الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن القول بأن المناهج الاستقرائية تجريبية ومنطقية، بينما المناهج الاستنباطية منطقية بحتة قد يعني أن التفكير الاستنباطي يستبعد التجربة ويعتمد على الاستنتاج فقط، وهذا غير صحيح. فالمنهج الاستنباطي هو منهج للاستدلال العلمي يعتمد تماما على الوسائل الفنية للاستنباط التي أشرنا إليها مع ملاحظة أن الاستنتاج نفسه ما هو إلا محصلة الجهود العلمية والفكرية للإنسان على مدى قرون متعددة.
ويعتبر المنهج الاستنباطي من المناهج الصحيحة المعتمدة في الاستدلال العلمي، وهو يستخدم كقاعدة عامة في منهجة المعلومات التي تم جمعها وتفسيرها نظريا، من أجل الاستدلال على كافة النتائج المتعلقة بالموضوع بشكل دقيق، ومترابط من شأنه أن يضيف معرفة جديدة تحوي العديد من التفسيرات المحتملة للنظرية التي تمت صياغتها بالاستنتاج.
لهذا، فإنه لا محيص للباحثين في العلوم الاجتماعية من استعمال كل من المناهج الاستقرائية والاستنباطية، وإن كان من الواضح أنها تستخدم كمناهج مساعدة وليس بمعزل عن المناهج الأخرى الكمية والكيفية ومنهج التحليل.
المبحث الرابع: المنهج المقارن
Comparative Method
المقارنة هي التمييز بين أو وصف الخصائص والصفات المشتركة أو المختلفة لشيئين أو أكثر، أي: هي تقصي نقاط التشابه والاختلاف. وتحل المقارنة أحيانا محل التعريف أو تكمله. وقد تعني المقارنة أيضا النتيجة التي قد تتمخض عن أي من تلك الدراسات.
يخطئ من يظن بسهولة هذا المنهج، إذ إنه في الواقع منهج صعب يلقي تبعات كثيرة على من يتبناه في البحث؛ لأنه يتعين عليه أن يتغلب على عدة مشاكل نظرية تتضمن حسن اختيار الموضوعات التي سيقارن بينها، والمعايير الملائمة لذلك.
هذا علاوة على ضرورة تغطية العناصر الهامة المميزة للنظام السياسي كالمؤسسات الاقتصادية، والخلفية الثقافية، والأوضاع النفسية، وحتى الاعتبارات
اللغوية مع ضرورة الحذر من إجراء مقارنات اصطناعية تعتمد على الخلل الذي قد يشوب العناصر موضوع المقارنة1.
انطلاقا من ذلك، يعتبر المنهج المقارن وسيلة لبحث وتعليل الظواهر المختلفة وتقصي الجذور التاريخية عن طريق التحقق من التماثل، أو الاختلاف في النمط والأسلوب، وإن كان هذا لا يمنع من التعرض للمشاكل الحديثة بمنهج مقارن كما هو الحال بالنسبة لمعظم الدراسات المعاصرة التي تكاد تنتمي بما تحويه من مادة ومشاكل إلى حقل العلاقات الدولية.
وعند تطبيق المنهج المقارن، يمكن تجميع الظواهر التي يتوافر بينها قدر كافٍ من التماثل ثم وضعها تحت عنوان ما، وهو ما يعطي لهذا المنهج دورا في عملية تكوين المفاهيم. فوق ذلك، فإن الكشف عن التباين بين الأشياء والظواهر وعقد المقارنات يعتبر أساسا لعملية التصنيف، أي: إن أهمية المنهج المقارن بالنسبة لعمليتي الفكر والتعبير عنه تنبع من الدور الذي يلعبه في التصنيف، وتكوين المفاهيم.
هذا، ويعتبر من قبيل المقارنة التمييز بين أحداث معينة أو ممارسات أو وظائف أو مؤسسات. كذلك فإنه عند القيام بعملية تنبؤ -سواء على أساس قانون أو نظرية- ثم مراجعتها على الحقيقة للتثبت من صحتها، فنحن في الحقيقة نقارن التوقع بالحدث. وغني عن البيان أن الكشف عن أوجه التماثل والاختلاف
1 Jan Barents، Political Science in Western Europe "A Trend Report"، London 1961، pp.f 55-56; G. Heckscher، The Study of Comparative Government and Politics، London 1957، cited by prof.، Barents as containing fthe most fruitful discussions of the round table on Comparative Government، held by the International Political Science Association in Florence 1954; M. Duverger، Methodes De La Science Politique، op، cit.، pp. 3126ff.
عن طريق عقد المقارنات، يزود الباحث بفكرة أوضح للأشياء والظواهر موضوع الدراسة، وفهم أدق لمعنى الرموز المستخدمة1.
ومن الأهمية بمكان ملاحظة الاعتماد المتبادل، والارتباط الوثيق بين كل تلك المناهج. فالمنهج المقارن يتشابه مع المنهجين السابقين للاستقراء والاستنباط من حيث إنه منهج مساعد ومكمل للمناهج الأخرى. فمثلا، كثيرا ما يكون التحليل مقارنا، كما تشمل المناهج الكمية والكيفية عقد مقارنات، كذلك تلجأ المناهج الاستقرائية والاستنباطية إلى الاستفادة من المنهج المقارن.
إلا أن هناك بعض أوجه القصور التي تظهر عند تطبيق هذا المنهج، يمكن إجمالها في النقاط التالية:
- جنوح البعض إلى التركيز على المظاهر الخارجية للأيديولوجيات، والأنماط الثقافية مع إهمال العلاقات الاجتماعية الواقعية التي دفعت بتلك المظاهر إلى السطح.
- الافتقار إلى الدقة في المسميات بحيث يطلق اسم المنهج ككل على أحد فروع علم السياسة، وهو النظم السياسية.
- انتشار فكرة خاطئة لدى البعض بأن استعمال هذا المنهج قاصر على دراسة الحكومات الأجنبية فقط.
- الاستعمال الفضفاض لاسم المنهج لإخفاء ضعف الدراسة. فما لم تتوافر مقتضيات المنهج المقارن بالشكل المشار إليه آنفا، فإن مجرد إضافة
1 Cf. David Apter، "A Comparative Method for the Study of Politics"، in: The American Journal of Sociology، 64، Nov. 1958، pp. 221-231; Roy3 C. Macridis، The Study of Comparative Government، Garden City، N. Y. 1955، pp. 1-6، cited by Dyke، pp. 184، 185; M. Grawitz Methodes Des Science Sociales، op. cit.، p. 419.
لفظ مقارن إلى مجموعة من المعلومات المتناثرة عن حكومة واحدة، أو أكثر ليس كافيا لتصنيف تلك الدراسة تحت هذا المنهج.
تحدث أوجه القصور تلك في بعض الكتب والمناهج الدراسية التي تتناول الحكومات المقارنة، فتشمل وصفا ركيكا غير هادف لمؤسساتها من حيث الهيكل التنظيمي أو الوضع الدستوري أو الاقتصادي. ربما تكون حصيلة تلك الكتابات التي تسمى تجاوزا دراسات مقارنة كافية للقارئ العادي، أما بالنسبة للقارئ المتخصص، أو عالم السياسة فلن تكون إلا باعثة على الملل لخلوها من المتطلبات، والضوابط المنهجية التي تجيز إطلاق تلك التسمية عليها1.
علاوة على المناهج أو الأساليب الفنية التي ذكرناها، تجدر الإشارة إلى أنه يمكن الاستفادة في مجال العلوم الاجتماعية بمناهج أخرى للبحث والتفكير من وجهة النظر الليبرالية، وإن كان يغلب عليها الطابع الفلسفي2.
فانطلاقا من الوضعية المنطقية مثلا ظهرت في الثلاثينات من هذا القرن مناهج تركز على دلالات الألفاظ، وعلى تحليل اللغة ورموزها Semiotic Methods مع الاستعانة بالتقدم العلمي، وخاصة في ميدان الطبيعة.
هناك أيضا المنهج الظاهراتي، أو منهج الظواهر Phenomenological Method الذي ينبثق من فلسفة هوسيرل، ويعتمد على الحدس كوسيلة للحصول على المعرفة. فبالحدس -وفقا لهذا المنهج- يدرك الإنسان الشيء الذي يمكن أن
1 J. Barents، Political Science; in Western Europe، op. cit.، p. 54; M. Grawitz، Methodes Des Science Sociales op. cit.، pp. 420، 421.
2 لمزيد من التفاصيل حول الطابع الفلسفي لتلك المناهج الأخيرة، واستعمالاتها انظر:
J.M. Bochenski، TheMethodesof Contemporary Thought، op. cit.، pp. 16، 30، 65، 91 ff.
يخضع، أو يكون قابلا للمشاهدة. هذا الشيء الذي يمكن مشاهدته هو ما يسميه هوسيرل بالظاهرة.
وأخيرا هناك نوعان آخران من تلك المناهج هي: البدهي أو الأولي Axiomatic Method، ثم ما يسمى بالمناهج المصغرة Reductive Methods.
على العموم، لا بد هنا من إعادة تأكيد الحقيقة التي سبقت الإشارة إليها من أن المنهج ليس عصا سحرية. فالقاعدة هي أن استخدام منهج ما يمكن أن يعطي نتائج هامة ومفيدة في حالة واحدة، تلك هي الاستفادة منه وتطبيقه بشكل هادف وذكي.
معنى ذلك أنه لا يمكن تجنب الفشل حتى مع استعمال أفضل المناهج العلمية وأحدثها إذا فشل الباحث في طرح الأسئلة الملائمة للموضوع. ففي حالة المنهج المقارن -على سبيل المثال- نجد أنه إذا اقتصر الباحث على مجرد عقد مقارنات بين حكومتين، أو أية وحدات أخرى فلن تكون النتيجة سوى مقارنات باردة وتافهة.
بالمثل، قد لا يوفق المشرع في سنّ القوانين اللازمة لعلاج بعض الظواهر كانحراف الأحداث أو الانفجار السكاني في دولة محدودة الموارد أو زيادة حالات الطلاق
…
إلخ، إذا جانبه الصواب في طرح الأسئلة لكل حالة، والاهتداء إلى مداخل ومناهج بحث تناسب ظروف كل منها.
على العكس من ذلك، إذا طرحت الأسئلة الملائمة ووضعت الفروض الصحيحة ردا عليها، صار للمنهج مغزى وأهمية. ومن ثم، فإن المنهج يأتي دائما في المرتبة الثانية بعد توضيح المشكلة أو موضوع البحث، وتحديد الأسئلة الواجب طرحها تمهيدا لبدء الدراسة.