الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
بعد بيان الوعيد الشديد للكفار في الدنيا والآخرة، وبيان سببه الذي أوقعهم في الكفر وأبقاهم فيه، ذكر الله تعالى موقفا معاديا آخر لهم، وهو صد الناس عن سماع القرآن والتشويش عند قراءته، لينصرفوا عنه، وهم أنفسهم عند الوقوع في العذاب الشديد يطلبون الانتقام ممن صيّرهم إلى هذا المصير المشؤوم.
التفسير والبيان:
{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ، وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي وقال بعض الكفار لبعض: لا تنصتو لسماع هذا القرآن عند تلاوته أو لا تطيعوه ولا تنقادوا لأوامره، وعارضوه باللغو الذي لا معنى له، من إنشاد الأشعار، ورفع الأصوات والتصفيق والتصفير، والتخليط بالخرافات، حتى تشوشوا على القارئ، ولكي تغلبوه على قراءته، فيسكت.
وقد كان النبي ص وهو في مكة يجهر بتلاوة القرآن لإسماعه الكفار لعلهم يؤمنون به، فكانت قريش يوصي بعضهم بعضا بالتصفيق والتصفير وإنشاد الشعر. قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد، فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وهذا دليل على تكذيب مشركي قريش بالقرآن وكفرهم، مثل كفر قوم هود وصالح وغيرهم.
وبعد بيان ذلك هدّدهم الله تعالى بالعذاب الشديد، فقال:
{فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ} أي فلنجازين جميع الكفار بعذاب شديد، ومنهم كفار قريش في مقابلة معاداتهم لسماع القرآن، ومحاولة صد الناس عن استماعه، ولنجازينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وهو الشرك، ونهمل ما عملوا من
محاسن الأعمال، كصلة الرحم، وإكرام الضيف، لأن ذلك باطل لا أجر لهم فيه مع حالة الكفر.
وهذا وعيد شديد لجميع الكفار، وتعريض بمن لا يخشع ولا يتدبر حين سماع القرآن، فقد أمر الله عباده المؤمنين بالاستماع للقرآن والإنصات له، فقال:
{وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف 204/ 7].
ثم ذكر الله تعالى صفة ذلك العذاب قائلا:
{ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ، لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ، جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ} أي ذلك الجزاء لأقبح أعمال الكفار وهو دخول النار، هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله، واستكبروا عن عبادته، لهم في النار دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها، ويجزون ذلك جزاء بسبب جحدهم أن القرآن من عند الله تعالى، وإنكارهم صحة آياته وسلامتها.
ثم بيّن الله تعالى ما يطلبه الكفار من الانتقام ممن أضلوهم عند الوقوع في العذاب الشديد، فقال:
{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا، لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} أي طلب الكفار من ربهم أن يريهم من أضلهم من فريقي شياطين الجن والإنس الذين كانوا يزينون لهم الكفر والمعاصي، لكي يدوسوهم بأقدامهم، تشفيا وانتقاما منهم، وليكون الفريقان من الأذلين المهانين، في الدرك الأسفل من النار، أشد عذابا منهم، فأجابهم تعالى في موضع آخر:{لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف 38/ 7]. والشياطين:
إما جني وإنسي، قال تعالى:{وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام 112/ 6] وقال سبحانه: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ} [الناس 6/ 114].