الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْملك الْمَنْصُور
سيف الدّين أَبُو الْمَعَالِي، قلاوون الصَّالِحِي النجمي الألفي.
تسلطن بعد خلع [الْملك] الْعَادِل سلامش فِي شهر رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة. وَهُوَ السَّابِع مَعَ مُلُوك التّرْك بالديار المصرية.
أَصله من مماليك الْأَمِير اق سنقر الكاملي. اشْتَرَاهُ [من تاجره بِأَلف دِينَار، وَلِهَذَا كَانَ يعرف بالألفي. وَلما مَاتَ أق سنقر الْمَذْكُور اشْتَرَاهُ] الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة.
وترقى بعد [موت] أستاذه الصَّالح، وَعظم فِي [دولة الظَّاهِر] بيبرس، إِلَى أَن صَار يخْطب لَهُ مَعَ السُّلْطَان [الْملك] الْعَادِل سلامش على المنابر، وَضربت السِّكَّة على وَجه باسم سلامش وعَلى وَجه باسم قلاوون.
ثمَّ آل الْأَمر [إِلَيْهِ] وتسلطن - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ -.
وَلما تمّ أمره فِي ملك مصر أمسك جمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم، وَاسْتعْمل مماليكه على الْبِلَاد وَأمرهمْ.
وَكسر التتار فِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة فِيمَا بَين حمص والرستن.
ثمَّ افْتتح عدَّة بِلَاد بالسواحل الشامية، وَقَامَ فِي أَمر الْجِهَاد والغزو أتم قيام.
وَلما افْتتح المرقب فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة قَالَ [فِي الْمَعْنى] الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود بن سُلَيْمَان الْحلَبِي [القصيدة] الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا.
(الله أكبر هَذَا النَّصْر وَالظفر
…
هَذَا هُوَ الْفَتْح لَا مَا تزْعم السّير)
وَقد أَتَيْنَا مِنْهَا أبياتا كَثِيرَة فِي تَرْجَمَة قلاوون فِي تاريخنا ((المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي)) .
قلت: وَمِمَّا يدل على علو همة [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون وَحسن اعْتِقَاده عِمَارَته للبيمارستان المنصوري ببين القصرين من الْقَاهِرَة؛ فإننا لَا نعلم فِي الْإِسْلَام وَقفا على وَجه بر أعظم مِنْهُ، وَلَا أَكثر مصروفا، وَلَا أحسن شرطا. وَلَو لم يكن من محاسنه إِلَّا البيمارستان [الْمَذْكُور] لكفاه ذَلِك دنيا وَأُخْرَى. إنتهى.
وَاسْتمرّ [الْملك] الْمَنْصُور على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الإجتهاد فِي الْجِهَاد، إِلَى أَن خرج من الديار المصرية قَاصِدا غَزْو عكا بالسَّاحل الشَّامي، وَنزل بِمَسْجِد
التِّبْن - خَارج الْقَاهِرَة - وَكَانَ مَرِيضا؛ فاشتدت علته؛ فَمَاتَ بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور فِي يَوْم السبت سادس ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة، وَحمل فِي محفة إِلَى الْقَاهِرَة من ليلته.
فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء من لَيْلَة الْأَحَد أنزل بِهِ من [قلعة الْجَبَل] فِي تابوته وَبَين يَدَيْهِ الْأُمَرَاء والجند مشَاة، إِلَى أَن دفن بتربته ببين القصرين من الْقَاهِرَة بعد أَن حكم إِحْدَى عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر.
وتسلطن من بعده ابْنه الْملك الْأَشْرَف خَلِيل.
وَكَانَ [الْملك] الْمَنْصُور من أجل [مُلُوك التّرْك] وَأَعْظَمهَا، بلغت عدَّة مماليكه إثنا عشر ألفا.
وَأعظم من هَذَا كُله أَن ملك مصر دَامَ من بعده فِي ذُريَّته ونسله، [ثمَّ فِي] يَد مماليكهم إِلَى يَوْمنَا هَذَا.
وَلَا نعلم هَذَا وَقع لأحد من مُلُوك الدُّنْيَا فِي الْإِسْلَام وَغَيره.
وَأَيْضًا أَن مماليكه هم الَّذين لبسوا هَذِه الكلفتات
[الْحمر] وغيروا تِلْكَ الملابس الشنيعة. وَقد ذكرنَا تَرْتِيب أُمُور الْأَوَائِل ولبسهم وَمَا غَيره مماليك قلاوون وقرروه من الظرائف والتجمل فِي تَرْجَمته فِي ((المنهل الصافي)) ، ثمَّ بأوسع من ذَلِك فِي تَرْجَمته [فِي] تاريخنا أَيْضا ((النُّجُوم الزاهرة فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) ؛ فَمن أَرَادَ شَيْئا من ذَلِك فَعَلَيهِ بمطالعتها، لوُجُود الْمَقْصُود فيهمَا بِزِيَادَة، إنتهى.
وَكَانَت صفة الْملك الْمَنْصُور: تَامّ الشكل، مستدير اللِّحْيَة، قد وخطه الشيب، مليح الشكل، وَعَلِيهِ سكينَة ووقار. وَكَانَ منعجم اللِّسَان لَا يكَاد يفحص باللغة الْعَرَبيَّة؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخذ من بِلَاد التّرْك وَهُوَ كَبِير.
وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ أجل مُلُوك التّرْك بِلَا مدافعة رحمه الله [تَعَالَى]-.