الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كل هذه الألوان من الاختلافات والاحتمالات لا نجدها في القرآن الكريم، مما يدل قطعا على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو قد أعجز ببلاغته وفصاحته وجزالته البلغاء والفصحاء، وصور الحقائق تصويرا تاما بلا اختلاف ولا تناقض، وأخبر عن الماضي السحيق خبرا صدقا موافقا للواقع، وتحدث عن الحاضر ومكنونات الأنفس والضمائر بما يبهر ويعجب ويخرس الألسنة الناقدة، وأنبأ عن بعض الأمور في المستقبل، فجاء الحدث مطابقا لما أنبأ عنه، ووضع أصول العقيدة، والتشريع في القضايا العامة والخاصة، وسياسة الأمم والحكم بما لم يسبق إليه، وبما تطابق مع أحدث وأصح ما توصلت إليه البشرية بعد مخاضات طويلة في مجال النظريات والفلسفات.
وصوّر لنا عالم الغيب ومشاهد القيامة بصور مرئية محسوسة كأننا نشاهدها وننجذب إليها وترتسم صورها في أذهاننا دون أن تفارقها لشدة وقعها، وبراعة تصويرها، وصدق حكايتها وواقعيتها:{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ} [الزمر 23/ 39].
ولو أنصف المسلمون أنفسهم ما اتخذوا هذا القرآن مهجورا، ولو تدبروا ما فيه وفهموا ما رسمه لهم من طريق الحياة السوية، لما انحدروا إلى ما هم عليه الآن، فهو مرشد الهداية، ونور الأمة، وصراط الله المستقيم، ومفتاح السعادة، وطريق تحقق المصلحة، وبناء الأمة وتحضرها، قال الله تعالى:{إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء 9/ 17].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
1 -
وجوب طاعة الرسول، وأن طاعته طاعة لله تعالى.
2 -
المعرض عن طاعة الرسول متبع هواه، منقاد لشهواته، مضيع لصلحته، يقود نفسه إلى الهاوية في الدنيا ونار جهنم في الآخرة.
3 -
مراوغة المنافقين مكشوفة، فهم يقولون عند النبي صلى الله عليه وسلم: أمرنا طاعة، أو نطيع طاعة، أو أمرك طاعة، ثم يظهرون بسرعة نقيض ما يقولون. وهذا موقف يأباه صغار الناس وجهالهم وسفهاؤهم، فقولهم ذلك أمام النبي ليس بنافع؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، والعبرة بالنتائج، فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها فعلا.
ولم يحصد هؤلاء المنافقون من موقفهم هذا أي شيء، وإنما هو على العكس كان سبب افتضاح شأنهم في الدنيا أمام الناس، وسبب دمارهم وإهلاكهم في الآخرة؛ لأن الله تعالى يثبته في صحائف أعمالهم، ليجازيهم عليه.
لذا لا داعي للاهتمام بشأنهم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم، وتفويض أمره إلى الله تعالى والتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، فهو نعم المولى ونعم الوكيل.
4 -
وجوب تدبر القرآن لمعرفة معانيه، هذا أمر مفروض على كل مسلم، ولا تكفيه التلاوة من غير تأمل ونظر في معانيه وأهدافه. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال، وإبطال التقليد في العقائد وأصول الدين. كما أن فيه دليلا على إثبات القياس.
5 -
ليس المراد من قوله {اِخْتِلافاً كَثِيراً} اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات، ومقادير السور والآيات، وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت في المستوى البلاغي والنظم المعجز، وفي المعاني والأفكار، وفي الأخبار والمغيبات، وفي أصول تنظيم الحياة.