الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنّ كلَّ شيءٍ في الأرضِ يدلُّ على عظمةِ اللهِ، ويدلُّ على حكمةِ اللهِ، ويدلُّ على علمِ اللهِ، ويدلُّ على رحمةِ اللهِ، ويدلُّ على فضلِ اللهِ عز وجل.
معامل الورق الأخضر
ليس منا أَحَدٌ إلا ورأى الأرضَ في فصلِ الربيعِ، وقد ازْدانَتْ، وارْتَدَتْ حلَّةً قشيبةً، حيث الأشجارُ مزهرةٌ مثمرةٌ، وبعضُها قد أوْرق، والأرض بِساطٌ أخضرُ، فهل تفكَّرنا في هذه الآيةِ التي أشارَ اللهُ إليها بقوله سبحانه وتعالى:{وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وجنات مِّنْ أَعْنَابٍ والزيتون والرمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلكم لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .
أنْ تصبحَ الأرضُ مخضرّةً فهذا مِن آياتِ اللهِ تعالى، أنْ تصبحَ هذه الشجرةُ، وقد ارتَدَتْ هذه الحلّةَ القَشيبَةَ فهذا من آيات الله تعالى، أنْ تنبت أنواعُ الأزهار فهذا مِن آياتِ اللهِ تعالى، واللهُ سبحانه وتعالى يقولُ أيضاً:{فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32] .
فهذا الذي يذهبُ إلى نزهةٍ، ولا يعنِيه إلا أنْ يستمتعَ بالمناظرِ الجميلةِ، دونَ أنْ يسبّحَ اللهَ عز وجل، ودونَ أنْ يرى في هذا الفصلِ آيةً كبرى دالّةً على عظمتِه عز وجل فهو إنسانٌ غافلٌ عن القرآن الكريم، فهذه آيةٌ كريمةٌ تلفِتُ النَّظَر، يقولُ اللهُ تعالى:{الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} [يس: 80] .
قد يسألُ سائلٌ: هذا الشّجرُ الأخضرُ لا يحترقُ إلا إذا كان يابساً، فكيف يقولُ اللهُ تعالى:{الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ؟.
اكتشفَ العلماءُ أنّ الخليّةَ الخضراءَ الواحدةَ تقومُ بِبِناء عشرينَ مركَّباً عُضويّاً في دقيقة واحدةٍ إذا عُرِضَتْ لأشعّةِ الشمسِ، فالنباتُ يتغذّى بالماءِ، وبعضِ الموادِّ المعدنيّةِ والعضويّةِ، وأكثرُ ما يأخذ مِن الهواءِ غازَ الفحْمِ، الذي يُسهِمُ في تكوينِ بنيةِ النباتِ، فإنّ بنيةَ النباتِ لا كما يتوهّمُ الإنسانُ أنّها تَتَأتّى مِن الترابِ، بل تتأتّى من المعملِ العظيمِ الذي أودعهُ اللهُ في الأوراقِ الخُضرِ، فكأنّ الله سبحانه وتعالى حينما قال:{الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ، أشار بذلك إلى أنّه لولا الأوراقُ الخضراءُ في النباتِ لَمَا كان الشّجرُ، وهذه الصّفةُ مترابطةٌ مع الموصوفِ ترابطاً وُجوديّاً، ولولا عملياتُ البناءِ التي تجرِي في الورقةِ الخضراءِ إذا تعرَّضتْ لأشعةِ الشمسِ والهواءِ لَمَا كان نباتٌ، فلو زرعْنا نباتاً في ظلامٍ لم ينبت، ولو لم يتعرّضْ لأشعّة الشمسِ لم يَنْمُ، فهذه الأشجارُ الباسقةُ، وهذه الجذوعُ الكبيرةُ التي تزنُ الأطنانَ إنّما هي نتيجةٌ لِتَفاعلٍ دقيقٍ يجري في أوراقِ الأشجارِ.
هذا السؤالُ يَرِدُ، كيف يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى:{الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ} ؟.
إنّ الشجرَ الأخضرَ لا يحترق! ولكنّ الشجرَ اليابسَ هو الذي يحترقُ، لكنْ هذا إشارةٌ إلى أنّ هذا الشجرَ ما كان له أن يكون شجراً لولا أنّ الله سبحانه وتعالى زوَّده بهذه المعامل التي لا تُعدّ ولا تحصى، وإنّ كلَّ خليّةٍ في كلّ ورقةٍ معملٌ ينتِجُ الموادَّ العضويّةَ التي تُسهِمُ في نموّ النباتِ، وفي ازديادِ حجْمِه، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، وقد رُوِيَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام:"إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْراً، وَصَمْتِي فِكْراً، وَنَظَرِي عِبْرَةً"، فإذَا تنزَّه الإنسانٌ فيجب ألا يكونَ غافلاً عن آياتِ الله، قال تعالى:{وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105] .