الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم مخاطبا له بصفة الرسالة بإبلاغ جميع ما أنزله الله عليه، فقام بالواجب أتم القيامة، وبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للأمة، فجزاه الله خير الجزاء، قال البخاري عند تفسير هذه الآية من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول:{يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي. وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: «لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} [الأحزاب 37/ 33].
ومعنى الآية يا أيها الرسول المرسل من عند ربه برسالة إلى الناس كافة بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، ولا تخشى في ذلك أحدا، ولا تخف أن ينالك مكروه.
وإن لم تبلغ فورا ما أنزل إليك ولم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، بأن كتمته ولو إلى حين، فما قمت بواجب التبليغ إلى الناس، كما قال تعالى:{ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ} [المائدة 99/ 5].
والحكمة في هذا الأمر بالتبليغ وتأكيده بقوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ.} . بجعل كتمان بعضه مثل كتمان كله، مع أن الرسل معصومون من كتمان شيء مما أنزله الله إليهم. هو إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بأن التبليغ حتم لا يجوز له الاجتهاد بتأجيل شيء عن وقته.
والحكمة بالنسبة للناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص، فلا يختلفوا فيها.
وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فورا جميع ما أنزل إليه من القرآن، قال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد شهدت له
أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا،
كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ:
«أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول:
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «يا أيها الناس، أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، قال:«أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، قال:«فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام، قال:
«فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مرارا، ثم رفع أصبعه إلى السماء، فقال:«اللهم هل بلغت» مرارا، قال أحمد: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه عز وجل، ثم قال:«ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
ثم أعلن الله لنبيه كفالته وضمانه بعصمته من الناس، أي أنه يحميه من الفتك والقتل ولا يمكن الأعداء مما يريدون، وقد حاول المشركون قتله وقرروا ذلك في دار الندوة بعد موت أبي طالب، فعصمه الله وهاجر إلى المدينة، وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة، والمراد العصمة من القتل، فلا يعترض عليه بأنه تعرض لأذى المشركين في مكة، وفي الطائف، وبعد الهجرة يوم أحد حيث شج في وجهه، وكسرت رباعيته صلوات الله عليه.
روى الترمذي وأبو الشيخ ابن حيان والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن بضعة رجال من الصحابة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية،
وكان العباس ممن يحرسه، فلما نزلت ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس».
وعن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه سعد وحذيفة، حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم، وقال: انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمني الله من الناس.
وهذه الآية المكية وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب المأمور به في المدينة، لتدل على تعرض النبي صلى الله عليه وسلم لإيذائهم، كما تعرض لإيذاء المشركين، والله عصمه من الفريقين.
وقيل: نزلت الآية بعد يوم أحد، بدليل قوله:{إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ} ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
وللآية معنى أعم في الواقع وهو: بلّغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء» كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [البقرة 272/ 2] وقال: {فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ} [الرعد 40/ 13].
ثم كشف القرآن لكل الناس: أهل الكتاب والمسلمين عن حقيقة مهمة جدا هي أن النسبة إلى الدين لا تنفع إلا بالعمل به، فقال:{قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ} أي قل يا محمد لأهل الكتاب (اليهود والنصارى): لستم على شيء من الدين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل فيما أمرا به من التوحيد الخالص والعمل الصالح، ومما فيهما الإيمان بمحمد والأمر باتباعه والإيمان بمبعثه