الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لما بعثني النّبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم، يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قوله تعالى:
{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} الآية، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا.
ففهم عمرو رضي الله عنه أن الآية تتناول بعمومها مثل حالته، وأقرّه النّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
ثم ذكر الله تعالى عقوبة قاتل الأنفس، وهي أن من يفعل ذلك المحرم-وهو قتل النفس؛ لأن الضمير المشار إليه يعود إلى أقرب مذكور-حال كونه معتديا ظالما، عاقبه الله على جرمه في الآخرة، بإدخاله نارا شديدة الإحراق، وذلك الإدخال هيّن سهل على الله، لا يمنعه منه مانع. وقد بيّنت أن العدوان: هو الإفراط في مجاوزة الحدّ، وأن الظلم: هو الجور ومجاوزة الحدّ أو وضع الشيء في غير موضعه. وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على الأحكام الشرعية الآتية:
1 -
تحريم أكل الأموال بالباطل أي بغير حق، وهو كل ما يخالف الشرع أو يؤخذ بغير عوض. وله أحوال كثيرة.
وعبّر بكلمة {أَمْوالَكُمْ} للإشارة إلى أن مال الفرد هو مال الأمة، مع احترام الحيازة والملكية الخاصة وإباحة التصرف بالمملوك بحرية تامة، ما لم يكن هناك ضرر بالأمة أو بالمصلحة العامة.
وكذلك مال الأمة هو مال الفرد، فعليه المحافظة على الأموال العامة كما يحافظ الشخص على أمواله الخاصة.
وهذا يومئ إلى وجوب التكافل الاجتماعي بين الفرد والأمة، وبين الشخص والمجتمع، فعلى الأمة ممثلة بالدولة إشباع حاجة الفرد عند الضرورة، وعلى الفرد دعم الأمة بالإنفاق في سبيل الله والجهاد والمصالح العامة، لتتمكن الأمة من الدفاع عن مصالح الأفراد، وحماية البلاد والأموال والأشخاص.
ولكن ليس للمحتاج أن يأخذ شيئا من أموال الآخرين إلا بإذنهم، صونا للأموال، ومنعا للفساد والفوضى، ومنعا لانتشار البطالة وشيوع روح الكسل بين الأشخاص.
2 -
إباحة جميع أنواع التجارات (أي عقود المعاوضات التي يقصد بها الربح) بشرط التراضي بين العاقدين. وذلك يشمل البيع والعطاء، فكل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله {بِالْباطِلِ} أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير ونحوهما، وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة وهبة التبرع.
روى ابن جرير الطبري عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما»
(1)
.
ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، الذي قال به الشافعي وأحمد والليث وغيرهم، لما
ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا»
وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» يعني أن الآية مخصوصة بالحديث.
(1)
حديث مرسل.
ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، وحسبما يتبيّن فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها في مشهور مذهب مالك رحمه الله.
ومن التراضي الضمني: بيع المعاطاة مطلقا فهو صحيح في رأي الجمهور غير الشافعي.
وأما الحنفية والمالكية فلم يقولوا بمشروعية خيار المجلس؛ لأن الآية تقتضي حلّ التّصرف في المبيع بوقوع البيع عن تراض، سواء أتفرق المتبايعان أم لم يتفرّقا، فإن الذي يسمّى تجارة في عقد البيع إنما هو الإيجاب والقبول، وليس التفرق والاجتماع من التجارة في شيء.
وخصص من التجارات أشياء إما بالقرآن وإما بالسنّة، فالخمر والميتة والخنزير وسائر المحرّمات في الكتاب لا يجوز الاتّجار فيها؛ لأن إطلاق لفظ التحريم يقتضي أن سائر وجوه الانتفاع محرمة، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل النّهي عن الشّحوم نهيا عن أكل ثمنها،
ففي الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا ثمنها» .
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة وبيع العبد الآبق، وبيع الغرر، وبيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإنسان، ونحوها من البيوع المجهولة أو المعقودة على غرر.
كلّ ذلك مخصوص من ظاهر قوله تعالى: {إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} .
3 -
الترغيب في التجارة: أباحت الآية التجارة ورغّبت فيها، لشدة حاجة الناس إليها، بدليل أن مدار حلّها على تراضي المتبايعين، أما الغش والكذب والتدليس فيها فهي محرّمة.
وفي الآية إيماء إلى أن جميع ما في الدّنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل الزائل الذي لا ثبات له ولا بقاء، فلا ينبغي أن يشغل العاقل بها عن الاستعداد للآخرة، لقوله تعالى:{رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ} [النور 37/ 24]، و
روى الدارقطني عن ابن عمر من قوله صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النّبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة» .
وفي الآية أيضا إشارة إلى أن معظم التجارات مشتملة على الأكل بالباطل؛ للطمع في أخذ الأرباح الفاحشة، ولزخرفة البضاعة بمختلف الأساليب، ولاقترانها بالأيمان الكاذبة غالبا، لذا فإنها تحتاج إلى المسامحة والصدقة،
قال عليه الصلاة والسلام-فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن قيس بن أبي غرزة-:
«يا معشر التجار، إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب، فشوّبوه بالصدقة» ويلاحظ أن الأكل من غير إذن من المشتريات في الأسواق قبل تمام الشراء لا يحل، وفيه شبهة، فربما لا يتم الشراء.
والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم، وهي تساوي مائة، فذلك جائز.
وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا. قال ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله: والأول أصح،
لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الأمة الزانية: «فليبعها ولو بضفير» أي بحبل،
وقوله عليه السلام لعمر: «لا تبتعه -يعني الفرس-ولو أعطاكه بدرهم واحد»
وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة إلا البخاري عن جابر: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» وليس فيه تفصيل بين القليل والكثير من ثلث وغيره.
4 -
التراضي أساس العقود: لقوله تعالى: {إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ