الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: «يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان» .
ويرى بعضهم (عكرمة وابن جريج) أن حكم الآية إنما هو لمن استحلّ القتل، فإنما فسّر متعمدا، أي مستحلاّ، فجزاؤه حينئذ جهنم خالدا فيها أبدا.
واختار الرازي في الجواب: أن هذه الآية قد خصصت في موضعين:
أحدهما-القتل العمد إذا لم يكن عدوانا كقتل القصاص.
والثاني-القتل الذي تاب عنه. وإذا دخلها التخصيص في هذين، فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى:{وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} [النساء 48/ 4].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
1 -
شأن الإيمان الامتناع النهائي عن قتل النفس، لا عمدا ولا خطأ؛ لأنه اعتداء على صنع الخالق، وجريمة عظيمة، ومنكر قبيح.
2 -
أجمع العلماء على أن قوله تعالى: {وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً} أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، وكذلك أيضا
قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»
(1)
أريد به الأحرار خاصة.
3 -
{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة كالرقبة التي
(1)
رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابن عمرو، ورواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي جحيفة.
أوجبها الله في كفارة الظهار. وهناك اختلافات في شأن إعتاق الرّقبة لا داعي لذكرها في عصرنا الآن.
4 -
الواجب الثاني في القتل الخطأ هو الدّية: وهي ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. والمسلّمة: المدفوعة المؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدّية، وإنما في الآية إيجاب الدّية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السّنّة، وقد بيّنت ذلك.
5 -
دلّ قوله: {إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} على جواز العفو عن الدّية، والتّصدّق:
الإعطاء؛ والمراد: إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول مما أوجب الله لهم من الدّية على عاقلة القاتل. أما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلّص آخر لعبادة ربّه.
وإنما تسقط الدّية التي هي حقّ لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا يتحملها أحد عنه.
6 -
{فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} : موضوعها المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار، ففي المشهور من قول مالك، وقول أبي حنيفة: إن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة، فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة؛ لأن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، ولأن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية؛ لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا} [الأنفال 72/ 8]. فإن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدّية لبيت المال والكفارة
(1)
.
(1)
أحكام القرآن للجصاص: 240/ 1 وما بعدها.
وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو ثور: الوجه في سقوط الدّية: أن الأولياء كفار فقط، فلا تدفع ديته سواء قتل في ديار الحرب أو في ديار الإسلام.
ولو وجبت الدّية لوجبت لبيت المال على بيت المال، فلا تجب الدّية في هذا الموضع، وإن جرى القتل في بلاد الإسلام.
ويؤيد هذا الحكم
ما جاء في صحيح مسلم من قتل أسامة رجلا من جهينة قال: لا إله إلا الله، خوفا من السلاح في تقديره، قال له النّبي صلى الله عليه وسلم:«أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولا دية.
7 -
{وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ} : هذا في الذّمّي والمعاهد يقتل، فتجب الدّية والكفارة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي.
8 -
أجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لأن لها نصف الميراث، وشهادتها نصف شهادة الرجل. وهذا ثابت بالسّنّة لا بالقرآن. أما القتل العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء، لقوله عز وجل:{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} و {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} كما تقدم في سورة البقرة.
واختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما:
فقال شريح والنخعي وأحمد وإسحاق: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى. وقال مالك في رجلين جرّ أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا:
على عاقلة الذي جبذه الدّية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يضمن نصف الدّية؛ لأنه مات من فعله، ومن سقوط الساقط عليه.
أما في حال التصادم: فقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا:
دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم هدر. وقال في الفارسين إذا
اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه.
وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته.
وذلك يقال أيضا في تصادم السفينتين، أو السيارتين اليوم.
9 -
إن دية أهل الكتاب فيها اختلاف:
فقال المالكية وأحمد: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النّصف من ذلك، لحديث عمرو بن شعيب المتقدّم.
وقال الحنفية: الدّيات كلها سواء، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذّمي؛ لقوله تعالى:{فَدِيَةٌ} وذلك يقتضي الدّية كاملة كدية المسلم
(1)
، ويؤيده
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم-فيما رواه ابن عباس- جعل دية يهود بني قريظة والنضير سواء، دية كاملة. لكنه حديث عن ابن عباس ضعيف جدا.
وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم؛ لأنه أقل ما قيل في ذلك، كما أوضحت، والذّمة بريئة إلا بيقين أو حجّة.
10 -
صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرّقبة ولا اتّسع ماله لشرائها، فلو أفطر يوما بلا عذر استأنف. وهذا قول الجمهور. فإن وجد عذر كالحيض، أو مرض، لم يستأنف في رأي مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه:
يستأنف في المرض.
11 -
ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد، فقال مالك: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، وأما شبه العمد فلا نعرفه.
(1)
أحكام القرآن للجصاص: 238/ 1 وما بعدها.
وأثبت فقهاء الأمصار وجمهور أئمة المذاهب شبه العمد
بما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» لكنه حديث مضطرب عند المحدثين. ذكر ابن عبد البرّ أنه لا يثبت من جهة الإسناد.
واختلف القائلون بشبه العمد في تحديده وبيان ما هو عمد على أقوال ثلاثة:
الأوّل-قال أبو حنيفة: العمد: ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد
(1)
.
الثاني-قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله.
الثالث-قال الشافعي: ما كان عمدا في الضرب، خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل. وأما الخطأ فما كان خطأ فيهما جميعا، وأما العمد: فما كان عمدا فيهما جميعا.
ويعتمد الفقهاء في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل؛ لأن نيّة القاتل لا اطلاع لنا عليها، فأقيمت الآلة مقام النيّة. وكان الأولى هو البحث عن ظروف القتل وقرائن الأحوال لتعلم نيّة القاتل أهو عمد أم مخطئ.
واختلفوا في الدّية المغلظة على القتل شبه العمد: فقال عطاء والشافعي ومالك في المشهور عنه، فيما يقول فيه بشبه العمد، وهو قتل الوالد ولده: هي ثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة
(2)
.
(1)
أحكام القرآن للجصاص الرازي: 228/ 1 وما بعدها.
(2)
الحقّة: إذا دخلت الناقة في السنة الرابعة، والجذعة: إذا دخلت في السنة الخامسة. والخلفة. الحامل. وابنة المخاض: ما كان لسنة، وابنة اللبون: ما كان لسنتين.