الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم توقّعوا أنّه يهتدي إلى أهدافِه عن طريقِ الساحةِ المغناطيسيّةِ التي في الأرضِ، فوضعوا على رأسِه حلقاتٍ حديديّةً ممغْنَطَةً باتجاهاتٍ مختلفةٍ من أجلِ تشويشِ هذه الساحةِ، فاهتدى إلى هدفِه.
ولم تبْقَ عندهم نظريةٌ إلا نُقِضَتْ، فكيف يقطعُ هذا الطائرُ عشراتِ الآلافِ من الأميالِ فوق البحر، وفوق الجبال، وفي الصحراءِ، والوديان؟ وكيف يأخذُ زاويةً باتّجاهِ الهدفِ؟ هذا سرٌّ لا يزالُ يُحَيّرُ عقولَ العلماءِ، وقد قالَ أحدُ العلماء:"إنّ شيئاً ما يوجّهُ الطيورَ إلى موطنِها"، قال تعالى:{قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
وأصحُّ تفسيرٍ لهذا الموضوع أنّ الأمر يتعلَّقُ بهدايةِ اللهِ سبحانه وتعالى: قال تعالى: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 1-3] .
لذلك يُسمِّي علماءُ التوحيدِ هذه الظاهرةَ التي تحيِّرُ العقولَ هدايةَ اللهِ تعالى، ويُسمِّيها علماءُ الحياةِ الغريزةَ، فهي آليّةٌ معقّدةٌ توجدُ عند المخلوقِ دونَ تعلُّمٍ، عملٌ ذكيٌّ، على مراحلَ، ومبرمجٌ، يفعلهُ الحيوانُ بلا تعلّمٍ.
هجرة الطيور
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَاّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79]، وقال سبحانه:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَاّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] .
هذه الآياتُ ماذا نفعل بها؟ أليسُ فيها حضٌّ على التفكّرِ في السماواتِ والأرضِ؟ أليس فيها حضٌّ على التفكّرِ في ظاهرةِ الطيورِ في السماءِ؟ أليس في هذه الآيةِ التي اختارَها اللهُ دليلٌ على عظمتِه؟.
منذ أنْ عَرَفَ الإنسانُ الطيورَ؛ رآها تختفي كليّاً في الخريفِ، وتظهرُ في الربيعِ، وقد قالَ العلماءُ:"إنّ هناك عشراتِ آلافِ الملايينِ من الطيورِ تهاجرُ كلّ عامٍ، ولا سيّما من نصفِ الكرةِ الشماليِّ إلى نصفِها الجنوبيِّ، وبالذات إلى جنوبِ أمريكا، وجنوبِ إفريقية، أما بلادُ الهجرةِ فأمريكا الشمالية، وأوربة، وآسيا، هذه الطيورُ تتجاوزُ خطَّ الاستواءِ إلى جنوبِ إفريقية"، وفي كلّ الموسوعاتِ العلميّةِ يتحدّثون كيف توصَّلوا إلى هذه الحقائقِ.
هناك ما يزيدُ على أربعةِ ملايينِ طيرٍ وُضِعَت في أرْجُلِها حلقاتٌ معدنيّةٌ تبيّن هويّةَ الطيرِ وتحركاتِه، وهنك مجموعةٌ أخرى ثلاثةُ ملايين، وهناك مجموعةٌ ثالثةٌ ثلاثة عشر مليونَ طيرٍ وُضِعَتْ في أرجُلِها يومَ كانت صغيرةً في أعشاشِها حلقاتٌ كيْ تُتابِعَ حركاتِها من الشمالِ إلى الجنوبِ، حيث كانت مراكزُ البحوثِ منتشرةً بين شمالِ الكرةِ الأرضيّةِ وجنوبِها.
هناك نوعٌ مِنَ الطيورِ يقطعُ في رحلتِه أربعة عشر ألف كيلومتر! وهناك طيورٌ قطعتْ ستَّة عشر ألفَ كيلومتر، وأطْوَلُ رحلةٍ قامَتْ بها مجموعةٌ من الطيورِ قطَعَت اثنين وعشرين ألف كيلو متر من منطقةِ المتجمِّدِ الشماليِّ إلى منطقةِ جنوبِ إفريقية، حيث كانت سرعةُ هذه الطيورِ تتراوحُ بين أربعينَ كيلو متراً في الساعةِ إلى مئةِ كيلو مترٍ في الساعة، أما سرعةُ الصقرِ في أثناءِ انقضاضِه على فريسته فتصل إلى ثلاثمئة وستين كيلومتراً في الساعة، وهناك ملحوظاتٌ سُجِّلَتْ على أنواعِ بعضِ الطيورِ التي تطير ما يزيد على ألفين وسبعمئة كيلومتر دونَ توقّفَ، تقطعُها في عشرين ساعةً، وقد تحلّقُ على ارتفاعِ يزيد على تسعمئة متر، وهو قريبٌ من الكيلومتر، وبعضُها يحلّق على ارتفاعِ ألفٍ وخمسمئة متر، وبعضُها على ارتفاعِ أربعةِ آلاف ومئتي متر، وبعضُها على ارتفاعِ ستّة آلاف متر، أي ستّة كيلومتراتٍ، والطائراتُ الحديثةُ ترتفع اثني عشر كيلومتراً.
لا بدّ أنْ يكونَ في رأسِ الطيورِ ساعةٌ، لأنَّ الطيورَ تهاجرُ في الوقتِ ذاتِه من كلّ عامٍ! فما الذي يخبِرُها أنَّه قد آن الأوانُ؟ لا بدّ مِن ساعةٍ زمنيّةٍ في رأسٍ كلّ طيرٍ، قال بعضُ العلماءِ:"للطيورِ قوّةٌ خارقةٌ لقطعِ المسافاتِ التي تقومُ بها، ولا يوجدُ مخلوقٌ على وجهِ الأرضِ أقوى من الطيرِ في قطعِ المسافاتِ الشاسعةِ، لحكمةٍ أرادَها اللهُ سبحانه وتعالى".
ومِن أعجبِ العجبِ أنَّ الطيورَ التي تستعدُّ لقطعِ مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشرينَ ألفَ كيلومترٍ، تُخزِّنُ الدهونَ في جسمِها قَبْلَ أنْ تسافِر، حيث يصبحُ وزنُ بعضِ الطيورِ مضاعفاً بسببِ الدُّهنِ المخزَّنِ في جسمِها، لتستعملَه وقوداً لها في رحلتِها الطويلةِ الشاقَّةِ.
لقد ظنَّ بعضُهم أنَّ بعضَ الظواهرِ الجُغرافيةِ، مِن أنهارٍ، مِن بحارٍ، مِن سواحلَ، مِن جبالٍ، يهتدي بها الطيورُ، ولكنْ هذه نظريةٌ ثَبَتَ بطلانُها، لأنّ الطيورَ تطيرُ ساعاتِ الليلِ كلَّها، وفي الأيامِ المظلمةِ، ولا ترى شيئاً، ومع ذلك لا تحيدُ عن هدفِها.
وقال بعضُهم: لعل في الطيورِ رائحةَ شمٍّ نفَّاذةً، وقد أثبتَ العلمُ عكسَ ذلك.
وقالوا: تهتدي بالشمس، فأُجريَتْ تجارِبُ، وعزلوا الطيرَ عن أشعّةِ الشمسِ فسارَ في الاتّجاهِ الصحيحِ.
وقالوا: تساعده القبّةُ السماويّةُ، عزلوه عن القبّةِ السماويّةِ، فسار في خطِّه المعتادِ.
وقالوا: يسجّلُ الطائرُ في أعماقِه انعطافاتِ الرحلةِ في الذهابِ، فوضعوه على قرصٍ يدورُ كي تضيعَ هذه الانعطافاتُ، فما أفلحوا.
وطَرَحَ بعضُهم تفسيراً لهذه النظريةِ، ولكن العلماءَ المُحْدَثين اكتشفوا أنّ في رأسِ الطائرِ نسيجاً لا يزيدُ حجمُه على نصفِ ميليمترٍ مربعٍ، مُؤَلَّفاً مِن موادَّ تتأثّرُ بالمغناطيسيةِ الأرضيةِ، وحينما رَكَّبوا بعضَ الوشائعِ، وعَكَسُوا تيارَ الكهرباءِ فيها ارتدَّ الطيرُ إلى الوراءِ، وعَكَسَ اتِّجاهَه، ما هذا النسيجُ الذي بين العينِ والمخِّ في الطائرِ؟ إنّه يتحسّسُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ؟.
وعَرَفَ العلماءُ نظريةً أخرى، وهي أنّ الطائرَ يهتدي بنجومِ السماءِ، وأنتَ أيها الإنسانُ الذكيُّ، الذي درستَ وحصَّلَ، ربما لا تستطيعُ أنْ تهتديَ بنجومِ السماءِ.
إنه لم يَبْقَ في الميدانِ إلا نظريتانِ: الأولى: الاهتداءُ بنجومِ السماءِ، ولكن كيف؟ لا ندري، وأيُّ نجمٍ هذا؟ لا ندري، والنظريةُ الثانيةُ: أنّ في الطائرِ نسيجاً يتأثرُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ، حتى يقطعَ هذه المسافةَ الطويلةَ دونَ أن يحيدَ عن هدفِه.
ولا يزال هذا السرُّ غامضاً حتى الآن، وهذا معنى قول الله تعالى:{مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَاّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] ، إنها هدايةٌ مِن اللهِ مباشرة.
الشيءُ الذي يلفتُ النَّظَرَ أنَّ الطيورَ الصغيرةَ التي وُلِدَتْ حديثاً وُضِعَتْ حلقاتٌ في أَرجُلها، وسارَتْ في رحلتِها بالاتجاهِ الصحيحِ دون تعليمِ الطيورِ الكبيرةِ! فمَن الذي أوْدَعَ في هذه الطيورِ الصغيرةِ هذه القدرةَ العجيبةَ كي تهتديّ إلى أهدافِها، قال تعالى:{قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
إن الشيءَ العجيبَ أنّ خطوطَ الرحلةِ ليْسَت مستقيمةً، كيف أنّ الطائرةَ العاديةَ في مسافة كذا كيلو مترٍ يتغيّرُ اتّجاهُها كذا زاويةٍ، هناك خُطَطٌ، وهناك طيّارٌ، وهناك مساعدُ طيَّارٍ، وهناك راداراتٌ، وخرائطُ، وهناك توجيهاتٌ أرضيّةٌ، واتِّصالٌ مستمرٌّ مع الأرضِ كي تبقَى الطائرةُ في خطِّ سيْرِها، أمّا خطوطُ الرحلاتِ في الطيورِ فليْسَتْ مستقيمةً، إنَّها خطوطٌ فيها انحرفاتٌ، وانعطافاتٌ، لأنّ هناك مَن رَسَمَ لها هذه الخطوطَ، وأَلْهَمَهَا أنْ تسيرَ فيها.
قالَ بعضُ العلماءِ: "لو أنَّ هذا الطيرَ انحرفَ عن هدفِه درجةً واحدةً لوصلَ إلى هدفٍ في نهايةِ المطافِ بعيدٍ عن هدفِه، ما لا يَقِلُّ عن ألفِ كيلو مترٍ"، فمَن الذي يُسَدِّدُ هذا الهدفَ؟ لا يزالُ علماءُ الأرضِ في حيرةٍ مِن هذه القوةِ؛ التي توجِّهُ الطيورَ في طيرانِها.