الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - ما ذبح على النّصب:
النصب حجارة كانت حول الكعبة، عددها ثلثمائة وستون حجرا منصوبا، كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها، تقربا للأصنام التي يعظمونها، ويلطخون بها ما أقبل من البيت، كأنهم يثبتون بذلك كون الذبح وقع قربة، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (الحجارة). وليست النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة، والأوثان حجارة منقوشة.
فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي ذبحت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح، اجتنابا للشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وأضاف القرآن محرمات أخرى هي:
الاستقسام بالأزلام: أي محاولة معرفة ما قسم له، أو قدر في الأمر من خير أو شر. والأزلام جمع زلم: وهي قطعة من خشب على هيئة السهم الذي لا نصل فيه وهو الذي يجرح الصيد. ولهذه العملية معنيان: معنى روحي عبادي أو اعتقادي، والآخر مادي.
أما المعنى الروحي العبادي: فهو يشبه عادة التطير، كان أحدهم إذا أراد أن يقدم على عمل أو سفر، ذهب إلى الكعبة، فاستشار الأزلام الموجودة عند الآلهة، وقد كان عند هبل المنصوب على بئر سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه، مما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه.
قال ابن جرير الطبري: الأزلام عبارة عن قداح ثلاثة كتب على أحدها:
«افعل» وعلى الآخر: «لا تفعل» وأغفل الثالث. فإذا أجالها (حركها) فطلع سهم الأمر فعل، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد
(1)
. ويفعل ذلك إذا
(1)
تفسير الطبري: 49/ 6
أراد سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا أو نحو ذلك.
وأما المعنى المادي فهو اليانصيب اليوم الذي هو نوع من القمار، وهو قداح الميسر، وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل. وكانت تستعمل الأزلام بمثابة نوع من أنواع اللعب بالميسر في الجاهلية، كانوا يشترون جزورا نسيئة، وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه 28 قسما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد باسم رجل، فاز صاحب الأقداح ذوات الأنصباء، وغرم من خرج له الغفل.
فأنواع الأزلام ثلاثة: الأول-نوع مع الشخص وعدده ثلاثة: مكتوب على واحد: افعل، والثاني لا تفعل، والثالث غفل. والنوع الثاني-سبعة قداح واحدها قدح، وكانت عند هبل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل. والنوع الثالث-قداح الميسر وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل.
وكلا المعنيين نوع من الخرافة والوهم، والتخلف العقلي الذي يعوق تقدم الأمة ويدعو إلى السير على غير هدى ولا بصيرة. ومثل ذلك معرفة الحظ بواسطة المسبحة أو المصحف، أو أوراق الشدّة أو الودع أو الفنجان، فكل ذلك حرام منكر شرعا، لا يجوز اللجوء إليه. وقد شرع الإسلام بديلا شرعا هو صلاة الاستخارة ركعتين ثم الدعاء المأثور عقب الصلاة، وتسمية الأمر المستخار له، وانتظار النتيجة من انشراح الصدر أو انقباضه، وتكرار الصلاة مرات إذا لم ينكشف الحال.
وحديث الاستخارة رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة، كما يعلمنا سورة من القرآن، فيقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم
ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه) شر لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» قال: ويسمي حاجته.
{ذلِكُمْ فِسْقٌ} أي كل المحرمات المذكورة فسق وخروج عن منهج الدّين، ورغبة عن شرع الله إلى معصيته، وتجاوز للمألوف من الحكمة والمعقول.
ولما حذّر الله المؤمنين من تعاطي المحرّمات المذكورة، حرّضهم على التمسك بما شرعه لهم، وبشرهم بالغلبة بما يقوي عزيمتهم ويشجعهم، فنزل يوم عرفة عام حجة الوداع:{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.} . إلخ الآية، اليوم: هو يوم عرفة عام حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة، وكان يوم جمعة، وهو يوم نزول هذه الآية، يئس الكفار من إبطال دينكم والتغلب عليكم، والرجوع إلى دينهم كفارا، ويئس الشيطان أن يعبد في أرضكم.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في هذه الآية فقال: يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم: وهو عبادة الأوثان أبدا.
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم» .
{فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} أي فلا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أي اتّقوني، أنصركم عليهم وأؤيدكم، وأجعلكم فوقهم في الدّنيا والآخرة.
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..} . اليوم أكملت لكم دينكم وهو الإسلام، فأبنت لكم حلاله وحرامه وجميع الأحكام التي تحتاجون إليها، فصار كل شيء واضحا لا لبس فيه ولا غموض، كاملا غير منقوص.
{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أي منّتي، فلم يحجّ معكم مشرك أبدا، وفتحت مكة، وتحقق الوعد، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحقق لكم النصر.
{وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} مرضيا هو محل احتكام ومحاكمة الخلائق عليه يوم القيامة: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ} [آل عمران 85/ 3].
هذه بشارات ثلاث تحققت بهذه الآية، مكث بعدها النّبي صلى الله عليه وسلم واحدا وثمانين ليلة ثم قبض وتوفّاه الله.
قرأ ابن عباس هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ..} . فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتّخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وروى مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا؛ قال: وأي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في يوم جمعة.
وليس المراد بإكمال الدّين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن الأحكام صارت غير قابلة للنسخ، وأصبحت مؤبدة صالحة لكل زمان ومكان، والمراد بالإكمال: إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه فباشتماله على الفرائض والحلال والحرام، والتنصيص على أصول العقائد وأسس التشريع وقوانين الاجتهاد، مثل:{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1/ 112]، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ