الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس في الآية ما يرجّح أحد الرّأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرّأيين، فالرّأي الأول يدلّ عليه تسمية كلّ منهما حكما والحكم هو الحاكم، والحاكم متمكن من الحكم. والرأي الثاني يدلّ عليه أنه تعالى لم يفوّض إليهما إلا الإصلاح، وما عدا ذلك غير مفوض إليهما. وبما أن المسألة اجتهادية فالقياس يقتضي ترجيح الرّأي الثاني؛ لأن الزوجين غير مجبرين على شيء من طلاق أو افتداء قبل التحكيم، فلا يجبرهما الحكم على شيء بعد التّحكيم، ويكون كلّ من إيقاع الرّجل الطّلاق، وبذل المال من الزوجة منوطا برضاهما. فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم شيء إلا ما اتّفقا عليه. ويجوز للزوجين تحكيم شخص واحد، وينفذ حكمه لرضاهما مسبقا به.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يلي:
1 -
إثبات القوامة في الأسرة للرجل، وتفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف.
2 -
العجز عن النفقة يسقط القوامة للرجل، ويمنح المرأة الحق في فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله الزواج، للآية:{وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ} . وفي قوله تعالى هذا أيضا دلالة واضحة على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يفسخ؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ} [البقرة 280/ 2].
3 -
للزوج الحق في تأديب زوجته ومنعها من الخروج، وعلى الزوجة بقوله تعالى:{فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ} طاعة الزوج في غير معصية
الله، والقيام بحقّه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج،
وفي الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها» .
4 -
للزوج حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه؛ لأن الله تعالى جعله قواما عليها-بصيغة المبالغة، والقوّام: الناظر على الشيء الحافظ له. وبهذا أخذ المالكية.
5 -
وجوب النفقة على الزوج لزوجته.
6 -
مشروعية وسائل تسوية النزاع بين الزوجين: وهي الوعظ والإرشاد، ثم الهجر في المضاجع (عدم المبيت في فراش الزوجية)، ثم الضرب غير المبرّح (غير المؤذي: وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين عضوا، كاللّكزة ونحوها) ثم التحكيم بإرسال حكمين إما من الأقارب وإما من الأجانب. ولم يذكر الله تعالى إلا الإصلاح في مهمة الحكمين:{إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً} ولم يذكر التفريق إشارة إلى الحرص على الإصلاح دون التفريق المؤدي إلى خراب البيوت.
7 -
الامتناع عن الظلم: دلّ قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي تركوا النشوز {فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} على تحريم ظلم الرجل للمرأة، أي لا تجنوا عليهنّ بقول أو فعل، وهو نهي عن ظلمهنّ بعد التزام أدبهنّ.
8 -
تواضع الرجل ولينه: دلّ قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً} على إرشاد الأزواج إلى خفض الجناح ولين الجانب؛ أي إن كنتم تقدرون عليهنّ فتذكروا قدرة الله، فقدرته فوق كل قدرة، وهو بالمرصاد لكلّ أحد يستعلي على امرأته ويذلّها أو يهينها بغير حقّ.
ويلاحظ أن الله عز وجل لم يأمر في شيء بالضرب صراحة إلا هنا وفي الحدود الشديدة، فجعل معصية المرأة من الكبائر، وولّى الأزواج صلاحية