الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ج - ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة
قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (1). والمراد بالدين دين الإسلام لا محالة، لأن الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. فهو مأمور بإقامة وجهه للدين المرسل به.
ومعنى إقامة الوجه للدين: القصد إليه والجدّ فيه. والمراد بوجهه جميع ذاته، فخصّ الوجه بالذكر لأنّه جامع الحواس وآلات الإدراك، و {حَنِيفًا}: حال من {وَجْهَكَ} . والحنيف: المائل. والمراد هنا: الميل عن غير ذلك الدين من الشرك. قال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (2).
ودخل في هذا الخطاب جميعُ المسلمين باتفاق أهل التأويل.
وقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ} منصوب على البدل من {حَنِيفًا} المنصوب على الحال من "الدين". فقوله: {فِطْرَتَ} في معنى حال ثانية. فيكون المعنى: فأقم وجهك للدين الحنيف الفطرة. والمراد من الدين: مجموع ما يسمى بالدين من عقائد وأحكام.
(1) الروم: 30.
(2)
الحج: 31.
وليس تخصيصه بالعقائد في كلام بعض المفسرين مثل فخر الدين الرازي (1) والبيضاوي (2) إلا انقياداً لظاهر سياق الكلام السابق، لأن الآيات قبلها وردت في ذم الشرك وإبطال عقائد المشركين والدهريين، ابتداء من قوله تعالى:{اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (3) إلى أن قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} ، وبظنهم أن الفاء فاء التفريع. وكِلا الأمرين غير ظاهر. فليس سياق الكلام بموجب تجزئةَ اسم الكُل. فإن الدين اسم يشمل جميع ما يتدين به المرء كما دل عليه حديث:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"(4).
(1) حيث قال: إذا تبيّن الأمر وظهرت الوحدانية، ولم يهتد المشرك فلا تلتفت أنت إليهم وأقم وجهك للدين، أي أقبل بكلك على الدين، وقال: إن الله فطر الناس عليه أي الدين، حيث أخذهم من ظهر آدم، وسألهم ألست بربكم؟ فقالوا: بلى. ولا تبديل لخلق الله، أي الوحدانية مترسخة فيهم لا تغيير لها لكن الإيمان الفطري غير كاف. الفخر. التفسير الكبير: 12/ 120 - 121
(2)
حيث قال في تفسير الآية: فقوّمه له غير ملتفت أو ملتفت عنه وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به. والفطرة التي فطر الناس عليها قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو ملّة الإسلام .... البيضاوي. أنوار التنزيل وأسرار التأويل: بحاشية الشهاب على البيضاوي: 7/ 121.
(3)
الروم: 11.
(4)
انظر 1 كتاب الإيمان، 1 باب الإيمان والإسلام والإحسان، ح 1. مَ: 1/ 36 - 38؛ انظر 34 كتاب السنة، 17 باب في القدر، 4695. دَ: 5/ 69 - 73؛ انظر 41 كتاب الإيمان، 4 باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان والإسلام، 2610. تَ: 5/ 6 - 7؛ انظر حديث أبي هريرة: 6 كتاب المواقيت، 6 باب آخر وقت الظهر. نَ: 1/ 249 - 251؛ =
وقد نبّه أئمة أصول الفقه على أنّه إذا ورد في القرآن كلام خاص ثم تلاه لفظ يشمل ذلك الخاص وغيره لمناسبة، أن ذلك اللفظ لا يختص ببعض مدلوله لأجل السياق (1).
وأما الفاء فالظاهر أنها فاء الفصيحة لا فاء التفريع. والفصيحة هي الفاء التي تؤذن بشرط مقدر إذا وقعت بعد كلام يقصد به إثبات أمر مطلوب للمتكلم بعد التمهيد له بذكر مقدماته ودلائله. فيقع ما بعد الفاء موقعَ النتيجة من القياس.
والتقدير في الآية: إذا علمت ما بينّاه للناس من دلائل
= انظر حديث عمر. المقدمة، 9 باب الإيمان، ح 63. جَه: 1/ 24، 25. وإلى جانب ما ورد في هذا الحديث اعتبار الفطرة صفة للعقيدة وللدين جميعاً. وهذا ما عناه المؤلف في تفسيره حين قال: وكون الإسلام هو الفطرة، وملازمة أحكامه لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه. أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية. وهذا ما أفاده قوله:{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} التوبة: 36، فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور وصالح لجميع الأمم. ولا يستتب ذلك إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون صالحاً للناس كافة، وللعصور عامة. وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحاً يُسْراً، لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة. التحرير والتنوير: 21/ 92.
(1)
قال الشيخ ابن عاشور: أصل المسألة هنا هو ورود العام على سبب ظاهر. وهو الذي اعتنى به الأصوليون. وذكروا في صورته أنه إذا اقترن العام في سياقه بخصوص فإن ذلك لا يقضي على عموم اللفظ بالتخصيص. وقال الآمدي: ولعل من هذا الباب قولهم: اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام، ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخصصاً للعام بجنس مدلول الخاص، ومخرجاً عنه ما سواه خلافاً لأبي ثور من أصحاب الشافعي. الآمدي. الأحكام، المسألة الثانية عشرة: 2/ 205.
الوحدانية وإبطال الشرك فأقم وجهك. أي توجَّه لدين الإسلام الذي هو الفطرة. فالتعريف في {الدِّينُ} تعريف العهد، وهو ما عهده الرسول صلى الله عليه وسلم مما أنزل عليه من العقائد والشريعة كلِّها. كما قال تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (1).
فالفطرة في هذه الآية مراد بها جملة الدين بعقائده وشرائعه. وبذلك فسر ابن عطية والزمخشري. قال ابن عطيّة: "والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة (الفطرة) أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدّة ومهيّئة لأن يميز بها [مصنوعات] الله تعالى ويستدلّ بها على ربّه ويعرف شرائعه [ويؤمن به] "(2). وقال الزمخشري في الكشاف: "والمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام"(3).
فبنا (4) أن نبيّن معنى كون الإسلام الفطرة إذ هو معنى لم أَرَ من أتقن الإفصاح عنه:
الفطرة: الخلقة، أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق ففطرة الإنسان هي ما فطر، أي خُلق عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي: جسداً وعقلاً. فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية، فمحاولة أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة. واستنتاج المسبّبات من أسبابها والنتائج من مقدّماتها فطرة عقليّة، فاستنتاج الشيء من غير سببه
(1) الشورى: 13.
(2)
ابن عطية. المحرر الوجيز: 12/ 258.
(3)
الزمخشري. الكشاف: 3/ 222.
(4)
تقدم معناها: 96/ 2.
المسمّى في علم الاستدلال بفساد الوضع خلاف الفطرة العقليّة (1). والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقليّة، فإنكار السفسطائية (2) ثبوت ذلك خلاف الفطرة العقليّة.
فوصف الإسلام بأنه الفطرة، معناه: أنه فطرة عقليّة لأنّ الإسلام عقائد وتشريعات، وكلّها أمور عقلية أو جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به.
وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتاب النجاة فقال:
(1) الأصل في الفطرة كما جاء في معاجم اللغة: الابتداء والاختراع {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فاطر: 1. وهي الجبلة القابلة لدين الحق. الفيروز آبادي. البصائر: 4/ 200 بمعنى الخلقة. أنشد ثعلب:
هوّن عليك فقد نال الغنى رجل
…
في فطرة الكلب لا بالدين والحسب
وأطلقت على ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به. وفرقوا بين الفطرة التي يفطر عليها المولود، وهي الخلقة التي يوجد عليها في بطن أمه:{الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} الزخرف: 27، {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} يس: 22، وبين الفطرة الثانية وهي فطرة الدين، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الكلمات التي يصير بها العبد مسلماً. يشهد لهذا حديث البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّم رجلاً أن يقول إذا نام كلمة الشهادتين، وقال:"فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة". وجعلوا من هذا قوله عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الروم: 30. فهذه فطرة فُطر عليها المؤمن. اللسان: مادة فطر؛ ابن القيم. شفاء العليل: 559.
وسيرد في كلام الشيخ ما يزيد الفطرة بياناً وإيضاحاً عند علماء الإسلام ورجال الحكمة.
(2)
فرقة من فلاسفة اليونان تنكر الحسيات والبديهيات وغيرها، وتلفّق لإبكات خصومها أقيسة مركبة من الوهميات.
"ومعنى الفطرة: أن يتوهّم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنّه لم يسمع رأياً ولم يعتقد مذهباً ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يَعرض على ذهنه شيئاً ويتشكّك فيه. فإن أمكنه الشكّ فالفطرةُ لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة. وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوّة التي تسمى عقلاً.
وأمّا فطرة الذهن بالجملة فربّما كانت كاذبة. وإنّما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات. فالفطرة الصادقة هي مقدّمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إما شهادةُ الكل مثل أن العدل جميل، وإما شهادةُ الأكثر، وإما شهادةُ العلماء أو الأفاضل منهم.
وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات ممّا يقع التصديق بها في الفطرة. فما كان من الذائعات ليس بأوَّلي عقلي ولا وَهْمي (1) فإنها غير فطرية، ولكنّها متقرّرة عند الأنفس، لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا. وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناعُ المضطرُّ إليهما الإنسان، أو شيءٌ من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستيناس، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقاً (2) صِرفاً فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذُ على الإطلاق" (3) اهـ كلامه.
(1) كذا فإن لم يكن تحريفاً فالظاهر أنه أراد بالوهمي الاعتباري لا ما تدركه القوة الواهمة. اهـ. تع ابن عاشور.
(2)
قوله: (لأن يكون حقاً) متعلق بشرط دقيق. اهـ. تع ابن عاشور.
(3)
ابن سينا. نقل بتصرف من النجاة: 96 - 98.
ولقد أبدع في الإفصاح عن معنى الفطرة والتنبيه على وجوب الحذر من اختلاطها بالمدركات الباطلة المتأصّلة في النفوس بسبب عوارض عرضت للبشر، مثل: العوائد الفاسدة المألوفة، ودعوة أهل الضلالات إليها. وفي كلامه ما ينبّه على أن المخاطبين بتمييز الفطرة عن غيرها هم العلماء والحكماء أهل العقول الراجحة، فلا يعوز هؤلاء تحقيق معنى الفطرة وتمييزها عما يلتبس بها من المدركات والوجدانات. على أنّه إن عسر على أحدهم تحقيق معنى فطري دقيق، أو شديدٍ التباسُ غيره به، وخاف هوى نفسه أن يخيّل له الأمر غير الفطري، فعليه حينئذ أن يعمِّق النظرَ طويلاً، وأن يعتبر بشهادة العلماء الأفاضل المشهود لأفكارهم بكثرة العصمة من الخطأ.
وقد استبان لك أن الفطرة النفسية للإنسان هي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة. فهي المراد من قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (1).
وهي صالحة لصدور الفضائل عنها كما شهد به قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (2). فلا شك أن المراد بالتقويم في الآية تقويم العقل الذي هو مصدر العقائد الحقة والأعمال الصالحة (3). وأن
(1) الروم: 30.
(2)
التين: 4 - 6.
(3)
اقتصر المؤلف هنا على أحد مدلولي التقويم الذي يقتضيه السياق. وفي تفسيره ذكرَ المعنيين. وعرف الأول - وهو المعنى العام - بقوله: التقويم جعل الشيء في قَوام، أي عدلاً وتسوية، وحُسن التقويم: أكملهُ وأنيقُه بنوع الإنسان، أي أحسن تقويم له. وهذا يقتضي أنه تقويم خاص =
المراد برده أسفل سافلين انتقال الناس إلى اكتساب الرذائل بالعقائد الباطلة والأعمال الذميمة. وليس المراد تقويم الصورة لأن صورة الناس لم تتغير إلى ما هو أسفل، ولأن الاستثناء بقوله:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} يمنع أن يكون المستثنى منه صوراً ظاهرة، إذ ليس للمؤمنين الصالحين اختصاص بصور جميلة. فالأصول الفطرية هي التي خلق الله عليها الإنسان المخلوق لعمران العالم، وهي إذن الصالحة لانتظام هذا العالم على أكمل وجه، وهي إذن ما يحتوي علمه الإسلام الذي أراده الله لإصلاح العالم بعد اخلاله.
ومعنى وصف الإسلام بأنه {فِطْرَتَ اللَّهِ} : أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة. فجاء بها الإسلام وحرَّض عليها، إذ هي من العادات الصالحة المتأصّلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر. فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تركت الفطرة وشأنها لما شهدت بها ولا بضدّها. فلما حصلت
= بالإنسان لا يشاركه فيه غيره من المخلوقات. ويتضح في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه مُوقعة له فيما يفسده، ولا يعوق بعض قواه البعض الآخر عن أداء وظيفته فإن غيَّره من جنسه كان دونه في التقويم. التحرير والتنوير: 30/ 424.
وهذا التفسير يجمع بين التقويم للجسد والتقويم للعقل. وقال آخر من المفسرين: إن عناية الله بأمر هذا المخلوق لتتجلّى في خلقه وتركبه على هذا النحو الفائق سواء في تكوينه الجسماني البالغ الدقة والتعقيد، أم في تكوينه العقلي الفريد، أم في تكوينه الروحي العجيب. وقد قفى الإمام الأكبر على تفصيله لهذه المعاني بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان من بين الأنواع. التحرير والتنوير: 30/ 424.
اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها.
مثال ذلك: الحياء والوقاحة، فإنّهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة. وقد كان بعض الحكماء معروفاً بالوقاحة والسلاطة، مثل: الحكيم ديوجينوس اليوناني (1).
ولكنا نجد الحياء محبوباً للناس فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم، فلذلك كان من شعار الإسلام. ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء (أي ينهاه عما تلبس به من الحياء)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دعه فإن الحياء من الإيمان"(2). فلم تسلم حكمة أصحاب الشدّة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (3).
ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيّلات، لأنها ليست مما فطر عليها العقل، ولكنها مما عرض
(1) الحكيم اليوناني، حوالي (413 - 327) قبل الميلاد. من أشهر تلاميذه أنتيستان، يحتقر الثروات، ويعارض كل القوانين الاجتماعية ويراها تجاوزات للحرية، كما يدعو إلى التخلص من المتع والاكتفاء بالأدنى من الحاجات. سأله الإسكندر الأكبر عن حاجته فقال له: أن تتنحى عن شمسي.
(2)
انظر 2 كتاب الإيمان، 16 باب الحياء من الإيمان. خَ: 1/ 11؛ كتاب الأدب المفرد، باب الحياء، ح 602. خَ: 235؛ انظر 1 كتاب الإيمان، 12 باب بيان عدد شعب الإيمان، ح 59. مَ: 1/ 63.
(3)
آل عمران: 159.
للفطرة عروضاً كثيراً حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات. وإنما كان عروضها للفطرة بسوء استعمال العقل وسوء فهم الأسباب. ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات، بل تجد سلطان هذين الأخيرين أشد بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهل العقول الراجحة في سلامة منهما.
ويتفرع لنا من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها أو اختلط بها. فالزواج والإرضاع من الفطرة وشواهده ظاهرة في الخلقة، والتعاوض وآداب المعاشرة من الفطرة لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، والحضارة الحق من الفطرة، لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة، لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها. والمخترعات من الفطرة لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولد عن الخلقة.
ونحن إذا أجدنا النظر في المقصد العام من التشريع - الذي سيأتي بحثه (1) - نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها. ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعدّ في الشرع محذوراً وممنوعاً، وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجباً، وما كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي أو مطلوب في الجملة، وما لا يمسّها مباح.
ثم إذا تعارضت مقتضيات الفطرة ولم يُمكن الجمع بينها في
(1) في هذا القسم من الكتاب: 194.
العمل يصار إلى ترجيح أَوْلاها وأَبقاها على استقامة الفطرة. فلذلك كان قتل النفس أعظم الذنوب بعد الشرك (1)، وكان الترهّب منهياً عنه (2)، وكان خصاء البشر من أعظم الجنايات (3)، ولم يجز الانتفاع بالإنسان
(1) كما في حديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور". انظر 1 كتاب الإيمان، 38 باب بيان الكبائر وأكبرها، ح 143. م: 1/ 91؛ وحديث أنس عنه "قال: الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور": 1 كتاب الإيمان، 38 باب بيان الكبائر وأكبرها، ح 144. مَ: 1/ 91. تقدم ذكر مثله عند البخاري: 170/ 2.
(2)
الترهب: التبتل. أخرجه الدارمي عن عائشة قالت: "نهى رسول الله عن التبتل"؛ وعن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب عثمان بن مظعون، وقد ترك النساء، قائلاً:"إني لم أومر بالرهبانية. أرغبت عن سنتي؟ " قال: لا يا رسول الله. قال: "إنّ مِن سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق. فمن رغب عن سنتي فليس مني. يا عثمان إن لأهلك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً". قال سعد: فوالله لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل. دَي: 11 كتاب النكاح، 3 باب النهي عن التبتل: 2/ 455، 456؛ وحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل. حَم: 3/ 158، 245؛ 5/ 17؛ 6/ 125، 157، 253.
(3)
فيه حديث سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه". انظر 45 كتاب القسامة، 11 باب القود من السيد للمولى. نَ: 8/ 20 - 21؛ وفيه حديث قيس عن عبد الله قال: "ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك". انظر 67 كتاب النكاح، 8 باب ما يكره من التبتل والخصاء، ح 3. خَ: 6/ 119. والنهي في الحديث نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم. وفيه من المفاسد تعذيب النفس، والتشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك، كما أن فيه إبطال معنى الرجولية وتغيير خلق الله وكفر النعمة. ابن حجر. الفتح: 9/ 119.
انتفاعاً يفيت عينه أو يعطلها كالتمثيل بالعبد (1)، بخلاف الانتفاع بالحيوان، وكان إتلاف الحيوان بغير أكله ممنوعاً (2).
ومن هنا تعلم أَنّ القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة، لأن شرط العادة التي يُقْضى بها أن لا تنافي الأحكام الشرعية. فهي تدخل تحت حكم الإباحة. وقد علمت أنها من الفطرة: إما لأنها لا تنافيها وحينئذ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإمّا لأن الفطرة تناسبها وهو ظاهر.
(1) وكانت عقوبة من فعل ذلك تحرير العبد الممثل به، إذ يعتق بالمثلة. انظر 2 كتاب الإيمان، 22 باب المعاصي من أمر الجاهلية. خَ: 1/ 13؛ 49 كتاب العتق، 15 باب العبيد إخوانكم. خَ: 3/ 123؛ انظر 21 كتاب الديات، 29 باب من مثل بعبده فهو حر، ح 2679، 2680. جَه: 2/ 894.
(2)
لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها سأله الله عز وجل عنها يوم القيامة". انظر كتاب الضحايا، 41 باب من قتل عصفوراً بغير حقها. نَ: 7/ 239؛ انظر 6 كتاب الأضاحي، 13 باب النهي عن مثلة الحيوان:"لعن رسول الله من مثّل بالحيوان" - أورد فيه دجاجة بدل عصفوراً -، ح 1979 - 1981. دَي: 2/ 408.