المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ط - مقاصد التصرفات المالية - مقاصد الشريعة الإسلامية - جـ ٣

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌القسم الأولفي إثبات مقاصد الشريعة واحتياج الفقيه إلى معرفتها، وطرق إثباتها ومراتبها

- ‌أ - إثبات أن للشريعة مقاصد من التشريع

- ‌ب - احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة

- ‌ج - طرق إثبات المقاصد الشرعية

- ‌د - طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها

- ‌هـ - أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية

- ‌و - انتصاب الشارع للتشريع

- ‌ز - مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية

- ‌ح - تعليل الأحكام الشرعية، وخُلو بعضها عن التعليل وهو المسمّى التعبّدي

- ‌القسم الثاني في مقاصد التشريع العامة

- ‌أ - مقاصد التشريع العامة

- ‌ب - الصفة الضابطة للمقاصد الشرعية

- ‌ج - ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة

- ‌د - السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها

- ‌هـ - المقصد العام من التشريع

- ‌و - بيان المصلحة والمفسدة

- ‌ز - طلب الشريعة للمصالح

- ‌ح - أنواع المصلحة المقصودة من التشريع

- ‌ط - عمومُ شريعة الإسلام

- ‌ي - المساواة

- ‌يا - ليست الشريعة بنكاية

- ‌يب - مقصد الشريعة من التشريع تغييرٌ وتقريرٌ

- ‌يج - نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال

- ‌يد - أحكام الشريعة قابلة للقياس باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية

- ‌يه - التحيّل على إظهار العمل في صورة مشروعة مع سلبه الحكمةَ المقصودة للشريعة

- ‌يو - سد الذرائع

- ‌يز - نوط التشريع بالضبط والتحديد

- ‌يح - نفوذ الشريعة

- ‌يط - الرخصة

- ‌يك - مراتب الوازع جبليةٌ ودينيةٌ وسلطانية

- ‌كا - مدى حريّة التصرّف عند الشريعة

- ‌كب - مقصد الشريعة تجنّبُها التفريع في وقت التشريع

- ‌كج - مقصد الشريعة من نظام الأمة أن تكون قوية، مرهوبة الجانب، مطمئنة البال

- ‌كد - واجب الاجتهاد

- ‌القسم الثالثفي مقاصد التشريع التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس

- ‌أ - المعاملات في توجُّه الأحكام التشريعية إليها مرتبتان: مقاصد ووسائل

- ‌ب - المقاصد والوسائل

- ‌ج - مقصد الشريعة تعيين أنواع الحقوق لأنواع مستحقّيها

- ‌د - مقاصد أحكام العائلة

- ‌هـ - آصرة النكاح

- ‌و - آصرة النسب والقرابة

- ‌ز - آصرة الصهر

- ‌ح - طرق انحلال هذه الأواصر الثلاث

- ‌ط - مقاصد التصرفات المالية

- ‌ي - الملك والتكسب

- ‌يا - الصحة والفساد

- ‌يب - مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان

- ‌يج - مقاصد أحكام التبرعات

- ‌يد - مقاصد أحكام القضاء والشهادة

- ‌يه - المقصد من العقوبات

- ‌ثَبت جملَة من المراجع

الفصل: ‌ط - مقاصد التصرفات المالية

‌ط - مقاصد التصرفات المالية

ما يُظَنُّ بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها إلَّا أن يكون لثروة الأمة في نظرها المكان السامي من الاعتبار والاهتمام. وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها، والمشيرة إلى أن به قِوامَ أعمالها وقضاءَ نوائبها، نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتُها يقينًا بأن للمال في نظر الشريعة حظاً لا يستهان به.

وما عَدُّ زكاة الأموال ثالثةً لقواعد الإِسلام وجعلُها شعارَ المسلمين، وجعلُ انتفائها شعارَ المشركين في نحو قوله تعالى:{يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (1)، ونحو قوله:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (2) * إلَّا تنبيه على ما للمال من القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً.

وقال الله تعالى في معرض الامتنان: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} (3).

(1) المائدة: 55؛ التوبة: 71؛ النمل: 3؛ لقمان: 4.

(2)

* [هاتان الآيتان من فصلت: 6، 7]. والآيات في هذا كثيرة مثل قوله تعالى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} المدثر: 43 - 44، وقوله:{فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} القيامة: 30. اهـ. تع ابن عاشور.

(3)

العنكبوت: 62.

ص: 452

وقال في معرض المواساة بالمال ثناءً وتحريضاً: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (1)، {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} (2)، وقال:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} (3)، وقال:{وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} (4)، وقال:{وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} (5)، وقال:{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} (6)، وقال:{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (7) أي: يسافرون في التجارة، وقال:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (8) أي تتّجروا في أشهر الحج، وقال:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (9).

ونبّه على ما في المال من قضاء نوائب الأمة فقال: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (10)، وقال:{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (11).

(1) البقرة: 3؛ الأنفال: 3؛ الحج: 35؛ السجدة: 16؛ الشورى: 38.

(2)

المنافقون: 10.

(3)

آل عمران: 14.

(4)

المدثر: 12.

(5)

الأحزاب: 27.

(6)

الفتح: 20.

(7)

المزمل: 20.

(8)

البقرة: 198.

(9)

الحشر: 8.

(10)

التوبة: 41.

(11)

البقرة: 195.

ص: 453

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة (1) *، ونعم عون الرجل الصالح هو ما أطعم منه الفقير" الحديث. وقال: "إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا. وأشار بيده إلى البذل"(2)، وقال:"ما يَنقِمُ ابن جميل إلَّا أنه كان فقيراً فأغناه الله"(3). وفي صحيح مسلم: أن أناساً من أصحاب

(1) * تشبيه المال بالخَضِرة مبني على تمثيل وقع في صدر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو ما روى أبو سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ ممّا أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها". فقال رجل: يا رسول الله أَوَ يأتي الخير بالشر؟ فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر. وإنّ ممّا ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر [فإنها] أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت ثم بالت [ثم رتعت] ، إن هذا المال

" اهـ. تع. ابن عاشور.

[وتمام حديث أبي سعيد الخدري: "إن هذا المال خضرة حلوة فنعم صاحبُ المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل"، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيداً عليه يوم القيامة". انظر 24 كتاب الزكاة، 47 باب الصدقة على اليتامى. خَ: 2/ 127 - 128. وبلفظ قريب من هذا انظر 23 كتاب الزكاة، 81 باب الصدقة على اليتيم. نَ: 5/ 90 - 91؛ وبنحو لفظهما انظر 12 كتاب الزكاة، 41 باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، ح 121، 123. وأقرب رواياته لما ذكره المؤلف ما جاء في آخره:"إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع". مَ: 1/ 727 - 729.

(2)

حديث أبي هريرة: حَم: 2/ 358، 391، 525؛ وحديث أبي ذر. حَم: 5/ 181.

(3)

حديث أبي هريرة. انظر 24 كتاب الزكاة، 49 باب قوله تعالى:{وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ح 2. خَ: 2/ 128 - 129؛ النسائي: 23 =

ص: 454

رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور (1) * يُصلُّون كما نصلّي ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم، قال:"أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة"

إلى أن قال: فرجع الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثل ما فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"(2).

وفي الحديث: "إن لله ملَكاً يدعو: اللهم أعط منفقاً خلفًا ومُمسكاً تلفاً"(3). فحرض على الإنفاق بوعد الخَلف للمال، وحذّر

= كتاب الزكاة، 15 باب إعطاء السيد المال بغير اختيار المصدق. نَ: 5/ 32 - 34.

(1)

* الدُّثور بضم الدال: الأموال الكثيرة، واحدها دَثْر بفتح فسكون. اهـ. تع ابن عاشور.

(2)

حديث أبي هريرة. انظر 10 كتاب الأذان، 155 باب الذكر بعد الصلاة، ح 3. خَ: 1/ 204 - 205؛ 80 كتاب الدعوات، 18 باب الدعاء بعد الصلاة، ح 1. خَ: 7/ 151؛ انظر 5 كتاب المساجد، 26 باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، ح 142 - 143. مَ: 1/ 416 - 417؛ وحديث أبي الأسود الديلي عن أبي ذر بألفاظ قريبة من الأول مع عدد أنواع الصدقات: 12 كتاب الزكاة، 16 باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، ح 53. مَ: 1/ 697 - 698؛ حَم: 5/ 167 - 168؛ حديث أبي هريرة عن أبي ذر انظر 2 كتاب الصلاة، 359 باب التسبيح بالحصى، ح 1504. دَ: 2/ 172؛ انظر 2 كتاب الصلاة، 90 باب التسبيح في دبر الصلاة، ح 1360. دَي: 1/ 253 - 254؛ حَم: 2/ 238؛ حديث بشر بن عاصم عن أبيه عن أبي ذر انظر 5 كتاب الإقامة، 32 باب ما يقال بعد التسليم، ح 927. جَه: 1/ 299.

(3)

هذا حديث أبي هريرة وهو بلفظ: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان =

ص: 455

من الإمساك بوعيد التلف. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك: "أمسك بعض مالك فهو خير لك"(1). وقال لسعد بن أبي وقاص: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس"(2) إلى غير ذلك من أدلة طافحة.

وإنما أَفَضْتُ في ذكر الأدلة لإزالة ما خامر نفوسَ كثير من أهل العلم من توهم أن المال ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاءً، وأنه غير لاق من معاملتها إلا رفضاً.

لكن الجانب الروحاني من الشريعة المنبّه على جعل انصراف الهمّة إلى الفضائل النفسانيّة والكمالات الخُلقيّة في الدرجة الأولى. والداعي الشيطاني العارض غالباً للمستدرجين من أهل الثروة والمال بوضع ذلك في أساليب كفران نعمة الرزّاق دون وضعها في مواضع

= ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أْعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً". انظر 24 كتاب الزكاة، 27 باب قول الله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} . خَ: 2/ 120؛ انظر 12 كتاب الزكاة، 17 باب في المنفق والممسك، ح 57. مَ: 1/ 700.

(1)

انظر 24 كتاب الزكاة، 18 باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ح 1. خ: 2/ 117؛ 55 كتاب الوصايا، 16 باب إذا تصدق أو أوقف بعض ماله

فهو جائز. خَ: 3/ 192؛ 65 كتاب تفسير القرآن، سورة التوبة، 17 باب قوله تعالى:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} . خَ: 5/ 208؛ 83 كتاب الأيمان، 24 باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة. خَ: 7/ 231 - 232؛ انظر 48 كتاب تفسير القرآن، 10 باب ومن سورة التوبة، ح 3102. تَ: 5/ 281 - 283؛ انظر 35 كتاب الأيمان والنذور، 36 باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي. نَ: 7/ 21؛ 17 باب إذا أهدى ماله على وجه النذر. نَ: 7/ 22.

(2)

تقدم تخريج الحديث: 136/ 3.

ص: 456

شكره، قد صرَفا أقوال الشريعة عن الصراحة في الحث على اكتساب المال، وفي بيان محاسن اكتسابه لِمَن أقام نفسه في مقام السعي والكد، لكيلا ينضم حثُّها إلى ما في داعية النفوس من الحرص على المال.

تلك الداعية التي أشار إليها قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (1)، وقوله:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية (2) حذاراً من أن يحصل من اجتماع الداعيتين تكالب الأمة على اكتساب المال والافتتان به، مُعرضين عما خلا ذلك من أسباب الكمال. قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (3) وقال: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} (4).

وفي الحديث الصحيح: "أخاف عليكم أن تنافسوا فيها كما تنافس الذين من قبلكم فتُهْلِكَكُم كما أهلكتهم"(5) فشبه التنافسَ

(1) الفجر: 20.

(2)

آل عمران: 14.

(3)

التغابن: 15.

(4)

سبأ: 37.

(5)

هذا حديث عمرو بن عوف الأنصاري. وقد ورد بروايتين الأولى: "تهلككم كما أهلكتهم"، والثانية:"وتلهيكم كما ألهتهم"، والأولى أشهر. ونصه عند البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: "أبشروا وأملوا. فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم": 58 كتاب الجزية، 1 باب الجزية والموادعة، ح 2. خَ: 5/ 18؛ 81 كتاب الرقاق، 7 باب ما يحذر من زهرة الحياة الدنيا والتنافس فيها. خَ: 7/ 172 - 173؛ انظر 38 كتاب صفة القيامة، باب 28، =

ص: 457

المحذور بتنافس الذين من قبلنا، وهو التنافس الذي تتمحض له الأمة فتنصرف عن التنافس في الفضائل والأخلاق الحميدة. وربما دحضت كثيراً من صفات الكمال سعياً وراء جلب المال.

لذلك اقتنعت الشريعةُ في هذا الشأن بأن لم تنهَ الناسَ عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، وبأن بيَّنت ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد رغبةً ورهبة، وبأن لم تغبن أصحاب الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن هم أنفقوها في مصارفها النافعة. قال الله تعالى:{فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (1)، وقال:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (2). وفي الحديث: "ما زُكّي فليس بِكَنْز أو ما أُدِيَ زكاتُه فليس بكنز"(3). وقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (4).

وقد أجمع الصحابة في عهد عثمان بن عفان على مخالفة أبي ذر

= ح 2462. تَ: 4/ 640؛ انظر 36 كتاب الفتن، 18 باب فتنة المال، ح 3997. جَه: 2/ 1324 - 1325؛ حَم: 4/ 137، 327.

(1)

البقرة: 200، 201.

(2)

التوبة: 34.

(3)

انظر 24 كتاب الزكاة، 4 باب ما أدى زكاته فليس بكنز، ترجمة الباب خَ: 2/ 111؛ انظر 8 كتاب الزكاة، 3 باب ما أدى زكاته فليس بكنز، بألفاظ مختلفة في أحاديث الباب. جَه: 1/ 569 - 570.

(4)

آل عمران: 92.

ص: 458

في دعوته الناس إلى الانكفاف عن جمع المال، وإنبائه إياهم بأن ما جمعوه يكون وبالاً عليهم في الآخرة، إذ كان يجهر بذلك في دمشق ويقول:"بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم"(1)، ويقرأ قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} (2) الآية. فقال له معاوية بن أبي سفيان أمير الشام: ذلك نازل في أهل الكتاب لا فينا، وما أدّي زكاته فليس بكنز. فيأبى أبو ذر أن ينكفّ عن مقالته حتى شكاه معاوية إلى عثمان، فكتب إليه عثمان أن يرجع إلى المدينة، ثم تكاثر الناس عليه فاختار العزلة في الرَّبَذَة (3) *.

هذا وقد تقرر عند علمائنا أن حفظَ الأموال من قواعد كليات الشريعة الراجعة إلى قسم الضروري. ويُؤخذُ من كلامهم أن نظام نماء الأموال وطرق دورانها هو معظم مسائل الحاجيات كالبيع

(1) أورد مسلم حديثاً قريباً منه، نسبه إلى أبي ذر قال:"بشر الكانزين بكيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكَيِّ من قبل أقفائهم يخرج من جباههم": 12 كتاب الزكاة، 10 باب في الكَنازين للأموال والتغليظ عليهم، ح 35. مَ: 1/ 690.

(2)

التوبة: 34.

(3)

* الرَّبَذة - بفتح الراء والباء -: قرية شرقي المدينة تبعد عن المدينة مسيرة ثلاث مراحل، خربت سنة 319 هـ بالقرامطة. اهـ. تع ابن عاشور.

[قرية من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز، إذا رحلت من فيد تريد مكة، وبها قبر أبي ذر الغفاري

وقال الأصمعي: والشرف كبد نجد، وفي الشرف الرَّبَذة وهي الحمى الأيمن، بينها وبين السليلة 23 ميلاً. الفيروزآبادي. الغنائم المطابة في معالم طابة: 151].

ص: 459

والإجارة والسَّلَم. وقد ألمعنا إلى قاعدة حفظ الأموال ونمائها في مبحث أنواع المصلحة المقصودة من التشريع (1)، وأما تفصيل ذلك فموضعه مبحثنا هذا.

وقد أشرت في المبحث المتقدم [إلى] أن المقصد الأهم هو حفظ مال الأمة وتوفيره لها، وأن مال الأمة كان كُلًّا مجموعياً فحصول حفظه يكون بضبط أساليب إدارة عمومه، وبضبط أساليب حفظ أموال الأفراد وأساليب إدارتها. فإن حفظ المجموع يتوقّف على حفظ جزئياته، وإن معظم قواعد التشريع المالي متعلقة بحفظ أموال الأفراد وآئلة إلى حفظ مال الأمة، لأن منفعة المال الخاص عائدة إلى المنفعة العامة لثروة الأمة.

فالأموال المداولة بأيدي الأفراد تعود منافعُها على أصحابها وعلى الأمة كلَّها، لعدم انحصار الفوائد المنجرَّة إلى المنتفعين بدوالها. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (2). فالخطاب للأمة أو لولاة الأمور منها. وأضاف الأموالَ إلى ضمير غير مالكيها لأن مالكيها هنا هم السفهاء المنهي عن إيتائهم إياها. وقوله: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} يزيد الضميرَ وضوحاً ويزيد الغرضَ تبياناً، إذ وَصَفَ الأموال بأنها مجعولة قيامًا لأمور الأمة (3) *.

(1) انظر أعلاه: 230.

(2)

النساء: 5.

(3)

* قرئ "قَيْماً"[قرأ به نافع وابن عامر] وقرئ قياماً [عند الجمهور] ، وهي بمعنى واحد، لأن قَيْماً بوزن عَوْذ [بمعنى عياذ. وهو من الواوي وقياسه قوم إلا أنه أعلّ بالياء شُذُوذاً كما شذَّ جياد في جمع جواد، هو اسم لما يقام به الأمر، و (قياماً) مصدر بمعنى ذلك، وقواماً كذلك وهو ما يتقوم به =

ص: 460

فالمال الذي يدال بين الأمة ينظر إليه على وجه الجملة وعلى وجه التفصيل. فهو على وجه الجملة حقٌّ للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير. فمن شأن الشريعة أن تضبط نظام إدارته بأسلوب يحفظه مُوزَّعاً بين الأمة بقدر المستطاع، وتعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه بقطع النظر عن كون المنتفع به مباشرة أفراداً خاصة أو طوائف أو جماعات صغرى أو كبرى. ويُنظر إليه على وجه التفصيل باعتبار كل جزء منه حقاً راجعاً لمكتسبه ومعالجه من أفراد أو طوائف أو جماعات معيّنة أو غير معيّنة، أو حقّاً لمن ينتقل إليه من مكتسبه. وهو بهذا النظر ينقسم إلى مال خاص بآحاد وجماعات معيّنة، وإلى مال مرصود لإقامة مصالح طوائف من الأمة غير معيّنين.

فالأول من هذا النظر هو الأموال الخاصة المضافة إلى أصحابها. والثاني هو المسمّى في اصطلاح الشريعة بمال المسلمين أو مال بيت المال بمختلف موارده ومصارفه. وقد كان أصلُه موجوداً في زمن النبوءة، مثل: أموال الزكاة، ومثل: أذواد الإبل المعدودة لحمل المجاهدين، واللامة المرصودة للبس المجاهدين. وفي الحديث:"إن خالداً قد احتبس أدرعه وأعْتُدَه في سبيل الله"(1). وكذلك ما جعل لنفع المسلمين. وفي الحديث: "من

= السابق لشيء. اهـ. تسع ابن عاشور.

[انظر التحرير والتنوير: 4/ 235 - 236].

(1)

انظر 56 كتاب الجهاد والسير، 89 باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم: أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله. خَ: 3/ 230؛ 24 كتاب وجوب الزكاة، 49. خَ: 2/ 128؛ انظر 12 كتاب الزكاة ولفظه: "قد احتبس أدراعه وأعتاده"، 3 باب في تقديم الزكاة ومنعها، ح 11. مَ: 1/ 676؛ انظر 3 كتاب الزكاة، 21 باب تعجيل الزكاة، ح 1623. دَ: 2/ 273؛ وبنفس =

ص: 461

يشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين" (1)، فاشتراها عثمان وجعلها للمسلمين.

ولقصد تحصيل الاستبصار في هذا الغرض الجليل، ولندرة خوض علماء التشريع فيه خوضاً يقسّمه ويبيّنه، رأيت حقيقًا عليّ أن أشبع القول فيه وفي أساسه.

إن مال الأمة هو ثروتها، والثروة هي ما ينتفع به الناس آحاداً أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضارّ، في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي، انتفاع مباشرةٍ أو وَسَاطة.

فقولنا: في مختلف الأحوال والأزمنة والدواعي إشارة إلى أن الكسب لا يعد ثروة إلَّا إذا صلح للانتفاع مددًا طويلة، ليخرج الانتفاع بالأزهار والفواكه. فإنها لا تعتبر ثروة ولكن التجارة فيها تعد من لواحق الثروة.

وقولنا: مباشرة أو وساطة، لأن الانتفاع يكون باستعمال عين المال في حاجة صاحبه، ويكون بمبادلته لأخذ عوضه المحتاج إليه من يد آخر.

= اللفظ انظر 23 كتاب الزكاة، 15 باب إعطاء السيد المال بغير اختيار المصدق. نَ: 5/ 32؛ حَم: ولفظه لفظ البخاري: 2/ 322.

(1)

انظر 42 كتاب المساقاة، 1 باب في الشرب من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة، ح 1. خَ: 3/ 74 - 75؛ 55 كتاب الوصايا، 33 باب إذا وقف أرضاً أو بئراً، وهو في حفر بئر رومة ولفظه مختلف. خَ: 3/ 197؛ وبلفظ قريب منه انظر 46 كتاب المناقب، 18 باب في مناقب عثمان رضي الله عنه، ح 3699. تَ: 5/ 625؛ انظر 29 كتاب الأحباس، 4 باب وقف المساجد، ح 3604. نَ: 6/ 233 - 234؛ وبلفظ غيره حَم: 1/ 75.

ص: 462

وتتقوّم هذه الصفة للمال باجتماع خمسة أمور:

- أن يكون ممكناً ادخاره.

- وأن يكون مرغوباً في تحصيله.

- وأن يكون قابلاً للتداول.

- وأن يكون محدود المقدار.

- وأن يكون مكتسباً.

فأما إمكان الادخار فلأن الشيء النافع الذي يُسرِعُ إليه الفساد لا يجده صاحبه عند دعاء الحاجة إليه في غالب الأوقات، بل يكون مرغماً على إسراع الانتفاع به ولو لم تكن به حاجة.

وأما كونُه مرغوباً في تحصيله فذلك فرعٌ عن كثرة النفع به. فالأنعام والحب والشجر في القرى ثروة، والذهب والفضة والجواهر ونفائس الآثار في الأمصار ثروة، والأنعام وأوبارها وأصوافها وأحواض المياه والمراعي وآلات الصيد في البوادي ثروة (1) *.

(1) * من هنا تعلم اختلاف العرب في إطلاق اسم المال، فأهل الإبل يسمونها مالاً، قال زهير:

صحيحات مال طالعات بمخرم

وفي حديث عمر في الموطأ: "لولا المال الذي أحمل [عليه] في سبيل الله [ما حميت عليهم من بلادهم شبراً". انظر: 60 كتاب دعوة المظلوم، 1 باب ما يتقى من دعوة المظلوم، ح 1. طَ: 2/ 1003]. وأهل النخيل يسمون النخيل مالاً كما في الحديث. كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء. وقال رسول الله له:"بخ ذلك مال رابح بخ ذلك مال رابحِ". [انظر 58 كتاب الصدقة، 1 باب الترغيب في الصدقة، ح 2. ط: 2/ 995 - 996]. وأهل الذهب والفضة =

ص: 463

وأما قبول التداول، أي التعاوض به فذلك فرعٌ عن كثرة الرغبة في تحصيله. وهذا التداول يكون بالفعل، أي بنقل ذات الشيء من حوز أحد إلى حوز آخر، ويكون بالاعتبار، مثل عقود الذمم كالسَّلَم والحوالة وبيع البرنامج ومصارفة أوراق المصارف، أي: البنوك (1) *.

وأما كونه محدودَ المقدار فلأن الأشياءَ التي لا تنحصر مقاديرها لا يقصد الاختصاص بمقادير منها، فلا تُدَّخر، فلا تُعدّ ثروة. وذلك مثل البحار والرمال والأنهار والغابات. على أن مثل الأخيرين قد يُعدّ وسيلة ثروة باعتبار ما يحصل بهما من خصب وتشغيل. ولم يقع الاصطلاح على عدّ البحار ثروةً وإن كانت قد تسهل مواقعها لبعض الأقطار السفر فيها دون بعض آخر (2). وأما

= يسمونهما مالاً، قال تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} النساء: 24، مع قوله:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} النساء: 20. اهـ. تع ابن عاشور. [راجع نزيه حماد، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء: 237].

(1)

* البنوك، جمع بنك: كلمة فرنسية مأخوذة من كلمة بانكو في اللغة اللاتينية، ومعناها محل جلوس للكتابة أو مجلس مطلقاً، ثم أطلقت على المقعد الذي يتخذه الصيرفي لصرف النقود. ثم توسعوا فيه فصار بمعنى الدار التي يشتغل فيها جماعة من الصيارفة للصرف، وتحويل الحوالات التجارية والسفاتج. اهـ. تع ابن عاشور. [والبديل عنها عربية: مَصْرِف].

(2)

ليس جانب النفع مقصوراً على ما ذكره الإِمام هنا. فإن الشيخ قد جعل ذلك من رأس المال عندما تحدث عن الأرض وذكره في تفسير آيات كثيرة وذلك بقوله: ما يصل إليه عمل الإنسان في الكرة الأرضية بما فيها من بحار وأودية ومنابع مياه وغيرها فيصبح كلام الشيخ متجاوزاً ذلك النفع إلى أنواع أخرى من الثروة المائية المادية ألمح إليها القرآن في غير ما آية النحل: 14، فاطر: 12، الرحمن: 19 - 25. فهذه الآيات وإن يتصف في أكثرها للتنويه بعظمة الخالق وما أودعه في الكائنات من أسرار وأقامه =

ص: 464

المعادن فقد اعتبرت ثروة وإن كانت غير محدودة المقادير إلا أن المستخرج منها يكون محدود المقدار لما يستدعيه استخراجه من النفقات الجمة.

وأما كونه مكتسباً فأن يحصل لصاحبه، أو لمن خلفه بسعيه بأن لا يحصل له عفواً، لأن الشيء الذي يحصل عفواً لا يكون عظيم النفع كالحشيش واحتطاب الغابات وأسراب بقر الوحش وحمره بقرب منازل قبائل البادية.

واعلم أن من جهات توازن الأمم في السلطان على هذا العالم جهةَ الثروة، فبنسبة ثروة الأمة إلى ثروة معاصريها من الأمم تُعَدُّ الأمة في درجة مناسبة لتلك النسبة في قوتها، وحفظ كيانها، وتسديد مآربها وغناها عن الضراعة إلى غيرها.

= من دلائل التوحيد، ذكرت الثروة المائية والحيوانية المتمثلة في الأسماك وفي أنواع الحليّ من اللؤلؤ والمرجان، وفي جعله سبحانه البحار والأنهار مراكب تمخر عبابها الفلكُ وتجري بها الأساطيل التجارية والحربية وتقام على ثغورها مراكز النجدة ومنطلق الحركات الجهادية، والمواني الكبرى التجارية التي تربط بين أصقاع العالم في الشرق وفي الغرب، عدا ما أودعه الله سبحانه أعماق البحار من موارد نفطية وطاقات غازية أصبحت اليوم مصدر ثروة وقوة وتقدم وتطور في كل المجالات وبخاصة التقنية والاقتصادية.

ص: 465