الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} لأنه المالك الحاكم على الإطلاق، فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ} يعبدون، أي كفار مكة {مِنْ دُونِهِ} أي الأصنام {لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} فكيف يكونون شركاء لله؟ وهذا تهكم بهم، لأن الجماد لا يقال فيه: إنه يقضي أو لا يقضي {إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} السميع لأقوالهم البصير بأفعالهم، وهذا تعليل وتقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق، ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون، وتعريض بحال ما يدعونه من دونه.
{عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ} مآل حال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود {كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قدرة وتمكنا {وَآثاراً فِي الْأَرْضِ} من قلاع ومصانع وقصور ومدائن حصينة {فَأَخَذَهُمُ اللهُ} أهلكهم {واقٍ} حافظ يدفع عنهم السوء أو العذاب.
{بِالْبَيِّناتِ} بالمعجزات الظاهرات والأحكام الواضحة {إِنَّهُ قَوِيٌّ} متمكن مما يريده غاية التمكن {شَدِيدُ الْعِقابِ} ليس هناك عقاب أشد منه.
المناسبة:
بعد بيان كون الأنبياء ينذرون الناس يوم التلاق، أتى بأوصاف هائلة رهيبة أخرى ليوم القيامة، لتخويف الكفار بعذاب الآخرة، ثم خوفهم بعذاب الدنيا المماثل لإهلاك الأمم السابقة الذين كذبوا الرسل.
التفسير والبيان:
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ} أي خوف أيها الرسول الكفار يوم القيامة، ليؤمنوا ويقلعوا عن الشرك، ذلك اليوم الذي لكأن القلوب تزول من مواضعها من الخوف، وترتفع حتى تصير إلى الحلوق، حال كون أصحابها مكروبين ممتلئين غما.
{ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ} أي وحال كون أولئك الكافرين ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع مشفع تقبل شفاعته لهم.
والمقصود بالآية تخويف الكفار وترويعهم من شدة الخوف وأهوال يوم
القيامة. وفي الآية إشارة إلى أن الكفار يوم القيامة يشتد خوفهم، حتى لكأن قلوبهم لدى حلوقهم، وفيها تصريح بعدم جدوى شفاعة الأصنام كما زعموا وتأملوا.
والقيامة وإن طال زمانها في تقدير الناس إلا أنها آتية من غير أي شك فيها، وكل آت قريب، كما قال تعالى:{اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر 1/ 54] وقال جل وعلا: {اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ} [الأنبياء 1/ 21] وقال سبحانه: {أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل 1/ 16] وقال عز وجل: {فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً، سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك 27/ 67].
ثم أعلمهم تعالى بشمول علمه وضبطه ودقته، فقال:
{يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ} أي إن الله يعلم النظرة الخائنة التي ينظرها العبد إلى المحرّم، ويعلم ما تسرّه الضمائر من أمور خيّرة أو شريرة، حتى حديث النفس أو خواطر النفس. وهذا يعني أن علم الله تام محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة، وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر، أي مضمرات القلوب.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمرّ به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطّلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها
(1)
.
(1)
رواه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر.
{وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} أي والله يحكم بالحكم العادل، فيجازي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة، ويجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر.
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أي والذين يعبدونه من الأصنام من غير الله، لا يتمكنون من القضاء بشيء، أي فلا يحكمون بشيء، ولا يملكون شيئا، لأنهم لا يعلمون شيئا، ولا يقدرون على شيء، فالذي تجب عبادته هو القادر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، فإن الله سميع لأقوال خلقه، بصير بأفعالهم، فيجازيهم عليه يوم القيامة.
وهذا وعيد لهم على أقوالهم وأفعالهم وأنه يعاقبهم عليه، وتصريح بعدم جدوى عبادة الأصنام والأوثان والأنداد وغيرها من المعبودات، وتهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي أو لا يقضي.
هذه موجبات التخويف من عذاب الآخرة، ثم خوفهم الله تعالى بعذاب الدنيا، فقال:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ} أي أرشدهم الله تعالى إلى الاعتبار بغيرهم، والمعنى: أفلم يمش هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد، فينظروا مآل حال الذين مضوا من الكفار المكذبين بالأنبياء، وما حل بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من كفار مكة وأمثالهم، وأبقى آثارا في الأرض، بما عمروا فيها من الحصون والقصور، وأقاموا من المدن والحضارات.
فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وما كان لهم من دافع يدفع عنهم العذاب، وللكافرين أمثالها. وهذا تحذير واضح للكافرين في كل زمان بما حل بالأمم الغابرة.