الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
لما أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال، بين هنا أنهم حين أطاعوك أصابهم خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبا تؤجر عليه، لما بذلت في ترغيبهم بالجهاد من جهود. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.
التفسير والبيان:
من يسعى في أمر، فيترتب عليه خير، كان له نصيب منه بانتصار الحق على الباطل وما يتبعه من شرف وغنيمة في الدنيا، وبما يحظى به من الثواب في الآخرة.
ومن يسعى في سيئة يكون عليه وزر مما ترتب على سعيه ونيته،
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا-أي في الخير-تؤجروا؛ ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء»
(1)
.
فالشفاعة نوعان: حسنة وسيئة، أما الشفاعة الحسنة: فهي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك»
(2)
فذلك النصيب. والدعوة على المسلم بضد ذلك.
(1)
رواه الشيخان وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي موسى.
(2)
رواه مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء، بلفظ:«من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله» .
والشفاعة السيئة: ما كانت بخلاف ذلك. والشائع الآن الوساطات والشفاعات السيئة المصحوبة بالمادة والرشاوى، لتضييع الحقوق، والاستيلاء على مال الغير. عن مسروق أنه شفع شفاعة، فأهدى إليه المشفوع له جارية، فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها
(1)
.
{وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً} أي حفيظا شهيدا، وقيل: مقتدرا، أو محاسبا، فهو تعالى مطلع عالم بأغراض الشفعاء، مجاز كل واحد بحسب مقصده، وقادر على جزائه بما يستحق؛ لأن الجزاء في سنته مرتبط بالعمل.
ثم علّم الله الناس التحية وآدابها، وهي كالشفاعة الحسنة من أسباب التواصل والتقارب بين الناس، وعدت من التحية. وأصل التحية: الدعاء بالحياة، والتحيات لله: أي الألفاظ التي تدل على الملك، ويكنى بها عنه لله تعالى، والصحيح أن التحية هاهنا: السلام، لقوله تعالى:{وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ} [المجادلة 8/ 58].
فإذا سلم عليكم المسلم فالواجب الرد عليه بأفضل مما سلم، أو الرد عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال الشخص: السلام عليكم، أجاب المسلّم عليه إما بقوله: وعليكم السلام، أو وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد:«وبركاته» كان أفضل، وفي كل كلمة عشر حسنات. والأولى أن يكون الرد ببشاشة وسرور وحسن استقبال.
روى ابن جرير عن سلمان الفارسي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال السلام عليك يا رسول الله، فقال:«وعليك السلام ورحمة الله» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعليك
(1)
الكشاف: 413/ 1
السلام ورحمة الله وبركاته» ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له:«وعليك» فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال:«إنك لم تدع لنا شيئا» قال الله تعالى: {وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها} فرددناها عليك».
{إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها، وهذا تأكيد لإشاعة السلام ووجوب رد التحية على من سلّم.
روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم» .
ثم بيّن الله تعالى أنهم مجزيون على التحية والجهاد وأعمال الخير والشفاعة، فقرر أن المرجع والمصير إلى الله الواحد الأحد، وأن البعث والجزاء في الدار الآخرة ثابت. وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما: إثبات التوحيد وإخباره تعالى بتفرده بالألوهية لجميع المخلوقات بقوله: {اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ} .
وإثبات البعث والجزاء في الآخرة بالقسم الذي أقسمه: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 1 لا رَيْبَ فِيهِ} أي أنه سيجمع الأولين والآخرين في الموت وتحت الأرض ثم يبعثهم في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. وقد نزلت في الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه.
وقوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً} معناه: لا أحد أصدق منه عز
(1)
سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز، قال الله تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين 4/ 83 - 5]. وقيل: لأن الناس يقومون من قبورهم إليها: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [المعارج 43/ 70].