الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي جُهِلَ بُغْضُهُ لَهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا ابْنٌ وَلَا بَنُونَ وَإِنَّمَا كَانَ لَهَا بَنَاتٌ وَعَصْبَةٌ فَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ لَهَا قَوْلَانِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْبَنَاتُ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا إذَا كُنَّ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ كِبَارًا مِنْهَا، وَأَمَّا إنْ كُنَّ صِغَارًا مِنْهَا، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا إلَّا أَنْ تَنْفَرِدَ بِالصَّغِيرِ وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ لِأَمَةٍ)
ش: هَذَا كَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي جُهِلَ بُغْضُهُ لَهَا إذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ أَوْ بَنُونَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عَاقًّا فَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ صَرَّحَ بِهِمَا ابْنُ رُشْدٍ، وَنَقَلَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأُمِّهِ وَابْنُ رُشْدٍ فَرَضَهُ فِي الزَّوْجَةِ كَانَتْ أَمَهُ أَمْ لَا.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ مِلْكًا وَذَكَرَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا]
ص (لَا الْمُسَاوِي وَالْأَقْرَبُ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ بَاعَ مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ مِلْكًا وَذَكَرَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا بِثَمَنٍ قَبَضَهُ، فَقَامَ بَاقِي الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَذَكَرُوا أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ فِيهِ ثَمَنًا وَأَنَّهُ تَوْلِيجٌ مِنْ الْأَبِ إلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّ الْأَبَ كَانَ يَمِيلُ إلَيْهِ، فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ (تَنْبِيهٌ) : قَالُوا وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمُعَايَنَةِ الْقَبْضِ لَمْ تَتَرَتَّبْ يَمِينٌ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَيْلِ الْأَبِ إلَيْهِ وَانْحِرَافِهِ عَنْ سَائِرِ وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوْلِيجِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الِابْنَ انْتَهَى. مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ وَفِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ وَلَا يَثْبُتُ التَّوْلِيجُ إلَّا بِإِقْرَارِ الْمُولَجِ إلَيْهِ انْتَهَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
(فَرْعٌ) : فِي حُكْمِ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي صِحَّتِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ فَيُقَدَّمُ الْمُقِرُّ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ قَالَ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يُقِرُّ لِوَلَدِهِ وَلِامْرَأَتِهِ وَلِبَعْضِ مَنْ يَرِثُهُ بِدَيْنٍ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ يَمُوتُ الرَّجُلُ بَعْدَ سِنِينَ فَيَطْلُبُ الْوَارِثُ الدَّيْنَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ قَالَ ذَلِكَ لَهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ امْرَأَةً كَانَتْ أَوْ وَلَدًا فَمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فِي الصِّحَّةِ فَذَلِكَ لَهُ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَوَقَعَ فِي الْمَبْسُوطِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَالْمَخْزُومِيِّ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ فِي صِحَّتِهِ إذَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةً حَتَّى هَلَكَ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ سَبَبَ ذَلِكَ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ لَهُ أَصْلًا أَوْ أَخَذَ مِنْ مَوْرُوثِ أُمِّهِ شَيْئًا فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لَهُ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُتَّهَمُ أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ فِي صِحَّتِهِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ عَلَى أَنْ لَا يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَيَكُونَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمُوتُ فَيَتْرُكُ عَمَّهُ وَأُمَّهُ وَتَقُومُ الْأُمُّ بِدَيْنٍ لَهَا كَانَ أَقَرَّ لَهَا بِهِ فِي الصِّحَّةِ قَالَ: لَا كَلَامَ لِلْعَمِّ قُلْت أَرَأَيْت إنْ طَلَبَ مِنْهَا الْيَمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَوْلِيجًا؟ قَالَ أَصْبَغُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا يَلْزَمُهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبُ أَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ لِوَارِثِهِ بِالدَّيْنِ فِي الصِّحَّةِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ لَهَا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ لِذَلِكَ سَبَبٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ لَهُ رَأْسًا أَوْ أَخَذَ لَهُ مَوْرُوثًا وَبِهِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَقَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْيَمِينِ إنَّهَا لَا تَلْزَمُهَا فِي الْحُكْمِ يُرِيدُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ فَقَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ يَمِينِ التُّهْمَةِ وَالْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لُحُوقُ الْيَمِينِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ لَمْ يُعْمِلْ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَصَرَّحَ ابْنُ سَلْمُونٍ بِلُزُومِ الْيَمِينِ إنْ ثَبَتَ مَيْلُ الْمَيِّتِ لِلْمُقِرِّ لَهُ ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ التَّصْيِيرِ فِي تَرْجَمَةِ الْبُيُوعِ وَمِثْلُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ مَا إذَا صَيَّرَ الْأَبُ لِابْنِهِ دَارًا أَوْ عَرَضًا فِي دَيْنٍ أَقَرَّ بِهِ لَهُ فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ سَبَبَ ذَلِكَ الدَّيْنِ جَازَ لَهُ التَّصْيِيرُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) : إنَّهُ نَافِذٌ وَيَأْخُذُهُ مِنْ
تَرِكَتِهِ فِي الْمَوْتِ وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ، وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ انْتَهَى مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ بِشَيْءٍ إذَا قَامَ بِهِ الْمُقِرُّ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ وَشَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ وَجْهُ ذَلِكَ أَوْ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَجْهُهُ، وَلَا سَبَبُهُ وَكَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
(أَحَدُهُمَا) : إنَّهُ نَافِذٌ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الْمَوْتِ وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ، وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ فِي الْمَوْتِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ لِلتُّهْمَةِ عِنْدَهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يُحَاصُّ بِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا مَعَ الدَّيْنِ الَّذِي اسْتَدَانَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَأَمَّا الْقَدِيمُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ ثَبَتَ مَيْلُهُ إلَيْهِ، فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى صِحَّةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ قَبْلَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ إبْطَالَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَسْأَلَةٌ) وَإِنْ وَلَّاهُ مَا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ أَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ بَاعَهُ مَنْزِلَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، وَهُوَ يُسَاوِي شَيْئًا كَثِيرًا، فَذَلِكَ تَوْلِيجٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَفِي رَسْمِ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ الثَّانِي الْوَاقِعِ بَعْدَ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُ وَاخْتُلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ مُطْلَقًا؟ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ هِبَةً فَيَكْفِي فِيهِ الْحَوْزُ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ يَكُونُ كَالْهِبَةِ إنْ حَازَهُ الْأَبُ لَهُ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْهِبَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا إقْرَارُ الرَّجُلِ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الدُّورِ وَالْمَتَاعِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مِلْكُهُ لَهَا إنَّهَا لِابْنِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ فِي أُمِّهِ كَإِقْرَارِهِ لَهُ فِي مَرَضِهِ بِالدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُشْبِهَ قَوْلَهُ وَيُعْرَفَ وَجْهُ إقْرَارِهِ أَنَّهُ كَانَ لِأُمِّهِ مِنْ الْمَالِ نَحْوُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ بِالدَّيْنِ لِابْنِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ أَوْ سَبَبٌ يَدُلُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا، وَلَوْ كَانَتْ الدُّورُ الَّتِي أَقَرَّ أَنَّهَا لِابْنِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ فِي أُمِّهِ يَعْرِفُ مِلْكَهُ لَهَا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ لِابْنِهِ بِهَا فِي مَرَضِهِ عَلَى حَالٍ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا فِي صِحَّتِهِ لَكَانَ إقْرَارُهُ لَهُ بِهَا كَالْهِبَةِ تَصِحُّ لَهُ إنْ حَازَهَا بِيَدِ تَحْوِيزِ الْآبَاءِ لِمَنْ يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَا فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ خِلَافُ قَوْلِ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ أَصْبَغَ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِلِابْنِ، وَلَوْ حَازَهُ الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ هِبَةً وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ رَسْمِ الْوَصَايَا مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا إقْرَارُ الرَّجُلِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ بِمَا يَعْرِفُ مِلْكَهُ لَهُ مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ يَجْرِي مَجْرَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَيَحِلُّ مَحَلَّهَا، وَيُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهَا إنْ حَازَ ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهِ فِي صِحَّةِ الْمُقِرِّ جَازَ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَحْفَظُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ، فَلَا يَلْزَمُهُ حَسْبَمَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَفِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى، وَالصُّلْحِ وَانْظُرْ نَوَازِلَ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ وَالْمَشَذَّالِيُّ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَأَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَا نَصُّهُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لِرَجُلٍ هُوَ كَالْهِبَةِ إنْ قَامَ فِي صِحَّتِهِ أَخَذَهُ وَإِنْ قَامَ فِي مَرَضِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ مِيرَاثٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إذَا قَالَ رَجُلٌ أَوْ وُجِدَ بِخَطِّهِ لِفُلَانٍ قِبَلِي كَذَا وَثَبَتَ إقْرَارُهُ أَوْ خَطُّهُ بِلَفْظِهِ قِبَلِي، وَقَدْ مَرَّتْ قَبْلَ هَذَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْهِبَةِ يُشِيرُ إلَى مَا قَدَّمَهُ فِي مَسَائِلِ الْقِرَاضِ وَفِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَيْضًا وَنَصُّهُ إذَا قَالَ
لِرَجُلٍ أَوْ وَجَدَ بِخَطِّهِ لِفُلَانٍ قِبَلِي كَذَا وَثَبَتَ إقْرَارُهُ أَوْ خَطُّهُ فَلَفْظَةُ قِبَلِي مُحْتَمِلَةٌ أَنْ يَكُونَ أَوْجَبَ لَهُ قِبَلَهُ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً فَمَوْتُهُ أَوْ فَلَسُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُهَا بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ بِيَمِينِ الْوَرَثَةِ فِي الْمَوْتِ لَا يَعْلَمُونَ مَوْرُوثَهُمْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا أَوْجَبَهَا قِبَلَهُ وَلَا أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظَةُ قِبَلِي يَسْتَوْجِبُ بِهَا الْحُكْمَ بِالدَّيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنْ قَالَ قِبَلِي مَنْ سَلَفٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِهِ هُنَا انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ مَا تَرَكَهُ أَبُوهُ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا عُهِدَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ الدِّيَانَةُ، ثُمَّ جَاءَ بِشُهُودٍ أَخْبَرُوهُ أَنَّ أَبَاهُمْ أَشْهَدَهُ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ بِهَذِهِ الدَّارِ وَحَازَهَا لَهُ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَلَكَهَا عَلَيْهِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّهُ إذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ كُلَّهَا مَوْرُوثَةٌ إلَّا هَذِهِ الدَّارَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهَا دُونَ الْوَرَثَةِ، وَاعْتَذَرَ بِإِخْبَارِ الْبَيِّنَةِ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ بَلْ أَقَرَّ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ، وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَيُقْبَلُ عُذْرُهُ وَيُقِيمُ بَيِّنَتَهُ وَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ السَّابِقُ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ وَقَادِحًا فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ عَادِيٌّ يُسْمَعُ مِثْلُهُ انْتَهَى كَلَامُ الْقَرَافِيِّ بِلَفْظِهِ. وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَانْظُرْ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَعَ مَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي تَرْجَمَةِ الْمُدَّعِي يُكَذِّبُ بَيِّنَتَهُ وَنَصُّهُ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَسَأَلَهُ شَجَرَةُ عَمَّنْ ادَّعَى دَارًا بِيَدِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَنَّهَا لِابْنَةٍ تَرَكَهَا بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَسَمَّاهُمْ، ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّ أَبَاهُ أَشْهَدَ لَهُ فِي صِحَّتِهِ بِنِصْفِهَا صَيَّرَهُ إلَيْهِ فِي حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ مِنْ قِبَلِ مِيرَاثِهِ لِأُمِّهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَخْرَجِهِ إلَى الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ الْحَاكِمُ قَدْ ادَّعَيْتَهَا أَوَّلًا مِيرَاثًا وَالْآنَ لِنَفْسِكَ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ بِدَعْوَاهُ الْأُولَى انْتَهَى.
فَعُلِّلَ عَدَمُ قَبُولِ دَعْوَاهُ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ بِدَعْوَاهُ الْأُولَى فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَتْ وَلَهَا زَوْجٌ وَإِخْوَةٌ وَأَبٌ فَادَّعَى بَعْضُ الْإِخْوَةِ أَنَّ بَعْضَ مُتَخَلِّفِهَا مِلْكٌ لِأُمِّهِمْ فَأَثْبَتَ الزَّوْجُ أَنَّهُ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ، فَادَّعَى بَقِيَّةُ الْإِخْوَةِ أَنَّهَا أَوْصَتْ لَهُ بِتِلْكَ الْحَوَائِجِ فَهَلْ دَعْوَاهُمْ الْأُولَى مُكَذِّبَةٌ؟ لِدَعْوَاهُمْ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِمَا صُورَتُهُ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي الْوَصِيَّةَ مِنْ الْإِخْوَةِ الْمُدَّعِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّ الْحَوَائِجَ مِلْكٌ لِأُمِّهِمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِدَعْوَاهُمْ الْوَصِيَّةَ فَلَا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِمِلْكِيَّةِ الْأُمِّ غَيْرُهُمْ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَدَعْوَاهُ مَسْمُوعَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسُئِلْت أَيْضًا عَمَّنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْعُزْلَةِ الَّتِي هِيَ وَقْفٌ مِنْ قِبَلِ فُلَانَةَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ جَارِيَةً فِي مِلْكِهَا إلَى حِينِ وَقْفِهَا، ثُمَّ مَاتَ شَخْصٌ قَرِيبٌ لِلْمُقِرِّ، فَادَّعَى أَنَّ لِمُوَرِّثِهِ فِيهَا حِصَّةً فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ أَمْ لَا؟
فَأَجَبْت إقْرَارُ الشَّخْصِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْعُزْلَةِ الَّتِي هِيَ وَقْفٌ قِبَلَ فُلَانَةَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ جَارِيَةً فِي مِلْكِهَا إلَى حِينِ وَقْفِهَا مُبْطِلٌ لِدَعْوَاهُ أَنَّ لِمُوَرِّثِهِ فِيهَا حِصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَ لِحَمْلٍ)
ش: سَوَاءٌ أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ كَقَوْلِهِ لِحَمْلِ فُلَانَةَ أَلْفٌ أَوْ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ أَلْفٌ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَا إشْكَالَ إذَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ يَصِحُّ لِلْجَنِينِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا إنْ قَالَ أَقْرَضَنِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَالَ: وَخَرَجَ عَدَمُ اللُّزُومِ مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ وَخَرَجَ عَدَمُ اللُّزُومِ أَيْضًا فِيمَا إذَا طَلَّقَ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي الْإِقْرَارِ لِحَمْلٍ إنْ قَيَّدَهُ بِمَا يَصِحُّ كَقَوْلِهِ لِهَذَا الْحَمْلِ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ بِهَا أَوْ مِيرَاثٍ صَحَّ وَإِنْ قَيَّدَهُ بِمَا يَمْتَنِعُ بَطَلَ كَقَوْلِهِ لِهَذَا الْحَمْلِ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ مُعَامَلَةٍ عَامَلَنِي بِهَا وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِمَا ذُكِرَ نَدَمُ ذِكْرٍ، ثُمَّ عَنْ الْمَازِرِيِّ التَّخْرِيجُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ فَتَحَصَّلَ فِيمَا إذَا قَيَّدَهُ بِوَجْهٍ لَا يَصِحُّ لِلْجَنِينِ قَوْلَانِ لِسَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِقْرَارَ
لِصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ لِمَجْنُونٍ صَحِيحٌ مِنْ بَابِ أَحْرَى وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَا أُقِرَّ بِهِ لِمَجْنُونٍ أَخَذَهُ وَلِيُّهُ أَوْ السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ انْتَهَى.
ص (وَوُضِعَ لِأَقَلِّهِ)
ش: كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِب وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَالْمُصَنِّفُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ حُكْمَ السِّتَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَا زَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَصَوَّبَ ابْنُ عَرَفَةَ تَعَقُّبَهُمْ، ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ عُذْرًا، وَهِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَذَكَرَ لَفْظَ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ قَالَ فَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِمَا فِي لَفْظِهِمَا بِمَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَخَفُّ مِنْ التَّعَقُّبِ عَلَيْهِمَا فِي لَفْظٍ هُوَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ وَتَأَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَيَلْزَمُ الْإِقْرَارُ لِلْحَمْلِ كَمَا قَالُوهُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَلِأَكْثَرِهِ)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَمَةُ مَوْطُوءَةً فَإِنَّ الْإِقْرَارَ يَلْزَمُ لِمَا تَضَعُهُ لِأَكْثَرِ الْحَمْلِ، وَهُوَ أَرْبَعُ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ، وَانْظُرْ هَلْ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْحَمْلِ مِنْ يَوْمَ وُطِئَتْ أَوْ مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْحَمْلِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ وَضْعُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَهُوَ وَضْعُهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ قَالَ وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَلَيْسَتْ بِذَاتِ زَوْجٍ وَلَا سَيِّدٍ يَطَؤُهَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَخْلُوقًا لَا تَحِلُّ إضَافَتُهُ لِلزِّنَا انْتَهَى.
(قُلْت) : أَوَّلُ كَلَامِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ وَآخِرُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ يَوْمِ وُطِئَتْ لِقَوْلِهِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَخْلُوقًا لَا تَحِلُّ إضَافَتُهُ لِلزِّنَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ وَهَبَتْهُ لِي)
ش:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَمْ لَا قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَلَعَلَّهُمَا
جَارِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْيَمِينِ هَلْ تَتَوَجَّهُ عَلَى دَعْوَى الْمَعْرُوفِ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
ص (لَا أُقِرُّ)
ش: هُوَ بِلَا النَّافِيَةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ الْمُثْبَتِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّارِحِ (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ بَلْ قَالَ عَقِبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَأَنَا أَيْضًا لِي عَلَيْكَ مَالٌ أَوْ شَيْءٌ سَمَّاهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّاتِ (مَسْأَلَةٌ) : اُخْتُلِفَ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ كَالْإِقْرَارِ أَمْ لَا قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ: مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ جَاءَ قَوْمًا فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: أَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَفُلَانٌ ذَلِكَ مَعَ الْقَوْمِ فِي الْمَجْلِسِ فَسَكَتَ، وَلَمْ يَقُلْ نَعَمْ وَلَا لَا، وَلَمْ يَسْأَلْهُ الشُّهُودُ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُ ذَلِكَ قِبَلَهُ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَازِمٌ إذَا سَكَتَ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ يُعَدُّ إذْنًا فِي الشَّيْءِ وَإِقْرَارًا بِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
(أَحَدُهُمَا) : أَنَّهُ إذْنٌ (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْمُدَبَّرِ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» دَلِيلًا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبِكْرِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ فِي الصَّمْتِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَاسَ مَا عَدَاهُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَعْلَمُ بِمُسْتَقِرِّ الْعَادَةِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْكُتُ عَلَيْهِ إلَّا بِرِضَا مِنْهُ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ السُّكُوتَ عَلَيْهِ إقْرَارٌ كَاَلَّذِي يَرَى حَمْلَ امْرَأَتِهِ فَيَسْكُتُ وَلَا يُنْكِرُهُ، ثُمَّ يُنْكِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي وَثَائِقِهِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا وَذَكَرَ قَبْلَهُ مَسْأَلَةَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ وَقُسِّمَتْ تَرِكَتُهُ بِحَضْرَتِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْقِطٌ لِحَقِّهِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ عِيسَى وَكَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ وَالْمُتَيْطِيِّ زَادَ ابْنُ فَرْحُونٍ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ مَسْأَلَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ سُئِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ هَلْ لِأَحَدٍ عِنْدَك شَيْءٌ فَقَالَ لَا قِيلَ لَهُ وَلَا لِامْرَأَتِك وَالْمَرْأَةُ سَاكِتَةٌ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ، وَهِيَ تَسْمَعُ فَإِنَّهَا تَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ إلَى الْآنِ، وَتَأْخُذُهُ إنْ قَامَتْ لَهَا بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا مِنْ الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ الْمَذْكُورَةَ هُنَا، وَلَمْ يَنْقُلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فُلَانٌ السَّاكِنُ فِي مَنْزِلِك لِمَ أَسْكَنْتَهُ فَقَالَ أَسْكَنْتُهُ بِالْكِرَاءِ وَالسَّاكِنُ يَسْمَعُ وَلَا يُنْكِرُ وَلَا يُغَيِّرُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ فَقَالَ لَا يَقْطَعُ سُكُوتُهُ دَعْوَاهُ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ وَلَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّهُ يُدَاعِبُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ سَلْمُونٍ أَيْضًا إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ وَزَادَ بَعْدَهُ وَكَتَبَ شَجَرَةُ إلَى سَحْنُونٍ رَجُلٌ أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ سَاكِتَةٌ تَسْمَعُ وَلَا تَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُوصِي قَالَتْ إنَّهَا حُرَّةٌ، فَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا انْتَهَى، وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ الْقِسْمَةِ عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ إذَا قَسَمَ بَعْضَ الْعَقَارِ، وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ حِينَ الْقِسْمَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْكَلَامَ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الرَّبْعِ لَمْ يُقْسَمْ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ انْتَهَى (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ فِي مَسَائِلِ
الْإِقْرَارِ إذَا دَفَعَ وَدِيعَةً لِرَسُولٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَسَكَتَ، ثُمَّ طَالَبَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا أَمَرَ فُلَانًا بِقَبْضِهِ وَمَا كَانَ سُكُوتُهُ رِضًا بِقَبْضِهِ، ثُمَّ يَغْرَمُهُ وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَالَ لِلدَّافِعِ: كَلِّمْ فُلَانًا الْقَابِضَ يَحْتَالُ لِي فِي الْمَالِ كَانَ رِضًا بِقَبْضِهِ فَلْيَطْلُبْهُ بِهِ وَالدَّافِعُ بَرِيءٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْمُودَعِ يَأْتِيهِ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ رَبَّهَا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا فَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ فِي الَّذِي قَالَ لِلْمُودَعِ بَعَثَنِي رَبُّهَا لِآخُذَهَا مِنْك فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ مَعَ رَبِّهَا فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَسَكَتَ، ثُمَّ طَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَمَرَ فُلَانًا بِقَبْضِهَا وَمَا كَانَ سُكُوتُهُ رِضًا بِقَبْضِهِ، ثُمَّ يَغْرَمُهُ وَلَوْ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ عَلِمَ بِقَبْضِ الْقَابِضِ، فَجَاءَ إلَى الْمُودَعِ فَقَالَ لَهُ كَلِّمْ فُلَانًا الْقَابِضَ يَحْتَالُ لِي فِي الْمَالِ فَقَالَ هَذَا رِضَا بِقَبْضِهِ فَلْيَطْلُبْهُ بِهِ وَيَبْرَأُ الدَّافِعُ قَالَ وَلَوْ طَلَبَهَا رَبُّهَا فَجَحَدَ الدَّافِعُ فَقَالَ رَبُّهَا احْلِفْ مَا أَوْدَعْتُكَ قَالَ يَحْلِفُ لَهُ مَا لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَعْنِي أَيْضًا أَنَّ الدَّافِعَ أَيْقَنَ بِأَمْرِ رَبِّ الْوَدِيعَةِ لَهُ انْتَهَى.
ص (وَلَزِمَ إنْ نُوكِرَ فِي أَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ)
ش: يُرِيدُ وَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ.
ص (أَوْ عَبْدٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ) ش هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ أَصْبَغُ وَلَا يَحْلِفُ الْبَائِعُ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ فَصْلِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
ص (أَوْ اشْتَرَيْت عَبْدًا بِأَلْفٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ) ش فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُولُوا بِتَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، وَلَمْ أَقْبِضْهُ، وَيُعَدُّ قَوْلُهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ نَدَمًا فَالْجَوَابُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَيْت عَبْدًا بِأَلْفٍ يُوجِبُ عِمَارَةَ ذِمَّتِهِ بِالْأَلْفِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك انْتَهَى.
(قُلْت) : كَأَنَّهُ يُشِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إلَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِلُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ بِالْعَقْدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا تَنَازَعَ الْمُتَبَايِعَانِ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالتَّسْلِيمِ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوَّلًا، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ مِنِّي وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ السَّابِعِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الشَّاهِدَانِ نَشْهَدَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِنْهُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ حَتَّى يَقُولَا وَقَبَضَ السِّلْعَةَ انْتَهَى.
ص (أَوْ أَقْرَرْت بِكَذَا وَأَنَا صَبِيٌّ)
ش: قَالَ فِي الْعُمْدَةِ وَإِنْ أَقَرَّ بَالِغًا عَاقِلًا
أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالًا فِي جُنُونِهِ أَوْ فِي صَبْوَتِهِ لَزِمَهُ وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بَالِغًا فَقَالَ بَلْ أَقْرَرْت غَيْرَ بَالِغٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَظُنُّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُدَّعِي، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَرَّ مَجْنُونًا، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبْقُ جُنُونٍ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَوْ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؟ رِوَايَتَانِ وَلَوْ قَالَ لَا أَدْرِي هَلْ كُنْتُ بَالِغًا أَمْ لَا أَوْ كُنْتُ عَاقِلًا أَمْ لَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي وَعَلَى الْقَوْلِ الْمَظْنُونِ يُشْبِهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) الظَّاهِرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّبَا وَالْجُنُونِ فَإِذَا قَالَ لَا أَدْرِي أَكُنْتُ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بَالِغٌ وَإِذَا قَالَ: لَا أَدْرِي أَكُنْتُ بَالِغًا عَاقِلًا أَمْ لَا لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَقْلُ حَتَّى يَثْبُتَ انْتِفَاؤُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (أَوْ بِقَرْضٍ شُكْرًا عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ عَلَيْهَا حَسَنٌ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِقَرْضٍ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِغَيْرِ الْقَرْضِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالشُّكْرُ إنَّمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي قَضَاءِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ يُوجِبُ شُكْرًا وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مِنْ غَيْرِ قَرْضٍ وَادَّعَى قَضَاءَهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَسَوَاءٌ قَالَ كَانَ عِنْدِي عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ أَوْ لَا انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ وَزَادَ فِيهِ إذْ لَيْسَ بِمَوْضِعِ شُكْرٍ عَلَى مَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي رَسْمِ تَوَضَّأَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَشْهَدَ رَجُلًا أَنَّهُ تَقَاضَى مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَإِنَّهُ أَحْسَنَ قَضَائِي فَلَيْسَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَالَ الْمَشْهُودُ لَهُ: قَدْ كَذَبَ إنَّمَا أَسْلَفْته الْمِائَةَ سَلَفًا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَشْهُودِ لَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي آخِرِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا وَمَا فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ لَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ اقْتَضَاهُ مِنْ حَقٍّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَلَفٍ وَادَّعَى قَضَاءَهُ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ لَا يَلْزَمُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ أَنَّ السَّلَفَ مَعْرُوفٌ يَلْزَمُهُ شُكْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] وَقَوْلِهِ {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] .
وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَزْكَتْ عَلَيْهِ يَدُ رَجُلٍ فَلْيَشْكُرْهَا» فَحُمِلَ الْمُقِرُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ إلَى أَدَاءِ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنْ الشُّكْرِ لِفَاعِلِهِ لَا إلَى الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوبِ السَّلَفِ عَلَيْهِ إذْ قَدْ قَضَاهُ إيَّاهُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَحُسْنُ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَضِي أَنْ يَشْكُرَهُ فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الدَّعْوَى، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ فِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقْتَضِي وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ نَصٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
ص (وَقَبْلَ أَجَلِ مِثْلِهِ إلَخْ)
ش:
مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَرْضِ الْحُلُولُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا فِي غَصْبٍ فَقَوْلَانِ)
ش: كَذَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ أَشْهَبَ عَدَمُ لُزُومِ الْغَصْبِ، وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ اللُّزُومُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْهَا وَنَصُّهَا مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْخَاتَمَ، ثُمَّ قَالَ: وَفَصُّهُ لِي أَوْ أَقَرَّ لَك بِجُبَّةٍ، ثُمَّ قَالَ وَبِطَانَتُهَا لِي أَوْ أَقَرَّ لَك بِدَارٍ وَقَالَ بِنَاؤُهَا لِي لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ نَسَقًا انْتَهَى. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ نَحْوُهُ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ ضَعِيفٌ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَصَحُّ وَأَوْلَى انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَفَى عَلَى الْأَحْسَنِ)
ش: كَلَامُهُ رحمه الله يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي قَوْلِهِ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ سَحْنُونًا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا قَالَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ فَقَالَ مَرَّةً: يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ قَالَ: " مِنْ " لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ: " فِي " قُبِلَ وَالْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ " فِي " وَفِي قَوْله " مِنْ " لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ بِقَبُولِ تَفْسِيرِهِ فِي " مِنْ " إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله رَأَى أَنَّ الْقَوْلَ بِقَبُولِ تَفْسِيرِهِ إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ، فَصَارَ كَالْعَدَمِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ إلَّا فِي قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِشَاةٍ فِي غَنَمِهِ أَوْ بَعِيرٍ فِي إبِلِهِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَمَنْ بِيَدِهِ صُبْرَةُ قَمْحٍ فَقَالَ إنَّ لِفُلَانٍ مِنْهَا خَمْسِينَ إرْدَبًّا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا دُونَ ذَلِكَ فَجَمِيعُهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى خَمْسِينَ فَالزِّيَادَةُ لِلْمُقِرِّ وَلَوْ قَالَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بِيعَ لَهُ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْمَقَرِّ وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنَهَا بِالْعَشَرَةِ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُقِرِّ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ سُئِلَ مَا أَرَادَ فَإِنْ أَرَادَ كَانَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا إذَا اشْتَرَيْت سُئِلَ كَمْ كَانَ ثَمَنُهَا فَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ شَرِيكًا فِيهَا بِعَشَرَةٍ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت مِنْ ثَمَنِهَا إذَا بِيعَتْ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ طُلِبَتْ مِنْهُ الْيَمِينُ حَلَفَ عَلَى مَا يَقُولُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُبَاعُ لَهُ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ.
ص
وَسُجِنَ لَهُ)
ش: أَيْ لِلتَّفْسِيرِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ تَفْسِيرُهُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ.
ص (وَجُلُّ الْمِائَةِ أَوْ قُرْبُهَا أَوْ نَحْوُهَا الثُّلُثَانِ فَأَكْثَرُ بِالِاجْتِهَادِ)
ش: هَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَا نَصُّهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَيِّتِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ سُؤَالُهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَأَمَّا الْمُقِرُّ الْحَاضِرُ فَيُسْأَلُ عَنْ تَفْسِيرِ مَا أَرَادَ وَيُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ إنْ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ إنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَحَقَّقَ الدَّعْوَى فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُحَقِّقْ الدَّعْوَى، فَعَلَى قَوْلَيْنِ فِي إيجَابِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إنْ فَسَّرَهُ الْمُقِرُّ بِأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَأَمَّا إنْ فَسَّرَهُ بِالنِّصْفِ أَوْ دُونَهُ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَأَنْ حَلَفَ فِي غَيْرِ الدَّعْوَى)
ش: هَذَا جَمْعُ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ نَقْلَيْ سَحْنُونٍ رحمه الله وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إنْ حَلَفَ أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى حَلَفَ أَوْ حِينَ يَحْلِفُ أَوْ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ فِي يَمِينِهِ أَوْ بَعْدَ يَمِينِهِ، فَحَلَفَ فُلَانٌ عَلَى ذَلِكَ، وَنَكَلَ الْمُقِرُّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي إجْمَاعِنَا.
وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا: وَإِنْ حَلَفَ مُطْلَقًا إنْ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ أَوْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَوْ إنْ أَعَارَنِي دَابَّتَهُ أَوْ دَارِهِ فَأَعَارَهُ ذَلِكَ أَوْ إنْ شَهِدَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ، فَشَهِدَ وَلَوْ قَالَ إنْ حُكِمَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ فَتَحَاكَمَا إلَيْهِ فَحَكَمَ بِهَا عَلَيْهِ لَزِمَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ مَنْ أَنْكَرَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعِي احْلِفْ وَأَنْتَ بَرِيءٌ أَوْ مَتَى حَلَفْت أَوْ أَنْتِ بَرِيءٌ مَعَ يَمِينِك أَوْ فِي يَمِينِك فَحَلَفَ فَقَدْ بَرِئَ وَلَوْ قَالَ لَهُ الطَّالِبُ لَا تَحْلِفْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ وَأَنَا أَغْرَمُ لَك فَحَلَفَ لَزِمَهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَنْ قَوْلِهِ وَنُوقِضَ قَوْلُ سَحْنُونٍ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ فَحَلَفَ بِقَوْلِهِ احْلِفْ وَأَنَا أَغْرَمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ حَمَالَتِهَا احْلِفْ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلَ أَخِي حَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِ الشَّيْءِ إمْكَانُهُ، وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ وَأَخَوَاتُهُ لِمَا عُلِمَ أَنَّ مَلْزُومِيَّةَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ لَا تَدُلُّ عَلَى إمْكَانِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ فِي لَفْظِهِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ الْإِمْكَانُ وَلَزِمَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ احْلِفْ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ شَرْطِ اللُّزُومِ، وَهُوَ الْإِمْكَانُ لِدَلَالَةِ صِيغَةِ افْعَلْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَطْلُوبٍ عَادَةً مُمْكِنٌ انْتَهَى. وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى مِنْ الْعُتْبِيَّةِ.
ص (أَوْ شَهِدَ فُلَانٌ غَيْرُ الْعَدْلِ)
ش: مَفْهُومُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا لَزِمَهُ
مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ فَقَطْ وَاَلَّذِي حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ إنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى التَّبْكِيتِ لِصَاحِبِهِ وَالْإِنْزَاهِ لِلشَّاهِدِ عَنْ الْكَذِبِ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّبْكِيتِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ كَانَ يُحَقِّقُ عِلْمَ مَا نَازَعَهُ فِيهِ خَصْمُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا يُحَقِّقُهُ إلَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَالثَّانِي إنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ كَانَ يُحَقِّقُ عِلْمَ مَا نَازَعَهُ فِيهِ خَصْمُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُحَقِّقُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ دُونَ يَمِينِ الْمُدَّعِي وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ لَا يُحَقِّقُ مَعْرِفَةَ مَا نَازَعَهُ فِيهِ خَصْمُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ كَانَ يُحَقِّقُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ دِينَارٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَاخْتِيَارُ سَحْنُونٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ فِي هَذَا كُلِّهِ عَدْلًا أَوْ مَسْخُوطًا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَقَدْ قِيلَ لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ بِخِلَافِ الْمَسْخُوطِ، وَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْ صُورَةِ تَرَاجُعِهِمَا التَّبْكِيتُ مِنْ غَيْرِ التَّبْكِيتِ فَهُوَ فِيمَا نَازَعَهُ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ قَالَهُ أَوْ فِعْلٍ فَعَلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْكِيتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ الرِّضَا وَالْتِزَامُ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِيمَا نَازَعَهُ مِنْ حُدُودِ أَرْضٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ التَّبْكِيتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ التَّبْكِيتُ وَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الرِّضَا بِقَوْلِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرِّضَا بِالتَّحْكِيمِ إذْ لَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْزِعَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَيَخْتَلِفُ هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّاهِدَ إنْ كَانَ عَدْلًا لَمْ يَلْزَمْ مَا شَهِدَ بِهِ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى غَيْرِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ أَصْلًا لِأَحَدِهِمَا وَلَا مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينٍ وَأَوَّلُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَنَصَّ مَالِكٌ فِي مَسْأَلَةِ إنْ شَهِدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَأَمَّا الْعَدْلُ فَيُقْبَلُ عَلَيْهِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ وَنَحْوُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ، فَيُقْبَلُ عَلَيْهِ أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ النَّوَادِرِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمَّا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَكِنْ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا قُبِلَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَالتَّبْكِيتِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ كَالتَّقْرِيعِ وَالتَّعْنِيفِ وَبَكَّتَهُ بِالْحُجَّةِ أَيْ غَلَبَهُ انْتَهَى.
ص (وَلَك أَحَدُ ثَوْبَيْنِ عُيِّنَ إلَخْ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ، وَانْظُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ مَا قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ أَقَرَّ بِعَدَدٍ مِنْ صِنْفَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ كَمْ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ دَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ فَإِنْ أَمْكَنَ مَسْأَلَتُهُ سُئِلَ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيُجْبَرُ حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ مَاتَ فَوَرَثَتُهُ بِمَثَابَتِهِ يُقِرُّونَ بِمَا شَاءُوا مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَيَحْلِفُونَ فَإِنْ أَنْكَرَ، وَأَعْلَمَ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بَعْدَ أَيْمَانِ
الْوَرَثَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ شَيْئًا وَبَعْدَ يَمِينِ الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الْعِلْمِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَابِ مَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ.
ص (وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا مِمَّا لَهُ قِبَلَهُ أَوْ مِنْ كُلِّ حَقٍّ أَوْ أَبْرَأَهُ بَرِئَ مُطْلَقًا وَمِنْ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ)
ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَفُلَانٌ بَرِيءٌ فِي إجْمَاعِنَا مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ كَفَالَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ قَرْضًا أَوْ إجَارَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى قِبَلَهُ قَذْفًا أَوْ سَرِقَةً فِيهَا قُطِعَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُولَ الْبَيِّنَةُ إنَّهُ جَعَلَهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَهُ بِقِصَاصٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا أَرْشٍ وَلَا كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ وَلَا بِمَالٍ وَلَا دَيْنٍ وَلَا مُضَارَبَةٍ وَلَا شَرِكَةٍ وَلَا مِيرَاثٍ وَلَا دَارٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رَقِيقٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِنْ عُرُوضٍ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا يَسْتَأْنِفُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ فِي إجْمَاعِنَا انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ قَالَ سَحْنُونٌ: فِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِ: إذَا قَالَ: فُلَانٌ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لِي عَلَيْهِ أَوْ قَالَ مِمَّا لِي عَلَيْهِ أَوْ مِمَّا لِي عِنْدَهُ أَوْ قَالَ لَا حَقَّ لِي قِبَلَهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمَانَةٍ أَوْ ضَمَانٍ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَنَا أَسْتَحْسِنُ قَوْلَهُ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ حَقِّهِ قِبَلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جَمِيعِ حَقِّهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ بَعْضِ حَقِّي وَبَقِيَ الْبَعْضُ، فَلَا يُصَدَّقُ وَالْبَرَاءَةُ جَائِزَةٌ فِي إجْمَاعِنَا فِي جَمِيعِ حَقِّهِ انْتَهَى. وَهُوَ مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ: وَهَذَا آخِرُ حَقٍّ لِي عَلَيْهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أَنَّ فُلَانًا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى وَأَنَّهُ أَخَّرَ كُلَّ حَقٍّ لَهُ مَطْلَبٌ مِنْ جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ غَلِطَ أَوْ نَسِيَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقٍّ مُسَمًّى، وَفِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا قِبَلَهُ حَقٌّ، وَلَا عِنْدَهُ أَوْ شَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ غَيْرُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَلَيْسَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يُرِيدُ مِمَّا قَبْلَ تَارِيخِ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الَّذِي أَقَرَّ بِالْحَقِّ لَيْسَ هَذَا الَّذِي أَدَّيْت عَلَيَّ وَغَلَطْت فِي الْحِسَابِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ رَبَّ الْحَقِّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ مَا نَفَعَتْ الْبَرَاءَةُ وَلَا انْقَطَعَتْ الْمُعَامَلَةُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي تَرْجَمَةِ مُبَارَأَةِ الْوَصِيِّ عَنْ الْيَتِيمَةِ مَا يُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَالْمُؤَلِّفُ وَنَصُّهُ اُنْظُرْ لَوْ انْعَقَدَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَعْوَى وَلَا حُجَّةٌ وَلَا يَمِينٌ وَلَا عُلْقَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كُلِّهَا قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا، ثُمَّ قَامَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِحَقٍّ قَبْلَ تَارِيخِ الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ، وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ بِهِ، وَلَا يَضُرُّهُ الْإِشْهَادُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدَا فِيهِ لِإِسْقَاطِ الْبَيِّنَةِ قَالَهُ ابْنُ عَتَّابٍ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فَعَلَى هَذَا يُفْتَقَرُ إلَى ذِكْرِ إسْقَاطِ الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ وَالْغَائِبَةِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَمَنْ أَقَامَ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَهِيَ زُورٌ وَإِفْكٌ لَا عَمَلَ عَلَيْهَا انْتَهَى مِنْ آخِرِ مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْبُرْزُلِيِّ وَمَا قَالَهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ اُنْظُرْ نَوَازِلَ ابْنِ الْحَاجِّ (الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بَلْ صَرِيحُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَشْمَلُ الْأَمَانَاتِ وَهِيَ مُعَيَّنَاتٌ وَفِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ مَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الدَّعَاوَى تَنْبِيهٌ: الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمُعَيَّنِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ بَرَّأْتُكَ مِنْ دَارِي الَّتِي تَحْتَ يَدِك؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ الْإِسْقَاطُ وَالْمُعَيَّنُ لَا يَسْقُطُ نَعَمْ يَصِحُّ فِيهِ الْهِبَةُ وَنَحْوُهَا انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَبْرَأْتُك مِنْ دَارِي الَّتِي تَحْتَ يَدِك أَيْ أَسْقَطْت مُطَالَبَتِي بِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ تَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ، فَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْإِسْقَاطِ فِي الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ أَعَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى
الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ بَرِئَ مُطْلَقًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَبْرَأَهُ مِنْهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا كَمَا قَالَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَأَبْرَأَ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثَةُ وَفِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ لَا يُفْسِدُهَا الْجَهْلُ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُشَارَ إلَيْهِ عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَكَالَةِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي بَابِ الْحَمَالَةِ نَظَائِرُ قَالَ الْعَبْدِيُّ يَجُوزُ الْمَجْهُولُ فِي الْحَمَالَةِ وَالْهِبَةِ زَادَ غَيْرُهُ الْوَصِيَّةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَجْهُولِ وَالصُّلْحَ وَالْخُلْعَ وَالصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ وَالصَّدَقَةَ وَالْقِرَاضَ وَالْمُسَاقَاةَ وَالْمُغَارَسَةَ فَتَكُونُ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
(الرَّابِعُ) : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ لَفْظَةَ عِنْدِي تَقْتَضِي الْأَمَانَةَ وَلَفْظَةُ عَلَيْهِ تَقْتَضِي الذِّمَّةَ نُقِلَ مِثْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ الْغَرْنَاطِيِّ وَنَصُّهُ وَمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ بَرِئَ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالدُّيُونِ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالْأَمَانَاتِ انْتَهَى. مِنْ وَثَائِقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْغَرْنَاطِيِّ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : إذَا عَمَّمَ الْمُبَارَآتِ بَعْدَ عَقْدِ الْخُلْعِ فَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ الدَّعَاوَى كُلِّهَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِالْخُلْعِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الْخُلْعِ خَاصَّةً ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْخُلْعِ وَهِيَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ، وَذَكَرْتُهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الِالْتِزَامِ الَّذِي أَلَّفْتُهُ (الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ تَعْلِيقَةِ التُّونُسِيِّ مَا نَصُّهُ وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ بِعَقْدِ اسْتِرْعَاءٍ وَطَلَبَ إثْبَاتَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ إنَّهُ سَاقِطٌ عَنِّي بِإِشْهَادِ هَذَا الْقَائِمِ عَلَى نَفْسِهِ بِقَطْعِ دَعْوَاهُ عَنِّي، وَإِنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ مُسْتَرْعَاةٍ قَدِيمَةٍ أَوْ حَدِيثَةٍ فَهِيَ سَاقِطَةٌ، فَقَالَ الْقَائِمُ إنِّي لَمْ أَفْهَمْ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ الْمُنْعَقِدَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَهِيَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْكَمَالِ جَوَابُهَا إنْ شَهِدَ بِهَا، فَإِنَّهَا تَمْضِي عَلَى الْقَائِمِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَفْهَمْهَا إبْطَالٌ لَهَا، وَتَزْوِيرٌ لِشُهُودِهَا، وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ إنْ فُتِحَ لِلْخِصَامِ بَطَلَتْ بِهِ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ وَبَيِّنَاتٌ مُحَقَّقَةٌ، وَسَدُّ هَذَا الْبَابِ وَاجِبٌ انْتَهَى، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْوَكَالَاتِ: مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُبْرِئَ عَنْ الْمَحْجُورِ الْبَرَاءَةَ الْعَامَّةَ، وَإِنَّمَا يُبْرِئُ عَنْهُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ، وَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ يَقْرَبُ رُشْدُهُ لَا يُبْرِئُهُ إلَّا مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ، وَلَا تَنْفَعُهُ الْمُبَارَأَةُ الْعَامَّةُ حَتَّى يَطُولَ رُشْدُهُ كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْمُتَيْطِيُّ وَمِنْ هَذَا لَا يُبْرِئُ الْقَاضِي النَّاظِرَ فِي أَحْبَاسِ الْمُبَارَآتِ الْعَامَّةِ وَإِنَّمَا يُبْرِئُهُ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ وَإِبْرَاؤُهُ عُمُومًا جَهْلٌ مِنْ الْقُضَاةِ، وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ لِقَاضٍ يَزْعُمُ الْمَعْرِفَةَ، وَلَا يَعْلَمُ صِنَاعَةَ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ رَأَيْت تَقْدِيمَ قَاضٍ آخَرَ لِنَاظِرٍ فِي حَبْسٍ مُعَيَّنٍ، وَجَعَلَ بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّظَرَ التَّامَّ الْعَامَّ وَجَعَلَهُ مُصَدَّقًا فِي كُلِّ مَا يَتَوَلَّى دَخْلَهُ وَخَرْجَهُ دُونَ بَيِّنَةٍ لِثِقَتِهِ بِالْقِيَامِ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا جَهْلٌ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْأَحْبَاسِ كَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 6] يَقُولُ لِئَلَّا تَضْمَنُوا وَيَقُولُ الْآخَرُ لِئَلَّا تَحْلِفُوا فَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُصْرَفُ الْأَمْرُ إلَيْهِمْ عَلَى حَدِّ مَا يَصْرِفُهُ الْإِنْسَانُ فِي مَالِ نَفْسِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَنْ التَّصَرُّفِ التَّامِّ انْتَهَى.
ص (فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَإِنْ بِصَكٍّ إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ بَعْدَهُ)
ش: قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ عِنْدَنَا مُنْذُ شَهْرَيْنِ أَنْ لَيْسَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ شَيْءٌ وَلَا يَدْرِي الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا عَلَى الْحَقِّ قَبْلَ هَؤُلَاءِ أَمْ بَعْدُ قَالَ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِشَاهِدَيْ الْمَطْلُوبِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَقَرَّ بِالْعِشْرِينَ وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِنْهَا وَاسْتَظْهَرَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ بِإِقْرَارِ الطَّالِبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَالطَّالِبُ يَقُولُ إنَّمَا أَقْرَرْت قَبْلَ أَنْ تَجِبَ الْعِشْرُونَ وَالْمَطْلُوبُ يَقُولُ إنَّمَا أَقْرَرْت بَعْدَ وُجُوبِهَا فَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَقْضِي بِشَاهِدَيْ الْمَطْلُوبِ مَعْنَاهُ يَقْضِي بِأَنْ
يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْهِ وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ قَدِيمٌ غَيْرُ هَذَا لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الطَّالِبِ قَوْلًا وَاحِدًا بِدَلِيلِ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْوَدِيعَةِ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ حَقٌّ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الدَّيْنَ وَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالْعِشْرِينَ، وَأَتَى بِبَرَاءَةٍ مِنْهَا وَقَالَ: هِيَ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا وَقَالَ الطَّالِبُ: غَيْرُهَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الطَّالِبِ إنْ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ غَيْرُهَا وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا قِبَلَهُ وَلَا بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَيَخْتَلِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلِسَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ الْمِدْيَانِ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ تَفْرِقَتُهُ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَطْلُوبُ بِبَرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْتَغْرِقُ الْعَدَدَ أَوْ بِبَرَاءَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مُنْكِرًا لِلْعِشْرِينَ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِهَا، فَلَا إشْكَالَ وَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ إذْ لَا تَسْقُطُ بَيِّنَتُهُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ إذَا أَتَى بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهُ قَضَاهُ الْعِشْرِينَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى هُوَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ، وَنَصُّهُ وَسَأَلْت ابْنَ وَهْبٍ عَنْ الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَيَدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَضَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَعِشْرِينَ وَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِائَةِ الدِّينَارِ بِعَيْنِهَا أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَيَقُولُ الطَّالِبُ إنَّمَا لِي عَلَيْكَ مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ عِطْرٍ بِعْتُكَهُ وَثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لَهُ الطَّالِبُ هَاتِ الْبَيِّنَةَ إنَّك قَضَيْتنِي ثَمَنَ الْعِطْرِ بِعَيْنِهِ وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي قَضَيْتُكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ ثَمَنَ الْعِطْرِ فِيهَا فَهَلْ يَبْرَأُ الْمَطْلُوبُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْهَا فَقَالَ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاَللَّهِ لَقَدْ دَخَلَتْ الْمِائَةُ دِينَارٍ ثَمَنُ الْعِطْرِ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي قَضَاهُ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَأَتَى بِذِكْرِ حَقٍّ، فَأَتَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَرَاءَةٍ مَنْ أَلْفَيْ دِينَارٍ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَبْرَأُ، وَهَذَا أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا.
قَالَ يَحْيَى: وَسَأَلْتُ ابْنَ نَافِعٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَمُلَابَسَةٌ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَنَّ الْمِائَةَ دِينَارٍ ثَمَنَ الْعِطْرِ دَخَلَتْ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَإِلَّا غَرِمَ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَامَلَهُ فِي غَيْرِ الْعِطْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَقَطَ جَوَابُ ابْنِ وَهْبٍ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَثَبَتَ فِي بَعْضِهَا؟ قَالَ نَعَمْ فَقَوْلُهُ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِثْلُ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ، فَهُوَ خِلَافٌ لَهُمْ إذْ لَا فَرْقَ فِي مَذْهَبِهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ لَا يَكُونَ، الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَأْتِيَ الطَّالِبُ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ وَلَا اخْتِلَافَ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ، وَلَا فِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُهُ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ انْتَهَى. وَلَهُ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ نَحْوُ ذَلِكَ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَقَامَ بِهِ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَزَعَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، فَتَأْتِي الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ مُنْذُ تِسْعِ سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَيَأْتِي صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ مُنْذُ سِنِينَ فَبِأَيِّ الشَّاهِدَيْنِ يُؤْخَذُ قَالَ: يُؤْخَذُ بِأَحْدَثِهِمَا وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الَّذِي يُوجِبُهُ الْحُكْمُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْحَقِّ بَعْدَ أَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْقَضَاءِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقٍّ