الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان شأن الله الغفران دائما لهؤلاء المهاجرين، وإسباغ الرحمة الشاملة لهم بعطفه وإحسانه وفضله. ويؤكد هذا المعنى
الحديث المشهور في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
وما أعظم الفرق بين هذا الوعد الصريح الأكيد من الله، وبين الوعد بالمغفرة لتاركي الهجرة لضعف أو عجز بأنه محل رجاء وطمع عند الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
المراد بهذه الآية في الأصح كما ذكر القرطبي: جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر، خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية.
وبخ الله تعالى هؤلاء المتقاعسين عن الهجرة، وأرشدهم إلى أنهم كانوا متمكنين قادرين على الهجرة والابتعاد عمن كان يستضعفهم، وأنه لم يقبل عذرهم بكونهم مستضعفين حقيقة.
وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي.
أما المستضعفون حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالنجاة، فهؤلاء يرجى لهم من الله العفو والمغفرة.
ومن مات في أثناء الطريق إلى المدينة، فأجره حق ثابت عند الله، لصدق عزيمته، وإخلاص نيته.
وكانت أسباب الهجرة إلى المدينة في صدر الإسلام كثيرة منها:
1 -
التمكين من إقامة شعائر الدين والبعد عن الاضطهاد الديني، فعلى كل مضطهد البحث عن مكان يأمن فيه، وإلا ارتكب إثما كبيرا.
2 -
التمكن من تعلم أمور الدين والتفقه في أحكامه، فعلى كل مسلم يقيم في بلد ليس فيه علماء يعلّمون أحكام الدين أن يهاجر إلى بلد يتلقى فيه العلوم الدينية.
3 -
الإعداد لإقامة دولة الإسلام ونشر الدعوة الإسلامية في أنحاء الأرض، والدفاع عنها وعن الدعاة إلى الله.
وظلت هذه الأسباب واضحة قائمة إلى فتح مكة، حتى إذا فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الصحابة في البلاد يعلمون الناس أحكام دينهم، وقويت شوكة الإسلام، وتطهرت الجزيرة العربية من رجس الشرك والوثنية، زال حكم وجوب الهجرة،
روى أحمد والشيخان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» .
ويلاحظ أنه إذا وجدت الدواعي للهجرة وتوافر أحد الأسباب المتقدمة، وجبت الهجرة في أي عصر وزمان.
ويحسن أن أذكر أقسام الهجرة كما أوضحها ابن العربي فقال: الهجرة تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول-الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام؛ وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم مع غيرها من أنواعها. وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، التي
انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، فإن بقي في دار الحرب عصى، ويختلف في حاله كما تقدم بيانه.
الثاني-الخروج من أرض البدعة: قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول:
لا يحلّ لأحد أن يقيم ببلد يسبّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم تقدر على تغييره فزل عنه، قال الله تعالى:{وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ} [الأنعام 68/ 6].
الثالث-الخروج عن أرض غلب عليها الحرام: فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
الرابع-الفرار من الإذاية في البدن: وذلك فضل من الله عز وجل أرخص فيه، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه، والفرار بنفسه؛ ليخلّصها عن ذلك المحذور.
الخامس-خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النّزهة.
وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم للرّعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا إلى المسرح، فيكونوا فيه حتى يصحّوا. وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون، فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بيد أني رأيت علماءنا قالوا: هو مكروه.
السادس-الفرار خوف الإذاية في المال؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله أو آكد
(1)
.
(1)
أحكام القرآن: 484/ 1 - 486، وانظر تفسير القرطبي: 349/ 5 وما بعدها.