الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هـ - آصرة النكاح
لما أراد مبدع الكون بقاء أنواع المخلوقات جعل من نظام كونها ناموس التولد. وجعل من ذلك الناموس داعية جبلية تدفع أفراد النوع إلى تحصيله بدائع من أنفسها غير محتاج إلى حدوٍ إليه أو إكراه عليه، ليكون تحصيل ذلك الناموس مضموناً، وإن اختلفت الأزمان والأحوال. وتلك الداعية هي داعية ميل ذكور النوع إلى إناثه.
وقد ميّز الله تعالى نوع الإنسان بالاهتداء إلى الفضائل والكرامات واستخلاصها من بين سائر ما يحفُّ بها من شريف الخصال ورذيل الفعال. وجعل له العقل الذي يعتبر الأعمالَ باعتبار غاياتها ومقارناتها، وأخذه منها لبابها كيفما اتفق. فبينما كان قضاء شهوة الذكور مع الإناث اندفاعاً طبيعياً محضاً لم يلبث الإنسان منذ النشأة الموفقة أن اعتبر ببواعثه وغاياته ومقارنتها، فرأى في مجموع ذلك حباً ووداً ولطفاً ورحمة وتعاوناً وتناسلاً واتحاداً وإقامةً لنظام العائلة ثم لنظام القبيلة ثم الأمة. وفي خلال تلك المعاني كلها معان كثيرة من الخير والصلاح والعلم والحضارة. فألهم إلى أن تلك الداعية ليست هي بالنسبة إلى نوعه كحالها بالنسبة إلى بقية أنواع الحيوان الذي لا يفقه منها غير اندفاع الشهوة. وعَلِم أن مراد خالقه من إبداعها في نوعه مراد أعلى وأسمى من المراد في إيداعها في الأنواع الأخرى. فأخذ الإنسانُ بإرشاد هداته وإعانة امتثاله يكسو هاته الداعية إهاباً غير الإهاب الذي برزت فيه بادئ بدء الخلقة. فإن
المحامد والغايات السامية التي أثمرتها هذه الداعية صيرت جذرها الأول شيئاً ضئيلاً في جنب ما حبي به من عظيم الكمالات. فأصبح بحق مشرَّفاً بشرف آثاره ونتائجه.
وقد أشار إلى هذا التطور قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (1).
فاعتبر قوله: {مِنْهَا} وقوله: {لِيَسْكُنَ} وقوله: {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} وقوله: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} وقوله: {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} ، فإن ذلك كله مظاهر اهتداء إلى ما في تلك الحالة من الفضائل والعواقب الصالحة.
كما تكون تلك الداعية الشهوانيّة أمراً ذميماً إذا حفّت بها آثار قبيحة سيئة مثل مفاسد الزنا والبغاء والوأد والاستهتار والتهتك. وتلك المذمات قد كانت مغضوضاً عن قبحها في الجاهلية كما في بعض العوائد السخيفة. أخرج البخاري في صحيحه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها: "أنها أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء:
فنكاح منها هو نكاح الناس اليوم يخطبُ الرجل إلى الرجل وَلِيَّتَه أو ابنته فَيُصْدِقها ثم يَنكِحها.
ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهُرت من طَمْثِها: "أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه"، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه. فإذا تبيَّن حملُها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد. فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.
(1) الأعراف: 189.
ونكاح آخر يجتمع الرهطُ ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلُّهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فَيُلْحَقُ به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا، وكُنَّ ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن. فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها اجتمعوا لها، ودعوا لهم القافّة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون. فالتاطَ به ودُعي ابنُه ولا يمتنِع من ذلك. فلما بعث سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم" (1) اهـ.
وقد اقتصرت في حديثها على ما هو متعارفُ جَهْرٍ بينهم. ولم تذكر السفاح والمخادنة المشار إليهما بقوله تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (2) مقتصراً القرآن على هذين، لأن تلك التي في حديث عائشة كانت مباحة في الجاهلية فأبطلت. فأما ما يقع سرّاً وهو السفاح والمخادنة (3) * فلم يكن مباحاً في الجاهلية، إذ كان أولياء النساء والبنات لا يقرّون ذلك. قال امرؤ القيس:
تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشرًا
…
عَليَّ حراصاً لو يشرُّون مقتلي (4)
(1) تقدم ذكر هذا الحديث وتخريجه: 303/ 2.
(2)
النساء: 24.
(3)
* السفاح: الزنا بدون التزام ولا مداومة. والمخادنة: زناء مع التزام ومداومة. اهـ. تع ابن عاشور.
(4)
البيت الثالث والعشرون من المعلقة، وفيه روايتان:"يسرون" و"يشرون". التبريزي: 37.
وقال عبد بني الحسحاس:
وهن بنات القوم إن يشعروا بنا
…
تكن في بنات القوم إحدى الدهارس (1)
في: تعليلية، والدهارس: المصائب. وكانت عندهم علاقة أخرى تقرب من السر وهو الضماد (2) *. وعند غير العرب من الأمم كيفيات أخرى عديدة.
فكان اعتناء الشريعة بأمر النكاح من أسمى مقاصدها، لأن النكاح جِذم نظام العائلة. وأن مقصدها منه قصرُ الأمة على هذا الصنف من الزواج دون ما عداه مما حكي في حديث عائشة.
وحقيقته، هو اختصاص الرجل بامرأة أو نساء هُن قرارات نسله حتى يثق من جراء ذلك الاختصاص بثبوت انتساب نسلها إليه. فإن هذا الاختصاص حفّت به أشياء منذ القدم كانت وازعة للمرأة عن الوقوع فيما يفضي إلى اختلاط النسب. تلك الوازعة هي حصانة
(1) هو أبو عبد الله سحيم بن وثيل. زنجي حبشي أسود فصيح. كان يشبب بالنساء ومن بينهن أخت مولاه، وبنت سيده. وهذا البيت ثان من قصيدة له من الطويل طالعها:
كأن الصبيريات يوم لقيننا
…
ظباء حنت أعناقها للمكانس
فكم قد شققنا من رداء منيَّر
…
ومن برقع عن ناظر غير ناعس
الكتبي. الفوات: 1/ 238، ع 134؛ الأصبهاني. الأغاني: 22/ 326 - 338؛ البغدادي. الخزانة: 2/ 102 - 106؛ شرح أبيات المغني: 2/ 340 - 342.
(2)
* الضَّماد - بكسر الضاد المعجمة، ويقال: الضَّمْد بفتح الضاد وسكون الميم - هو أن تتخذ المرأة ذات الزوج خليلاً في وقت شدّة القحط لينفق عليها حين تقلّ نفقة زوجها، وفي الغالب يكون ذلك بغض نظر من زوجها أو خفية منه. اهـ. تع ابن عاشور.
المرأة في نفسها بحسب نشأتها وتربيتها ودينها. وحصانة مقرها بحسب صيانة زوجها إياها، وذب جيرتها عنها، لأنهم أمثال لحال زوجها. ولذلك لم تر الشريعة نقض ما انعقد من عقود هذا النكاح في الجاهلية لأنه كان جارياً على تلك الأحوال الكاملة.
وليس من مقصد الإِسلام فيه لزوم أن يقصد المتعاقدان من عقدهما أنهما يجريان فيه على امتثال الوصايا الشرعية المعبر عنه بالنية، إذ ليس للنيّة مدخل في تقوية تلك الاعتبارات الناشئة على الشعور الغالب بالرُّجلة والمروءة.
بَيْدَ أن الشريعة زادت عقدة النكاح تشريفاً وتنويهاً لم يكونا ملحوظين قبلها، إذ اعتبرتها أساساً لهذه الفضائل، ليزيدها المقصد الديني تفضيلاً وحرمة في نفوس الأزواج وفي نظر الناس، بحيث لم يبق معدوداً في عداد الشهوات. وقد نبّه الأمة لذلك قول الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (1).
وقد ظهر من جميع ما تقدّم أنّ صورة التعاقد في تكوين صلة النكاح على الوجه الأكمل صورة عرضت له من الحرص في تحقق معنى رضى المرأة وأهلها بذلك الاجتماع، وفي تحقق حسن قصد الرجل معها من دوام المعاشرة وإخلاص المحبة، وإلَّا فقد كان الزواج يحصل في أول تاريخ المدنية بمجرد الانسياق بين الرجل والمرأة والمراودة والمرضاة من كليهما حتى يطمئن كل إلى الآخر، ويستقر أمرهما على الوفاق والإلف وبناء العائلة والنسل.
(1) الروم: 21.
وقد استقريت ما يستخلص منه مقصد الشريعة في أحكام النكاح الأساسية والتفريعية فوجدته يرجع إلى أصلين:
الأصل الأول: اتضاح مخالفة صورة عقدهِ لبقية صور ما يتفق في اقتران الرجل بالمرأة.
الأصل الثاني: أن لا يكون مدخولاً فيه على التوقيت والتأجيل.
فأما الأصل الأول فقد اتضح لك أمره مما قدمناه آنفاً، وقد راعت الشريعةُ فيه تلك الصور المشروحة في حديث عائشة رضي الله عنها التي قِوامُها التفرقة بين النكاح وبين غيره من المقارنة المذمومة المعرَّضة للشك في النسب. وقوامُ ذلك يحصل بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يتولّى عقدَ المرأة وليٌّ لها خاصٌّ إن كان أو عامٌّ، ليظهر أن المرأة لم تتولَّ الركون إلى الرجل وحدها دون علم ذويها، لأن ذلك أول الفروق بين النكاح وبين الزنا والمخادنة والبغاء والاستبضاع. فإنها لا يرضى بها الأولياء في عرف الناس الغالب عليهم، ولأن تولّي الوليّ عقد مولاته يهيئه إلى أن يكون عوناً على حراسة حالها وحصانتها، وأن تكون عشيرتُه وأنصارُه وغاشيتُه وجيرتُه عوناً له في الذبّ عن ذلك [وهذا متفق عليه في الجملة بين فقهاء الأمصار فيما به الفتوى](1).
واشتراط الولي في عقد النكاح هو قول جمهور فقهاء الأمصار. وقال أبو حنيفة: هو شرط في نكاح الصغير والمجنون والرقيق (2). والوليّ العام القاضي إن لم يكن للمرأة وليّ من العصبة.
(1) الإضافة مضروب عليها في نسخة المؤلف المصححة من ط (1). انظر الاستقامة: 169.
(2)
دون الحرة البالغة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً، لأن النكاح ينعقد برضاها، ولأن لها التصرف في خالص حقها، وهي من أهله. ولهذا كان لها التصرف =
الأمر الثاني: أن يكون ذلك بمهر يبذله الزوج للزوجة. فإن المهر شعار النكاح لأنه أثر من المعاملات القديمة عند البشر التي كان النكاح فيها شبيهاً بالملك. وكانت الزوجة شبيهة بالرقيق. فليس المهر في الإِسلام عوضاً عن البضع كما يجري على ألسنة الفقهاء على معنى التقريب، إذ لو كان عوضاً لروعي فيه مقدار المنفعة المعوض عنها، ولوجب (1) تجدد مقدار من المال كلّما تحقق أن المقدار المبذول قد استغرقته المنافع الحاصلة للرجل في مدة من مدد بقاء الزوجة في عصمته، مثل عوض الإجارة، ولو كان ثمنَ المرأة لوجب إرجاعُها إياه للزوج عند الطلاق.
كيف وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} (2) الآية. فهو عطية محضة، ولكن المهر شعار من شعار النكاح وفارق بينه وبين الزنا والمخادنة. ولذلك سماه الله تعالى نحلة. فقال:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (3). فأما تسميته أجراً في قوله: {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (4) فمؤول (5). ومن أجل هذا حرم نكاح الشغار لخلوّه من المهر. وقد اصطبغ النكاح في صورته الشرعية بصبغة العقود من أجل الإيجاب
= في المال. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينعقد إلا بولي. وقال الأسبيجابي: وعن أبي يوسف أنه رجع إلى قول أبي حنيفة وهو الصحيح. وصرح في الهداية بأنه ظاهر الرواية. ثم قال: ويروى رجوع محمَّد إلى قولهما. واختاره المحبوبي والنسفي. الميداني. اللباب في شرح الكتاب: 3/ 8.
(1)
ورد بلفظ: ولوجوب بالأصل والتغيير من ط. الاستقامة: 169.
(2)
النساء: 20.
(3)
النساء: 4.
(4)
المائدة: 5.
(5)
انظر التحرير والتنوير: 6/ 124.
والقبول، وصورة المهر. وما هو إلَّا اصطباغ عارض. ولذلك قال علماؤنا:"النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة"(1).
ولست أريد بهذا أن الشريعة لم تلتفت إلى ما في الصداق من المنفعة الراجعة إلى الزوجة، ولكني أردت أن ذلك ليس هو المعنى الأول في نظر الشريعة، وإلَّا فأنا أعلم أن محاسن المرأة ومحامدها نعمة منَّ الله بها عليها، وخوّلها حقّ الانتفاع بها من أجل رغبات الرجال في استصفائها. فللمرأة حقّ في أن يكون صداقُها مناسباً لنفاستها، لأن جمال المرأة وخلقها من وسائل رزقها. ولذلك لم يكن للوصي والسلطان تزويج اليتيمة بأقل من صداق مثلها.
قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} (2).
فمعنى ترتّب هذا الجواب على هذا الشرط هو ما ورد عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن ذلك فقالت: "هي اليتيمة تكون في حجر وليّها [تشركه في ماله] فيعجبه مالها وجمالها، فيريد [وليّها] أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فَنُهُوا [عن] أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن
(1) المكايسة، من كايسته فَكسْته: غلبته. الصحاح واللسان: كيس. وقد ورد هذا اللفظ فصلاً في تعريف ابن عرفة للبيع حين قال: هو عقد معاوضة على غير منافع ولا مُتعة لذةٍ، ذو مكايسة أحدُ عوضيه غيرُ ذهب ولا فضة، مُعَيَّن غيرُ العَينِ فيه، وبقَوله ذو مكايسة أخرج هَبة الثواب
…
الرصاع: 1/ 326. والمقصود من المكايسة هنا المعنى اللغوي، وهو أن لكل واحد من طرفي العقد أن يدبّر ويحرّك فطنته للظفر بما هو الأفضل له في المعاملة. وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى: 443/ 1.
(2)
النساء: 3.
من الصداق. فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. [قال عروة: و] قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} (1). والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب هو الآية الأولى التي قال فيها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} (2) الآية. فقوله في الآية الأخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} (3) يعني رغبة أحدهم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. [قالت عائشة:] فَنُهُوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها [من يتامى النساء] إلَّا بالقسط من أجل أنهم يرغبون عن نكاح اليتامى من اللاتي يكن قليلات المال والجمال" (4) اهـ.
فعلمنا أن انتفاع المرأة بالصداق وبمواهبها التي تسوق إليها المال شيء غير ملغى في نظر الشريعة، لأنه لو أُلغيَ لكان إلغاؤه إضراراً بالمرأة. ولذلك قال الله في شأنه:{أَلَّا تُقْسِطُوا} أي أن لا تعدلوا. فسماه بما يساوي الجور.
الأمر الثالث: الشهرة، لأن الإسرار بالنكاح يقرّبه من الزنا، ولأن الإسرار به يحول بين الناس وبين الذبّ عنه واحترامه، ويعرَّض النسل إلى اشتباه أمره، وينقص من معنى حصانة المرأة. نعم قد يدعو داعٍ
(1) النساء: 127. وحديث عائشة انظر 65 كتاب التفسير، 4 سورة النساء، 1 باب {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى}. خَ: 5/ 176 - 177.
(2)
النساء: 3.
(3)
النساء: 127.
(4)
تمام حديث عائشة المتقدم بتصرّف.
إلى الإسرار به عن بعض الناس مثل الضرة المغيارة. فلذلك قد يُغتفر إذا استُكمل من جهة أخرى مثل الإشهاد وعلم كثير من الناس. وقد قيل: إن المتواصى بكتمانه المطلق نكاح سر، ولو كان الشهود ملءَ الجامع. وفيه خلاف والأظهر أن السرّ في مثل ذلك مبطل (1)، وأما الإسرار به عن بعض الناس فلا يضرّ. ويجب النظر في أن التوثيق بتسجيل الإشهاد لعقد النكاح تسجيلاً يقطع تأتّي إنكاره أو الشك فيه هل يقوم مقام الشهرة في معظم حكمتها؟ فذلك مجال للاجتهاد.
فالشهرة بالنكاح تحصَّل معنيين:
أحدهما: أنها تحث الزوج على مزيد الحصانة للمرأة إذ يعلم أن قد علم الناس اختصاصه بالمرأة فهو يتعيّر بكل ما تتطرق به إليها الريبة.
الثاني: أنها تبعث الناس على احترامها وانتفاء الطمع فيها إذ صارت محصنة. وقديماً قال عنترة:
يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حلّت له
…
حَرُمت عليّ وليتها لم تَحرُمِ (2)
أراد أنها صارت ذات زوج فمنع هو من التطرق إليها مروءة.
ومن أجل هذا الأصل الذي ذكرناه جعل القرآن النكاح
(1) قال الشافعي: كل نكاح حضره رجلان عدلان خرج عن حدّ السر، وإن تواصوا بكتمانه. وقال أبو حنيفة: إذا حضره رجلان كانا عدلين أو محدودين، أو رجل وامرأتان فقد خرج عن حد السرّ ولو تواصوا بكتمانه. وذهبوا إلى أن الإعلان المأمور به هو الإشهاد. وقال أصحابنا من غير خلاف: إن نكاح السرّ أن يتواصوا مع الشهود العدول على الكتمان، ولا يجوز ذلك. ابن العربي. عارضة الأحوذي: 4/ 308.
(2)
البيت التاسع والخمسون من المعلقة. التبريزي: 243.
إحصاناً، فسمّى الأزواج محصِنين بصيغة اسم الفاعل، وسمّى الزوجات محصَنات بصيغة المفعول. فقال:{مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (1)، وقال:{مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} (2). وأطلق على النساء ذوات الأزواج لقب المحصَنات. وقال: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} (3) بالبناء للنائب، أي أحصنهن الزواج. وفي غير هذه الآيات أيضاً (4).
وأما الأصل الثاني: فإن الدخول في عقدة النكاح على التوقيت والتأجيل يقرّبه من عقود الإجارات والأكرية، ويخلع عنه ذلك المعنى المقدس الذي ينبعث في نفس الزوجين من نية كليهما أن يكون قريناً للآخر ما صلح الحال بينهما، فلا يتطلبا إلَّا ما يعين على دوامه إلى أمد مقدور. فإن الشيء المؤقّت المؤجل يهجس في النفس انتظارَ مَحِلِّ أجله، ويبعث فيها التدبير إلى تهيئة ما يخلفه به عند إبان انتهائه. فتتطلع نفوس الزوجات إلى رجال تعدنهم وتمنينهم، أو إلى افتراض في مال الزوج. وفي ذلك حدوث تبلبلات واضطرابات فكرية، وانصراف كل من الزوجين عن إخلاص الود للآخر. وهذا يفضي لا محالة إلى ضعف تلك الحصانة التي ألمحنا إليها آنفاً. ولذلك رُخِّص نكاح المتعة في صدر الإِسلام ثم نُسِخ يوم خيبر (5).
(1) المائدة: 5.
(2)
النساء: 25.
(3)
النساء: 25.
(4)
منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} النور: 4، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ} النور: 23، وقوله:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} . النور: 33.
(5)
هو النكاح إلى أجل قريب أو بعيد، ويسمى النكاح المؤقت. كان جائزاً =
واتفق جمهور علمائنا على بطلانه وفسخه. ومن العلماء من شذّ فجوّزه، قيل: مطلقاً وينسب إلى الشيعة الإمامية (1)، وقيل: في ضرورة السفر خاصة. وكأن قائل هذا ينظر إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين خشية الوقوع في الزنا. وينسب إلى ابن عباس نسبة مشهورة (2).
= في الجاهلية وفي صدر الإِسلام. ودليل ذلك حديث ابن عباس، "كان الرجل يقدم البلدة ليس بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه" حتى نزلت هذه الآية: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} المؤمنون: 6. قال ابن عباس: فكل فرج سواها حرام. انظر 9 كتاب النكاح، 29 باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، 1122، تَ: 3/ 430.
والأصل في تحريم هذا النكاح وفساده حديث علي بن أبي طالب: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر"؛ انظر 67 كتاب النكاح، 31 باب نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخراً. خَ: 6/ 129؛ 64 كتاب المغازي، 38 باب غزوة خيبر ح 20. خَ: 5/ 78؛ انظر 16 كتاب النكاح، 3 باب نكاح المتعة: 29 - 32. مَ: 2/ 1027 - 1028؛ انظر 28 كتاب النكاح، 18 باب نكاح المتعة، 41. طَ: 2/ 542؛ ومن الباب حديث الربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وقال: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعْطَى شيئاً فلا يَأخُذْه". انظر 16 كتاب النكاح، 3 باب نكاح المتعة، 28. مَ: 2/ 1027.
(1)
بالأصل: الزيدية، وهم أتباع الإِمام زيد بن علي. وهذا تَقَوُّلٌ على ما ذهب إليه جمهور العلماء. فحديث زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة عام خيبر". الحسين بن أحمد السياغي. الروض النضير: 4/ 22. وإنما هي كما ذكرناه أعلاه الشيعة الإمامية.
(2)
التحقيق أن رأي ابن عباس قد اختلف. قال مرة بالإباحة المطلقة، وقيدها أخرى بالضرورة، ورجع في الثالثة إلى قول الجمهور وهو المنع. وشاهد الرأي الأول قول علي بن أبي طالب لابن عباس وقد سمع أنه يليّن في =
ولما استقام معنى قداسة عقدة النكاح في نظر الشرع أمر الزوجين بحسن المعاشرة وبالقوامة على النساء. وجعل الإضرار باختلال ذلك مفضياً إلى فسخ عقدة النكاح بحكم الحاكم بالطلاق إذا ثبت الضرر. ففي القرآن: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (1)، وقال تعالى:{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} (2). وقال: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (3).
= متعة النساء: "مهلاً يا ابن عباس فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية". انظر مسلم 16 كتاب النكاح، 3 باب نكاح المتعة، 31. مَ: 2/ 1028.
ونقل عنه في هذا الغرض قوله: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عز وجل رحم بها أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم. ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنى إلا شقي. روى ذلك عنه ابن جريج وغيره. وشاهد إباحته المتعة للضرورة أنه لما تقول عليه الناس، وسار بفتواه الركبان وقالت الشعراء مرددين:
قلت للشيخ لما طال محبسه
…
يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
وهل ترى رخصة الأطراف أمنية
…
تكون مثواك حتى مصدر الناس
قال: سبحان الله! والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر. الشوكاني. نيل الأوطار: 6/ 270.
ودليل رجوعه عن هذا، وقوله بتأييد تحريم نكاح المتعة وفقاً لما عليه الجمهور من السلف والخلف حديثُه المتقدم الذي رواه الترمذي. قال ابن القيم: إن ابن عباس أفتى بحل المتعة للضرورة. فلما توسع الناس فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع فيها. زاد المعاد: 4/ 6.
(1)
النساء: 19.
(2)
النساء: 34.
(3)
النساء: 128.
وأحسب أن تحديد تعدد الزوجات إلى الأربع، دون زيادة، ناظرة إلى تمكين الزوج من العدل وحسن المعاشرة، كما أومأ إليه قوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (1). حكم وجوب إنفاق الرجل على زوجه ولو كانت غنية تحقيقٌ لآصرة الزوجية، كما أن جعل الزوجية سبب إرث تحقيق لقوة تلك الآصرة.
(1) النساء: 3.