًا لِلْجَزَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي وَضْعِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ مَوْضِعَ الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى:{إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [لقمان: 23] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنِّي أَعْلَمُ مَا تَفْعَلُهُ، وَأَنَا قَادِرٌ عَلَيْكَ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِ الْعِقَابِ وَأَعَمُّ فَائِدَةً.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ؟

قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ

ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ

قُلْنَا: أَيُّ شَاعِرٍ هَذَا حَتَّى يُحْتَجَّ بِقَوْلِهِ، وَأَيْنَ صِحَّةُ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِشِعْرِهِ؟ وَأَنْتُمْ لَا تَقْبَلُونَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَيْفَ تَقْبَلُونَ شِعْرًا لَا تَعْلَمُونَ قَائِلَهُ وَلَا تُسْنِدُونَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ فَاضِلَكُمُ الْمُتَأَخِّرَ لَمَّا تَفَطَّنَ لِهَذَا ادَّعَى الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصْلًا، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَظْهَرُ مُنَاقَضَةً، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ وَعَرْشُهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَاءِ، وَهَذِهِ وَاوُ الْحَالِ، أَيْ خَلَقَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى سَبْقِ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم " «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» "، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ الْقَلَمِ، لِمَا فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، قَالَ اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» ، وَأَخْبَرَ فِي هَذَا

ص: 375

الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدَّرَهَا فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِ الْقَلَمِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعَرْشَ سَابِقٌ عَلَى الْقَلَمِ، وَالْقَلَمَ سَابِقٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَادَّعَى هَذَا الْجَهْمِيُّ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَكْفِهِ هَذَا الْكَذِبُ حَتَّى ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، لِيَتَأَتَّى لَهُ إِخْرَاجُ الِاسْتِوَاءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالِاسْتِوَاءَ لَفْظَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَحَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِنِ ادُّعِيَ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ فَكَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ لَفْظَ الِاسْتِوَاءِ لِلِاسْتِيلَاءِ الْبَتَّةَ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْمَالِ فِي لُغَتِهِمْ فَكَذِبٌ أَيْضًا، فَهَذَا نَظْمُهُمْ وَنَثْرُهُمْ شَاهِدٌ بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ، فَتَتَبَّعْ لَفْظَ اسْتَوَى وَمَوَارِدَهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ هَلْ تَجِدُهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَيْتُ الْمَصْنُوعَ الْمُخْتَلَقَ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ الْقِيَاسِيِّ فَهُوَ إِنْشَاءٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم، يُوَضِّحُهُ:

الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى شَاهِدٌ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَا عِلْمَ لِقَائِلِهَا بِمَضْمُونِهَا، بَلْ هِيَ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، فَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَهَا فِي اللُّغَةِ وَهَيْهَاتَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى بِخِلَافِ مَنْ أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحَقِيقَةَ وَالظَّاهِرَ، فَإِنَّهُ شَاهِدٌ بِمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَادَتَهُ مِنْ خِطَابِ خَلْقِهِ بِحَقَائِقِ لُغَاتِهِمْ وَظَوَاهِرِهَا كَمَا قَالَ:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] فَإِذَا كَانَ الِاسْتِوَاءُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْلُومًا كَانَ هُوَ الْمُرَادَ لِكَوْنِ الْخِطَابِ بِلِسَانِهِمْ، وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا خَاطَبَهُمْ بِغَيْرِ مَا يَعْرِفُونَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ خِطَابِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ.

الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ الَّذِي سَمَّاهُ (الْوُصُولَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ) فَذَكَرَ فِيهِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِهِمْ، وَأَقْوَالِ مَالِكٍ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ مَا إِذَا وَقَفَ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ، عَلِمَ حَقِيقَةَ مَذْهَبِ السَّلَفِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ.

ص: 376

الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (التَّمْهِيدِ) فِي شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَجِدُونَ فِيهِ صِفَةً مَخْصُوصَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ، فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَقَرَّ بِهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا كَلَامٌ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ، بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ فِي كِتَابِهِ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ.

الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ لَمَّا قَالُوا إِنَّ الِاسْتِوَاءَ مَجَازٌ صَرَّحَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهُ مُسْتَوٍ بِذَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ، فَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ أَشْهَرُهَا الرِّسَالَةُ، وَفِي كِتَابِ جَامِعِ النَّوَادِرِ، وَفِي كِتَابِ الْآدَابِ، فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَهَذِهِ كُتُبُهُ.

وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَقَالَ: إِنَّهُ اسْتَوَى بِالذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَكَانَ مَالِكِيًّا، حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْحَضْرَمِيُّ مِنْ قَوْلِ الطَّبَرِيِّ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ نَصًّا، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، وَأَطْلَقُوا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ فَوْقَ خَلْقِهِ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي تَمْهِيدِ الْأَوَائِلِ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالطَّلَمَنْكِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ فِي شِعَارِ الدِّينِ.

ص: 377

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوهَبٍ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ قَوْلَهُ: إِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ، مَعْنَى فَوْقَ وَعَلَى، عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ وَاحِدٌ.

وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم تَصْدِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ النُّصُوصَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْجَارِيَةِ «وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:" أَيْنَ اللَّهُ؟» " وَقَوْلِهَا فِي السَّمَاءِ، وَحُكْمِهِ بِإِيمَانِهَا، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا فَهِمَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ أَدْرَكَ مِنَ التَّابِعِينَ فِيمَا فَهِمُوا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا فَهِمُوا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ بِمَعْنَى فَوْقَهَا وَعَلَيْهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ.

فَتَبَيَّنَ أَنَّ عُلُوَّهُ عَلَى عَرْشِهِ وَفَوْقَهُ إِنَّمَا هُوَ بِذَاتِهِ إِلَّا أَنَّهُ بَايَنَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ بِلَا كَيْفٍ، وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْمَخْلُوقَةِ بِعِلْمِهِ لَا بِذَاتِهِ، إِذْ لَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهَا. . . إِلَى أَنْ قَالَ: قَوْلَهُ {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] إِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى غَيْرِ الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالْمُلْكِ، الَّذِي ظَنَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ.

قَالَ: وَيُبَيِّنُ سُوءَ تَأْوِيلِهِمْ فِي اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ عَلَى غَيْرِ مَا تَأَوَّلُوهُ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ وَغَيْرِهِ مَا قَدْ عَلِمَهُ أَهْلُ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ بَعْدَ اخْتِرَاعِهِ لَهَا، وَكَانَ الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سِوَاهُ، فَلَا مَعْنَى تَأْوِيلِهِمْ بِأَفْرَادِ الْعَرْشِ بِالِاسْتِوَاءِ الَّذِي هُوَ فِي تَأْوِيلِهِمُ الْفَاسِدِ اسْتِيلَاءٌ، وَمُلْكٌ وَقَهْرٌ وَغَلَبَةٌ، قَالَ: وَذَلِكَ أَيْضًا يُبَيِّنُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] فَلَمَّا رَأَى الْمُصَنِّفُونَ إِفْرَادَ ذِكْرِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَأَرْضِهِ وَتَخْصِيصِهِ بِصِفَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلِمُوا أَنَّ الِاسْتِوَاءَ غَيْرُ الِاسْتِيلَاءِ فَأَقَرُّوا بِوَصْفِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى عَرْشِهِ وَأَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، لِأَنَّهُ الصَّادِقُ فِي قِيلِهِ، وَوَقَفُوا عَنْ تَكْيِيفِ ذَلِكَ وَتَمْثِيلِهِ إِذْ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] هَذَا لَفْظُهُ فِي شَرْحِهِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ حَكَى إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى بُطْلَانِ تَفْسِيرِ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ لَفْظَهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِ (تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي) وَحَكَاهُ يَقْبَلُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِ.

قَالَ فِي كِتَابِ الْإِبَانَةِ، وَهِيَ آخِرُ كُتُبِهِ، قَالَ:

ص: 378

(بَابُ ذِكْرِ الِاسْتِوَاءِ) إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ؟ قِيلَ: نَقُولُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وَسَاقَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ قَائِلُونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] أَنَّهُ اسْتَوْلَى وَمَلَكَ وَقَهَرَ، وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَذَهَبُوا فِي الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالُوا كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَكُلِّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقُدْرَةِ لَكَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْأَرْضِ وَالْحُشُوشِ وَالْأَنْتَانِ وَالْأَقْذَارِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ عَلَى مَعْنًى هُوَ عَامٌّ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ يَخْتَصُّ بِالْعَرْشِ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَهَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُوجَزِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ.

الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ مُحَرَّفٌ وَإِنَّمَا هُوَ هَكَذَا:

بِشْرٌ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْعِرَاقِ

هَكَذَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ قَائِلٍ مَعْرُوفٍ، فَكَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهِمُ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا.

الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا الْبَيْتُ وَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّفٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ عَلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِوَاءِ، فَإِنَّ بِشْرًا هَذَا كَانَ أَخَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَاسْتَوَى عَلَى سَرِيرِهَا كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَنُوَّابِهَا أَنْ يَجْلِسُوا فَوْقَ سَرِيرِ الْمُلْكِ مُسْتَوِينَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] وَقَوْلِهِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] وَقَوْلِهِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29] وَفِي الصَّحِيحِ " «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ مُلَبِّيًا» " وَقَالَ عَلِيٌّ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِدَابَّةٍ

ص: 379

لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» ، فَهَلْ نَجِدُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَوْضِعًا وَاحِدًا أَنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ.

الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ اسْتِوَاءَ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ اسْتِقْرَارَهُ وَثَبَاتَهُ وَتَمَكُّنَهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّفِينَةِ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] أَيْ رَسَتْ عَلَيْهِ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى ظَهْرِهِ، وَقَالَ تَعَالَى:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] وَقَالَ فِي الزَّرْعِ: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29] ، فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ مَيْلٌ وَاعْوِجَاجٌ لِأَجْلِ ضَعْفِ سُوقِهِ، وَإِذَا اسْتَغْلَظَ السَّاقُ وَاشْتَدَّتِ السُّنْبُلَةُ اسْتَقَرَّتْ، وَمِنْهُ:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ

فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ اسْتِقْرَارَهُ وَثَبَاتَهُ عَلَيْهَا وَدُخُولَهُ دُخُولَ مُسْتَقِرٍّ ثَابِتٍ غَيْرِ مُزَلْزَلٍ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِيلَاءَ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ، فَالِاسْتِيلَاءُ لَازِمٌ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ لَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، وَلَا يَصْلُحُ الِاسْتِيلَاءُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصْلُحُ فِيهِ الِاسْتِوَاءُ، بَلْ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَلِهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: اسْتَوْلَتِ السُّنْبُلَةُ عَلَى سَاقِهَا، وَلَا اسْتَوْلَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجَبَلِ، وَلَا اسْتَوْلَى الرَّجُلُ عَلَى السَّطْحِ إِذَا ارْتَفَعَ فَوْقَهُ.

الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ اسْتِيلَاءَ الْقَهْرِ وَالْمُلْكِ لَكَانَ الْمُسْتَوِي عَلَى الْعِرَاقِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، لَا أَخُوهُ بِشْرٌ، فَإِنَّ بَشَرًا لَمْ يَكُنْ يُنَازِعُ أَخَاهُ الْمُلْكَ وَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ نَائِبًا لَهُ عَلَيْهَا وَوَالِيًا مِنْ جِهَتِهِ، فَالْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بِشْرٌ، بِخِلَافِ الِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ فِيهَا وَالْجُلُوسُ عَلَى سَرِيرِهَا، فَإِنَّ نُوَّابَ الْمُلُوكِ تَفْعَلُ هَذَا بِإِذْنِ الْمُلُوكِ.

الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنِ اسْتَوْلَى عَلَى بَلْدَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْهَا وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهَا بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بُعْدٌ كَثِيرٌ: أَنَّهُ قَدِ اسْتَوَى عَلَيْهَا، فَلَا يُقَالُ: اسْتَوَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى الشَّامِ، وَلَا اسْتَوَى عُمَرُ عَلَى مِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ قَطُّ: اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْيَمَنِ، مَعَ أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا خُلَفَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ، وَلَمْ يَزَلِ الشُّعَرَاءُ يَمْدَحُونَ الْمُلُوكَ وَالْخُلَفَاءَ بِالْفُتُوحَاتِ، وَيَتَوَسَّعُونَ فِي نَظْمِهِمْ وَاسْتِعَارَاتِهِمْ، فَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ قَدِيمٍ مِنْهُمْ،

ص: 380

جَاهِلِيٍّ وَلَا إِسْلَامِيٍّ وَلَا مُحْدَثٍ أَنَّهُ مَدَحَ أَحَدًا قَطُّ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ الَّذِي فَتَحَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَهَذِهِ دَوَاوِينُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ مَوْجُودَةً.

الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَحْرِيفِ لُغَةِ الْعَرَبِ وَحَمْلِ لَفْظِهَا عَلَى مَعْنًى لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَبَيْنَ حَمْلِ الْمُضَافِ الْمَأْلُوفِ حَذْفُهُ كَثِيرًا إِيجَارًا وَاخْتِصَارًا، فَالْحَمْلُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَوْلَى، وَهَذَا الْبَيْتُ كَذَلِكَ، فَإِنَّا إِنْ حَمَلْنَا لَفْظَ اسْتَوَى فِيهِ عَلَى اسْتَوْلَى حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْنًى لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَتَقْدِيرُهُ قَدِ اسْتَوَى عَلَى سَرِيرِ الْعِرَاقِ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْهُودٍ مَأْلُوفٍ، فَيَقُولُونَ: قَعَدَ فُلَانٌ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، فَيَذْكُرُونَ الْمُضَافَ إِيضَاحًا وَبَيَانًا، وَيَحْذِفُونَ تَارَةً إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا، إِذْ قَدْ عَلِمَ الْمُخَاطَبُ أَنَّ الْقُعُودَ وَالِاسْتِوَاءَ وَالْجُلُوسَ الَّذِي يُضَافُ وَيُقْصَدُ بِهِ الْمُلْكُ يَسْتَلْزِمُ سَرِيرَ الْمُلْكِ، فَحَذْفُ الْمُضَافِ أَقْرَبُ إِلَى لُغَةِ الْقَوْمِ مِنْ تَحْرِيفِ كَلَامِهِمْ، وَحَمْلُ لَفْظٍ عَلَى مَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ لَمْ يُعْهَدِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ بِآيَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ الْخِطَابِ مَشْهُورًا عَلَى لُغَتِهِمْ مَعْرُوفًا فِي عَادَةِ نِظَامِهِمْ، فَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَأْتِي بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَيَطَّرِدُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَوَارِدِهِ كُلِّهَا بِذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ، وَلَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُرِيدُ مَعْنَاهُ، فَمَنْ تَصَوَّرَ هَذَا جَزَمَ بِبُطْلَانِهِ وَإِحَالَةِ نِسْبَتِهِ إِلَى مَنْ قَصْدُهُ الْبَيَانُ وَالْهُدَى.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لَذَكَرَ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ قَرِينَةٌ وَإِلَّا كَانَتْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةً لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَلَا قَرِينَةَ مَعَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوَارِدِ الِاسْتِوَاءِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ قَدِ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمَجَازِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَجَازِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْحَقِيقَةُ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ تَجْرِيدَ الِاسْتِوَاءِ مِنَ اللَّامِ وَاقْتِرَانَهُ بِحَرْفِ عَلَى وَعَطْفَ فِعْلِهِ بِثُمَّ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَوْنَهُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّحْلِيقِ وَكَوْنَهُ سَابِقًا فِي الْخَلْقِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذِكْرَ تَدْبِيرِ أَمْرِ الْخَلِيقَةِ مَعَهُ الدَّالَّ عَلَى كَمَالِ الْمُلْكِ، فَإِنَّ الْعَرْشَ سَرِيرُ الْمَمْلَكَةِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُ سَرِيرًا، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ:

مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ

رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرًا

بِالْبِنَا الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ الْخَلْ

قَ وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرًا

ص: 381

وَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَنْشَدَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ، فَقَدِ اسْتَوَى عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ يُدَبِّرُ أَمْرَ الْمَمَالِكِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمُلْكِ، فَمَنْ أَنْكَرَ عَرْشَهُ وَأَنْكَرَ اسْتِوَاءَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْكَرَ تَدْبِيرَهُ، فَقَدْ قَدَحَ فِي مُلْكِهِ، فَهَذِهِ الْقَرَائِنُ تُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا قَالَ أَئِمَّةُ الْهُدَى.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ وَالْقَهْرِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: اسْتَوَى عَلَى ابْنِ آدَمَ وَعَلَى الْجَبَلِ وَعَلَى الشَّمْسِ وَعَلَى الْقَمَرِ وَعَلَى الْبَحْرِ وَالشَّجَرِ وَالدَّوَابِّ، وَهَذَا لَا يُطْلِقُهُ مُسْلِمٌ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْعَرْشَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَجَلُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَرْفَعُهَا وَأَوْسَعُهَا، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا دُونَهُ، قِيلَ: لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الْخَاصِّ مُنَافِيًا لِذِكْرِ الْعَامِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ لَمَّا كَانَتْ عَامَّةً لِلْأَشْيَاءِ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْعَرْشِ بِذِكْرِهِ مِنْهَا كَقَوْلِهِ:{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] مَانِعًا مِنْ تَعْمِيمِ إِضَافَتِهَا كَقَوْلِهِ: {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] فَلَوْ كَانَ الِاسْتِوَاءُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ وَالْقَهْرِ لَكَانَ لَمْ يَمْنَعْ إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَرْشِ إِضَافَتَهُ إِلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ.

الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ إِذْ فُسِّرَ الِاسْتِوَاءُ بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ عَادَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ عِبَادَهُ بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ثُمَّ غَلَبَ الْعَرْشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَهَرَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ، أَفَلَا يَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى وَقَارٍ لِلَّهِ بِكَلَامِهِ أَنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَرَادَهُ بِقَوْلِهِ:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] أَيِ: اعْلَمُوا يَا عِبَادِي أَنِّي بَعْدَ فَرَاغِي مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ غَلَبْتُ عَرْشِي وَقَهَرْتُهُ وَاسْتَوْلَيْتُ عَلَيْهِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِهِ قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» " وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ:

وَإِنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ

وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَ

ص: 382

وَهَذِهِ الْفَوْقِيَّةُ هِيَ تَفْسِيرُ الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْجَهْمِيَّةُ يَجْعَلُونَ كَوْنَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الْعَرْشِ وَأَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا يُقَالُ: الْأَمِيرُ فَوْقَ الْوَزِيرِ، وَالدِّينَارُ فَوْقَ الدِّرْهَمِ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ.

فَيَالَلْعُقُولِ: أَيْنَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً وَاسْتِعَارَةً بَعِيدَةً أَنْ يُقَالَ: اسْتَوَى عَلَى كَذَا إِذَا كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ قَدْرًا وَأَفْضَلَ، هَذَا مِنْ لُغَةِ الطَّمَاطِمِ لَا مِنْ لُغَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكِتَابُ اللَّهِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ الَّذِي تَنْفِرُ عَنْهُ الْعُقُولُ، يُوَضِّحُهُ:

الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ تَفْضِيلَ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ لَا يُذْكَرُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَدًّا عَلَى مَنِ اتَّخَذَ ذَلِكَ الشَّيْءَ نِدًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ النِّدِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] وَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنِ السَّحَرَةِ: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 72 - 73] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] فَأَمَّا أَنْ يُفَضِّلَ نَفْسَهُ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ خَلْقِهِ ابْتِدَاءً فَهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَلَا هُوَ مِمَّا يُقْصَدُ بِالْإِخْبَارِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ ابْتِدَاءً، اللَّهُ خَيْرٌ مِنِ ابْنِ آدَمَ وَخَيْرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَخَيْرٌ مِنَ الْعَرْشِ، مِنْ جِنْسِ قَوْلِ: السَّمَاءُ فَوْقَ الْأَرْضِ وَالثَّلْجُ بَارِدٌ وَالنَّارُ حَارَّةٌ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَمْجِيدٌ وَلَا تَعْظِيمٌ وَلَا مَدْحٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَجِئْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي كَلَامِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِمَدْحِ الرَّبِّ تَعَالَى بِهِ، مَعَ تَفَنُّنِ مَدْحِهِمْ وَمَحَامِدِهِمْ، بَلْ هُوَ أَرَكُّ كَلَامٍ وَأَسْمَجُهُ، وَأَهْجَنُهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبَ عَظَمَةً وَجَلَالَةً، وَمَعَانِيهِ أَشْرَفُ الْمَعَانِي وَأَعْظَمُهَا فَائِدَةً أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ، وَمِنَ الْمَثَلِ السَّائِرِ نَظْمًا:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ

إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْمَقَامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ احْتِجَاجًا عَلَى مُبْطِلٍ وَإِبْطَالًا لِقَوْلِ

ص: 383

مُشْرِكٍ، كَمَا إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَعْبُدُ حَجَرًا فَقُلْتَ لَهُ: اللَّهُ خَيْرٌ أَمِ الْحَجَرُ، فَيَحْسُنُ هَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا لَا يَحْسُنُ فِي قَوْلِ الْخَطِيبِ ابْتِدَاءً: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ، عليه السلام، فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى الْكُفَّارِ:{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] وَقَالَ تَعَالَى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] يُوَضِّحُهُ:

الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا جَدُّهَا، فَلَوْ قَالَ: الشَّمْسُ أَضْوَأُ مِنَ السِّرَاجِ، وَالسَّمَاءُ أَكْبَرُ مِنَ الرَّغِيفِ وَأَعْلَى مِنْ سَقْفِ الدَّارِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا مُسْتَقْبَحًا مَعَ قُرْبِ النِّسْبَةِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَكَيْفَ إِذَا قِيلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْخَالِقِ تَعَالَى وَالْمَخْلُوقِ، مَعَ تَفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ.

الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ: أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ الِاسْتِوَاءَ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَلْقُ أَوِ الْقَهْرُ، أَوِ الْغَلَبَةُ، أَوِ الْمُلْكُ، أَوِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا مُرَادًا، أَمَّا الْخَلْقُ فَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهَذَا بِخِلَافِ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَخِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَإِنِ ادَّعَى بَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ خُلِقَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْعَجَبُ مَنْ جَهْلِهِ، بَلْ مِنْ إِقْدَامِهِ عَلَى حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا لَمْ يَقُلْهُ مُسْلِمٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بَقِيَّةُ الْمَعَانِي لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرَهَا، فَلَا يَجُورُ تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِهِ.

وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بَلْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ، كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَلَا وَارْتَفَعَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتَقَرَّ، وَقَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّحْمَنَ فَوْقَ الْعَرْشِ اسْتَوَى عَلَى خِلَافِ مَا يُقِرُّ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: اسْتَوَى بِذَاتِهِ وَاسْتَوَى حَقِيقَةً، فَأَوْجَدُوا عَمَّنْ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ فِي تَفْسِيرٍ أَوْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ أَوْ تَابِعِيهِمْ أَوْ عَنْ إِمَامٍ لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ أَنَّهُ فَسَّرَ اللَّفْظَ بِاسْتَوْلَى، وَلَنْ تَجِدُوا ذَلِكَ سَبِيلًا.

الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: إِمَّا أَنْ يُحِيلَ الْعَقْلُ حَمْلَ الِاسْتِوَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْ لَا يُحِيلُهُ، فَإِنْ أَحَالَهُ الْعَقْلُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي تَفْسِيرِهِ بِخِلَافِ مَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ، بَلْ تَفَاسِيرُهُمْ كُلُّهَا مِمَّا يُحِيلُهَا الْعَقْلُ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي

ص: 384

عِلْمِ الْأُمَّةِ وَنِسْبَتُهَا إِلَى أَعْظَمِ الْجَهْلِ لِسُكُوتِهِمْ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ وَتَكَلُّمِهِمْ بِالْبَاطِلِ، وَهَذَا شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الرَّافِضَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحِلْهُ الْعَقْلُ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْعَقْلُ لَا يَمْنَعُ مِنْهَا.

الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ إِنَّمَا هُوَ مُتَلَّقًى عَنِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَمِمَّنْ حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كُتُبِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالطَّلَمَنْكِيُّ عَنْهُمْ خَاصَّةً، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِمَّنْ يُحْكَى أَقْوَالُهُمْ فِي التَّفْسِيرِ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ الْأَشْعَرِيُّ فِي تَفْسِيِرِ الْجُبَائِيِّ: كَانَ الْقُرْآنُ قَدْ نَزَلَ بِلُغَةِ أَهْلِ جُبَاءَ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ وَيُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى تَفْسِيرِهِمْ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ يَكُونُ مَعَ مُزَايَلَةِ الْمُسْتَوِي لِلْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَمُفَارَقَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: اسْتَوْلَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَاسْتَوْلَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَاسْتَوْلَى الْجَوَادُ عَلَى الْأَمَدِ، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ

سَبْقُ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ

فَجَعَلَهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لَهُ وَقَطْعِ مَسَافَتِهِ، وَالِاسْتِوَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ مُجَاوَرَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَسْتَوِي عَلَيْهِ كَمَا اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: 28] وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي خُوطِبْنَا بِهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: اسْتَوَى عَلَى الدَّابَّةِ وَالسَّطْحِ إِذْ نَزَلَ عَنْهَا وَفَارَقَهَا، كَمَا يُقَالُ: اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، هَذَا عَكْسُ اللُّغَةِ وَقَلْبُ الْحَقَائِقِ، وَهَذَا قَطْعِيٌّ بِحَمْدِ اللَّهِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ نَقْلَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَحَقِيقَتِهِ كَنَقْلِ لَفْظِهِ بَلْ أَبْلَغُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ، مَنْ يَحْفَظُ الْقِرَانَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَحْفَظُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَجْهُولٍ، كَمَا أَنَّ مَعْنَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَالْإِرَادَةِ وَسَائِرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَعْلُومٌ، وَإِنْ كَانَتْ كَيْفِيَّتُهُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُخَاطَبُوا بِالْكَيْفِيَّةِ وَلَمْ يَرِدْ مِنْهُمُ الْعِلْمُ بِهَا، فَإِخْرَاجُ الِاسْتِوَاءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْمَعْلُومَةِ كَإِنْكَارِ وُرُودِ لَفْظِهِ بَلْ أَبْلَغُ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، يُوَضِّحُهُ:

ص: 385

الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يُرَادُ لِمَعْنَاهُ وَمَفْهُومِهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَاللَّفْظُ مَقْصُودٌ قَصْدَ الْوَسَائِلِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْمُرَادِ، فَإِذَا انْتَفَى الْمَعْنَى وَكَانَتْ إِرَادَتُهُ مُحَالًا لَمْ يَبْقَ فِي ذِكْرِ اللَّفْظِ فَائِدَةٌ، بَلْ كَانَ تَرْكُهُ أَنْفَعُ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِ، فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ إِيهَامُ الْمُحَالِ وَالتَّشْبِيهُ وَأَوْقَعَ الْأُمَّةَ فِي اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا إِذَا نُسِبَ إِلَى آحَادِ النَّاسِ كَانَ ذَمُّهُ أَقْرَبَ مِنْ مَدْحِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى مَنْ كَلَامُهُ هُدًى وَشِفَاءٌ وَبَيَانٌ وَرَحْمَةٌ، هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ.

الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ ظَاهِرَ الِاسْتِوَاءِ وَحَقِيقَتَهُ هُوَ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ الْمَقْبُولِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُنْكِرُونَ لِلِاسْتِوَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وَيَعْنِي بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا لَفْظُهُ " لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ وَيَعْنِي بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ " وَالْخِلَافُ مَعَ الْمُرْجِئَةِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَبَثٌ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، وَالَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَى الْمُرْجِئَةِ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ وَيُرِيدَ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ إِلَّا وَفِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِيقَاعُ الْأَوَّلِ فِي اللَّبْسِ وَاعْتِقَادِ الْخَطَأِ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مَعَ ظَاهِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَنْفِي إِرَادَةَ غَيْرِهِ، فَدَعْوَى إِرَادَةِ غَيْرِ الظَّاهِرِ حِينَئِذٍ مُمْتَنَعٌ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.

الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْمَجَازِ أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ، وَلَا عَلَى الْعَرْشِ إِلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي وَيَصْعَدُ إِلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَتَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، وَيَنْزِلُ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِهِ وَيَقِفُ الْعِبَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عُرِجَ بِرَسُولِهِ إِلَيْهِ حَقِيقَةً، وَلَا رُفِعَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ أَحَدُنَا بِإِصْبَعِهِ إِلَى فَوْقَ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَيْنَ هُوَ كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مَنْ يَقُولُ: أَيْنَ وَيُقِرُّهُ عَلَيْهِ، كَمَا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ السَّائِلِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَبْصَارِهِمْ عَيَانًا فَوْقَهُمْ وَلَا لَهُ حِجَابٌ حَقِيقَةً يَحْتَجِبُ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَبْعُدُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَنِسْبَتُهُ مِنْ فَوْقِ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا إِلَى الْقُرْبِ مِنْهُ كَنِسْبَةِ مَنْ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، كُلُّهَا فِي الْقُرْبِ مِنْ ذَاتِهِ سَوَاءٌ، فَهَذَا حَقِيقَةُ هَذَا الْمَجَازِ وَحَاصِلُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَشَدُّ مُنَاقَضَةً لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْهُ لِلْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ، فَيَكُونُ مِنْ أَبَطَلِ الْبَاطِلِ.

ص: 386

الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ الْمُحَرِّفِينَ لِلْكَلِمِ، وَالتَّحْرِيفُ نَوْعَانِ: تَحْرِيفُ اللَّفْظِ، وَتَحْرِيفُ الْمَعْنَى، فَتَحْرِيفُ اللَّفْظِ: الْعُدُولُ بِهِ عَنْ جِهَتِهِ إِلَى غَيْرِهَا، إِمَّا بِزِيَادَةٍ وَإِمَّا بِنُقْصَانٍ وَإِمَّا بِتَغْيِيرِ حَرَكَةٍ إِعْرَابِيَّةٍ، وَإِمَّا غَيْرِ إِعْرَابِيَّةٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ، وَقَدْ سَلَكَ فِيهَا الْجَهْمِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ، فَإِنَّهُمْ حَرَّفُوا نُصُوصَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِضَةُ حَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْ لَفْظِهِ، وَادَّعَوْا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ غَيَّرُوهُ عَنْ وَجْهِهِ.

وَأَمَّا تَحْرِيفُ الْمَعْنَى فَهَذَا الَّذِي جَالُوا وَصَالُوا وَتَوَسَّعُوا وَسَمَّوْهُ تَأْوِيلًا، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ فَاسِدٌ حَادِثٌ لَمْ يُعْهَدْ بِهِ اسْتِعْمَالٌ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ الْعُدُولُ بِالْمَعْنَى عَنْ وَجْهِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَإِعْطَاءُ اللَّفْظِ مَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ بِقَدْرٍ مَا مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، وَأَصْحَابُ تَحْرِيفِ الْأَلْفَاظِ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ وَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنَّ أُولَئِكَ عَدَلُوا بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا عَمَّا هُمَا عَلَيْهِ أَفْسَدُوا اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى، وَهَؤُلَاءِ أَفْسَدُوا الْمَعْنَى وَتَرَكُوا اللَّفْظَ عَلَى حَالِهِ فَكَانُوا خَيْرًا مِنْ أُولَئِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنَّ أُولَئِكَ لَمَّا أَرَادُوا الْمَعْنَى الْبَاطِلَ حَرَّفُوا لَهُ لَفْظًا يَصْلُحُ لَهُ لِئَلَّا يَتَنَافَرَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، بِحَيْثُ إِذَا أُطْلِقَ ذَلِكَ اللَّفْظُ الْمُحَرَّفُ فُهِمَ مِنْهُ الْمَعْنَى الْمُحَرَّفُ، فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْعُدُولَ بِالْمَعْنَى عَنْ وَجْهِهِ وَحَقِيقَتِهِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى حَالِهِ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فَبَدَءُوا بِتَحْرِيفِ اللَّفْظِ لِيَسْتَقِيمَ لَهُمْ حُكْمُهُمْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدُوا.

الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ اسْتِوَاءَ الرَّبِّ الْمُعَدَّى بِأَدَاةِ " عَلَى " الْمُعَلَّقَ بِعَرْشِهِ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ الْمَعْطُوفَ بِثُمَّ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْمُطَّرِدَ فِي مَوَارِدِهِ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ وَنَمَطٍ وَاحِدٍ، لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الْبَتَّةَ، فَضْلًا عَنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ كَمَا قَالَ صَاحِبُ (الْقَوَاصِمِ وَالْعَوَاصِمِ) إِذَا قَالَ لَكَ الْمُجَسِّمُ:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فَقُلِ: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُسْتَعْمَلُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا فَأَيُّهَا تُرِيدُ؟

فَيُقَالُ لَهُ: كَلَّا وَالَّذِي اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا اللَّفْظُ مَعْنَيَيْنِ الْبَتَّةَ، وَالْمُدَّعِي الِاحْتِمَالَ عَلَيْهِ بَيَانُ الدَّلِيلِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى دَعْوَاهُ دَلِيلًا وَلَا بَيْنَ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ حَتَّى يَصْلُحَ قَوْلُهُ " فَأَيُّهَا تُرِيدُونَ وَأَيُّهَا تَعْنُونَ " وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ كُلَّ احْتِمَالٍ وَيَذْكُرَ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِهِ، ثُمَّ يُطَالِبُ حِزْبَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِتَعْيِينِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ، وَإِلَّا فَهُمْ يَقُولُونَ: لَا نُسَلِّمُ احْتِمَالَهُ لِغَيْرِ مَعْنًى

ص: 387

وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْإِفْرَادُ وَالْحَقِيقَةُ، دُونَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَهُمْ فِي مَنْعِهِمْ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْكَ فِي تَعَدُّدِ الِاحْتِمَالِ، فَدَعْوَاكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى دَعْوًى مُجَرَّدَةٌ لَيْسَتْ مَعْلُومَةً بِضَرُورَةٍ وَلَا نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ، يُوَضِّحُهُ:

الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الِاحْتِمَالَاتُ الَّتِي ادَّعَيْتَهَا تَتَطَرَّقُ إِلَى لَفْظِ الِاسْتِوَاءِ وَحْدَهُ الْمُجَرَّدِ عَنِ اتِّصَالِهِ بِأَدَاةٍ أَمْ إِلَى الْمُقْتَرِنِ بِوَاوِ الْمُصَاحَبَةِ أَمْ إِلَى الْمُقْتَرِنِ بِإِلَى أَمْ إِلَى الْمُقْتَرِنِ بِعَلَى، أَمْ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْعَرْشُ الَّذِي ادَّعَيْتَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ عِدَّةَ مَعَانٍ هُوَ الْعَرْشُ الْمُنَكَّرُ غَيْرُ الْمُعَرَّفِ بِأَدَاةِ تَعْرِيفٍ وَلَا إِضَافَةٍ أَمِ الْمُضَافُ إِلَى الْعَبْدِ كَقَوْلِ عُمَرَ:

كَادَ عَرْشِي أَنْ يُهَدَّ

، أَمْ إِلَى عَرْشِ الدَّارِ

وَهُوَ سَقْفُهَا فِي قَوْلِهِ: {خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259] أَمْ إِلَى عَرْشِ الرَّبِّ تبارك وتعالى الَّذِي هُوَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ؟ أَمْ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، فَأَيْنَ مَوَادُّ الِاحْتِمَالِ حَتَّى يُعْلَمَ هَلْ صَحِيحَةٌ أَمْ بَاطِلَةٌ، فَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَدَّعِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَدَعْوَاهُ بُهْتٌ صَرِيحٌ، وَغَايَةُ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنَّكَ تَدَّعِي مَجْمُوعَ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَجْمُوعِ الْمَوَاضِعِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ مَعْنًى، فَأَيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُكَ هَذَا فِي الْمَوْضِعِ الْمُعَيَّنِ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ! أَيْنَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ السَّدِيدِ الَّذِي أَوْصَانَا اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ يَقُولُ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] وَالسَّدِيدُ هُوَ الَّذِي يَسُدُّ مَوْضِعَهُ وَيُطَابِقُهُ فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ، وَسَدَادُ السَّهْمِ هُوَ مُطَابَقَتُهُ وَإِصَابَتُهُ الْغَرَضَ مِنْ غَيْرِ عُلُوٍّ وَلَا انْحِطَاطٍ وَلَا تَيَامُنٍ وَلَا تَيَاسُرٍ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اسْتِوَاءَ الرَّبِّ عَلَى عَرْشِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ الْمَوْصُولَ بِأَدَاةٍ عَلَى نَصٍّ فِي مَعْنَاهُ لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ.

الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّا نَمْنَعُ الِاحْتِمَالَ فِي نَفْسِ الِاسْتِوَاءِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صِلَاتِهِ الْمَقْرُونِ بِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَإِنْ تَنَوَّعَ بِتَنَوُّعِ صِلَاتِهِ، كَنَظَائِرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُنَوَّعُ مَعَانِيهَا بِتَنَوُّعِ صِلَاتِهَا كَمِلْتُ عَنْهُ وَمِلْتُ إِلَيْهِ وَرَغِبْتُ عَنْهُ وَرَغِبْتُ فِيهِ، وَعَدَلْتُ عَنْهُ وَعَدَلْتُ إِلَيْهِ، وَفَرَرْتَ مِنْهُ وَفَرَرْتُ إِلَيْهِ، فَهَذَا لَا يُقَالُ لَهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا مَجَازٌ، بَلْ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ تَنَوَّعَتْ دَلَالَتُهَا بِتَنَوُّعِ صِلَاتِهَا، وَهَكَذَا لَفْظُ الِاسْتِوَاءِ هُوَ بِمَعْنَى الِاعْتِدَالِ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ مُجَرَّدًا أَوْ مَقْرُونًا، تَقُولُ: سَوَّيْتُهُ فَاسْتَوَى، كَمَا يُقَالُ: عَدَلْتُهُ

ص: 388

فَاعْتَدَلَ، فَهُوَ مُطَاوِعُ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي، وَهَذَا الْمَعْنَى عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِ اسْتِعْمَالِهِ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ اسْتَوَى إِلَى السَّطْحِ أَيِ ارْتَفَعَ فِي اعْتِدَالٍ، وَمِنْهُ اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَيِ اعْتَدَلَ عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ فَهُوَ يَتَضَمَّنُ اعْتِدَالًا وَاسْتِقْرَارًا عِنْدَ تَجَرُّدِهِ وَيَتَضَمَّنُ الْمَقْرُونُ مَعَ ذَلِكَ مَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ، وَهَذَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ تَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ قُيُودِهَا كَمَا تَتَنَوَّعُ دَلَالَةُ الْفِعْلِ بِحَسَبِ مَفْعُولَاتِهِ وَصِلَاتِهِ، وَمَا يُصَاحِبُهُ مِنْ أَدَاةِ نَفْيٍ أَوِ اسْتِفْهَامٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ إِغْرَاءٍ فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ دَلَالَةٌ خَاصَّةٌ وَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ.

فَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ لَا التَّرْوِيجُ وَالتَّزْوِيقُ، وَادِّعَاءُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى لِمَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ، وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ إِذَا قُيِّدَتْ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّعُ دَلَالَتُهَا بِحَسَبِ قُيُودِهَا وَلَا يُخْرِجُهَا ذَلِكَ مِنْ حَقَائِقِهَا (فَضَرَبَ) مَعَ الْمَثَلِ لَهُ مَعْنًى وَفِي الْأَرْضِ لَهُ مَعْنًى وَالْبَحْرُ لَهُ مَعْنًى وَالدَّابَّةُ لَهَا مَعْنًى، إِذْ هُوَ إِمْسَاسٌ بِإِيلَامٍ، فَإِنْ صَاحَبَتْهُ أَدَاةُ النَّفْيِ صَارَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وَإِنْ كَانَتْ أَدَاةُ اسْتِفْهَامٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ تَمَنٍّ أَوْ تَخْصِيصٍ اخْتَلَفَتْ دَلَالَتُهُ، وَحَقِيقَتُهُ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ وَضْعٍ يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ.

فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34] أَنَّ الضَّرْبَ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ فَأَيُّهَا الْمُرَادُ كَانَ كَالنَّظَائِرِ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ: إِنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ وَالَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَجْمُوعَ اللَّفْظِ وَصِلَتِهِ يَدُلَّانِ عَلَى غَيْرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ الصِّلَةِ الْأُخْرَى، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ وَأَنَّ اخْتِصَاصَهُ فِي مَحَالِّهِ هُوَ مِنَ اقْتِرَانِهِ بِتِلْكَ الصِّلَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَالتَّرْكِيبُ يُحْدِثُ لِلْمُرَكَّبِ حَالَةً أُخْرَى سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَعَانِي أَوْ مِنَ الْأَلْفَاظِ أَوِ الْأَعْيَانِ أَوِ الصِّفَاتِ مَخْلُوقُهَا وَمَصْنُوعُهَا.

فَعَلَى هَذَا إِذَا اقْتَرَنَ اسْتَوَى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ دَلَّ عَلَى الِاعْتِدَالِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَعَلَى الْعُلُوِّ بِالْحَرْفِ الَّذِي وُصِلَ بِهِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِالْوَاوِ دَلَّ عَلَى الِاعْتِدَالِ بِنَفْسِهِ وَعَلَى مُعَادَلَتِهِ بَعْدَ الْوَاوِ بِوَاسِطَتِهَا، وَإِذَا اقْتَرَنَ بِحَرْفِ الْغَايَةِ دَلَّ عَلَى الِاعْتِدَالِ بِلَفْظِهِ وَعَلَى الِارْتِفَاعِ قَاصِدًا لِمَا بَعْدَ حَرْفِ الْغَايَةِ بِوَاسِطَتِهَا، وَزَالَ بِحَمْدِ اللَّهِ الِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ وَوَضَحَ الْمَعْنَى وَأَسْفَرَ صُبْحُهُ وَلَيْسَ الْفَاضِلُ مَنْ يَأْتِي إِلَى الْوَاضِحِ فَيُعَقِّدُهُ وَيُعَمِّيهِ، بَلْ مَنْ

ص: 389

يَأْتِي إِلَى الْمُشْكِلِ فَيُوَضِّحُهُ وَيُبَيِّنُهُ، وَمِنَ اللَّهِ سبحانه وتعالى الْبَيَانُ وَعَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ.

وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ غَايَةَ الْبَيَانِ الَّذِي لَا بَيَانَ فَوْقَهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم الْبَلَاغَ الْمُبِينَ فَبَلَّغَ الْمَعَانِيَ كَمَا بَلَّغَ الْأَلْفَاظَ وَالصَّحَابَةُ بَلَّغُوا عَنْهُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَكَانَ تَبْلِيغُهُ لِلْمَعَانِي أَهَمَّ مِنْ تَبْلِيغِهِ لِلْأَلْفَاظِ وَلِهَذَا اشْتَرَكَ الصَّحَابَةُ فِي فَهْمِهَا، وَأَمَّا حِفْظُ الْقُرْآنِ فَكَانَ فِي بَعْضِهِمْ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنَا «الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ كَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا» .

وَهَذِهِ الْآثَارُ الْمَحْفُوظَةُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَقَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ: بِذَاتِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ وَأَكْثَرُ مَنْ صَرَّحَ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ أَلْفَاظِهِمْ.

الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا احْتِمَالَ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ لِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى، فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَيَّنَ بِكَلَامِهِ مِنْهَا مَعْنًى وَاحِدًا وَنَوَّعَ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ أَعْظَمَ تَنْوِيعٍ حَتَّى يُقَالَ بِذَلِكَ أَلْفُ دَلِيلٍ، فَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَا التَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَأَنَّهُ مَجَازٌ، فَلَا يَضُرُّ الِاحْتِمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ لَوْ كَانَ حَقًّا، وَلَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَقَبْلَهُمَا رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الِاسْتِوَاءِ فَقَالُوا: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، تَلَقَّى ذَلِكَ عَنْهُمْ جَمِيعُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى صَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ وَلَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ لَهُ مَعَ الْعَرْشِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى عَادَتِهِ فَقَالَ مَعْنَاهُ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ، فَنَسَبُوا السَّائِلَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ اسْتِوَاءَ نَفْسِهِ أَوْ لَا يَعْلَمُهُ، وَلَمَّا رَأَى بَعْضُهُمْ فَسَادَ هَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ وُرُودَ لَفْظِهِ فِي الْقُرْآنِ مَعْلُومٌ، فَنَسَبُوا السَّائِلَ وَالْمُجِيبَ إِلَى اللُّغَةِ فَكَأَنَّ السَّائِلَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَلَمْ يَقُلْ هَلْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْقُرْآنِ أَوْ لَا؟ وَنَسَبُوا الْمُجِيبَ إِلَى أَنَّهُ أَجَابَهُ بِمَا يَعْلَمُهُ الصِّبْيَانُ فِي الْمَكَاتِبِ وَلَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ، وَلَا هُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى السُّؤَالِ عَنْهُ وَلَا اسْتَشْكَلَهُ السَّائِلُ، وَلَا خَطَرَ بِقَلْبِ الْمُجِيبِ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص: 390