الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينصحُ الأطبّاءُ بِتَجنيدِ الشواطئِ بِوَحداتِ إسعافٍ، وينصحُ الأطبّاءُ السبَّاحين أنْ يُزَوَّدوا بِحُقَنِ الكورتيزون، لأنّ هناك لسعاتٍ مميتةً.
إنّه إذا اتَّفَقَ علماءُ الحياةِ البحريّةِ على أنّه ليس ثمَّةَ منطقٌ واضحٌ في تحرّكاتِ هذا السّمكِ الهلاميِّ، فإنّ علماءَ التوحيدِ يتَّفقون على أنّ هذا السّمكَ الهلاميَّ يتحرّكُ وَفْقَ خِطّةٍ واضحةٍ، وهدفٍ واضحٍ، رَسَمَهُ له ربُّه الذي خَلَقَهُ، إنّ هذا السّمكَ تحرّكَ نحو الشواطئ التي كثُرَ فيها الفسادُ، وربَنا عز وجل يقول:{ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، ويقولُ:{الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] .
لا يُسمَحُ لهذا السّمكِ بالتحرّكِ إلا وَفْق مشيئةِ اللهِ، وخِطَّةٍ دقيقةٍ رَسَمَهَا له ربُّه الذي خَلَقَهُ، وما من إنسانٍ عاقلٍ يحرّكُ شيئاً من دونِ هدفٍ، فكيفَ بربّ العالمينَ؟ أيتحرّكُ هذا السمكُ نحو تلك الشواطئ بلا هدفٍ. قال تعالى:{مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} [هود: 56]، وقال سبحانه:{مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا في أَنفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ} [الحديد: 22] ، إنّه جندٌ مِن جنودِ اللهِ، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ} [المدثر: 31] ، وجنودُه كثيرةٌ.
وإنّ هذا السمكَ الهلاميَّ الذي غزا شواطئَ فرنسة، وإيطالية، واليونان، وجَعَلَها كالغابةِ من الثعابينِ، إنّ اللهَ سبحانه وتعالى حرَّكَها لحكمةٍ لا تخفى على أهلِ الإيمانِ.
السمكة الطبيبة
كان أحدُ علماءِ البحارِ يركبُ غوَّاصةَ أبحاثٍ تحتَ سطحِ البحرِ، لَفَتَ نظَرَه سمكةٌ كبيرةٌ خَرجتْ مِن سرْبِها، واتجهتْ إلى سمكةٍ صغيرةٍ، فتصوَّر - كما هي العادةُ - أنّ هذه السمكةَ الكبيرةَ توجَّهت إلى الصغيرة لتأكلَها، ولكنه وَجَدَ أنها وَقَفَتْ إلى جانبِها، وبدأتِ السمكةُ الصغيرةُ تأكلُ مِن حراشفِ الكبيرةِ، فسجَّلَ عنده هذه الظاهرةَ.
بعد عشرةِ أعوامٍ تقريباً اكتُشِفَتْ حقيقةٌ رائعةٌ، هي أنّ هذه السمكةَ الصغيرةَ مُتَخَصّصةٌ في علاجِ أمراضِ الأسماكِ كلِّها، وكأنَّ عهداً وميثاقاً غيرَ مكتوبٍ بينَ أسماكِ البحرِ يقرِّرُ أنّ هذه السمكةَ الصغيرةَ، المتخصّصةَ في مداواةِ أمراضِ السَّمَكِ الخارجيّةِ لا ينبغي أنْ تُؤْكَلَ، لذلك أُجْرِيَتْ بحوثٌ كثيرةٌ، وتَتَبَّعَ العلماءُ مواطنَ هذا السمكِ، الذي أَعْطَوْه اسماً خاصّاً.
هذا السمكُ جعلَ اللهُ عز وجل غذاءَه على التقرّحاتِ والإنتاناتِ، والطُّفَيْلِيَّاتِ، والفطريَّاتِ التي تَتَوَضَّعُ على حراشفِ الأسماكِ الكبيرةِ، فالأسماكُ الكبيرةُ تتجهُ إليها لتعالجَها من أمراضِها، وكأنّ هناك عُرفاً وامتناناً.
بل إنّ بعضَ الحالاتِ الغريبةِ التي سُجِّلتْ، وصُوِّرَتْ، أنّ سمكةًَ كبيرةً كانتْ تشكُو قرحةً في فَمِها، فإذا بها قد فتحتْ فَمَهَا، ودخلتْ السمكةُ الممرِّضةُ آمنةً مطمئنةً، لتعالِجَها مِن هذه القروحِ، وفي الوقتِ نفسِه هاجمتْ هذه السمكةَ - التي تُعالَج - سمكةٌ أكبرُ منه لتأكلَها، فما كان منها إلا أنْ أخرجتْ مِن فمِها هذه السمكةَ التي تمرِّضُها، وَوَلَّتْ هاربةً.
ما هذا العُرف؟ وما هذا العَقدُ؟ وما هذا الميثاقُ؟ وما هذا القانونُ المتَّبَعُ في كلِّ أنحاءِ البحارِ؟ إنّ هذه السمكةَ التي خَلَقَها اللهُ مزوّدةٌ بمنقارٍ دقِيقٍ يصلُ إلى أدقِّ الثنايا، وإنّ جهازَها الهضميَّ يتقبَّلُ الفطريّاتِ، والتقرّحاتِ، والإنتاناتِ، وما شاكلَ ذلك، وهو غذاءٌ لها، وإنّ هذه الأسماكَ الكبيرةَ تتّجهُ إليها حينما تشكُو مِن تقرحاتٍ، بسببِ ما يحدثُ بين الأسماكِ مِن احتكاك، أو من معاركَ أحياناً.
الشيء الذي يلفتُ النظرَ أنه إذا كثُرتْ هذه الأسماكُ أمامَ السمكةِ الصغيرةِ، صفَّ بعضُها وراءَ بعضٍ، وكأنّها مجتمعٌ متحضِّرٌ؛ ليس هناك تزاحمٌ، ولا تدافعٌ، ولا سِبابٌ، وقفتْ هذه الأسماكُ الكبيرةُ، وقد سَجَّلتْ هذه الصورةُ بضعَ عشراتٍ مِن الأسماكِ، يقفُ بعضها وراء بعض، تنتظرُ دَوْرَها في المعالجةِ، وقد تستغرقُ المعالجةُ دقيقةً، أو أكثرَ، ثمَّ تنصرفُ إلى سبيلِها.