الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شكروا الله بأن أصلحوا العمل، وآمنوا بالله حقا، لاستحقوا الثواب الجزيل المعدّ لأمثالهم، فالله شاكر يجازي من شكر ويثيب من أطاع، عليم بخلقه، لا تخفى عليه خافية، فمن آمن بربه وقام بواجبه بشكر نعمه، علم به وجازاه على ذلك أوفر الجزاء كما قال تعالى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم 7/ 14] فهو الكريم المعطاء الذي يجزي القليل بالكثير، واليسير بالعظيم، ويضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، فاللهم اجعلنا من المؤمنين الشاكرين الصابرين، المخلصين الأبرار، الذين رضيت عنهم في الدنيا والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى طائفة مهمة من الأحكام:
1 -
النفاق والرياء أمران قائمان في كل أمة وزمان: والنفاق إبطان الكفر وإظهار الإسلام، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله.
2 -
يعتمد المنافق كالثعلب على المكر والخداع، وسرعان ما يتكشف أمره للناس، ولا يخفى على الله من فعله شيء منذ بدء نفاقه، فالمنافقون يخادعون الله لقلة علمهم وعقلهم، والله خادعهم-على سبيل المشاكلة اللفظية-أي أن الخداع من الله هو مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله.
3 -
تطبق على المنافق في الدنيا أحكام الشريعة في الظاهر، وفي الآخرة قال الحسن: يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نورا يوم القيامة، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا؛ فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق، فذلك قولهم:{اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد 13/ 57].
4 -
من أوصاف المنافقين الصلاة رياء: أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون
متثاقلون، لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا.
وفي صحيح الحديث المتقدم: «إن أثقل صلاة على المنافقين: العتمة والصبح» والعتمة: العشاء، لا يصلونها بسبب تعب النهار، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم، ولولا السيف ما قاموا.
ثم وصفهم الله بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف،
وقال صلى الله عليه وسلم ذامّا لمن أخّر الصلاة: «تلك صلاة المنافقين-ثلاثا-يجلس أحدهم يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان-أو على قرني الشيطان-قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» رواه مالك وغيره.
وصفهم بقلة الذكر؛ لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة؛ لأن الله تعالى لا يقبله. وقيل:
لعدم الإخلاص فيه.
5 -
من صلّى كصلاة المنافقين وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج من مقتضى قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ} [1/ 23 - 2]. اللهم إلا أن يكون له عذر، فيقتصر على الفرض حسبما
علّم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي حين رآه أخل بالصلاة، فقال له-فيما رواه الأئمة-:«إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عبادة:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» .
وقال فيما رواه الترمذي: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» وبناء عليه قال أكثر العلماء:
الطمأنينة فرض؛ لهذا الحديث. ورأى أبو حنيفة أنها ليست بفرض، وإنما هي واجب؛ لثبوتها بخبر آحاد.
6 -
قال ابن العربي: إن من صلّى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها، فيشهدون له بالإيمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الإمامة، فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج؛ وإنما الرياء المعصية: أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه الإعادة
(1)
.
7 -
المنافق مذبذب قلق مضطرب: والمذبذب: المتردد بين أمرين، والذبذبة: الاضطراب. والمنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرّحين بالكفر.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى» .
8 -
تحرم موالاة الكافرين دون المؤمنين: والمراد كما قال ابن كثير:
مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. والآيات الناهية عن ولاية الكافرين كثيرة.
9 -
عقاب المنافق في الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية؛ لغلظ كفره، وكثرة غوائله، وتمكّنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابه بمنه وكرمه
(2)
.
10 -
توبة المنافق مقبولة بشروط هي: أن يصلح قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب.
(1)
أحكام القرآن: 511/ 1
(2)
تفسير القرطبي: 425/ 5
11 -
تعذيب المنافقين وغيرهم لا مصلحة فيه لله تعالى، كما نصت الآية التي تقول: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. ولكن العذاب تقتضيه الحكمة والعدل.
قال مكحول من التابعين: أربع من كنّ فيه كنّ له، وثلاث من كنّ فيه كنّ عليه، فالأربع اللاتي له: الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى:{ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء 147/ 4]. وقال الله تعالى: {وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال 33/ 8]. وقال الله سبحانه: {قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي، لَوْلا دُعاؤُكُمْ} [الفرقان 77/ 25]. وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي والنكث؛ قال الله تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ} [فاطر 43/ 35].
وقال تعالى: {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [يونس 23/ 10]. وقال تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ} [الفتح 10/ 48].
12 -
الله يشكر عباده على طاعتهم. ومعنى يشكرهم: يثيبهم، فيقبل العمل القليل، ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته.
انتهى الجزء الخامس ولله الحمد